وأعماله، ولم يجعل للعباد حظاً فيما يقوم به، استعمله عمر بن الخطاب على حمص، فكان خير والٍ، ولم تشغله الولاية عن طاعة الله، وطالبته زوجته وأصهاره بالدنيا التي بين يديه، فأبى إلا أن يجعلها لله، وحسبه أن عمر ﵁ أبكاه ما كان عليه سعيد.
ترجمته:
١ - التعريف به وزمن إسلامه: قال ابن الجوزي: سعيد بن عامر بن حذيم بن سلامان بن ربيعة الجمحي، أسلم قبل خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ وما بعدها.
٢ - تولية عمر له حمص: وعن عبد الرحمن بن سابط قال: أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعيد بن عامر، فقال: إنا مستعملوك على هؤلاء، فسر بهم إلى أرض العدو، فتجاهد بهم، فقال: يا عمر، لا تفتنّي، فقال عمر: والله لا أدعكم، جعلتموها في عنقي، ثم تخليتم عني.
وعنه قال: دعا عمر بن الخطاب رجلاً من بني جمح يقال له: سعيد بن عامر بن حذيم، فقال له: إني مستعملك على أرض كذا وكذا. فقال: لا تفتني يا أمير المؤمنين، فقال: والله لا أدعك، قلدتموها في عنقي وتركتموني، فقال عمر: ألا نفرض لك رزقاً؟ قال: قد جعل الله تعالى في عطائي ما يكفيني دونه أو فضلاً على ما أريد.
٣ - زهد سعيد في الدنيا: قال: وكان إذا خرج عطاؤه ابتاع لأهله قوته منه وتصدّق ببقيته، فتقول له امرأته: أين فضل عطائك؟ فيقول لها: قد أقرضته، فأتاه ناس فقالوا: إن لأهلك عليك حقاً، وإن لأصهارك عليك حقاً، فقال: ما أنا بمستأثر عليهم، ولا بملتمس رضا أحدٍ من الناس لطلب الحور العين، ولو
стр. 142
اطّلعت خيرة (١) من خيرات الجنة، لأشرقت لها الأرض كما تشرق الشمس، وما أنا بمتخلف عن العنق الأول بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجمع الله الناس ليوم، فيجيء فقراء المؤمنين فيزفّون كما يزفّ الحمام (٢)، فيقال لهم: قفوا عند الحساب. فيقولون: ما عندنا حساب ولا آتيتمونا شيئاً، فيقول ربهم : صدق عبادي، فيفتح لهم باب الجنة، فيدخلونها قبل الناس بسبعين عاماً» [قال في مجمع الزوائد: (١/ ٢٦١) أخرجه الطبراني، وروى الترمذي في الزهد «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً»].
فبلغ عمر أنه يمر به كذا وكذا لا يدخن في بيته، فأرسل إليه عمر بمال، فأخذه فصرره صرراً، فتصدق به يميناً وشمالاً.
وعن حسان بن عطية قال: لما عزل عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان عن الشام بعث سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي. قال: فخرج معه بجارية من قريش نضيرة الوجه، قال: فما لبث إلا يسيراً، حتى أصابته حاجة شديدة، قال: فبلغ ذلك عمر، فبعث إليه بألف دينار، قال: فدخل بها على امرأته فقال: إن عمر بعث إلينا بما ترين، فقالت: لو أنك اشتريت أدماً وطعاماً وادخرت سائرها، فقال لها: أو لا أدلّك على أفضل من ذلك؟ نعطي هذا المال من يتجّر لنا فيه، فنأكل من ربحها وضمانها عليه، قالت: فنعم إذاً، فاشترى أدماً وطعاماً، واشترى غلامين وبعيرين يمتاران عليهما حوائجهم وفرقها على المساكين وأهل الحاجة.
стр. 143
قال: فما لبث إلا يسيراً حتى قالت له امرأته: إنه قد نفد كذا وكذا، فلو أتيت ذلك الرجل، فأخذت لنا من الربح، فاشتريت لنا مكانه، قال: فسكت عنها، ثم عاودته فسكت عنها، حتى آذته ولم يدخل بيته إلا من ليل إلى ليل.
قال: وكان رجل من أهل بيته ممن يدخل بدخوله. فقال لها: ما تصنعين؟ إنك قد آذيته، وإنه قد تصدق بذلك قال: فبكت أسفاً على ذلك المال.
قال: ثم إنه دخل عليها يوماً فقال: على رسلك إنه كان لي أصحاب فارقوني منذ قريب، ما أحبُّ أني صددت عنهم، وإن لي الدنيا وما فيها، ولو أن خيرة من خيرات الجنان اطّلعت من السماء لأضاءت لأهل الأرض، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولنصيف تكسى خير من الدنيا وما فيها. فلأنت في نفسي أحرى أن أدعك لهن من أن أدعهن لك، قال: فسمحت ورضيت.
٤ - عمر يتعجب مما عليه سعيد: وعن مالك بن دينار قال: لما أتى عمر ﵁ الشام طاف بكورها (١)، قال: فنزل بحضرة حمص، فأمر أن يكتبوا له فقراءهم قال: فرفع إليه الكتاب، فإذا فيه سعيد بن عامر بن حذيم أميرها فقال: من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا، قال: أميركم؟ قالوا: نعم. فعجب عمر، ثم قال: كيف يكون أميركم فقيراً، أين عطاؤه؟ أين رزقه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين لا يمسك شيئاً. قال: فبكى عمر، ثم عمد إلى ألف دينار، فصرّها ثم بعث بها إليه، وقال: أقرئوه مني السلام، وقولوا: بعث بهذه إليك أمير المؤمنين، تستعين بها على حاجتك، قال: فجاء بها إليه الرسول، فنظر فإذا هي دنانير، قال: فجعل يسترجع، قال: تقول له امرأته: ما شأنك يا فلان أمات
стр. 144
أمير المؤمنين، قال: بل أعظم من ذلك، قالت: فما شأنك؟ قال: الدنيا أتتني، الفتنة دخلت عليّ، قالت: فاصنع فيها ما شئت، قال: عندك عون؟ قالت: نعم. قال فأخذ دريعة (١) فصرّ الدنانير فيها صراراً، ثم جعلها في مخلاة، ثم اعترض جيشاً من جيوش المسلمين، فأمضاها كلَّها. فقالت له امرأته: رحمك الله لو كنت حبست منها شيئاً نستعين به، قال: فقال لها: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى أهل الأرض لملأت ريح مسك» وإني والله ما كنت لأختارك عليهن. فسكتت [أخرجه الطبراني في الأوسط، ورمز له السيوطي بأنه صحح. وقد ورد معناه في حديث آخر أخرجه البخاري في الرقاق، والترمذي].
٥ - عمر يكشف الحال الذي اشتكى أهل حمص من سعيد: عن خالد بن معدان قال: استعمل عمر بن الخطاب ﵁ بحمص سعيد بن عامر بن حذيم. فلما قدم عمر حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه، وكان يقال لأهل حمص الكويفة الصغرى، لشكايتهم العمّال. قالوا: نشكوه أربعاً: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها، قال: وماذا؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: وعظيمة، قال: وماذا؟ قالوا: له يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا، قال: عظيمة، قال: وماذا؟ قالوا يغنظ الغنظة بين الأيام، أي: تأخذه موتة.
قال: فجمع عمر بينهم وبينه، وقال: اللهم لا تفيل رأيي (٢) فيه اليوم، ما تشتكون منه؟ قالوا: لا يخرج حتى يتعالى النهار، قال: والله إن كنت لأكره ذكره، إنه ليس لأهلي خادم، فأعجن عجينهم. ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم.
стр. 145
فقال: ما تشتكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: ما يقولون؟ قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله ، قال: وما تشكون منه؟ قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: ما يقولون؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجف، ثم أدلكها ثم أخرج إليهم من آخر النهار، قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظ الغنظة (١) بين الأيام. قال: ما يقولون؟ قال: شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذع، فقالوا: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة. فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم إلا ظننت أن الله لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً، فتصيبني تلك الغنظة. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيّل فراستي فيه [صفة الصفوة: ١/ ٦٦٠ - ٦٦٦].
١٠ - سليمان بن يسار
تقديم:
هذا أحد علماء التابعين، كان يشبه نبي الله يوسف، فقد كان من أحسن الناس وجهاً، وطمعت في جماله أكثر من امرأة، فكان خوفه من الله تعالى يردعه عن الفاحشة، ويقيه السوء.
ترجمته:
١ - التعريف به: قال ابن الجوزي: سليمان بن ياسر مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، ويقال: كان مكاتباً لها يكنى أبا أيوب.
стр. 146
٢ - حسنه وجماله وطمع النساء فيه: عن مصعب بن عثمان قال: كان سليمان بن ياسر من أحسن الناس وجهاً، فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه، فامتنع عليها، فقالت له: ادن، فخرج هارباً عن منزله، وتركها فيه، قال: سليمان: فرأيت بعد ذلك يوسف ﵇ فيما يرى النائم، وكأني أقول له: أنت يوسف؟ قال: نعم أنا يوسف الذي هممت، وأنت سليمان الذي لم تهمّ.
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجّين من المدينة، ومعهما أصحاب لهم، حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلاً، فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم، وبقى عطاء بن يسار قائماً في المنزل يصلي.
قال: فدخلت عليه امرأة عن الأعراب جميلة، فلما رآها عطاء ظن أن لها حاجةً، فأوجز في صلاته، ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قال: ما هي؟ قالت: قم فأصب مني، فإني قد ودقت (١)، ولا بعل لي. فقال: إليك عني، لا تحرقيني ونفسك بالنار.
ونظر إلى امرأة جميلة، فجعلت تراوده عن نفسه، ويأبى إلا ما يريد، قال: فجعل عطاء يبكي ويقول: ويحك إليك عني، قال: اشتد بكاؤه، فلما نظرت المرأة إليه وما داخله من البكاء والجزع، بكت المرأة لبكائه، قال فجعل يبكي والمرأتة بين يديه تبكي، فبينما هو كذلك إذ جاء سليمان من حاجته، فلما نظر إلى عطاء يبكي والمرأة بين يديه تبكي، فبينما هو كذلك إذ جاء سليمان من حاجة، فلما نظر إلا عطاء يبكي والمرأة بين يديه تبكي في ناحية البيت، بكى لبكائهما لا يدري ما أبكاهما، وجعل أصحابهما يأتون رجلاً رجلاً، كلما أتى رجل فرآهم يبكون
стр. 147
يبكي لبكائهم، لا يسألهم عن أمرهم، حتى كثير البكاء، وعلا الصوت، فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت.
قال: فقام القوم فدخلوا، فلبث سليمان بعد ذلك وهو لا يسأل أخاه عن قصة المرأة إجلالاً له وهيبة، قال: وكان أسنَّ منه.
قال: ثم إنهما قدما مصر لبعض حاجتهما، فلبث بها ما شاء الله، فبينا سليمان ذات ليلة نائم إذ استيقظ وهو يبكي، فقال عطاء: ما يبكيك يا أخي؟ قال: فاشتد بكاؤه، قال: ما يبكيك يا أخي؟ قال: رؤيا رأيتها الليلة، قال: وما هي؟ قال: لا تخبر بها أحداً ما دمت حياً، رأيت يوسف النبي ﷺ في النوم، فجئت أنظر إليه فيمن ينظر إليه، فلما رأيت حسنه بكيت، فنظر إليّ في الناس، فقال: ما يبكيك أيها الرجل؟ فقلت: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب، فبكيت من ذلك، وجعلت أتعجب منه.
قال: فهلاَّ تعجّبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواء؟ فعرفت الذي أراد فبكيت واستيقظت باكياً.
قال عطاء: أي أخي وما كان ما حال تلك المرأة؟ فقصّ عليه عطاء القصة، فما أخبر بها سليمان أحداً حتى مات عطاء، فحدَّث بها بعده امرأة من أهله، قال: وما شاع هذا الحديث بالمدينة إلا بعد موت سليمان بن يسار ﵄.
وعن ابي الزناد عن أبيه قال: كان سليمان بن يسار بصوم الدهر، وكان عطاء بن يسار يصوم يوماً ويفطر يوماً.
стр. 148
أسند سليمان عن أبي هريرة وابن عمرو، وابن عباس في خلق كثير من الصحابة.
٣ - وفاته: وتوفي سنة سبع ومائة، وقيل سنة ثلاث ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وأسند عطاء عن أبيّ بن كعب وابن مسعود وأبي أيوب الأنصاري في خلق كثير من الصحابة. توفي سنة ثلاث ومائة وقيل: سنة أربع وتسعين وكان يكنى أبا محمد وهو مولى ميمونة أيضاً ﵄ [صفة الصفوة: ٢/ ٨٢ - ٨٤].
١١ - الخليفة الراشد التابعي
عمر بن عبد العزيز بن مروان
تقديم:
هذه نبذة موجزة من سيرة الخليفة الراشد، وهو من علماء التابعين، المسمَّى بعمر بن عبد العزيز بن مروان، ولي الخلافة سنتين وبضعة شهور، فأحيا الدين، وأقام العدل، وأبطل الظلم، وأخذ على يد السفهاء، واعتصم بالله، واتقاه، واشتغل بمصالح المسلمين، وأعرض عن زهرة الدنيا الفانية، وطلب ما عند الله والدار الأخرة، فحمد المسلمون سيرته في حياته وبعد مماته، ولا يزال المسلمون يعطرون مجالسهم بسيرته، ويترحمون عليه، ويترضون عنه، ويعدونه في مصف الخلفاء الراشدين.
ترجمته:
١ - التعريف بعمر بن عبد العزيز: قال ابن الجوزي فيه: عمر بن عبد العزيز بن مروان، يكنى أبا حفص، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. قال محمد بن سعد: قال: ابن شوذب: لما أراد عبد العزيز بن
стр. 149
مروان أن يتزوج أم عمر بن عبد العزيز قال لقيِّمه: اجمع لي أربع مائة دينار من طيّب مالي، فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيتٍ لهم صلاح، فتزوج أم عمر بن عبد العزيز.
قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر ابن عبد العزيز، ﵃.
٢ - عمر مجدد القرن الأول: وقال حميد بن زنجويه: قال أحمد بن حنبل: يروى في الحديث: أن الله ﵎ يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها، فنظرنا في المائة الأولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز، ونظرنا في المائة الثانية فإذا هو الشافعي.
٣ - زهد عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة: وعن الضحاك بن عثمان قال: لما انصرف عمر بن عبد العزيز عن قبر سليمان بن عبد الملك صفَّت له مراكب سليمان، فقال:
ولولا التقى ثم النُّهى خشية الردى ... لعاصيت في حبِّ الصِّبا كلِّ زاجر
قضى ما قضى، فيما مضى، ثم لا يرى ... له صبوة أخرى الليالي الغوابر
ثم قال: إن شاء الله لا قوة إلا بالله، قدموا إليِّ بغلتي.
وعن سهل بن يحيى بن محمد المروزي قال: أخبرني أبي عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: لما دفن عمر بن عبد العزيز سليمان بن عبد الملك وخرج من قبره سمع للأرض هدّه أو رجّة، فقال: ما هذه؟ فقيل: هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين، قرّبت إليك لتركبها. فقال: ما لي ولها؟ نحُّوها عني، قرّبوا إليّ بغلتي. فقرِّبت إليه بغلته، فركبها، فجاءه صاحب الشُّرط يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحَّ عني ما لي ولك؟ إنما أنا رجل من المسلمين.
стр. 150
٤ - مقام عمر في المسجد بعد توليه الخلافة: فسار وسار معه الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع الناس إليه، فقال: يا أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني فيه، ولا طلبةٍ له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم.
فصاح المسلمون صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك فل (١) أمرنا باليمن والبركة، فلما رأى الأصوات قد هدأت ورضي به الناس جميعاً، حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ وقال:
"أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلفٌ من كل شيء، وليس من تقوى الله خلفٌ، فاعلموا لآخرتكم، فإنه من عمل لآخرته كفاه الله ﵎ أمر دنياه، وأصلحوا سرائركم يصلح الله الكريم علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا الاستعداد قبل أن ينزل بكم فإنه هادم اللذات، وإن من لا يذكر من آبائه فيما بينه وبين آدم ﵇ أباً حيّاً لمعرق في الموت، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها ، ولا في نبيها ولا في كتابها، إنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أعطي أحداً باطلاً ولا أمنع أحداً حقاً".
ثم رفع صوته حتى أسمع الناس فقال: "يا أيها الناس، من أطاع الله فقد وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم".
ثم نزل فدخل، فأمر بالستور فهتكت، والثياب التي كانت تبسط للخلفاء فحملت، وأمر ببيعها وإدخال أثمانها في بيت مال المسلمين.
стр. 151
٥ - عبد الملك بن عمر بعظ الخليفة: ذهب عمر بعد ذلك المقام في المسجد يتبوَّأ مقيلاً، فأتاه ابنه عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، ماذا تريد أن تصنع؟ قال: أي بنيّ أقيل، قال: تقيل ولا تردّ المظالم؟ قال: أي بني إني قد سهرت البارحة في أمر عمّك سليمان، فإذا صلّيت الظهر رددت المظالم، قال: يا أمير المؤمنين من لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: ادن مني أي بني، فدنا منه، فالتزمه، وقبَّل بين عينيه، وقال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني.
فخرج، ولم يقل، وأمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذميّ من أهل حمص أبيض الرأس واللحية، فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله، قال وما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي، والعباس جالس، فقال له: يا عباس ما تقول؟ قال: أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وكتب لي بها سجلاً.
فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله ، فقال عمر: كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد بن عبد الملك، قم فاردد عليه يا عباس ضيعته، فردَّ عليه، فجعل لا يدع شيئاً مما كان في يده وفي يد أهل بيته من المظالم إلا ردّها مظلمةً مظلمةً.
٦ - بين عمر بن الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز: فلما بلغت الخوارج سيرة عمر، وما رد من المظالم اجتمعوا، فقالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل، فبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك، فكتب إليه: إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم، وسرت بغير سيرتهم بغضاً لهم، وشنئاً لمن بعدهم من أولادهم، قطعت ما أمر الله به أن يوصل إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم، فأدخلتها في بيت المال جوراً وعدواناً، ولن تترك على هذا.
стр. 152
فلما قرأ كتابه كتب إليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمر بن الوليد، السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، أما بعد: فإنه بلغني كتابك، وسأجيبك بنحوٍ منه: أما أول شأنك ابن الوليد كما تزعم فأمُّك "بنانة" أمة السكون، كانت تطوف في سوق حمص وتدخل، وتدور في حوانيتها، ثم الله أعلم بها، اشتراها ذبيان من فيء المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك، فبئس المحمول وبئس المولود. ثم نشأت فكنت جباراً عنيداً، تزعم أني من الظالمين، لما حرمتك وأهل بيتك فيء الله الذي فيه حقُّ القرابة والمساكين والأرامل، وإنَّ أظلم مني وأترك لعهد الله من استعملك صبياً سفيهاً على جند المسلمين، تحكم فيهم برأيك، ولم تكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده، فويل لك، وويلٌ لأبيك، ما أكثر خصماء كما يوم القيامة، وكيف ينجو أبوك من خصمائه؟
وإنَّ أظلم مني وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف، يسفك الدَّم الحرام، ويأخذ مال الحرام، وإنّ أظلم مني، وأترك لعهد الله من استعمل قرّة بن شريك أعرابياً جافياً على مصر، أذن له في المعازف واللهو والشرب، وإن أظلم مني وأترك لعهد الله من جعل لعالية البربرية سهماً في خمس العرب، فرويداً يا بن بنانة، فلو التقى خلقتا البطان، وردَّ الفيء إلى أهله، لتفرغت لك ولأهل بيتك، فوضتعهم على المحجَّة البيضاء، فطالما تركتم الحق وأخذتم في بنيات الطريق، ومن وراء هذا ما أرجو أن أكون رايته بيع رقبتك، وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل، فإنَّ لكلٍّ فيك حقاً والسلام علينا، ولا ينال سلام الله الظالمين.
٧ - وقائع جرت بعد تولي عمر الخلافة:
أ - عن عمر بن ذر قال: مولىً لعمر بن عبد العزيز حين رجع من جنازة سليمان: مالي أراك مغتّماً؟ قال: لمثل ما أنا فيه يغتم، إنه ليس من أمة
стр. 153
محمد ﷺ أحد في شرق الأرض وغربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه غير كاتبٍ إليّ فيه ولا طالبه مني.
ب - وعن بعض خاصة عمر بن عبد العزيز: أنه حين أفضت إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاءً عالياً، فسئل عن البكاء فقيل: إن عمر بن عبد العزيز خيَّر جواريه فقال: إنه قد نزل لي أمر قد شغلني عنكن، فمن أحبَّ أن أعتقه أعتقته، ومن أراد أن أمسكه أمسكته، ولم يكن مني إليها شيء، فبكين يأساً منه.
ج - وعن مالك بن دينار قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء في رؤوس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس؟ قال: فقيل: لهم: وما علمكم بذلك؟ قالوا: إنه إذا قام خليفة صالح كفّت الذئاب والأسد عن شائنا.
د - وعن مسلم قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده كاتب يكتب وشمعةٌ تزهر، وهو ينظر في أمور المسلمين، قال: فخرج الرجل فأطفئت الشمعة، وجيء بسراج إلى عمر، فدنوت منه فرأيت عليه قميصاً فيه رقعة قد طبَّق ما بين كتفيه، قال: فنظر في أمري.
هـ - عن الثقة: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم: أما بعد فإنك كتبت إلى سليمان كتباً لم ينظر فيها حتى قبض ﵀، وقد بليت بجوابك، كتبت إلى سليمان تذكر أنه يقطع لعمال المدينة من بيت مال المسلمين ثمن شمع كانوا يستضيئون به حين يخرجون إلى صلاة العشاء وصلاة الفجر، وتذكر أنه قد نفد الذي كان يستضاء به، وتسأل أن يقطع لك من ثمنه مثل ما كان للعمّال، وقد عهدتك، وأنت تخرج من بيتك في الليلة المظلمة الماطرة الوحلة بغير سراج، ولعمري لأنت يومئذ خير منك اليوم والسلام.
стр. 154
و - وعن رجاء بن حيوة قال: كان عمر بن عبد العزيز من أعطر الناس وأخيلهم في مشيته، فلما استخلف قوّموا ثيابه اثنى عشر درهماً: كمّته (١) عمامته وقميصه وقباءه وقرطقه (٢) ورداءه وخفَّيه.
ز - وعن يونس بن أبي شبيب قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وهو يطوف البيت وإن حجزة إزاره لغائبةٌ في عكنه (٣). ثم رأيه بعد ما استخلف ولو شئت أن أعدَّ أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت.
ح - وعن مسلمة بن عبد الملك قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه، فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: يا فاطمة، اغسلي قميص أمير المؤمنين، قال: نفعل إن شاء الله، ثم عدت فإذا القميص على حاله، فقلت: يا فاطمة ألم آمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين، فإن الناس يعودونه؟ قالت: والله ماله قميصٌ غيره.
ط - وعن الفهري عن أبيه قال: كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاح الفيء، فتناول ابنٌ له صغيرٌ تفاحة، فانتزعها من فيه فأوجعه، فسعى إلى أمه مستعبراً، فأرسلت إلى السوق، فاشترت له تفاحاً، فلما رجع عمر وجد ريح التفاح فقال: يا فاطمة هل أتيت شيئاً من هذا الفيء؟ قالت: لا. وقصّت عليه القصة فقال: والله لقد انتزعتها من ابني لكأنما نزعتها عن قلبي، ولكن كرهت أن أضيع نصيبي من الله بتفاحةٍ من فيء المسلمين.
стр. 155
ي - وعن شيخ من أهل الشام قال: لما مات عمر بن عبد العزيز كان استودع مولىً له سفطاً (١) يكون عنده، فجاؤوه فقالوا: السفط الذي كان استودعك عمر؟ قال: ما لكم فيه خير، فأبوا حتى رفعوا ذلك إلى يزيد بن عبد الملك، فدعا بالسفط، ودعا بني أمية، وقال: خيركم هذا فقد وجدنا له سفطاً وديعة قد استودعها: ففتحوه، فإذا فيه مقطَّعات من مسوح كان يلبسها بالليل.
ك - عن عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال: بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلّت عنهم العبرة، قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين ممَّ بكيت.؟ قال: ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله ، فريقٌ في الجنة، وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه.
ل - وعن زياد بن أبي زياد المديني قال: أرسلني ابن عامر بن أبي ربيعة إلى عمر ابن عبد العزيز في حوائج له، فدخلت عليه وعنده كاتب يكتب، فقلت: السلام عليكم، فقال: وعليك السلام، ثم انتبهت، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: يا بن أبي زياد، إننا لسنا ننكر الأولى التي قلت، والكاتب يقرأ عليه مظالم جاءت من البصرة، فقال لي: اجلس، فجلست على أسكفَّة الباب (٢)، وهو يقرأ وعمر يتنفس صعداً (٣)، فلما فرغ أخرج من كان في البيت حتى وصيفاً كان فيه، ثم قام يمشي إليّ حتى جلس بين يديّ،
стр. 156
ووضع يديه على ركبتي ثم قال: يا ابن أبي زياد، استدفأت في مردعتك (١) هذه، قال: وعليّ مدرعة من صوف، واسترحت مما نحن فيه، ثم سألني عن صلحاء أهل المدينة رجالهم ونسائهم، فما ترك منهم أحداً إلا سألني عنه، وسألني عن أمورٍ كان أمر بها بالمدينة فأخبرته، ثم قال لي يا بن زياد ألا ترى ما وقعت فيه؟ قال: قلت: أبشر يا أمير المؤمنين، إني أرجو لك خيراً.
قال: هيهات هيهات، قال: ثم بكى حتى جعلت أرثي له، فقلت: يا أمير المؤمنين بعض ما تصنع، فإني أرجو لك خيراً، قال: هيهات هيهات أشتم ولا أشتم، وأضرب ولا أضرب، وأوذي ولا أؤذى. ثم بكى حتى جعلت أرثي له، فأقمت حتى قضى حوائجي، ثم أخرج من تحت فراشه عشرين ديناراً، فقال: استعن بهذه، فإنه لو كان لك في الفيء حقّ أعطيناك حقك، إنما أنت عبدٌ، فأبيت أن آخذها، فقال: إنما هي من نفقتي، فلم يزل بي حتى أخذتها، وكتب إلى مولاي يسأله أن يبيعني منه فأبى وأعتقني.
م - وعن عمرو بن مهاجر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزَّني، ثم قل: يا عمر ما تصنع؟
ن - وعن عبيد الله بن محمد التميمي، قال: سمعت أبي وغيره يحدث أن عمر بن عبد العزيز لما ولي منع قرابته ما كان يجري عليهم، وأخذ منهم القطائع التي كانت في أيديهم، فشكوا إلى عمته فاطمة بنت مروان أم عمر، فدخلت، فقالت: إن قرابتك يشكونك، ويزعمون أنك أخذت منهم خير غيرك، قال: ما منعتهم حقاً، ولا أخذت منهم حقاً.
стр. 157
فقالت: إني رأيتهم يتكلمون، وإني أخاف أن يهيجوا عليك يوماً عصيباً، فقال: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره، قال: ودعا بدينار، وجنب (١) ومجمرة، فألقى الدينار في النار وجعل ينفخ على الدينار حتى إذا احمرّ تناوله بشيء فألقاه على الجنب فنشّ (٢)، فقال: أي عمة أما تأوين (٣) لابن أخيك من مثل هذا؟ فقامت، فخرجت على قرابته، فقالت: تزوّجون إلى آل عمر، فإذا نزعوا الشُّبه جزعتم؟ اصبروا له.
٨ - خطبة من خطب عمر بن عبد العزيز: عن أبي سليم الهذلي قال: وخطب عمر بن عبد العزيز فقال:
"أما بعد: فإن الله لم يخلقكم عبثاً، ولم يدع شيئاً من أمركم سدىً، وإن لكم معاداً، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله، وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واشترى قليلاً بكثير، وفانياً بباقٍ، وخوفاً بأمن، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون؟ كذلك حتى تردّ إلى خير الوارثين، في كل يوم وليلة تشيّعون غادياً ورائحاً إلى الله ، قد قضى نحبه، وانقضى أجله حتى تغيّبوه في صدع من الأرض في بطن صدع، ثم تدعونه غير ممهد، ولا موسَّد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، مرتهناً بعمله، فقيراً إلى ما قدّم، غنياً عما ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموت، وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب ما أعلم عندي، وما يبلغني عن أحد منكم ما يسعه ما عندي
стр. 158
إلا وددت أنه يمكنني تغييره حتى يستوي عيشنا وعيشه، وايم الله لو أردت غير ذلك من الغضارة والعيش لكان اللسان مني به ذلولاً عالماً بأسبابه، ولكن سبق من الله ، كتاب ناطق وسنّة عادلة دلَّ فيها على طاعته ونهى فيها عن معصيته".
ثم وضع طرف ردائه على وجهه، فبكى وشهق وبكى الناس، وكانت آخر خطبة خطبها.
٩ - أبيات كان عمر يتمثل بها، قال سعيد بن محمد الثقفي: سمعت القاسم بن عزوان، قال: كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات:
أيقطان أنت اليوم أم أنت نائم ... وكيف يطيق النوم حيران هائم
فلو كنت يقظان الغداة لحرَّقت ... مدامع عينيك الدموع السّواجم
بل أصبحت في النوم الطويل وقد ... إليك أمورٌ مفظعات عظائم
نهارك يا مغرور سهوٌ وغفلةٌ ... وليلك نومٌ والردى لك لازم
يغرُّك ما يفني وتشغل بالمنى ... كما غرَّ باللذات في النوم حالم
وتشغل فيما سوف تكره غبَّه (١) ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
وعن القاسم بن غزوان، قال: كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات.
١٠ - موقف عمر ممن بكَّته بأنه أفقر ولده من بعده: عن هاشم قال: لما كانت الصَّرعة التي هلك فيها عمر، دخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فقال: يا
стр. 159
أمير المؤمنين إنك أفقرت أفواه ولدك من هذا المال، وتركتهم عيلةً (١) لا شيء لهم، فلو وصّيت بهم إليّ، وإلى نظرائي من أهل بيتك.
قال: فقال: أسندوني، ثم قال: أما قولك إني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال، فو الله إني ما منعتهم حقاً هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم، وأما قولك: لو أوصيت بهم، فإن وصيي وولي فيهم الله الذي نزّل الكتاب، وهو يتولى الصالحين، بنيَّ أحد الرجلين، إما رجل يتقي الله، فسيجعل الله له مخرجاً، وإما رجل مكبّ على المعاصي، فإني لم أكن أقوّيه على معاصي الله.
ثم بعث إليهم، وهم بضعة عشر ذكراً، قال: فنظر إليهم فذرفت عيناه، ثم قال: بنفسي الفتية الذين تركتهم عيلةً لا شيء لهم، فإني بحمد الله قد تركتهم بخير، أي بنيّ إن أباكم مثل بين أمرين: بين أن تستغنوا، ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا، ويدخل الجنة أحبَّ إليه من أن تستغنوا ويدخل النار. قوموا عصمكم الله.
١١ - وفاة عمر بن عبد العزيز: وعن ليث بن أبي رقبة، عن عمر: أنه لما كان مرضه الذي قبض فيه، قال: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: أنا الذي أمرتني فقصّرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه وأحدَّ النظر، فقالوا: له إنك لتنظر نظراً شديداً، فقال: إني لأرى حضرةً ما هم بإنسٍ ولا جانٍ، ثم قبض ﵁.
اسند عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، وعمر بن أبي سلمة، والسائب بن يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام.
стр. 160
وقد أرسل الحديث عن القدماء منهم عبادة بن الصامت والمغيرة بن شعبة وتميم الداري وعائشة وأم هانئ.
وقد روى عن خلق كثير من كبار التابعين، كسعيد بن المسيب، وعبد الله ابن إبراهيم بن قارظ، وسالم وأبي سلمة وعروة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة ابن زيد، وعامر بن سعد بن أبي وقاص وأبي بردة بن أبي موسى، والربيع بن سيرة، وعراك بن مالك، وأبي حازم، والزهري، والقرظي، في خلق كثير يطول ذكرهم، وقد ذكرنا مسنداته عنهم في كتاب أفردناه لأخباره وفضائل، ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة من أخباره هاهنا.
وتوفي ﵁ لعشر ليالٍ بقين من رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنةً وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، ومات بدير سمعان، وقبر هناك [صفة الصفوة: ٢/ ١١٣ - ١٧٢].
١٢ - الفضيل بن عياض التميمي
تقديم:
الفضيل بن عياض عالم امتلأ قلبه من خشية الله، فصام كثيراً من أيامه، وقام لياليه، جاءه الخليفة هارون الرشيد، فأسمعه ما رقَّ له قلبه وأوجعه، وأبكى عينه، وعرض عليه الدنيا، فأبى أن يأخذ منها شيئاً، اعتنى في وعظه بمعالجة القلوب، وكان همَّه العناية بنفسه قبل غيره.
ترجمته:
١ - التعريف به:
قال ابن الجوزي: الفضيل بن عياض التميمي، يكنى أبا علي، ولد بخراسان، وقدم الكوفة، وهو كبير، فسمع بها الحديث، ثم تعبد، وانتقل إلى مكة، فمات بها.
стр. 161
٢ - من كلام الفضيل بن عياض:
أ - عن إبراهيم بن أحمد الخزاعي قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لو أن الدنيا كلها بحذافيرها جعلت لي حلالاً، لكنت أتقذّرها.
ب - وعن أبي الفضل الخزاز قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: أصلح ما أكون أفقر ما أكون، وإني لأعصي الله، فأعرف في خلق حماري وخادمي.
ج - وعن إسحاق بن إبراهيم قال: كانت قراءة الفضيل حزينة شهية بطيئة مترسّلة، كأنه يخاطب إنساناً، وكان إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنة يردّدها.
وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده، فيصلي من أول الليل ساعة، حتى تغلبه عينه، فيلقي نفسه على الحصير، فينام قليلاً، ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم هكذا حتى يصبح.
د - قال: وسمعت الفضيل يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم مكبّل كبّلتك خطيئتك.
هـ - وعن مهران بن عمرو الأسدي قال: سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول: واسوأتاه، وافضيحتاه، وإن عفوت.
ز - وعن أحمد بن سهل قال: قدم علينا سعد بن زنبور، فأتيناه، فحدثنا، قال: كنا على باب الفضيل بن عياض، فاستأذنا عليه، فلم يؤذن لنا، فقيل لنا: إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن. قال: وكان معنا رجل مؤذن وكان صيّتاً، فقلنا له اقرأ: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] ورفع بها صوته، فأشرف علينا
стр. 162
الفضيل، وقد بكى حتى بلَّ لحتيه بالدموع، ومعه خرقة ينشف بها الدموع من عينيه، وأنشأ يقول:
بلغت الثمانين أو جزتها ... فما أؤمّل أو أنتظر؟
أتى لي ثمانون من مولدي ... وبعد الثمانين ما ينتظر؟
علتني السنون فأبلينني ... ...................................
قال ثم خنقته العبرة، وكان معنا علي بن خشرم فأتمّه لنا، فقال:
علتني السنون فأبلينني ... فرقّت عظامي وكلَّ البصر
ح - عن أبي جعفر الحذّاء، قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذ الوادي، فقلت له: إن كنت تظنَّ أنه بقى على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما تظن.
ط - عن الحسين بن زياد قال: دخلت على فضيل يوماً فقال: عساك إن رأيت في ذلك المسجد، يعني المسجد الحرام، رجلاً شراً منك، إن كنت ترى أن فيه شراً منك فقد ابتليت بعظيم.
ك - عن يونس بن محمد المكي قال: قال فضيل بن عياض لرجل: لأعلّمنك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها، والله لئن علم الله منك إخراج الآدمين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره؛ لم تسأله شيئاً إلا أعطاك.
ل - وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه، فأغلق دونك أبواب المغفرة، وأنت تضحك كيف ترى تكون حالك.
стр. 163
م - وعن محمد بن حسان السمني، قال: شهدت الفضيل بن عياض، وجلس إليه سفيان بن عيينة، فتكلم الفضيل فقال: كنتم معشر العلماء سرج البلاد، يستضاء بكم فصرتم ظلمةً، وكنتم نجوماً يهتدى بكم، فصرتم حيرة، ث لا يستحي أحدكم أن يأخذ مال هؤلاء الظَّلمة، ثم يسند ظهره يقول: حدثنا فلان عن فلان، فقال سفيان: لئن كنا لسنا بصالحين فإنّا نحبّهم.
٣ - الفضيل بن عياض يعظ هارون الرشيد:
وعن الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين الرشيد فأتاني، فخرجت مسرعاً، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: ويحك قد حكَّ في نفسي شيء (١)، فانظر لي رجلاً أسأله، فقلت: ها هنا سفيان بن عيينة. فقال: امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعاً فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله.
فحدَّثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، فقال: أبا عباس اقض دينه، فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، انظر لي رجلاً أسأله، فقلت له: هاهنا عبد الرزاق بن همام، قال: امض بنا إليه. فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليَّ أتيك، قال: خذ لما جئناك له.
فحادثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: أبا عباس، اقض دينه.
стр. 164
فلما خرجنا قال: ما أغنى صاحبك شيئاً، انظر لي رجلاً أسأله.
قلت: هاهنا الفضيل بن عياض. قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها، فقال: اقرع الباب، فقرعت الباب، فقال: من هذا فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة؟ أليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس للمؤمن أن يذل نفسه»، فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ المصباح، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت.
فدخلنا، فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كفُّ هارون قبلي إليه. فقال: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله ، فقلت في نفسي: ليكلمنَّه الليلة بكلام نقي من قلب تقي.
فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله، فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليَّ، فعدَّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك من الموت، وقال له محمد بن كعب القرظي: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير المسلمين عندك آباً، وأوسطهم عندك أخاً، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقِّر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك.
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله ، فأحبَّ للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت وإني أقول لك: إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله من يشير عليك بمثل هذا؟
стр. 165
فبكى هارون بكاء شديداً حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين فقال: يا بن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا، ثم أفاق، فقال له: زدني رحمك الله فقال:
يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكا إليه، فكتب إليه عمر: يا أخي، أذكِّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء، قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فقال له ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية أبداً، حتى ألقى الله .
قال: فبكى هارون بكاءً شديداً، ثم قال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى ﷺ جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أمّرني على إمارة، فقال له النبي ﷺ : «إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل».
فبكى هارون بكاءً شديداً، وقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عز جل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشّ لأحد من رعيتك، فإن النبي ﷺ : قال: «من أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة الجنة» [أخرجه البخاري في الباب الثامن من كتاب الأحكام ومسلم في الإمارة باب فضيلة الأمير العادل، ومعناه أن يكون مستحلاً لغشهم].
فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجّتي، قال: إنما أعني دين العباد، قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمر ربي أن أوحّده، وأطيع
стр. 166
أمره، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِّنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقوَّ بها على عبادتك، فقال: سبحان الله أنا أدلّك على طريق النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلَّمك الله ووفقك.
ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال هارون: أبا عباس، إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.
فدخلت عليه امرأة من نسائه، فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به، فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبة، فلا كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل، فعسى أن يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج، فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا، قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصر فرحمك الله، فانصرفنا.
وقد أسند الفضيل عن جماعة من كبار التابعين منهم الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعطاء بن السائب، وحصين بن عبد الرحمن، ومسلم الأعور، وأبان بن أبي عياش، وروى عنه خلق كثير من العلماء [صفة الصفوة ٢/ ٢٣٧ - ٢٤٧].
стр. 167
١٣ - الإمام أحمد بن محمد بن حنبل
تقديم:
هذا رجل قلَّ نظيره من الرجال، طلب حديث رسول الله ﷺ ، فجال في المشارق والمغارب، وجمع من حديث رسول الله ﷺ أكثر من حمل اثني عشر بعيراً، كان يحفظها كلها.
ووقف في وجه الخليفة المأمون ومن ورائه المعتصم، اللذين أرادا أن يقررا العقيدة الباطلة التي تزعم أن القرآن مخلوق، فوقف في وجوههما، وقوف الجبال الشمِّ الراسيات، وحفظ الله به دين المسلمين، لم تلن قناته، ولا وهن عزمه، ولا هدَّته السياط التي أنزلها الحكام على جسده.
وابتلي بالدنيا، فقد قربه الخلفاء، وأغدقوا عليه الدنيا، فأبى أن يدنس نفسه بمتاعها الفاني، ومتعها الزائلة، علَّم العلم، وهدى الخلق، ووقف نفسه على ربه، فعاش إماماً، ومات إماماً، فأحبته الأمة حيّاً وميتاً، ﵀ رب العالمين.
ترجمته:
١ - التعريف به ونسبه: قال ابن الجوزي: أحد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، جيء به من مرو حملاً، فولد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، فأما نسبه فأخبرنا أبو منصور القزاز قال: أبنأنا أبو بكر بن ثابت، قال: أنبأنا أحمد بن عبد الله الحافظ: أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: أنبأنا عبد الله ابن أحمد، حدثنا أبي أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب
стр. 168
ابن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن تزار بن معد بن عدنان بن أدّب بن أدد بن الهميسع بن جمل بن النبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵇.
٢ - عمله في بداية أمره: عن أبي بكر المروزي قال: قال لي أبو عفيف - وذكر أبا عبد الله أحمد بن حنبل - فقال: كان في الكتّاب معنا وهو غليّم يعرف فضله وكان الخليفة بالرقّة فيكتب الناس إلى منازلهم (١)، فيبعث نساؤهم إلى المعلّم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل، ليكتب لهم جواب كتبهم، فيبعثه، فكان يجيء إليهم مطأطئ الرأس، فيكتب جواب كتبهم، فربما أملو عليه الشيء من المنكر، فلا يكتبه لهم.
٣ - تواضعه: عن إدريس بن عبد الكريم قال: قال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يستمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أرفعه، فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
٤ - مدى حفظه للحديث: عن أبي زرعة قال: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
قال أبو جعفر بن أحمد بن محمد بن سليمان التُّستريّ: قيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدّثين أحفظ؟ فقال: أحمد بن حنبل، حزرت كتبه اليوم الذي مات فيه، فبلغت اثني عشر حملاً، وعدلاً (٢)، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حديث فلان، وكل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه.
стр. 169
وعن إبراهيم الحربي قال: رأيت أحمد بن حنبل كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء ويمسك ما شاء.
وعن أحمد بن سنان قال: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لأحمد ابن حنبل، ولا رأيته أكرم احداً كرامته لأحمد بن حنبل: وكان يقعد إلى جنبه إذا حدّثنا، وكان يوقّره ولا يمازحه، ومرض أحمد فركب إليه فعاده.
قال المصنف ﵀: قلت: كانت مخايل النّجابة تظهر من أحمد ﵁ من زمان الصِّبا، وكان حفظه للعلم من ذلك الزمان غزيراً، وعمله به متوفراً، فلذلك كان مشايخه يعظّمونه، فكان إسماعيل ابن عليّة يقدّمه وقت الصلاة يصلّي بهم، وضحك أصحابه يوماً فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟
وكان ابن مهدي يقول: ما نظرت إليه إلا ذكرت به سفيان الثوري، ولقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً في بطن أمة.
٥ - شيء من سيرته: عن أبي بكر المروزي قال: كنت مع أبي عبد الله نحواً من أربعة أشهر بالعسكر، لا يدع قيام الليل وقراءة النهار، فما علمت بختمةٍ ختمها، كان يسرُّ ذلك.
وعن أبي عصمة بن عصام البيهقي قال: بتّ ليلةً عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر في الماء، فإذا هو كما كان، فقال: سبحان الله، رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل؟
وعن أبي داود السجستاني قال: لم يكن أحمد بن حنبل يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم.
وعن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: جالست أبا يوسف ومحمد بن الحسن ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي فما هبت أحداً منهم ما هبت
стр. 170
أحمد بن حنبل، ولقد دخلت عليه في السجن لأسلّم عليه، فسألني: رجل عن مسألةٍ فلم أجبه هيبةً له.
وعن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: ما أعلم أني رأيت أحداً أنظف ثوباً ولا أشدّ تعاهداً لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوباً وأشدَّه بياضاً من أحمد بن حنبل.
وعن علي ابن المديني قال: قال لي أحمد بن حنبل: إني لأحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذاك إلا أني أخاف أن أملّك أو تملّني. قال: فلما ودّعته قلت: يا أبا عبد الله توصيني بشيء؟ قال: نعم ألزم التقوى قلبك، والزم الآخرة أمامك.
وقال أبو داود السجستاني: كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط.
وعن إبراهيم الحربي قال: كان أحمد بن حنبل يأتي العرس والختان والإملاك، يجيب ويأكل.
وعن إسحاق بن راهويه قال: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمّالين، إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة، فلم يقبل من أحد شيئاً.
وعن الرمادي قال: سمعت عبد الرزاق - وذكر أحمد بن حنبل فدمعت عيناه فقال: قدم، وبلغني أن نفقته نفدت، فأخذت عشرة دنانير، وأقمته خلف الباب، وما معي ومعه أحد، وقلت: إنه لا تجتمع عندنا الدنانير، وقد وجدت الساعة عند النساء عشرة دنانير، فخذها فأرجوا ألا تنفقها حتى يتهيأ عندنا
стр. 171
شيء. فتبسم وقال لي: "يا أبا بكر لو قبلت شيئاً من الناس قبلت منك". ولم يقبل.
وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: جاءتني حسن فقالت: يا مولاي قد جاء رجل بتلِّيسةٍ (١) فيها فاكهة يابسة، وبهذا الكتاب، قال صالح: فقمت فقرأت الكتاب فإذا فيه:
يا أبا الله أبضعت لك بضاعة إلى سمرقند، فوقع فيها كذا وكذا، ورددتها فيها كذا وكذا، وقد بعثت بها إليك وهي أربعة آلاف درهم، وفاكهة أنا لقطتها من بستاني، ورثته عن أبي، وأبي ورثه عن أبيه.
قال: فجمعت الصبيان، فلما دخل دخلنا عليه، فبكيت، وقلت له: يا أبة أما ترقُّ لي من أكل الزكاة؟ ثم كشفت عن رأس الصبية، وبكيت فقال: من أين علمت؟ دع حتى أستخير الله تعالى الليلة، قال: فلما كان من الغد قال: يا صالح إني قد استخرت الله تعالى الليلة فعزم لي ألا آخذها، وفتح التلّيسة، ففرّقها على الصبيان، وكان عنده ثوبٌ عشاري (٢) فبعث به إليه وردّ المال، قال صالح: فبلغني أن الرجل اتخذه كفناً.
وعن علي بن الجهم قال: كان له جار فأخرج إلينا كتاباً فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: هذا خط أحمد بن حنبل، كيف كتب لك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة، ففقدنا أحمد بن حنبل أياماً لم نره، ثم جئنا إليه لنسأل عنه، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها: هو في ذلك البيت، فجئنا إليه
стр. 172
والباب مردود عليه وإذا خلقان، فقلنا له: يا أبا عبد الله ما خبرك؟ لم نرك منذ أيام. قال: سرقت ثيابي. فقلت له: معي دنانير فإن شئت فخذ قرضاً، وإن شئت فصلة، فأبي أن يفعل، فقلت: تكتب لي بأجرة؟ قال: نعم، فأخرجت ديناراً فأبى أن يأخذه، وقال: اشتر لي ثوباً واقطعه بنصفين، فأومأ إليّ أنه يأتزر بنصف، ويرتدي بالنصف الآخر، وقال جئني بنفقته، ففعلت وجئت بورق فكتب لي وهذا خطّه.
وعن محمد بن موسى بن حماد الزيدي قال: حمل إلى الحسن بن عبد العزيز الجرويِّ من ميراثه من مصر مائة ألف دينار، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله، هذه ميراث حلالٍ، فخذها فاستعن بها على عائلتك، فقال: لا حاجة لي فيها، أنا في كفاية، فردَّها ولم يقبل منها شيئاً.
وعن السري بن محمد خال ولد صالح قال: جاء أحمد بن صالح يوضئ أبا عبد الله يوماً، وقد بلّ أبو عبد الله خرقةً فألقاها على رأسه، فقال له أحمد بن صالح: يا جدي أنت محموم، قال أبو عبد الله: وأنّى لي بالحمّى؟
وعن رحيلة قال: كنت على باب أحمد بن حنبل والباب مجافٌ، وأم ولده تكلمه، وتقول له: إنا معك في ضيقٍ، منزل بيت صالح يأكلون ويفعلون، وهو يقول: قولي خيراً، وخرج الصبي معه، فبكى، فقال له: أيّ شيء تريد؟ قال: زبيب، قال: اذهب فخذ من البقّال حبة.
وعن أبي بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل. وقال: سمعت أبا عبد الله يقول: أسرُّ أيامي إليَّ يومٌ أصبح وليس عندي شيء.
стр. 173
وعن صالح بن أحمد قال: ربما رأيت أبي يأخذ الكسر فينفض الغبار عنها، ثم يصيّرها في قصعة، ثم يصبُّ عليها ماءً حتى تبتلّ، ثم يأكلها بالملح، وما رأيته قطّ اشترى رمّاناً ولا سفرجلاً ولا شيئاً من الفاكهة، إلا أن يكون يشتري بطيخة، فيأكلها بخبزٍ أو عنباً أو تمراً، فأما غير ذلك فما رأيته قطّ اشتراه، وربما خبز له فيجعل في فخّاره عدساً وشحماً وتمرات شهريز (١)، فيخص الصبيان بقصعة فيصوت ببعضهم، فيدفعه إليهم، فيضحكون، ولا يأكلون، وكان كثيراً ما يأتدم بالخل، وكان يشترى له شحم بدرهم، فكان يأكل منه شهراً، فلما قدم من عند المتوكل أدمن الصوم، وجعل لا يأكل الدسم، فتوهّمت أنه كان جعل على نفسه إن سلم أن يفعل ذلك.
وعن النيسابوري صاحب إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأمير: إذا جاء إفطاره أرنيه، قال: فجاؤوا برغيفين خبز وخيارة. فأريته الأمير فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه.
وعن الحسن بن خلف الصائغ قال: جاءني المروزي في علة أبي عبد الله، قال: أبو عبد الله عليل، فذهبت بالمتطبّب، فدخلنا عليه. قال: ما حلك؟ قال: احتجمت أمسٍ. قال: وما أكلت؟ قال: خبزاً وكامخاً (٢) قال: يا أبا عبد الله تحتجم، وتأكل خبزاً وكامخاً؟ قال: فما آكل؟
وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: رأيت أبا عبد الله إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد.
стр. 174
وقال المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول: الخوف يمنعني من أكل الطعام والشراب، فما أشتهيه.
وعن إبراهيم بن شماس قال: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام يحيي الليل.
وعن المروزي، قال سمعت أبا عبد الله يقول: قد وجدت البرد في أطرافي ما أراه إلا من أدماني أكل الخل والملح.
وعن سليمان بن داود الشاذكوني: أن أحمد رهن سطلا عند فاميّ (١) فأخذ منه شيئاً يتقوّته، فجاء فأعطاه فكاكه فأخرج إليه سطلين، فقال: انظر أيهما سطلك؟ فخذه، قال: لا أدري أنت في حلٍّ منه، ومما أعطيتك، ولم يأخذ، قال الفامي: والله إنه لسلطه، وإنما أردت أن أمتحنه فيه.
وعن عبد الله بن أحمد قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق.
وعنه قال: كنت أسمع أبي كثيراً يقول في دبر الصلاة: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، صنه عن المسألة لغيرك.
٦ - شيء من دعائه: عن أبي عيسى عبد الرحمن بن زاذان قال: صلّينا، وأبو عبد الله أحمد بن حنبل حاضر، فسمعته يقول:
"اللهم من كان على هوى أن على رأي، وهو يظن أنه على الحق وليس هو الحق، فردّه إلى الحق حتى لا يضلّ من هذه الأمة أحدٌ، اللهم لا تشغل قلوبنا
стр. 175
بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولًا لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشرِّ ما عندنا، ولا ترنا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا من حيث أمرتنا، أعزَّنا ولا تذلّنا، أعزَّنا بالطاعة ولا تذلّنا بالمعصية".
٧ - كان يكره أن يطلب منه الناس الدعاء: وعن علي بن أبي حرارة، قال: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة، فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل، فسله أن يدعو الله لي، فمضيت، فدققت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: رجل من أهل ذلك الجانب، سألتني أمي وهي زمنة مقعدة أن أسألك أن تدعو الله لها، فسمعت كلامه كلام رجلٍ مغضبٍ، وقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فولّيت منصرفاً، فخرجت عجوز من داره، فقالت: أنت الذي كلّمت أبا عبد الله؟ قلت: نعم. قالت: قد تركته يدعو الله لها.
قال: فجئت من فوري إلى البيت، فدققت الباب فخرجت على رجليها تمشي، حتى فتحت لي الباب، وقالت: قد وهب الله لي العافية.
٨ - ثابته على الفتنة في البلاء والرخاء: وعن ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعت ضجةً فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن، فدخلت فلما ضرب سوطاً قال: بسم الله، فلما ضرب الثاني، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] فضرب تسعةً وعشرين سوطاً.
وكانت تكّة أحمد حاشية ثوبٍ فانقطعت، فنزل السراويل عانته، فرمى أحمد طرفه إلى السماء، وحرّك شفتيه، فما كان بأسرع أن بقي السراويل لم ينزل.
стр. 176
فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك تحرّك شفتيك، فأي شيء قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي ستراً.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت كثيراً أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت: يا أبة من أبو الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت: يا أبة من أبو الهيثم؟ فقال: لما أخرجت للسياط، ومدّت يداي للعقابين، إذا أنا بشاب يجذب ثوبي من ورائي، ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. فقال: أنا أبو الهيثم العيّار اللص الطرّار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوطٍ بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان، لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن، لأجل الدين، قال: فضربت ثمانية عشر سوطاً بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفاً، وخرج الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين.
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال لي أبي: يا بني لقد أعطيت المجهود من نفسي، قال: وكتب أهل المطامير إلى أحمد بن حنبل: إن رجعت عن مقالتك ارتددنا عن الإسلام.
وعن أحمد بن سنان قال: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حلٍّ في يوم فتح بابك أو في فتح عمورية فقال: هو في حلّ من ضربي.
وقال إبراهيم الحربي: أحلّ أحمد بن حنبل من حضر ضربه، وكلَّ من شايع فيه والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دواد داعية لأحللته.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل، ورد كتاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين، يعني المتوكل قد وجّه إليك يعقوب المعروف بقوصرة، ومعه جائزة، ويأمرك بالخروج، فالله الله أن تستعفي أو ترد المال، فيّتسع القول لمن يبغضك.
стр. 177
فلما كان من الغد ورد يعقوب، فدخل عليه، فقال: يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول: قد أحببت أن آنس بقربك، وأن أتبَّرك بدعائك، وقد وجّهت إليك عشرة آلاف درهم معونةً على سفرك.
أخرج صرّةً فيها بدرة نحو مائتي دينار، والباقي دراهم صحاح، فلم ينظر إليها، ثم شدّها يعقوب، وقال له: أعود غداً حتى أبصر ما تعزم عليه وانصرف.
فجئت بإجّانة خضراء، فكببتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح خذ هذا صيّره عندك، فصيّرتها عند رأسي فوق البيت، فلما كان سحراً إذا هو ينادي: يا صالح، فقمت فصعدت إليه، فقال: ما نمت ليلتي هذه، فقلت: لم يا أبة؟ فجعل يبكي، وقال: سلمت من هؤلاء، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، قد عزمت على أن أفرّق هذا الشيء إذا أصبحت، فقلت: ذاك إليك، فلما أصبح قال: جئني يا صالح بميزان؛ وقال: وجّهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجّه إلى فلان، يفرّق في ناحية، وإلى فلان، فلم يزل حتى فرّقها كلّها، ونفضت الكيس، ونحن في حالةٍ الله تعالى بها عليم.
فجاء بنيّ لي فقال: يا أبة أعطني درهماً، فنظر إليّ، فأخرجت قطعةً، فأعطيته، وكتب صاحب البريد: إنه قد تصدق بالدراهم من يومه، حتى تصدّق بالكيس.
قال عليّ بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين: قد علم الناس أنه قد قبل منك، وما يصنع أحمد بالمال؟ وإنما قوته رغيف. فقال لي: صدقت يا عليّ.
قال صالح: ثم أخرجنا ليلاً معنا حراس، معهم النفّاطات (١)، فلما أضاء الفجر قال لي: يا صالح معك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم، فأعطيتهم
стр. 178
درهماً درهماً، ودخلنا العسكر، وأبي منكّس الرأس، ثم أنزل دار إيتاخ، وجاء عليّ بن الجهم، فقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرّقها، وأمر أن لا يعلم بذلك فيغتمّ.
ثم جاءه أحمد بن معاوية فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويشتهي قربك، وتقيم ههنا تحدّث؟ فقال: أنا ضعيف.
ثم حمل إلى دار الخلافة. فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعداً وراء ستر، فلما دخل أبي الدار قال لأمه: يا أماه قد أنارت الدار. ثم جاء خادم بمنديل فيه ثياب فألبس، وهو لا يحرك يديه، فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم؟ ثم قال: يا صالح وجّه هذه الثياب إلى بغداد تباع وتصدّق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم شيئاً منها.
وأجريت له مائدة وثلج، وضرب الخيش، فلما رآه تنحّى، فألقى نفسه على مضربةٍ له، وجعل يواصل ويفطر في كل ثلاثةٍ على تمرٍ شهريز. فمكث كذلك خمسة عشر يوماً، ثم جعل يفطر ليلةً وليلةً، ولا يفطر إلا على رغيف، وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها، فيأكل من حضر.
وأمر المتوكل أن تشترى لنا دار، فقال: يا صالح لئن أقررت لهم بشراء دار، لتكونن القطيعة بيني وبينك، فلم يزل يدفع شرى الدار حتى اندفع.
ثم انحدرت إلى بغداد، وخلّفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قدم، وقد جاء بثيابي التي كانت عنده، فقلت له: ما جاء بك؟ فقال: قال لي: انحدر، وقل لصالح: لا تخرج، فأنتم كنتم آفتى، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحداً منكم معي، ولولا مكانكم لمن كانت توضع هذه المائدة؟
стр. 179
وفي رواية أخرى: ثم إنه مرض، فأذن له المتوكل في العود إلى بغداد فعاد.
٩ - وفاة الإمام أحمد: توفي ﵁ في سنة إحدى وأربعين ومائتين، وقد استكمل سبعاً وسبعين سنة.
قال المروزي: مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومرض تسعة أيام وتسامع الناس، فأقبلوا لعيادته، ولزموا الباب الليل والنهار يبيتون، فربما أذن للناس، فيدخلون أفواجاً يسلّمون عليه، فيرد عليهم بيده.
وقال أبو عبد الله: جاءني حاجبٌ لابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك، فقلت له: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره.
ووضأته فقال: خلّل الأصابع، فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس، حتى ملؤوا السكك والشوارع، فلما كان صدر النهار قبض ﵀، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجّت.
وعن إسحاق قال: مات أبو عبد الله وما خلّف إلا ست قطع أو سبع، وكانت في خرقةٍ كان يمسح بها وجهه قدر دانقين.
وعن حنبل قال: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله وهو في الحبس ثلاث شعرات فقال: هذا من شعر النبي ﷺ ، فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه، ففعل ذلك به بعد موته.
وعن صالح بن أحمد قال: قال لي أبي جئني بالكتاب الذي فيه حديث ابن إدريس عن ليث عن طاووس أنه كان يكره الأنين، فقرأته عليه، فلم يئنّ إلا في الليلة التي مات فيها.
стр. 180
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده، وبيدي الخرقة لأشد بها لحييه، فجعل يعرق ثم يفيق، ثم يفتح عينيه، ويقول ببيده هكذا: لا بعد لا بعد، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبة أي شيء هذا، قد لهجت به في هذا الوقت، تعرق حتى نقول: قد قضيت، ثم تعود فتقول: لا بعد، لا بعد.
فقال لي: يا بني ما تدري ما قلت؟ قلت: لا. فقال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ على أنامله يقول لي: يا أحمد فتَّني، فأقول: لا بعد، لا بعد، حتى أموت.
وعن بنان بن أحمد القصباني أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل فيمن حضر، قال: فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة، وحزر من حضرها من الرجال ثمان مائة ألف، ومن النساء ستين ألف امرأة.
وعن موسى بن هارون قال: يقال: إن أحمد بن حنبل لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس عليها للصلاة فحزر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف.
وقال أبو بكر المروزي: رأيت أحمد بن حنبل في النوم كأنه في روضة، وعليه حلّتان خضراوان، وعلى رأسه تاج من النور، وإذا هو يمشي مشيةً لم أكن أعرفها، فقلت: يا أحمد ما هذه المشية التي لم أكن أعرفها لك؟ فقال: هذه مشية الخدّام في دار السلام، فقلت: ما هذا التاج الذي أراه على رأسك؟ فقال: إن ربي أوقفني، وحاسبني حساباً يسيراً، وحباني وقرّبني وأباحني