السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، [فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض».
قال: «فيصعدون بها فلا يمرون - يعني - بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، [﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢١] فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال]: أعيدوه إلى الأرض، فإني [وعدتهم أني] منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فـ[يرد إلى الأرض، و] تعاد روحه في جسده، [قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه] [مدبرين].
فيأتيه ملكان [شديدا الانتهار] فـ[ينتهرانه، و] يجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدقت، [فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
стр. 37
[إبراهيم: ٢٧]، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فينادي منادٍ في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدَّ بصره».
قال: «ويأتيه [وفي رواية: يمثل له] رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، [أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم]، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: [وأنت فبشرك الله بخير] من أنت، فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح [فو الله ما علمتك إلا كنت سريعاً في إطاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزالك الله خيراً]، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكن]».
قال: «وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]، سود الوجوه، معهم المسوح (١) [من النار]، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيئة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السَّفود [الكثير الشعب] من الصوف المبلول، [فتقطع معها العروق والعصب]، [فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم]، فيأخذهما، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن
стр. 38
ريح جيفه وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، [ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدها، ومنها أخرجهم تارة أخرى]، فتطرح روحه [من السماء] طرحاً [حتى تقع في جسده] ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، فتعاد روحه في جسده، [قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه].
ويأتيه ملكان [شديدا الانتهار، فينتهر أنه، و] يجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ [فيقول: هاه هاه (١) لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ها هاه لا أدري]، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول: ها هاه لا أدري [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت]، [ولا تلوت]، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه.
стр. 39
ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقولك [وأنت فبشرك الله بالشر] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، [فو الله ما علمت إلا كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله]، [فجزاك الله شراً، ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة! لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه ضربة حتى يصير بها تراباً، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصبح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار]، فيقول: رب لا تقم الساعة».
[قال شيخنا الألباني في تخريجه: أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨١) والحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠) والطيالسي (رقم ٧٥٣) وأحمد (٤/ ٢٨٧) و٢٨٨ و٢٩٥ و٢٩٦) والسياق له والآجري في "الشريعة" (٣٦٧ - ٣٧٠). وروى النسائي (١/ ٢٨٢) وابن ماجه (١/ ٤٦٩) - ٤٧٠) القسم الأول منه إلى قوله: "وكأن على رؤوسنا الطير"، وهو رواية لأبي داود (٢/ ٧٠) بأخصر منه وكذا أحمد (٤/ ٢٩٧) وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وأقره الذهبي، وهو كما قالا، وصححه ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/ ٢١٤) و"تهذيب السنن" (٤/ ٣٣٧)، ونقل فيه تصحيحه عن أبي نعيم وغيره].
٢ - تصور المحاسبي لأهوال يوم القيامة:
يقول الحارث المحاسبي مصوراً أهوال يوم القيامة: "حتى إذا تكاملت عدة الموتى، وخلت من سكانها الأرض والسماء، فصاروا خامدين بعد حركاتهم، فلا حس يسمع، ولا شخص يرى، وقد بقي الجبار الأعلى كما لم يزل أزلياً واحداً منفرداً بعظمته وجلاله، ثم لم يفجأ روحك إلا بنداء المنادي لكل الخلائق معك للعرض على الله بالذل والصغار منك ومنهم.
فتوهم كيف وقع الصوت في مسامعك وعقلك، وتفهم بعقلك بأنك تدعى إلى العرض على الملك الأعلى، فطار فؤادك وشاب رأسك للنداء، لأنها
стр. 40
صيحة واحدة للعرض على ذي الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء - فبينما أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك، فوثبت مغيراً من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك، قائماً على قدميك، شاخصاً ببصرك نحو النداء، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة، وهم مغبرون من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم.
فتوهم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم، فتوهم نفسك بعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وغمومك وهمومك في زحمة الخلائق، عراة حفاة، صموت أجمعون بالذل والمسكنة والخافة والرهبة، فلا تسمع إلا همس أقدامهم والصوت لمدة المنادي، والخلائق مقبلون نحوه، وأنت فيهم مقبل نحو الصوت، ساعٍ بالخشوع والذلة، حتى إذا وافيت الموقف ازدحمت الأمم كلها من الجن والإنس عراة حفاة، قد نزع الملك من ملوك الأرض، ولزمتهم الذلة والصغار، فهم أذل أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدراً بعد عتوهم وتجبرهم على عباد الله في أرضه.
ثم أقبلت الوحوش من البراري وذرى الجبال، منكسة رؤوسها لذل يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق، ذليلة ليوم النشور لغير بلية نابتها ولا خطيئة أصابتها، فتوهم إقبالها بذلّها في اليوم العظيم ليوم العرض والنشور.
وأقبل السباع بعد ضراوتها وشهامتها منكّسة رؤوسها ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والانكسار للملك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض على الله سبحانه، فسبحان الذي جمعهم بعد طول البلاء، واختلاف خلقهم وطبائعهم وتوحش بعضهم من بعض، قد أذلهم البعث وجمع بينهم النشور.
стр. 41
حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها، واستووا جميعاً في موقف العرض والحساب، تناثرت نجوم السماء من فوقهم، وطمست الشمس والقمر، وأظلمت الأرض بخمود سراجها وإطفاء نورها. فبينما أنت والخلائق على ذلك إذ صارت السماء الدنيا من فوقهم، فدارت بغلظمها خمسمائة عام، فيا هول صوت انشقاقها في سمعك، ثم تمزقت وانفطرت بعظيم هول يوم القيامة، والملائكة قيام على أرجائها، وهي حافات ما يتشقق ويتفطر، فما ظنك بهول تنشق فيه السماء بعظمها، فأذابها ربها حتى صارت كالفضة المذابة تخالطها صفرة لفزع يوم القيامة، كما قال الجليل الكبير ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨ - ٩]. فبينا ملائكة السماء الدنيا على حافتها إذ انحدروا محشورين إلى الأرض للعرض والحساب، وانحدروا من حافتيها بعظم أجسامهم وأخطارهم وعلو أصواتهم بتقديس الملك الأعلى الذي أنزلهم محشورين إلى الأرض بالذلة والمسكنة للعرض عليه والسؤال بين يديه.
فتوهم تحدرهم من السحاب بعظيم أخطارهم وكبير أجسامهم وهول أصواتهم وشدة فرقهم، منكسين لذل العرض على الله . فيا فزعك وقد فزع الخلائق مخافة أن يكونوا أمروا بهم، ومسألتهم إياهم: أفيكم ربنا؟ ففزع الملائكة من سؤالهم إجلالاً لمليكهم أن يكون فيهم، فنادوا بأصواتهم تنزيهاً لما توهمه أهل الأرض: سبحان ربنا، ليس هو بيننا، ولكنه آتٍ من بعد، حتى أخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسين رؤوسهم لذلّ يومهم.
стр. 42
فتوهمهم، وقد تسربلوا بأجنحتهم، ونكسوا رؤوسهم في عظم خلقهم بالذل والمسكنة والخشوع لربهم، ثم كل شيء على ذلك، وكذلك إلى السماء السابعة، كل أهل سماء مضعفين بالعدد، وعظم الأجسام، وكل أهل سماء محدقين بالخلائق صفاً واحداً.
حتى إذا وافى الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حر عشر سنين، وأدنيت من رؤوس الخلائق قاب قوس أو قوسين، ولا ظلَّ لأحد إلا ظل عرش رب العالمين، فمن بين مستظل بظل العرش، وبين مضحو بحر الشمس، قد صهرته بحرها، واشتد كربه وقلقه من وهجها، ثم ازدحمت الأمم وتدافعت، فدفع بعضهم بعضاً، وتضايقت فاختلفت الأقدام، وانقطعت الأعناق من العطش، واجتمع حر الشمس ووهج أنفاس الخلائق وتزاحم أجسامهم، ففاض العرق منهم سائلاً حتى استنقع على وجه الأرض ثم على الأبدان على قدر راتبهم ومنازلهم عند الله بالسعادة والشقاء، حتى إذا بلغ من بعضهم العرق كعبيه، وبعضهم حقويه، وبعضهم إلى شحمه أذنيه، ومنهم من كاد أن يغيب في عرقه، ومن قد توسط العرق من دون ذلك منه.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل (وقال مرة: إن الكافر) ليقوم يوم القيامة في بحر رشحه إلى أنصاف أذنيه من طول القيام» [متفق عليه].
وعن عبد الله رفعه إلى النبي ﷺ : «إن الكافر يلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذلك اليوم» (وقال عليّ: من طول القيام. قالا جميعاً) حتى يقول: رب أرحني ولو إلى النار. وأنت لا محالة أحدهم، فتوهم نفسك راجعة لكربك،
стр. 43
وقد علاك العرق، وأطبق عليك الغم، وضاقت نفسك في صدرك من شدة العرق والفزع والرعب، والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى درا السعادة أو إلى دار الشقاء، حتى إذا بلغ المجهود منك ومن الخلائق منتهاه، وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ينظرون في أمورهم".
عن قتادة أو كعب، قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. قال:"يقومون مقدار ثلاثمائة عام، وقال: سمعت الحسن يقول: ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش، واحترقت أجوافهم من الجوع انصرف بهم إلى النار، فسقوا من عين آنية قد آن حرها، واشتد نفحها".
فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به، كلَّم بعضهم بعضاً في طلب من يكرم على مولاه أن، يشفع لهم في الراحة من مقامهم وموقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى النار من وقوفهم، ففزعوا إلى آدم ونوح ومن بعده إبراهيم، وموسى وعيسى من بعد إبراهيم، كلهم يقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، فكلهم يذكر شدة غضب ربه ، وينادي بالشغل بنفسه فيقول: نفسي نفسي، فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لاهتمامه بنفسه وخلاصها، وكذلك يقول الله : ﴿يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١].
فتوهم أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم، منفرد كل واحد منهم بنفسه، ينادي نفسي نفسي، فلا تسمع إلا قول نفسي نفسي. فيا هول ذلك وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه، فما
стр. 44
ظنك بيوم ينادي فيه الله آدم، والخليل إبراهيم، والكليم موسى، والروح والكلمة عيسى مع كرامتهم على الله وعظم قدر منازلهم عند الله ، كل ينادي: نفسي نفسي، شفقاً من شدة غضب ربه، فأين أنت منهم ففي إشفاقك في ذلك اليوم واشتغالك بحزنك وبخوفك؟ حتى إذا أيس الخلائق من شفاعتهم لما رأوا من اشتغالهم لأنفسهم، أتوا النبي محمداً ﷺ فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم إليها، ثم قام إلى ربه واستأذن عليه، فأذن له، ثم خرّ لربه ساجداً، ثم فتح عليه من محامده والثناء عليه لما هو أهله، وذلك كله يسمعك وأسماع الخلائق، حتى أجابه ربه إلى تعجيل عرضهم والنظر في أمورهم" [كتاب التوهم والأهوال للحارث بن أسد المحاسبي: ص٥].
خامسا: الإكثار من ذكر الله تعالى:
الإكثار من ذكر الله تعالى يرقق القلوب، ويصفي الأرواح، ويغرس التقوى في قلوب العباد، قال ابن القيم: "إنَّ أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكر الله تعالى" [الوابل الصيب من الكلم الطيب، ص٨٥].
стр. 45
المبحث السابع مدى عناية الإسلام والمسلمين بالتقوى
المطلب الأول لا أنفع للعباد من الالتزام بالتقوى
لا أنفع للعباد من الالتزام بالتقوى، والتحلي بها، ولذلك وصّى الله تعالى ورسوله ﷺ بها، ووصّى بها الصالحون من الصحابة والتابعين، وأئمة الدين.
وقد سأل أبو القاسم القاسم بن يوسف المغربي شيخ الإسلام ابن تيمية أن يوصيه بما يكون فيه صلاح دينه ودنياه، فأوصاه بالتقوى، قال:"ما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها" [الوصية الصغرى، لابن تيمية، ص٨].
المطلب الثاني توصية الله الأولين والآخرين بالتقوى
أخبرنا الله ﵎ أنه وصّى الذين من قبلنا وإيانا بالتقوى، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
وقال بعض طلبة العلم لشيخه: أوصني، قال: "أوصيك بما أوصى الله به الأولين والآخرين، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] " [بصائر ذوي التمييز: ٥/ ٢٦١].
ونادى ربُّ العزة الناس جميعاً آمراً إياهم بتقواه سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
стр. 46
المطلب الثالث توصية جميع الأنبياء أممهم بالتقوى
كل الرسل الذين أرسلهم ربُّ العزة أمروا أقوامهم بالتقوى، ووصوا بها، فأوَّل الرسل الذين أمروا بالتقوى نوح ﵇ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحُ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٠٦] وجاء هود من بعد نوح وأمر قومه بمثل ما أمر به نوح قومه ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودُ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤]، وجاء صالح من بعد هود وأمر قومه بالتقوى ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحُ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٢] وذكر الله لوطاً ﵇ فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطُ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١] ومثل ذلك قال نبيُّ الله شعيب ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] وأمر خليل الرحمن إبراهيم ﵇ قومه بتقوى الله فقال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦].
المطلب الرابع كثرة إيصاء الله هذه الأمة التقوى
من ينظر في كتاب الله تعالى يجد أن الله تعالى وصّى هذه الأمة بالتقوى كثيراً، فقد أمرنا الله بلفظ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أو ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أكثر من ستين مرة، وأمر بالتقوى بألفاظ أخرى مقاربة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]،
стр. 47
وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
هذا ما ورد في سورة البقرة وحدها من أمر الله لنا بالتقوى بلفظ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وكثرة الأمر من الله تعالى بالشيء الواحد يدلُّ على مدى عناية الله بهذا الأمر.
المطلب الخامس توصية رسولنا ﷺ بالتقوى
وصّى رسولنا ﷺ أفراداً من أصحابه بالتقوى، كما أوصى جميع أمته بها.
وقد ضمّن رسولنا ﷺ خطبة الحاجة التي كانت يبدأ بها خطبة، ثلاث آيات تأمر بالتقوى، وسأذكر بعض النصوص التي وصّى بها رسولنا ﷺ بالتقوى، ومنها خطبة الحاجة:
١ - جمع الشيخ ناصر الدين الألباني مجموع ما كان يقوله رسولنا ﷺ في خطبة الحاجة من كتب السنّة في رسالة صغيرة، طبعها المكتب الإسلامي، وعنوان لها بـ"خطبة الحاجة" [الطبعة الثانية، ١٣٨٩ هـ، بيروت]. ونص هذه الخطبة:
стр. 48
«إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شررو أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده وسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠ - ٧١].
أما بعد: ثم يذكر حاجته».
وقد ساق الشيخ ناصر طرق هذه الخطبة في كتب السنّة.
٢ - عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن» [الترمذي: ١٩٨٧، وقال: هذا حديث حسن صحيح].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "جمع النبي ﷺ بين التقوى وحسن الخلق، لأن تقوى الله يصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته" [الفوائد: ص ٦٩].
٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. فقال: «أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء» [أورده الألباني في الصحيحة ورقمه (٥٥٥)، وعزاه لأحمد (٣/ ٨٢) والطبراني في المعجم الصغير: ص ١٩٧، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: ص ٢٤٣: قال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين].
стр. 49
٤ - عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدٌ حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» [الترمذي ٢٦٧٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح].
٥ - وصّى الرسول ﷺ أحد أصحابه، فقال له: «عليك بتقوى الله تعالى، والتكبير على كل شرف» [حكم عليه الشيخ ناصر بالحسن، وعزاه إلى الترمذي عن أبي هريرة، صحيح الجامع الصغير: (٤٠٤٦)].
٦ - عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجّة الوداع، فقال: «اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم» [الترمذي: ٦١٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح].
٧ - وعن النعمان بن بشير أن الرسول ﷺ قال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» [البخاري: ٢٥٨٧، مسلم: ١٦٢٣].
٨ - وعن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «فاتقوا الله في النساء» [مسلم: ١٢١٨].
المطلب السادس توصية أهل العلم بالتقوى
١ - كان أبو بكر يقول في خطبته:"أوصيكم بتقوى الله" [المستدرك: (٢/ ٤١٥) ورقمه: (٣٤٤٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد].
стр. 50
٢ - وكتب عمر إلى ابنه عبد الله: "أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله ، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك، وجلاء قلبك" [جامع العلوم والحكم: ص ١٥١].
٣ - واستعمل عليُّ بن أبي طالب رجلاً على سرية، فقال له: "أوصيك بتقوى الله الذي لا بد لك من لقياه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة" [جامع العلوم والحكم: ص ١٥١].
٤ - وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: "أوصيك بتقوى الله ، التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين" [جامع العلوم والحكم، ص: ١٥١].
٥ - ولما وِّلي خطب، وحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بتقوى الله ، فإن تقوى الله خلفٌ من كل شيء، وليس من تقوى الله خلفٌ" [جامع العلوم والحكم: ص ١٥١].
٦ - وقال شعبة: كنت إذا أردت الخروج، قلت للحكم: ألك حاجة، فقال: أوصيك بما أوصى به النبي ﷺ معاذ بن جبل: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» [جامع العلوم والحكم: ص ١٥١].
٧ - وصية شيخ الإسلام ابن تيمية بالتقوى: سأل أحد طلبة العلم بالمغرب وهو أبو القاسم القاسم بن يوسف بن محمد التجيبي السبتي المغربي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بأن يوصيه بما يكون فيه صلاح دينه ودنياه، فكتب له رسالة، سميت بـ"الوصية الصغرى".
стр. 51
وقد جعل عمدة وصيته الحديث الذي وصى فيه الرسول ﷺ بتقوى الله، وسأورد في هذا الموضع بعضاً منها؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الجواب: "أما "الوصية"، فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء" ١٣١] ".
ووصى النبي ﷺ معاذاً لما بعثه إلى اليمن فقال: «يا معاذ: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» [رواه الترمذي (١٩٨٧) وقال فيه: هذا حديث حسن صحيح].
وكان معاذ ﵁ بمنزلة عليَّه؛ فإنه قال له: «يا معاذ! والله! إني لأحبك» [عزاه محقق الوصية الصغرى إلى أبي داود والنسائي وغيرهم، وصححه] وكان يردفه وراءه [عزاه محقق الوصية الصغرى إلى البخاري ومسلم]، وروي فيه: "أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام" [قال محقق الوصية الصغرى: أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح]، وأنه يحشر أمام العلماء برتوة [أي: بخطوة] ومن فضله أنه بعثه النبي ﷺ مبلغاً عنه داعياً ومفقهاً ومفتياً وحاكماً إلى أهل اليمن.
ثم إنه ﷺ وصاه هذه الوصية، فعل أنها جامعة، وهي كذلك لمن عقلها، مع أنها تفسير الوصية القرآنية.
أما بيان جمعها، فلأن العبد عليه "حقان":
حقٌّ لله ، ـ وحقٌّ لعباده، ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخَّل ببعضه أحياناً: إما بترك مأمور به، أو فعل منهي عنه، فقال النبي ﷺ : «اتق الله حيثما كنت» وهذه كلمة جامعة، وفي قوله: «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في
стр. 52
السر والعلانية، ثم قال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» فإن الطبيب متى تناول المريض شيئاً مضراً أمره بما يصلحه، والذنب للعبد كأنه أمر حتم، فالكيِّس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات، وإنما قدَّم في لفظ الحديث «السيئة» وإن كانت مفعولة، لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة، فصار كقوله في بول الأعرابي: «صبوا عليه ذنوباً من ماء» [رواه البخاري ومسلم].
وجماع الخلق الحسن مع الناس: أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام، والدعاء له، والاستغفار والثناء عليه، والزيارة له، وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال، وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض. وبعض هذا واجب وبعضه مستحب.
وأما الخلق العظيم الذي وصف الله به محمداً ﷺ (أي في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]) فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقاً، هكذا قال مجاهدا وغيره، وهو تأويل القرآن، كما قالت عائشة ﵂: "كان خلقه القرآن" [رواه مسلم] وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحب الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر.
واسم "تقوى الله" يجمع فعل كل ما أمر الله إيجابياً واستحباباً، وما نهى عنه تحريماً وتنزيهاً، وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد، لكن لما كان تارة يعني بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف من المحارم، جاء مفسراً في حديث معاذ، وكذلك في حديث أبي هريرة ﵄ الذي رواه الترمذي وصححه: "قيل: يا رسول الله! ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق». قيل: وما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال «الأجوفان: الفم والفرج» [رواه الترمذي، وقال فيه: صحيح غريب].
стр. 53
وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» [عزاه محققه إلى أبي داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح].
وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع، فإنها الدين كله؛ لكن ينبوع الخير وأصله: إخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وفي قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ٢٣]، وفي قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]، وفي قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين انتفاعاً بهم أو عملاً لأجلهم، ويجعل همته ربه تعالى، وذلك بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقه وحاجة ومخافة وغير ذلك، والعمل له بكل محبوب، ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك.
٨ - وصية شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز بالتقوى: ألقى شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز محاضرة في مستشفى الملك فيصل في الطائف أوصى فيها الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات والحضور بتقوى الله، وبيّن لهم كيف تكون تقواهم فيما يخصُّ عملهم، ونشرت هذه المحاضرة "مجلة البحوث الإسلامية في عددها رقم (٥٩) " وجاء في هذه المحاضرة: "وصيتي لنفسي، وللحاضرين جميعاً من أطباء وطبيبات وممرضين وممرضات ومرضى، وإخواني الحضور، وجميع المسؤولين، وصيتي للجميع أن نتقي الله في السر والعلن، لأنه القائل سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهو القائل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 54
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] وهو القائل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو القائل سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب ٧٠ - ٧١].
فعلينا أن نتقيه سبحانه، وتقواه سبحانه هي عبادته، بفعل الأوامر، وترك النواهي عن خوف من الله، وعن رغبة فيما عنده، وعن خشية له سبحانه، وعن تعظيم لحرماته، وعن محبة صادقة له سبحانه، ولرسوله محمد ﷺ ، ولجميع المرسلين والمؤمنين، فعلينا أن نحب الله بكل قلوبنا، فوق محبة كل أحد، وأن نحب رسوله ﷺ محبة صادقة فوق محبة أنفسنا وآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وغيرهم، وأن نحب الرسل عليهم الصلاة والسلام، ونحب إخواننا في الله المؤمنين، فالمحبة من أفضل الواجبات، ومن أهم الواجبات المحبة لله وفي الله ، ثم هذه المحبة لله ولرسوله توجب طاعة الأوامر وترك النواهي، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
فالمحبة الصادقة لله ولرسوله وللمؤمنين تقتضي العمل بطاعة الله، وإخلاص العبادة له، وترك معصيته كما تقتضي طاعة رسوله ﷺ واتباع ما جاء به، والحذر مما نهى عنه، والوقوف عند الحدود التي حدّها، مع تقديم سننه وشرعه على أهوائنا، وتوجب أيضاً محبة المؤمنين وإعانتهم على الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر ومحبة الخير لهم وأداء الأمانة.
ومما يجب على المسؤولين عن الناس في المستشفيات وغيرها أداء الأمانة، فالطبيب والعامل والمسؤول عن الإدارة وغيرهم كله مسؤولون عن أداء
стр. 55
الأمانة التي وكلت إليهم في العلاج وفي الدواء وفي الرفق بالمريض، وفي غير هذا من شؤون التطبيب، يجب على الجميع أن يؤدوا الأمانة بكل صدق وعناية، وأن يحروصوا على العناية بالدواء النافع والوقت المناسب، وأن يكونوا على بيّنة في وضع الدواء على الداء، وأن يحذروا التساهل في ذلك، وأن يرفقوا بالمريض، وأن يسمع منك اللطف في الكلام وطيب الحديث، لأن هذا يعين على زوال المرض بإذن الله وعلى الشفاء من المرض، وهكذا الطبيبة تعنى بهذا الأمر، فتكون رفيقة حكيمة كالرجل، كلٌّ منهم يكون رفيقاً حكيماً طيب الكلام، يشعر منه المريض بالحنو والعطف والمحبة والحرص على شفائه، ويعنى مع ذلك بالدواء المناسب، وبالوقت المناسب، وبالمقدار المناسب من الدواء حتى لا يزيد فيضرّ المريض، وحتى لا ينقص فلا يحصل به المقصود.
كلٌّ من المسؤولين عليه أن يعمل من الخير بقدر ما يستطيع، وكلٌّ عليه أن يؤدي النصيحة، فالطبيب يؤدي الواجب، والممرض يؤدي الواجب، والمدير يؤدي الواجب، والممرض يؤدي الواجب، والمدير يؤدي الواجب، وهكذا الطبيبة والممرضة كلتاهما تؤديان الواجب، وهكذا بقية العاملين كلٌّ يتقي الله، ويؤدي الأمانة التي وكلت إليه بإخلاص لله، ويعظم الله سبحانه، ويحذر من غضبه جلّ وعلا، ويعنى بالمريض، وينصح له ويرفق به رجاء أن يشفيه الله على يدك أيها الطبيب، وعلى يديك أيتها الطبيبة.
وكل المسؤولين بالمستشفى عليه تقوى الله، وأن يبذل الوسع والمستطاع فيما ينفع المريض، ويخفف عليه المرض، ويخفف عليه الآلام التي يجدها ويحسُّ بها، ولا شك أن الكلام الطيب، والأسلوب الحسن، والعناية التامة، كلُّ ذلك مما يخفف عن المريض آلامه، ومما يشرح له صدره، ومما يعين على زوال المرض بتوفيق الله وهدايته ورحمته وإحسانه .
стр. 56
وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يرضيه، وأن يمنحنا الفقه في الدين، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يوفق القائمين على هذا المستشفى، وكذلك أسأله لجميع القائمين على مستشفيات المملكة في كل مكان، أسأل الله أن يوفقهم جميعاً لما يرضيه، وأن يعينهم على أداء الواجب، وعلى أداء الأمانة، وأن يبارك في جهودهم، وينفع بها المسلمين جميعاً، وأن ينفع جميع المعالجين في المستشفيات، وأن يصلح قلوب الجميع، وأعمال الجميع".
المطلب السابع وصية الشعراء بالتقوى
١ - قال ابن المعتز فيما نقله عن ابن رجب في [جامع العلوم والحكم: ص ١٥٠]:
خلَّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى
واصنع كماشٍ فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرنًّ صغيرةً ... إنه الجبال من الحصى
٢ - وذكر ابن رجب في [جامع العلوم والحكم، ص ١٥٢] أن الإمام أحمد كان ينشد:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا ... تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعةً ... ولا أنَّ ما يخفى عليه يغيب
٣ - وقال أحد الشعراء:
لا تحقرنَّ ما الذنوب صغيراً ... إن الصغير غداً يعود كبيرا
إن الصغير ولو تقادم عهده ... عند الإله مسطّراً تسطيرا
فازجر هواك عن البطالة لا ... تكن صعب القياد وشمّرنّ تشميرا
стр. 57
إن المحب إذا أحبّ إلهه ... طار الفؤاد وألهم التفكيرا
فاسأل هدايتك الإله بنيِّةٍ ... فكفى بربك هادياً ونصيرا
٤ - وقال ابن القيم في نونيته:
وإذا ما خلوت بريبة في ظلمة ... والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل ... لها إنَّ الذي خلق الظلام يراني
٥ - وقال أحد الشعراء:
يا من يرى مدَّ البعوض جناحه ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى نياط عروقها في نحرها ... والمخ يجري في تلك العظام النحل
امنن عليَّ بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول
٦ - وقال آخر:
من عرف الله فلم يغنه ... معرفة الله فذاك الشقي
ما يفعل العبد بعزِّ الغني ... والعزّ كل العزّ للمتقي
٧ - وقال ابن حبان البستي في [مختصر روضة العقلاء: ص ٣١]:
ألا إنما التقوى هي العزُّ والكرم ... وفخرك بالدُّنيا هو الذُّلُّ والعدم
وليس على عبدٍ تقىيٍّ نقيصةٌ ... إذا صحَّح التقوى وإن حاك أو حجم
٨ - وأورد قول شاعر آخر قال:
إذا انتسب الناس كان التَّقيُّ ... بتقواه أفضل من ينتسب
ومن يتقِّ الله يكسب به ... من الحظِّ أفضل ما يكتسب
ومن يتَّخذ سبباً للنجاة ... فإنَّ تقى الله خير السَّبب
стр. 58
المبحث الثامن فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى
نهانا رُّبنا ﵎ عن تزكية أنفسنا، وذلك بمدح الواحد منَّا نفسه، وثنائه عليها، وذكر ما فعله من أفعال خير، من صلاةٍ وصوم، وزكاة، وحجٍّ وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، وقد علَّل الله ﵎ للنهي عن التزكية بكونه العالم بمن اتقى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
ومن استحضر أن الله تعالى عالم به، مطَّلع على أعماله وأقواله فإنه يتواضع لله ﵎، ويصغر في عينيه ما عمله، ويكون خائفاً دائماً أن لا يتقبل الله تعالى منه، وأن يضيع عمله، فيصبح عمله هباءً منثوراً، فإن العجب بالأعمال من محبطات الأعمال.
والذي يعلم يقيناً أن الله تعالى يراه ويعلم بما كان منه من تقوى يطمئن إلى أن الله لا يضيع عمله، وسيجازيه به، قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥]. قال: ﴿لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤٤].
وكما على العبد أن يكون دائماً على حذر أن يشغل نفسه بتزكية نفسه، فعليه أن يحذر من تزكية غيره، فقد يجرُّه ذلك إلى نوع من التملق والنفاق، وقد تنفخ تلك التزكية العظمة والعجب فيمن زكيته، فيقطع المرء بتزكيته عنق صاحبه.
стр. 59
المبحث التاسع حاجة التقوى إلى الصبر
المطلب الأول من يتق ويصبر فلن يضيع الله علمه
الذي يقوم بالتقوى مخافةً لله، وعملاً بالصالحات، وتركاً للمحرمات، لا بد له من الصبر، فإن الذين لا يصبرون، لا يستطيعون الإتيان بالعبادات على وجهها، ولا يطيقون الجهاد في سبيل الله تعالى.
ولذا فإن الله تعالى ذكر "الصبر والتقوى" جميعاً في غير موضع من كتابه وبيّن أنه ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين، وعلى من ظلمه من المسلمين، ولصاحبه تكون العاقبة، قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وقال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:
١١٨ - ١٢٠].
стр. 60
وقال إخوة يوسف له: ﴿لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] [الزهد والورع والعبادة: ١٠٨].
المطلب الثاني أقسام الناس في التقوى والصبر
ذكر شيخ الإسلام أن الناس في التقوى، وهي طاعة الأمر الديني، والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام:
الأول: أهل التقوى والصبر، وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة.
الثاني: الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر، مثل الذين يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها، ويتركون المحرمات، لكن إذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه، أو ابتلي بعدو يخفيه عظم جزعه وظهر هلعه.
الثالث: قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى، مثل الفجار الذين يصبرون على ما يصيبهم في مثل أهوائهم، كاللصوص والقطّاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام؛ والكتَّاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها، وكذلك طلاب الرئاسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس، وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصيرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام.
стр. 61
وهؤلاء هم الذين يريدون علواً في الأرض أو فساداً من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق، ومن طلاّب الأموال بالبغي والعدوان، والاستمتاع بالصور المحرّمة نظراً أو مباشرة وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات، ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور، وفعلوه من المحظور، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب: كالمرض والفقر وغير ذلك، ولا يكون فيه تقوى إذا قدر.
وأما القسم الرابع، فهو شر الأقسام: لا يتقون إذا قدروا، ولا يصبرون إذا ابتلوا؛ بل هم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا، ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا، إن قهرتم ذلوا لك ونافقوك، وحابوك واسترحموك، ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسؤول، وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلباً، وأقلهم رحمةً وإحساناً وعفواً، كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد، مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون، ومن يشبههم في كثير من أمورهم، وإن كان متظاهراً بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم، فالاعتبار بالحقائق: "فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [مسلم: ٢٥٦٤].
فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيهاً لهم من هذا الوجه، وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه، بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردَّة وأولى بالأخلاق الجاهلية، وأبعد عن الأخلاق الإسلامية، من التتار.
стр. 62
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول في خطبته: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». وإذا كان خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، فكلُّ من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب، وهو به أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف، كان عن الكمال أبعد، وبالباطل أحق، والكامل هو من كان لله أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر، فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه، وصبراً على ما قدره وقضاه، كان أكمل وأفضل، وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك [الزهد والورع والعبادة، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ص ١٥٠ - ١٠٧].
стр. 63
المبحث العاشر عظم جرم الذي إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثم
ذمَّ الله صنفاً من عباده إذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالإثم، وهؤلاء حسبهم جهنم وبئس المهاد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. ولا شك أن هذا الصنف من الناس صنف باغ طاغ متجبر، ولذا فإنه إذا قيل للواحد منهم: اتق الله، تجده بغى، وطغا، وثار، وأرغى وأزبد، وقد يؤذي مخاطبه، وقد يقتله، ويفتك به.
وحسبك أن تعلم أن الله تعالى قال لرسوله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وقد سقت النصوص الكثيرة القرآنية والنبوية الآمرة بالتقوى، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
وتقوى الله وصية الله للأولين والآخرين من البشر، والمؤمن إذا قيل له: اتق الله، تواضع لها، وأخبت، ورقَّ قلبه، وإذا كان قد زلَّ وأخطأ، فإنك تجده قد ارعوى، واستغر وتاب، وأناب.
стр. 64
المبحث الحادي عشر تأسيس الأعمال على التقوى
ينبغي أن تؤسس الأعمال على التقوى، ومن ذلك بناء المساجد، ودور الأيتام، والمدارس، والجامعات، وقد ذمَّ الله تعالى في العهد النبوي الذين بنوا في المدينة في منطقة قباء مسجداً ضراراً، أرادوا من ورائه أن يتخذوه موضعاً للتآمر على رسول الله وعلى المؤمنين معه، فنهى الله رسوله ﷺ عن افتتاحه والصلاة فيه، وكان بناته قد دعوا رسول الله ﷺ إلى الصلاة فيه، فكشف الله سترهم، فضح أسرارهم، وأنزل فيهم قرآناً يتلى تحذيراً من كلِّ من فعل مثل فعلهم، ورغَّب الله رسوله ﷺ أن يقوم في المسجد الذي بني على التقوى، وهو الذي بني لعبادة الله، وفيه الذين يحبُّون أن يتظهروا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرُ أَمْ مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١١٠].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: "سبب نزول هذه الآيات الكريات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصّر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرفٌ في الخزرج كبير.
стр. 65
فلما قدم رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، واظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فارّاً إلى كفار مكة من مشركي قريش، فألَّبهم على حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحدٍ، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله، وكانت العاقبة للمتقين.
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصَّفين، فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ ، وأصيب ذلك اليوم، فجرح في وجهه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشجّ رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق، يا عدوَّ الله! ونالوا منه وسبّوه، فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شرّ.
وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعى عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيداً طريداً، فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أحدٍ، ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ ، فوعده ومنَّاه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنَّيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول لله ﷺ ، ويغلبه ويردُّه عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج النبي ﷺ -
стр. 66
إلى تبوك، وجاؤوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلِّي في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته ﵇ فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية. فعصمه الله من الصلاة فيه، فقال: «إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله». فلما قفل ﷺ راجعاً إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضّرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم على التقوى.
فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة؛ كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾: وهم أناس من الأنصار، ابتنوا مسجداً، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجداً واستعدُّوا بما استطعتم من وقوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، وأخرج محمداً وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي ﷺ فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحبّ أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة، وغير واحد من العلماء.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله ابن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله ﷺ يعني من تبوك - حتى نزل بذي أوان - بلدٍ بينه وبين المدينة ساعةٌ من نهار، وكان أصحاب مسجد الضِّرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة
стр. 67
الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: «إني على جناح سفر وحال شغل» أو كما قال رسول الله ﷺ : «ولو قدمنا - إن شاء الله تعالى - أتيناكم فصلينا لكم فيه».
فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالك ابن الدُّخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عديٍّ - أو: أخاه عامر بن عديٍّ - أخا بلعجلان، فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه». فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخشم، فقال مالك لمعن: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجا يشتدَّان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرَّقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ إلى آخر القصة.
وقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾، أي: الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾، أي: ما أردناه ببنيانه إلا خيراً ورفقاً بالناس، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، أي: فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه ضراراً لمسجد قباء، وكفراً بالله، وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الفاسق، الذي يقال له: الراهب، لعنه الله.
وقوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾، نهي من الله لرسوله ﷺ والأمة تبع له في ذلك، عن أن يقوم فيه، أي: يصلي فيه أبداً، ثم حثَّه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى، وهي طاعة الله، وطاعة رسوله، وجمعاً لكلمة المؤمنين ومعقلاً وموئلاً للإسلام وأهله. ولهذا قال تعالى:
стр. 68
﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء.
ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» [الترمذي: ٣٢٤، ابن ماجه: ١٤١١].
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ كان يزور مسجد قباء راكباً وماشياً [البخاري: ١١٩١، ١١٩٣، ١١٩٤، مسلم: ١٣٩٩].
وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي هو في جف المدينة، هو المسجد الذي أسس على التقوى. وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى.
ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله ابن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبيّ بن كعب: أن النبي ﷺ قال: «المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا». تفرد به أحمد [مسند أحمد: ٢١١٠٧، صحح متنه محقق ابن كثير: ٥/ ٤٤٤].
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله ﷺ . وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتينا النبي ﷺ فسألاه، فقال: «هو مسجدي هذا». تفرد به أحمد أيضاً [قال محقق ابن كثير: أخرجه أحمد [٢٢٨٠٥] وابن أبي شيبة [في مصنفه: ٢/ ٣٧٠، ٣٧٢] والطبري [في تفسيره: ١١/ ٢٨] والطبراني [في الكبير: ٦٠٢٥]. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح. ابن كثير: ٥/ ٤٤٥].
стр. 69
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «هو مسجدي هذا». تفرد به أحمد [قال محقق ابن كثير ٥/ ٤٤٤: صحيح، أخرجه أحمد: (١١٨٤٦)].
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران ابن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ «هو مسجدي». وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة، عن الليث - وصححه الترمذي - ورواه مسلم كما سيأتي [وصححه محقق ابن كثير: ٥/ ٤٤٤، أخرجه أحمد: (١١٠٤٦)].
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرُ أَمْ مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمُ حَكِيمُ﴾ يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما بنى هؤلاء بنيانهم ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾، أي: طرف حفيرة منثالة ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يصلح عمل المفسدين.
قوله تعالى: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، أي: شكّاً ونفاقاً بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، أورثهم نفاقاً في قلوبهم، كما
стр. 70
أشرب عابدو العجل حبه. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: بموتهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، والسديّ، وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد من علماء السلف. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ﴾، أي: بأعمال خلقه ﴿حَكِيمُ﴾، في مجازاتهم عنها، من خير وشر [تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٤٠ - ٤٤٧ بشيء من الاختصار].
стр. 71
المبحث الثاني عشر ليس من التقوى الغلو في العبادة
بعض الذي ينسبون إلى الإسلام يغالون في التعبد ظانين أن ذلك من التقوى، وقد غالى بعض الصحابة في ذلك، فردَّهم الرسول ﷺ إلى جادّة الصواب، فقد ورد أن نفراً من أصحاب الرسول ﷺ جاؤوا إلى بيوت الرسول ﷺ فسألوا عن عبادة الرسول ﷺ ، فلما أخبروا فكأنهم تقالُّوها، فقالوا: أين نحن من النبي، وتحدثوا عن أنفسهم، فأخبر أحدهم أنه يقوم الليل ويصلي ولا ينام، وأخبر الآخر أنه يصوم الدهر، ولا يفطر، وأخبر الثالث أنه يعتزل النساء، فخطَّأهم الرسول ﷺ ، وبيَّن لهم وجه الصواب.
وروى أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [البخاري: ٥٠٦٣].
وقد كان رسولنا ﷺ لا يقوم الليل كله، ولا يصوم الشهر كله، كان يقوم أدنى من ثلثي الليل، ويقوم نصفه وثلثه، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] وكان يصوم من الشهر ويفطر، وكان يتزوج النساء، وأخبر أن الذي هو عليه هو سنّته.
стр. 72
المبحث الثالث عشر التعاون على البر والتقوى
أمرنا ربنا ﵎ بالتعاون على البر والتقوى، فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
والتعاون على البر والتقوى معلم من معالم الأمة المسلمة فيما بينها، وقد ذكرت آية البر التي جعلت البر شاملاً للعقيدة، ولإيتاء المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأدخلت في التقوى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن التقوى الوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهذه الأعمال شاملة للدين كله، وهي جميعها قابلة للتعاون عليها فيما بين المسلمين.
فالذين يتعاونون فيما بينهم للتعرف على الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين، متعاونون على البر والتقوى، ويدخل في ذلك مجال الدارسة والتعلم، ومجال التدريس والتعليم في هذه الموضوعات، كما يدخل في ذلك معالجة المشكلات، وتوضيح الشبهات، ومن ذلك أيضاً التأليف في هذه المجالات.
стр. 73
ومن التعاون على البر والتقوى التعاون في مجال سد حاجات المحتاجين، والإنفاق على من رغَّب الله في الإنفاق عليهم من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب.
ومن التقوى أن تقيم الصلاة، وتأمر الناس بإقامتها، وتعلم الذين لا يحسنون الصلاة كيف يصلونها على الوجه الصحيح إن كنت تعلمه.
ومن التقوى أن تؤدي الزكاة، وتأمر الناس بأدائها على الوجه الصحيح، وتعلمهم كيف يخرجونها إن كانوا لا يعلمون كيفية إخراجها.
ومن التقوى أن تفي بالعهد، وتأمر الناس بالوفاء به، وأن تصبر في البأساء والضراء وحين البأس.
ومن التقوى الجهاد في سبيل الله، ودعوة الأمة الإسلامية إلى إقامة الجهاد، ودعوة أغنياء المسلمين إلى الإنفاق على المجاهدين، وشراء ما يحتاجونه من سلاح وطعام، والإنفاق على أسر المجاهدين.
стр. 74
المبحث الرابع عشر فضل التقوى وعظم قدرها
قال الفيروز آبادي متحدِّثاً عن فضل التقوى وعظيم شرفها: "اعلم أن التقوى كنز عزيز، إن ظفرت به فكم تجد له فيه من جوهرٍ شريف، وعلقٍ نفيس، وخير كثير، ورزق كريم، وغنمٍ جسيم، وملك عظيم، فهي الخصلة التي تجمع خير الدنيا والآخرة، وتأمَّل ما في القرآن من ذكرها كم علَّق بها من خير، وكم وعد عليها من ثواب، وكم أضاف إليها من سعادة" [بصائر ذوي التمييز: ٥/ ٢٥٩].
وقال الأستاذ وهبة الزحيلي: "التقوى قاعدة الإسلام، وجماع الخير، والعاصم من كل شرٍّ، والباعث على كل فضيلة، وخلق كريم، وهي أساس النجاة في الدنيا والآخرة، وسبيل السعادة، وطريق التوصل إلى الطمأنينة والاستقرار، والشعور بالرضا والارتياح، بل وسبب تيسر الرزق الحلال" [أخلاق المسلم، ص ٥٢].
المطلب الأول التقوى الخصلة التي تجمع خير الدنيا والآخرة
قال الفيروز آبادي مبيناً كيف كانت التقوى هي الخصلة الجامعة لخير الدنيا والآخرة: "أليس الله سبحانه أعلم بصلاح العبد من كلِّ أحد، ولو كانت في العالم خصلةٌ هي أصلح للعبد وأجمع للخير، وأعظ للأجر، وأجلُّ في العبودية، وأعظم في القدر، وأولى في الحال، وأنجح في المآل من هذه الخصلة التي هي التقوى لكان الله سبحانه أمر بها عباده وأوصى خواصّه بذلك؛ لكمال
стр. 75
حكمته ورحمته، فلما أوصى بهذه الخصلة جميع الأولين والآخرين من عباده واقتصر عليها، علمنا أنها الغاية التي لا متجاوز عنها، وأنه عز جل قد جمع كل محض نصح، ودلالة، وإرشاد، وتأديب، وتعليم، وتهذيب في هذه الوصية الواحدة كما يليق بحكمته ورحمته، فهي الخصلة الجامعة لخير الدنيا والآخرة، الكافية لجيمع المهمات، المبلغة إلى أعلى الدرجات. وهذا أصلٌ لا مزيد عليه، وفيه كفاية لمن أبصر النور واهتدى، وعمل واستغنى. والله وليُّ الهداية والتوفيق. ولقد أحسن القاتل:
من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشَّقي
ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزُّ كلُّ العزِّ للمتقي
[بصائر ذوي التمييز: ٥/ ٢٦١].
المطلب الثاني التقوى تشرح الصدر والفجور يدسي النفس
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "البرُّ والتقوى يبسط النفس، ويشرح الصدر، بحيث يجد الإنسان في نفسه اتساعاً وبسطاً عما كان عليه قبل ذلك؛ فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه الله شرح صدره.
والفجور والبخل يقمع النفس ويعضها ويهينها، بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق.
وقد بيَّن النبي ﷺ ذلك في الحديث الصحيح فقال: «مثل البخيل والمتصدِّق كمثل رجلين عليها جبَّتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما، فجعل المتصدِّق كلما همَّ بصدقة اتسعت وانبسطت عنه، حتى تغشى