← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17052

التقوى تعريفها وفضلها ومحذوراتها وقصص من أحوالها

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (190 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الثاني عشر ليس من التقوى الغلو في العبادة بعض الذي ينسبون إلى الإسلام يغالون في التعبد ظانين أن ذلك من التقوى، وقد غالى بعض الصحابة في ذلك، فردَّهم الرسول ﷺ إلى جادّة الصواب، فقد ورد أن نفراً من أصحاب الرسول ﷺ جاؤوا إلى بيوت الرسول ﷺ فسألوا عن عبادة الرسول ﷺ ، فلما أخبروا فكأنهم تقالُّوها، فقالوا: أين نحن من النبي، وتحدثوا عن أنفسهم، فأخبر أحدهم أنه يقوم الليل ويصلي ولا ينام، وأخبر الآخر أنه يصوم الدهر، ولا يفطر، وأخبر الثالث أنه يعتزل النساء، فخطَّأهم الرسول ﷺ ، وبيَّن لهم وجه الصواب. وروى أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [البخاري: ٥٠٦٣]. وقد كان رسولنا ﷺ لا يقوم الليل كله، ولا يصوم الشهر كله، كان يقوم أدنى من ثلثي الليل، ويقوم نصفه وثلثه، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] وكان يصوم من الشهر ويفطر، وكان يتزوج النساء، وأخبر أن الذي هو عليه هو سنّته.

стр. 72

المبحث الثالث عشر التعاون على البر والتقوى أمرنا ربنا ﵎ بالتعاون على البر والتقوى، فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. والتعاون على البر والتقوى معلم من معالم الأمة المسلمة فيما بينها، وقد ذكرت آية البر التي جعلت البر شاملاً للعقيدة، ولإيتاء المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأدخلت في التقوى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن التقوى الوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهذه الأعمال شاملة للدين كله، وهي جميعها قابلة للتعاون عليها فيما بين المسلمين. فالذين يتعاونون فيما بينهم للتعرف على الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين، متعاونون على البر والتقوى، ويدخل في ذلك مجال الدارسة والتعلم، ومجال التدريس والتعليم في هذه الموضوعات، كما يدخل في ذلك معالجة المشكلات، وتوضيح الشبهات، ومن ذلك أيضاً التأليف في هذه المجالات.

стр. 73

ومن التعاون على البر والتقوى التعاون في مجال سد حاجات المحتاجين، والإنفاق على من رغَّب الله في الإنفاق عليهم من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب. ومن التقوى أن تقيم الصلاة، وتأمر الناس بإقامتها، وتعلم الذين لا يحسنون الصلاة كيف يصلونها على الوجه الصحيح إن كنت تعلمه. ومن التقوى أن تؤدي الزكاة، وتأمر الناس بأدائها على الوجه الصحيح، وتعلمهم كيف يخرجونها إن كانوا لا يعلمون كيفية إخراجها. ومن التقوى أن تفي بالعهد، وتأمر الناس بالوفاء به، وأن تصبر في البأساء والضراء وحين البأس. ومن التقوى الجهاد في سبيل الله، ودعوة الأمة الإسلامية إلى إقامة الجهاد، ودعوة أغنياء المسلمين إلى الإنفاق على المجاهدين، وشراء ما يحتاجونه من سلاح وطعام، والإنفاق على أسر المجاهدين.

стр. 74

المبحث الرابع عشر فضل التقوى وعظم قدرها قال الفيروز آبادي متحدِّثاً عن فضل التقوى وعظيم شرفها: "اعلم أن التقوى كنز عزيز، إن ظفرت به فكم تجد له فيه من جوهرٍ شريف، وعلقٍ نفيس، وخير كثير، ورزق كريم، وغنمٍ جسيم، وملك عظيم، فهي الخصلة التي تجمع خير الدنيا والآخرة، وتأمَّل ما في القرآن من ذكرها كم علَّق بها من خير، وكم وعد عليها من ثواب، وكم أضاف إليها من سعادة" [بصائر ذوي التمييز: ٥/ ٢٥٩]. وقال الأستاذ وهبة الزحيلي: "التقوى قاعدة الإسلام، وجماع الخير، والعاصم من كل شرٍّ، والباعث على كل فضيلة، وخلق كريم، وهي أساس النجاة في الدنيا والآخرة، وسبيل السعادة، وطريق التوصل إلى الطمأنينة والاستقرار، والشعور بالرضا والارتياح، بل وسبب تيسر الرزق الحلال" [أخلاق المسلم، ص ٥٢]. المطلب الأول التقوى الخصلة التي تجمع خير الدنيا والآخرة قال الفيروز آبادي مبيناً كيف كانت التقوى هي الخصلة الجامعة لخير الدنيا والآخرة: "أليس الله سبحانه أعلم بصلاح العبد من كلِّ أحد، ولو كانت في العالم خصلةٌ هي أصلح للعبد وأجمع للخير، وأعظ للأجر، وأجلُّ في العبودية، وأعظم في القدر، وأولى في الحال، وأنجح في المآل من هذه الخصلة التي هي التقوى لكان الله سبحانه أمر بها عباده وأوصى خواصّه بذلك؛ لكمال

стр. 75

حكمته ورحمته، فلما أوصى بهذه الخصلة جميع الأولين والآخرين من عباده واقتصر عليها، علمنا أنها الغاية التي لا متجاوز عنها، وأنه عز جل قد جمع كل محض نصح، ودلالة، وإرشاد، وتأديب، وتعليم، وتهذيب في هذه الوصية الواحدة كما يليق بحكمته ورحمته، فهي الخصلة الجامعة لخير الدنيا والآخرة، الكافية لجيمع المهمات، المبلغة إلى أعلى الدرجات. وهذا أصلٌ لا مزيد عليه، وفيه كفاية لمن أبصر النور واهتدى، وعمل واستغنى. والله وليُّ الهداية والتوفيق. ولقد أحسن القاتل: من عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشَّقي ما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزُّ كلُّ العزِّ للمتقي [بصائر ذوي التمييز: ٥/ ٢٦١]. المطلب الثاني التقوى تشرح الصدر والفجور يدسي النفس قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "البرُّ والتقوى يبسط النفس، ويشرح الصدر، بحيث يجد الإنسان في نفسه اتساعاً وبسطاً عما كان عليه قبل ذلك؛ فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه الله شرح صدره. والفجور والبخل يقمع النفس ويعضها ويهينها، بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق. وقد بيَّن النبي ﷺ ذلك في الحديث الصحيح فقال: «مثل البخيل والمتصدِّق كمثل رجلين عليها جبَّتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما، فجعل المتصدِّق كلما همَّ بصدقة اتسعت وانبسطت عنه، حتى تغشى

стр. 76

أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة قلصت، وأخذت كلَّ حلقة بمكانها» - وأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه في جيبه "فلوه رأيتها يوسِّعها فلا تتسع" [البخاري: ٥٧٩٧، مسلم: ١٠٢١ من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم]. وإخفاء المنزل وإظهاره تبعاً لذلك، قال تعالى: ﴿يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٩].فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسَّها صاحبها في بدنه بعضها في بعض، ولهذا وقت الوت تنزع من بدنه كما ينزع السفود من الصوف المبتل، والنفس البرَّة التقية النفية التي قد زكاها صاحبها فارتفعت واتسعت ومجدت ونبلت، فوقت الموت تخرج من البدن تسيل كالقطرة من في السقاء، وكالشَّعرة من العجين. قال ابن عباس: إن للحسنة لنوراً في القلب، وضياءً في الوجه، وقوةً في البدن، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمةً في القلب، وسواداً في الوجه، ووهناً في البدن، وضيقاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق. قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ [الأعراف: ٥٨]. وهذا مثل البخيل والمنفق. قال: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]. وقال له في سياق الرمي بالفاحشة وذم من أحب إظهارها في المؤمنين، والمتكلم بما لا يعلم: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ الآية [النور: ٢١]. فبيَّن أن الزكاة إنما تحصل بترك الفاحشة، ولهذا قال: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية [النور: ٣٠]. وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال النفس، فإنها تعلم أن السيئات مذمومة ومكروهٌ فعلها، ويجاهد نفسه إذا دعته إليها، إن كان مصدقاً لكتاب

стр. 77

ربه مؤمناً بما جاء عن نبيه ﷺ ، ولهذا التصديق والإيمان والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة، فتزكوا بذلك أيضاً، بخلاف ما إذا عملت السيئات فإنها (تتدنس) وتندس وتنقمع". المطلب الثالث الله يحب المتقين أخبرنا ربنا أنه يحب المتقين، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] وأمر الله تعالى المؤمنين بإتمام عهد المشركين إلى مدتهم، وهذا من التقوى، وأخبر في ختام الآية أنه ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] وأمر الله المؤمنين أن يقموا العهود التي بينهم وبين المشركين، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله يحب التقي الغني الخفي» [مسلم: ٢٩٦٥]. وإذا كان الله يحبُّ المتقين، فإنه معهم بنصره وتأييده وتوفيقه، فقد أمر الله تعالى المؤمنين إذا اعتدى عليهم المشركون أن يعاملوهم بمقدار المثل، فلا يزيدوا في العدوان عليهم بأكثر مما عاملوهم به، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار، وأن يكون قتالهم إياهم فيه شيء من القوة والغلظة، وطاعة المؤمنين ربهم فيما أمرهم به يدخلهم في التقوى، والله يحبُّ المتقين ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣] وأخبر الله تعالى في آخر آية من سورة النحل

стр. 78

أنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. المطلب الرابع إنما يتقبل الله من المتقين أخبرنا ربنا أن ولدين من ذرية آدم قدَّم كلُّ واحد منهما قرباناً لله ، فتقبل الله من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، فقال الذي لم يتقبل الله قربانه لأخيه الذي تقبل الله قربانه: لأقتلنك، فقال له: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. فعلة عدم قبول الله لمن تقربوا إليه بقرابين هو عدم وجود التقوى عند هؤلاء، ولو وجدت التقوى في قلوبهم لتقبل الله قرابينهم ونذورهم، ولو كانت قليلة، فقد كان المنافقون يلمزون المطوعين من المؤمنين، الذين لا يجدون من المال إلا النزر اليسير، فيسخرون منهم، فتهدد الله المنافقين اللامزين وتوعدهم، وأثنى على المؤمنين المتقربين بالمال اليسير الذي تقربوا به ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابُ أَلِيمُ﴾ [التوبة: ٧٩]. وحسب المتقين أن العمل لا يتقبل إلا منهم، قال الفيروز آبادي: "ثم تأمل أصلاً واحداً، هب أنك جاهدت وثابرت جميع عمرك في العبادة، وعشت ما عشت، وحصل لك من العنايات ما حصل، أليس ذلك كله متوقفاً على

стр. 79

القبول؟ وإلا كان هباءً منثوراً، وقد علمنا أن الله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين، فرجع الأمر كله إلى التقوى" [بصائر ذوي التمييز: ٥/ ٢٦٠]. المطلب الخامس لا يقبل الله الأعمال إلا من المتقين سبق أن بيّنت أن الله تعالى أخبرنا أن ابني آدم لصلبه قدَّم كلُّ واحد منهما قرباناً لربه، فتقبل الله قربان أحدهما دون الآخر، فتهدد الولد الذي لم يتقبل الله قربانه أخاه بالقتل، فقال الذي تقبل الله قربانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. و ﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الحصر، والمعنى: أن الله يقبل من المتقين دون غيرهم. وهذا يدلُّ على أن الولد الذي لم يقبل الله قربانه، لم يكن متقياً لله فيما قدَّمه من قربان. والذي عليه أهل السنّة والجماعة أن المؤمن إذا كان متقياً لله في عمله الذي تقرب به، فإنه مقبول، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وإن، كان عاصياً في غيره، كأن يكون زانياً أو سارقاً أو قاطعاً رحمه. وخالف في ذلك الخوارج، فذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة كافر، إلا أن يتوب، فلا يقبل الله صلاة الزاني ولا صيامه ولا زكاته، ولم يحكم عليه المعتزلة بالكفر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، أي: بين الكفر والإيمان، ولكنه في الآخرة من الخالدين في النار. والذي عليه أهل السنّة والجماعة أ، العمل حتى يقبل يحتاج إلى شرطين: الأول: أن يكون مشروعاً، فإن تقرب العبد إلى ربه بعمل غير مشروع فال يقبل، والعمل المشروع كالصلوات المفروضة، والسنن التي تصحب الصلاة

стр. 80

المفروضة، وقيام الليل، وصيام رمضان، وصوم يوم عرفة، وصوم عاشوراء، وصيام الاثنين والخميس، ونحو ذلك مما شرعه الله ورسوله ﷺ . والعلم غير المشروع، العبادات المبتدعة، والمنهي عنها، كالذي يصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها، أو يصوم يوم العيد أو نحو ذلك، وقد قال الرسول ﷺ : «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ». والثاني: أن يكون العمل الذي يتقرب به إلى الله خالصاً لله، فلا يعبد مع الله تعالى أحداً، ولا يرائي بعبادته، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، وقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. فهذه الآيات اشترطت لقبول الأعمال الصالحة الإيمان، والكفر لا يتقبل الله منه. وقد سئل الفضيل بن عياض عن المعنى المراد بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا عليٍّ: ما أخلصه، وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً، ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنّة، والمراد بكونه على السنّة، أي: موافقاً لسنة رسول الله ﷺ ، وهو الذي سميناه بالمشروع. قال شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] أي: ممن اتقاه في ذلك العمل بأن يكون عملاً صالحاً

стр. 81

خالصاً لوجه الله، وأن يكون موفقاً للسنه كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبّهِ فَليَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ولَا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠]، وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: (اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً) [ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج٤، ص ٣١٠ - ٣١١]. وسُئل ابن تيمية عن رجل مدمن على المحرمات، وهو مواظب على الصلوات الخمس، ويصلي على محمد مائة مرة كل يوم، ويقول: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، كل يوم مائة مرة، فهل يكفر ذلك بالصلاة والاستغفار؟ الجواب الحمد لله: "قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، فمن كان مؤمناً، وعمل عملاً صالحاً لوجه الله تعالى، فإن الله لا يظلمه بل يثيبه عليه، وأما ما يفعل من المحرم اليسير، فيستحق عليه العقوبة، ويرجى له من الله التوبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، وإن مات ولم يتب، فهذا أمره إلى الله تعالى، هو أعلم بمقدار حسناته وسيئاته، ولا يشهد له بجنة ولا نار، بخلاف الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون: إنه من فعل كبيرة أحبطت جميع حسناته. وأهل السنّة والجماعة لا يقولون بهذا الإحباط، بل أهل الكبائر معهم حسنات وسيئات، وأمرهم إلى الله، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] أي: ممن اتقاه في ذلك العمل، بأن يكون عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله، وأن يكون موافقاً للسّنة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا

стр. 82

وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠] ... " [ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج٤، ص ٣١٢ - ٣١٣]. وقال ابن تيمية أيضاً: "لا يجوز أن يراد بالآية أن الله لا يقبل العمل إلا ممن يتقي الذنوب كلها، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقياً، فإن كان قبول العمل مشروطاً بكون الفاعل حين فعله لا ذنب له امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير، لم يخلص من الذنب، بل هو متَّقٍ في حال تخلصه منه. وأيضاً فول أتى الإنسان بأعمال البر، وهو مصر على كبيرة، ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة، وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقاً" [ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج٧، ص ٤٩٦ - ٤٩٧، راجع في هذا الموضوع: (موسوعة المسلم في التوبة والترقي في الإيمان): ٢/ ١٢٨٧) للأستاذ الدكتور منير البياتي]. المطلب السادس الله ولي المتقين أخبرنا ربنا ﵎ أنه ولي المتقين، أي هو ناصرهم ومؤيدهم، يحميهم، ويدافع عنهم، وأولياء الله لا خوف عليهم في الدنيا، ولا هم يحزنون ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. وولاية الله للمؤمنين تأتي في مقابل تولي الظالمين بعضهم لبعض ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]. وأخبر الله أن

стр. 83

المتقين ليس لهم من دون الله من ولي ولا شفيع ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِّنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]. وهذا التعريف لأولياء الله الذي نصّ الله عليه في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] يدلُّ على أن كل مؤمن تقي، فإنه لله ولي، وهذا يدلُّ على مدى ضلال بعض المسلمين الذين ينسبون الولاية إلى أقوام جهلة، علمهم بالعقيدة والشريعة قليل، وجهلهم بهما كثير، حتى إن الواحد منهم قد لا يعلم كيف يصلي، وكيف يتوضأ، وتجده متلطخاً بالنجاسات، مغرقاً في الترهات، وقد تجد الواحد منهم مشتغلاً بالسحر والشعوذة، مضلاً لعباد الله، والناس يظنون فيه التقى، وهو أبعد الناس عن التقى. المطلب السابع كرامات الأولياء أخبرنا ربنا ﵎ أن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. فكل مؤمن تقي، فهو لله ولي، وقد يخرق الله ﵎ لبعض أوليائه العادات، ولكن الذين خرقت لهم العادات لا يكونون أولياء إلا إذا كانوا مؤمنين أتقياء، أما الكفار وأهل البدع الضالون الذين تخرق لهم العادات، فتراهم لا يصلون، ولا يتوضؤون، تراهم مخالفين للكتاب والسنّة، ثم تراهم يطيرون في الهواء، ويمشون على الماء، فهؤلاء ضالون

стр. 84

ليسوا من الولاية في شيء، وكثير من الكفرة والمشركين من اليهود النصارى وغيرهم يجري على يديه بعض الخوارق، وهذه الخوارق أحوال شيطانية، وليست بأحوال رحمانية. وأولياء الرحمن المؤمنون المتقون - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - نوعان: الأبرار أصحاب اليمين؛ والسابقون المقربون، فالأولون هم المقربون إلى الله بفعل ما فرضه وترك ما حذَّره؛ والآخرون هم الذين يتقربون إليه بعد الواجبات بالنوافل المستحبات، كما روى البخاري في صحيحه [ورقمه: ٦٥٠٢] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرّب إليّ عبدٌ بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه». فقد بيَّن ﷺ في هذا الحديث نوع أولياء الله المتقربين بالفرائض، ونوع أهل النوافل بالمحبة، وما لم يكن من الواجبات ولا من المستحبات، ولم يأمر الله به ورسوله لا أمر إيجاب ولا استحباب، ولا فضَّله الله ورسوله بالترغيب فيه، فليس من الأعمال الصالحة، وليس من العبادات التي يتقرَّب بها إلى الله، وإن كان كثيرٌ من عبَّاد المشركين وأهل الكتاب والمبتدعين يتقربون بما يظنونه عبادات، وليس مما أوجب الله ورسوله ولا أحبَّه الله ورسوله، فهؤلاء ضالون مخطئون طريق الله.

стр. 85

وهم في الضلال درجات: فمنهم كافر، ومنهم فاسق، ومنهم مذنب، ومنهم مؤمن مخطئ أخطأ في اجتهاده، والخوارق التي تحصل بمثل هذه الأعمال التي ليست واجبةً، ولا مستحبة، بل هي من الأحوال الشيطانية، لا مما يكرم الله به أولياءه، كالخوارق التي تحل بالشرك والكواكب وعباداتها، وعبادة المسيح والعزير وغيرهما من الأنبياء، وعبادة الشيوخ الأحياء والأموات، وعبادة الأصنام، فإن هؤلاء قد تجعل لهم أرواحٌ تخاطب ببعض الأمور الغائبة، ولكن لا بد أن يكذبوا مع ذلك، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]. وقد تقتل بعض الأشخاص أو تمرضه، وقد تأتيه بما تسترقه من الناس، إما دراهم وإما طعام وإما شراب أو لباس أو غير ذلك. وهذا كثير جداً. فمن كذَّب بمثل هذه الخوارق فهو جاهل بالموجودات، ومن ظنّ أن هذه كرامات أولياء الله المتقين فهو كافرٌ بدين رب الأرض والسماوات، بل هذه من جنس أحوال الكهنة والسحرة، مثل مكاشفة عبد الله بن صيّاد للنبي ﷺ ، وكان قد ظنّه بعض الصحابة الدجَّال، ولم يكن هو الدجال، وتوقف فيه النبي ﷺ حتى تبيّن له أنه ليس هو الدجال، لكن كان له حالٌ شيطاني، فقال له النبي ﷺ : «قد خبأت لك خبيئةً» [مسلم: ٢٩٢٤]، فقال: الدُّخ الدُّخ، وكان قد خبأ له سورة الدخان، فقال له النبي ﷺ : «اخسأ، فلن تعدو قدرك، فإنما أنت من إخوان الكهَّان». وقال له: «ما ترى؟» قال: أرى عرشاً على الماء، وقال: يأتيني صادقٌ وكاذب. [أخرجه مسلم: (٢٩٢٥، والترمذي: ٢٢٤٧ عن أبي سعيد الخدري]. وذلك العرش هو عرش إبليس. وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر، عن النبي ﷺ : «إن الشيطان ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه» [مسلم: ٢٨١٣].

стр. 86

وأما كرامات أولياء الله تعالى فيها الإيمان والتقوى، سببها ما أمر الله به من الأعمال والواجبات والمستحبات، وأكابر أولياء الله يقتدون بنبيهم ﷺ ، فلا يستعملون الخوارق إلا لحاجة المسلمين، أو لحجَّةٍ في الدين، كما كان النبي ﷺ إنما تجري الخوارق على يديه لحجَّةٍ للدين أو لحاجة المسلمين، كتكثير الطعام والشراب عند الحاجة. والأحوال التي تحصل عند سماع المكاء والتصدية والشرك كلُّها شيطانية، ولهذا تبطل أحوالهم إذا قرئت عليهم آية الكرسي، فإنها تطرد الشيطان، وإذا أرادوا دعوا شيوخهم وتوجَّهوا إلى ناحيتهم جاءتهم الشياطين، وقد تتكلم على ألسنتهم حال الوجد الشيطاني بكلام لا يفهمه صاحبه إذا افاق، كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وقد يطير أحدهم في الهواء، فهذا ونحوه من الأحوال الشيطانية. وأما كرامات أولياء الله كمثل ما جرى للعلاء بن الحضرمي لما غزا البحرين، فمشى هو والعسكر الذي معه بخيولهم على البحر، فما ابتلت لبود سروجهم، وكذلك أبو مسلم الخولاني ومن معه، ومثل صلاة أبي مسلم ركعتين لما ألقاه الأسود العنسي في النار، فصارت عليه برداً وسلاماً. [جامع المسائل: ٢/ ٩٨ - ١٠١ لشيخ الإسلام ابن تيمية]. المطلب الثامن الذين لا يدخلون في الولاية والذين لا يدخلون في ولاية الله سبحانه ثلاثة أصناف: ١ - الكفار والذين لا يعملون بطاعة الله: فرجال الدين من اليهود والنصارى والمتدينون منهم كفار، لا يدخلون في ولاية الله تعالى، والكفار لا

стр. 87

يكونون أولياء لله تعالى بحال، ويخطئ الذين يحسنون الظن بهؤلاء ويعظمونهم، فهم خارج الولاية، وليسوا بمؤمنين، ولا متقين. ٢ - الذين لا يعملون بطاعة الله: يزعم بعض الضالين أنهم بلغوا مرتبة في الدين، تسقط عنهم التكاليف، فتراهم لا يصلون، ولا يصومون، وقد يرتكبون الحرام، وتراهم يزعمون أنهم أولياء لله، وكذبوا، فالرسول ﷺ وأصحابه، كانوا سادة الأولياء، ولم يدعوا فرضاً، وكانوا يديمون فعل الطاعات وترك المحرمات، وكم أضل الضالون بدعواهم الولاية عباد الله. ٣ - المجانين والمضيِّعون لعقولهم: يعتقد بعض العوام الذين لا علم عندهم أن بعض المجانين أولياء لله تعالى، ومن المعلوم أن الذين يفقدون عقولهم، لا يبايعهم الناس، ولا يناكحونهم، ولا يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يقبل الناس شهادتهم، ولا يكلون إليهم أعمالهم من التجارة والصناعة والزراعة، وأقوالهم لغو، فإذا كانوا كذلك، فلا يصح منهم الإيمان والتقوى، ولذا فإن الناس يفقدون عقولهم عندما يجعلونهم في مرتبة الأولياء، الذين يقدسونهم، ويعظمونهم [راجع: الفرقان، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ص ١٢٦]. المطلب التاسع أكرم العباد عند الله أتقاهم يتصارع الناس فيما بينهم، ويتنازعون، ويدَّعي كل فريق أنه الأفضل والأكرم، فقد ادعى هذه الدعوى كلٌّ من اليهود والنصارى ومشركي العرب ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] والذين لا يعلمون هم مشركو العرب.

стр. 88

وادَّعى كلٌّ من اليهود والنصارى أنهم أهل الجنة دون غيرهم ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. وأعلمنا ربنا أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنا حتى نتبع دينهم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] وأخبرنا ربنا أنه خلق العباد من ذكر وأنثى، وجعل العباد شعوباً وقبائل ليتعافوا، لا ليتقاتلوا، ويتنازعوا، وصرِّح بأن الأكرم والأفضل هو الأتقى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وأخبرنا أبو هريرة أن رسولنا ﷺ سئل عن أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» [البخاري: ٣٣٥٣]. واتقى الناس كلهم أولهم وآخرهم هو رسولنا ﷺ ، وفي ذلك يقول فيما رواه عنه أنس بن مالك: «والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له» [البخاري: ٥٠٦٣، مسلم: ١١٠٨]. ويأتي بعد الرسول ﷺ في التقوى بقية أولي العزم من الرسل، وهم: إبراهيم ونوح وموسى وعيسى، ثم يأتي بعدهم بقية الرسل والأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، على تفاوت في كل طائفة منهم. ولما كانت التقوى درجاتٍ عاليات، يتفاوت فيها العباد تفاوتاً كبيراً، فقد أعلمنا ربنا في سورة الفرقان أن عباد الرحمن الذين أخبر عنهم في آخر السورة يدعون ربَّهم أن يجعلهم للمتقين إماماً ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. وكان رسول الله ﷺ كما روى عنه عبد الله بن مسعود يدعو ويقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغنى» [مسلم: ٢٧٢١].

стр. 89

المطلب العاشر بشرى الله للمتقين في الدنيا والآخرة أخبرنا الله ﵎ أنه يبشر المتقين في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. وهذه البشرى تسوقها الملائكة إليه عندما تحضر لقبض روحه، تبشره بالجنة والمغفرة، وتقول له: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد، نحن أولياؤك في الحياة الدنيا والآخرة، ولك ما تشتهي نفسك، ولك ما تقرُّ عينك، نزلاً من غفور رحيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وجاء في الحديث الذي يرويه البراء: «إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه، بيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيها الروح الطيبة إلى روح وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج من فمه، كما تسيل القطرة من في السقاء» [حكم محقق ابن كثير (٣/ ٥٠٠) على هذا الحديث بالصحة، وعزاه إلى عبد الرازق وأحمد والحاكم]. وفي يوم القيامة تتلقى الملائكة الأتقياء تبشرهم وتطمئن قلوبهم، قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].

стр. 90

المطلب الحادي عشر إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا أخبرنا ربنا أننا إذا اتقيناه فإنه يجعل لنا فرقاناً، نفرق به بين الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. ويصبح العبد بهذا الفرقان كالبصير، ويكون الذي حرم التقوى وضلَّ عنها كالأعمى، فالبصير يبصر ما حوله، ويشقُّ طريقه إلى مراده، ويسير على هدى، بينما الذي حرم التقوى لا يستطيع أن يعرف الخير والصواب، ولا يستطيع أن يحققه. المطلب الثاني عشر يجعل الله للمتقين من كل ضيق فرجا أخبرنا ربنا ﵎ أنه من يتقيه فإنه يجعل له من كل ضيق مخرجاً ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ويجعل له من أمره يسراً ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. وقد عرَّفنا ربنا بما تحقق للمؤمنين بتقاهم، ففي معركة بدر نصر الله المتقين وهم أذلة ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وأخبرنا ربنا كيف أنزل عليهم ملائكته، فقال: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا

стр. 91

وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٧] وأخبرنا رسولنا ﷺ قصة ثلاثة ممن قبلنا، كانوا في سفر، فأمطرتهم السماء، فأووا إلى غار، فجرف السيل صخرةً، فانطبقت على فم الغار، فأصبحوا كالمقبورين وهم أحياء، وعلموا أنه لا منجى من الله إلا إليه، فتقربوا بأفضل ما عملوه لله، فانفرجت الصخرة، وخرجوا يمشون، فقد جعل الله لهم من ضيقهم فرجاً، ومن بلائهم يسراً. عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «خرج ثلاثة نفر يمشون، فأصابهم المطر، فدخلوا في غرا في جبل، فانحطّت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه. فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلالب، فآتي به أبويّ فيشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رجليّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا فرجة نرى منها السماء، قال: ففرج عنهم. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأةً من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا

стр. 92

تفضَّ الخاتم إلا بحقه، فقمت تركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة، قال ففرج عنهم الثلثين. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً بفرق من ذرة فأعطيته، وأبى ذاك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، حتى شريت منه بقراً وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما استهزئ بك، ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنها، فكشف عنهم». وذكر ابن كثير في تفسيره قصة طريفة، نقلها عن الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل - حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري، المعروف بالدُّقي الصوفي، قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزَّبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق، على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه، فإنها أقرب، فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب، سلكناها، فانتهينا إلى مكان وعر ووادٍ عميق، وفيه قتلى كثير. فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمَّر، وجمع عليه ثيابه، وسلَّ سكيناً معه وقصدني، ففرت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله، وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك، فخوَّفته الله والعقوبة، فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه، وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين؟ فقال: عجِّل، فقمت أصلي، فأرتج عليّ القرآن، لم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفاً متحيراً وهو يقول: هيه، افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، فإذا أنا بفارس قد أقبل من

стр. 93

فم الوادي، وبيده حربةٌ، فرمى بها الرجل، فما أخطأت فؤاده، فخَّر صريعاً، فتعلّقت بالفارس، وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالماً. وذكر ابن عساكر في ترجمة "فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية"، قالت: "هزم الكفار يوماً المسلمين في غزاة، فوقف جواد جيِّدٌ بصاحبه، وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء، فقال للجواد: ما لك؟ ويلك! إنما كنت أعدُّك لمثل هذا اليوم. فقال له الجواد: وما لي لا أقصِّر، وأنت تكل علوفتي إلى السُّواس فيظلمونني ولا يطعمونني إلا القليل؟ فقال: لك عليّ عهد الله أني لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حجري، فجرى الجواد عند ذلك ونجّى صاحبه، وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حجره. واشتهر أمره بين الناس، وجعلوا يقصدوه ليسمعوا منه ذلك، وبلغ ملك الروم أمره، فقال: ما تضام بلدة يكون هذا الرجل فيها، واحتال ليحصِّله في بلده، فبعث إليه رجلاً من المرتدين عنده، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حسنت نيّته في الإسلام وقومه، حتى استوثق، ثم خرجا يوماً يمشيان على جنب الساحل، وقد واعد شخصاً آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره، فلما اكتفاه ليأخذاه رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم، إنه إنما خدعني بك، فاكفنيهما بما شئت، قال: فخرج سبعان إليهما فأخذاهما، ورجع الرجل سالماً" [تفسير ابن كثير: ٤/ ٦٧٦]. المطلب الثالث عشر فتح الله بركات السماء والأرض على المتقين أخبرنا ربنا ﵎ أن يفتح على عباده من البشر بركات السماء والأرض إذا هم آمنوا واتقوا ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].

стр. 94

وقد أخبر نوح ﵇ قومه بأن توبتهم إلى الله واستغفارهم له، سيؤدي إلى غفران ذنوبهم، لأن الله غفار للتائبين ويحل بهم بركاته، فينزل لهم من السماء المطر الكثير، ويمدهم بالأموال والأولاد، ويجعل لهم جنات، ويجعل لهم الأنهار ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وأعلمنا ربنا أن الشرك والكفر والذنوب والمعاصي توقع العباد في المصائب والزلازل والفتن، وتصيب الناس بالمحل والفقر، وتمنع قطر السماء، وتزيل جنات الأرض: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. المطلب الرابع عشر المتقون هم المفلحون أمرنا الله ﵎ بالتقوى لنكون من المفلحين، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] ونادى الله ﵎ المؤمنين ناهياً إياهم عن الربا أضعافاً مضاعفة آمراً إياهم بالتقوى لعلهم يفلحون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]، ونادى الله المؤمنين آمراً إياهم أن، يصبروا ويصابروا ويرابطوا ويتقوا الله لعلهم يفلحون، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]

стр. 95

وأمر الله أولي الألباب بتقواه لعلهم يفلحون ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]. والمفلحون الفائزون السعداء في يوم الدين، هم الذين يبيض الله وجوههم، ويثقل في يوم القيامة موازينهم، ويسوقهم في ذلك اليوم إلى الجنة خالدين فيها، ونعم عقبى المتقين ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢]، وهؤلاء المفلحون هم حزب الله ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. المطلب الخامس عشر الأتقياء إخوة في الله الأتقياء من هذه الأمة على دين واحد، وملة واحدة، ربهم واحد، ورسولهم واحد، وقبلتهم واحدة، ولذلك فإنه يرجى أن يكونوا متحابين فيما بينهم، كما تآلفت قلوبهم في الله وعلى طاعته ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ولذا فإنه إذا وقع بينهم ما يكدِّر العلاقة سارع الآخرون إلى الإصلاح فيما بين المتخاصمين، كما قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. وأخبرنا ربنا أن الأخلاء المتحابين تتحول محبتهم في يوم الدين إلى عداوة وبغضاء، إلا المتقين، فإن إخوتهم تشتد وتدوم، ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ذلك أن محبة المؤمنين كانت في الدنيا لله تعالى، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره زال وانفصل.

стр. 96

وأخبر بنا أنه ينزع ما في قلوب المؤمنين المتقين في يوم الدين، فيصبحون إخواناً على سرر متقابلين ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. المطلب السادس عشر تكفير الله خطايا المتقين أخبرنا ربنا ﵎ أنه ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥] وأعلمنا أن أهل الكتاب لو آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥]. وهذا التكفير لذنوب المتقين يصفي قلوبهم وأعمالهم من الرجس والدنس، ويطهرهم تطهيراً لا غاية بعده، فإن الذنوب إذا كثرت أهلكت صاحبها وأوبقته. المطلب السابع عشر العاقبة للمتقين أعلما ربنا سبحانه أن العاقبة للمتقين، فقد قال لرسوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وأخبرنا الله أن الأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده، ثم تكون العاقبة للمتقين، ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وقد حدثنا ربنا كيف كانت عاقبة المكذبين من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب، فقد عاندوا رسله وكفروا بما أنزله الله عليهم،

стр. 97

ثم كانت العاقبة للمرسلين، ودمر الله الكافرين، وهذه الأمة قارعت أعداء الله، وكانت الحرب بيننا وبين أعدائنا سجالاً، يوم لنا ويوم علينا، ثم كانت العاقبة للمتقين، فانتصر المسلمون على أعدائهم، وفتحوا مكة، ثم فتحوا الجزيرة العربية، ثم فتحوا العراق وفارس، وبلاد الشام، ومصر وغيرها، وكانت لهم عاقبة الدار، ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] وقال سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وقد أعلمنا ربنا أنه كتب في كتابه الذي أنزله على نبيه داود، وهو الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباده الصالحون ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وقد وجدت هذا الذي ذكره القرآن في المزمور السابع والثلاثين من مزامير داود، فالذكر الذي جاء فيه قوله: "١ لا تغر من الأشرار، ولا تحسد عمّال الإثم، ٢ فإنهم مثل الحشيش سريعاً يقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون. ٣ اتكل على الرب وافعل الخير. اسكن الأرض وارع الأمانة. ٤ وتلذذ بالرب فيعطيك سؤل قبلك. ٥ سلِّم للرب طريقك واتكل عليه وهو يجري، ٦ ويخرج مثل النور برَّك، وحقَّك مثل الظهيرة. ٧ انتظر الرب واصبر له، ولا تغر من الذي ينجح في طريقه، من الرجل المجري مكايد. ٨ كفَّ عن الغضب، واترك السخط، ولا تغر لفعل الشر" [المزمور السابع والثلاثون: ١ - ٨]. ثم قال بعد هذا الذكر: "٩ لأن عاملي الشر يقطعون، والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض. ١٠ بعد قليل يكون الشرير. تطَّلع في مكانه

стр. 98

فلا يكون. ١١ أما الودعاء فيرثون الأرض، ويتلذذون في كثرة السلامة" [المزمور السابع والثلاثون: ٩ - ١١]. ثم ذكر المزمور المزيد من الذكر، ثم قال: "٢٩ الصديقون يرثون الأرض ويسكونها إلى الأبد" [المزمور السابع والثلاثون: ٢٩]. نهى هذا المزمور عن الغيرة من الأشرار الذين يملكون الجاه والمال والسلطان، ونهى عن حسد عمّال الإثم من الكفر والشرك والذنوب والمعاصي، فإنه سيكون حالهم حال الحشيش سريعاً ما يجف ويذبل ويقطع، وأمر بالتوكل على رب العباد، وفعل الخيرات، وأمر بسكنى الأرض، أي في جانب من جوانبها، وأمر بحفظ الأمانة، وأمر بعبادة الله بحبة واشتياق، فيعطيك ما تطلبه، وأمر بأن يسلم العبد للرب طريقه، ويتوكل عليه، فيخرج برّك مثل النور، ويبرز حقك كما تبرز الظهيرة، وأمر بانتظار الرب والصبر له، أي: بالمحافظة على طاعته، والصبر على ذلك، ونهى عن الغيرة من الذي ينجح في عمل الشر، وأمر بالكف عن الغضب، وترك السخط، ولا يضر الإنسان ما يفعله الأشرار. ثم قرر بعد هذا الذكر كله أن عاملي الشر يقطعون، والذين ينتظرون الرب هم الذين يرثون الأرض، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. ثم ذكر أن الشرير وهو الشيطان وأتباعه سيهلكون، وأما الودعاء الصالحون فهم يرثون الأرض، ويتلذذون في كثرة السلامة، وهذا يكون على الوجه الأكمل بعد نزول عيسى كما سبق بيانه. ثم ذكر المزمور المزيد من الذكر وقال: "الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد".

стр. 99

وهذا الذي ذكر في هذا المزمور إخبار بما سيكون عليه حال الأمة الإسلامية في آخر الزمان. المطلب الثامن عشر لباس التقوى خير من اللباس الحسي أخبرنا ربنا ﵎ أنه أنزل علينا لباساً يواري سوءاتنا، وريشاً، ولباس التقوى ذلك خير، قال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. نادى الله بني آدم مخيراً إياهم أنه أنزل عليهم لباساً يوري سوءاتهم، كما أنزل عليهم ريشاً، يتزينون به، وهذا هو اللباس الظاهري الذي يواري عورات العباد الجسدية، وأخبرنا أن هناك لباساً داخلياً يواري عوراتنا الداخلية، واللباس الداخلي هو لباس التقوى، وهو خير من اللباس الظاهري. ولباس التقوى هو الذي يحفظ على المرء دينه وخلقه، ويقيم العلاقة الطيبة مع ربه، ويدفع المرء إلى فعل الطاعات واجتناب السيئات. إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى ... تلقب عريانا ولو كان كاسيا وخير لباس المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان الله عاصيا المطلب التاسع عشر إنجاء الله تعالى المتقين من النار أخبرنا ربُّنا ﵎ أن كل الناس سيردون النار في يوم القيامة، وهذا الورود حتم لازم لا بدمنه، وقد قدَّره الله وقضاه، ثم بعد ذلك ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثياً، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى

стр. 100

رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]. المطلب المتمم للعشرين المتقون في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر المتقون على اختلاف أجناسهم على مر التاريخ الإنساني هم أهل الجنة، وقد أسلفت القول: إن جميع الرسل والأنبياء جاؤوا بالتقوى، وكانوا على التقوى، وأمروا بها، وتقوى كل رسول والصادقين من أتباعه تكون بحسب ما شرع الله لهم، فقد كان من التقوى عند بني إسرائيل عدم العمل في يوم السبت، وصلاتهم كانت صلاتين، ويصلونها وفق ما شرع الله تعالى لهم، وصومهم بحسب ماشرع الله لهم، وليس ترك العمل في يوم السبت من التقوى في شريعتنا، وفرض الله علينا الصلاة خمساً، وكذلك الصوم والزكاة، وفيها بعض ما نخالف فيه شريعة التوراة، فالصوم عند بني إسرائيل من الفجر إلى الغروب، ثم يباح لهم الطعام والشراب والنكاح إلى الفجر، ما لم ينم الواحد منهم، فإذا نام قبل الفجر حرمت عليه المفطرات إلى غروب الشمس من اليوم التالي، وكان الأمر في أول الإسلام كذلك، ثم أباح الله ذلك كله إلى الفجر ناموا أو لم يناموا. وقد أكثر الله تعالى من إخبارنا في كتابنا عن مصير المتقين، وأعلمنا ربنا أن ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقال: ﴿وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩].

стр. 101

وإنما كانت الأخرة للمتقين، لأن غير المتقين من الكفرة والمشركين والمنافقين يكونون في الموقف في بلاء عظيم، بينما يكون المتقون في ظل العرش، ثم يساق الكفار إلى النار ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]. أما المتقون الموحدون فيساقون إلى الجنة زمراً ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٢] وأخبرنا ربنا أن المتقين عندما يأتون الجنة تفتح لهم أبوابها، ويجدون الملائكة يرحبون بهم ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. وقد تحدث القرآن طويلاً عن جناب النعيم التي أعدها الله للمتقين، وتحدث عما أعده ﵎ فيها من النعيم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرُ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥]. وقال ربُّ العزة : ﴿لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] وقال سبحانه: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار﴾ [الزمر: ٢٠] وقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا * لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٠ - ٦٣]. وقال تعالى ضارباً المثل للجنة التي وعد المتقون: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا﴾

стр. 102

[الرعد: ٣٥]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرُ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ [الفرقان: ١٥]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٥ - ٤٦]. وتحدث ربنا عن المقام الأمين الذي يحلُّ فيه المؤمنون في يوم الدين، فهم في جنات وعيون، وأخبرنا أنهم يلبسون من سندس وإستبرق، ويجلسون في ذلك اليوم متقابلين، وأخبرنا أنه زوجهم الحور العين، وأخبرنا أنهم يدعون في الجنة بأنواع كثرة من الفاكهة حال كونهم آمنين، فلا يموتون بعد دخولهم جنات النعيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ* فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٧]، وقال رب العزة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٦]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِمْ مِّنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئِ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَاسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَاثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ١٧ - ٢٨].

стр. 103

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال ربنا ﵎: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤]. وقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَاسًا دِهَاقًا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٦].

стр. 104

المبحث الخامس عشر قصص المتقين وأخبارهم كان الصالحون الأخيار من البشر على التقوى قديماً وحديثاً، ومن ينظر في سير المتقين من الأولين والآخرين، يجد مسارهم واحداً، ومعالمهم واحدة، وقد حوى هذا المبحث مطلبين، الأول: حسن الخاتمة لأولياء الله المتقين. والثاني: سير بعض المتقين من الأمم السابقة، ومن هذه الأمة، والمتقون من هذه الأمة بعضهم من الصحابة والصحابيات، وبعضهم من التابعين وأتباع التابعين. المطلب الأول حسن خاتمة أولياء الله المتقين من الصفات المشتركة بين المتقين حسن الخاتمة عندما يأتيهم الموت ويحضرهم، فكلهم يأتيه الموت وقد استنار وجهه، وظهرت البشرى على مظهره، وقد يحدِّث بما يراه في ذلك الموقف العصيب. ١ - فمن هؤلاء الحافظ السِّلفي، فإنه مات عن ست ومائة من السنين، فلما حضره الأجل لمز يزل يقرأ الحديث عليه إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته، وهو يردُّ على القارئ اللحن الخفي، وصلَّى يوم الجمعة الصبح عند انفجار الفجر، وتوفي بعدها [سير أعلام النبلاء: ٢١/ ٣٩]. ٢ - ومنهم الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي. قال أبو موسى: "مرض أبي في ربيع الأول مرضاً شديداً منعه من الكلام والقيام، واشتد ستة عشر يوماً، وكنت أسأله كثيراً: ما يشتهي؟ فيقول: أشتهي

стр. 105

الجنة، أشتهي رحمة الله، لا يزيد على ذلك، فجئته بماء حار فمدّ يد، فوضأته وقت الفجر، فقال: يا عبد الله، قم صلِّ بنا وخفف، فصلَّيت بالجماعة، وصلَّى جالساً، ثم جلست عند رأسه، فقال: أقرأ يس، فقرأتها، وجعل يدعو وأنا أؤمّن، فقلت: هنا دواء تشربه، قال: يا بني ما بقي إلا الموت، فقلت: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله سبحانه، فقلت: ما أنت عني راض؟ قال: بلى والله، فقلت: ما توصي بشيء؟ قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد عليَّ شيء، قلت: توصيني. قال: أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته، فجاء جماعة يعودونه، فسلموا، فردّ عليهم، وجعلوا يتحدثون، فقال: ما هذا؟ اذكروا الله، قولوا: لا إله إلا الله، فلما قاموا جعل يذكر الله بشفتيه، ويشير بعينيه، فقمت لأناول رجلاً كتاباً من جانب المسجد فرجعت، وقد خرجت روحه، ﵀" [سير أعلام النبلاء: ٢١/ ٤٦٧]. ٣ - ومنهم الشيخ الصالح أبو البركات، إسماعيل بن أبي سعيد أحمد بن محمد ابن دوست النيسابوري، قال ابن سكينة: كنت حاضراً لما احتضر، فقالت له أمي: يا سيدي، ما تجد؟ فما قدر على النطق، فكتب على يدها: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ثم مات [سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ١٦١]. ٤ - ومن هؤلاء أبو الوقت الشيخ الإمام الزاهد الخير، شيخ الإسلام، مسند الآفاق، عبد الأول بن الشيخ المحدث المعمر أبي عبد الله عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السِّجزيُّ، ثم الهرويُّ المالينيّ. قال يوسف بن أحمد الشيرازي في "أربعين البلدان" له: لما رحلت إلى شيخنا رحلة الدنيا ومسند العصر أبي الوقت، قدَّر الله لي الوصول إليه في آخر بلاد كرمان، فسلمت عليه، وقبلته، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك

стр. 106

هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك، ومعوَّلي بعد الله عليك، وقد كتبت ما وقع إليَّ من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك، وأحظى بعلوِّ إسنادك. فقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له، وقصدنا إليه، لو كنت عرفتني حقَّ معرفتي، لما سلَّمت عليّ، ولا جلست بين يديَّ، ثم بكى بكاءً طويلاً، وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا. يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضاً لسماع "الصحيح" ما شياً مع والدي من هراة إلى الداووديِّ ببوشنج، ولي دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يديَّ حجرين، ويقول: احملهما، فكنت من خوفه أحفظهما بيديَّ، وأمشي وهو يتأمَّلني، فإذا رآني قد عييت أمرني أن ألقي حجراً واحداً، فألقي ويخفُّ عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه، وأقول: لا. فيقول: لم تقصِّر في المشي؟ فأسرع بين يديه ساعةً، ثم أعجز، فيأخذ الآخر، فيلقيه، فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني. وكنا نلتقي جماعة الفلاحين وغيرهم، فيقولون: يا شيخ عيسى، ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول: معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله ﷺ ، بل نمشي، وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالاً لحديث رسول الله ورجاء ثوابه. فكان ثمرة ذلك من حسن نيته أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي، حتى صارت الوفود ترحل إليّ من الأمصار، ثم أشار إلى صاحبنا عبد الباقي بن عبد الجبار الهرويِّ أن يقدِّم لي حلواء، فقلت يا

стр. 107

سيدي، قراءتي لجزء أبي الجهم أحُّب إليّ من أكل الحلواء، فتبسَّم، وقال: إذا دخل الطعام خرج الكلام، وقدّم لنا صحناً فيه حلواء الفانيذ، فأكلنا، وأخرجت الجزء، وسألته إحضار الأصل، فاحضره، وقال: لا تخف ولا تحرص، فإني قد قبرت ممن سمع عليّ خلقاً كثيراً، فسل الله السلامة. فقرأت الجزء، وسررت به، ويسَّر الله سماع "الصحيح" وغيره مراراً، ولم أزل في صحبته وخدمته إلى أن توفي ببغداد. قلت: وبيَّض لليوم وهو سادس الشهر قال: ودفنّاه بالشُّونيزيَّة. قال لي: تدفني تحت أقدام مشايخنا بالشُّونيزية. ولما احتضر سندته إلى صدري، وكان مستهتراً بالذكر، فدخل عليه محمد بن القاسم الصوفيُّ، وأكبَّ عليه، وقال: يا سيدي، قال النبي ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» فرفع طرفه إليه، وتلا: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧] فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب، ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة، وقال: الله الله الله، وتوفي وهو جالسٌ على السجادة [سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٣٠٧ - ٣٠٨]. ٥ - ومنهم الشيخ العالم القدرة المفتي شيخ الشافعية فخر الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي الشافعي. قال أبو شامة: أخبرني من حضره قال: صلى الظهر، وجعل يسأل عن العصر، وتوضأ ثم تشهَّد وهو جالس، وقال: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، لقّنني الله حجتي، وأقالني عثرتي، ورحم غربتي. ثم قال: وعليكم السلام، فعلمنا أنه حضرت الملائكة، ثم انقلب ميتاً [سير أعلام النبلاء: ٢٢/ ١٨٩].

стр. 108

المطلب الثاني سير المتقين وأخبارهم تقديم: تحدثت عن المتقين والتقوى فيما مضى، وسأسوق في هذا البحث شيئاً عن المتقين وقصصهم وأخبارهم، وهي قصص موثقة، بعضها مستمد من القرآن وبعضها من كتب السنّة النبوية الصحيحة، وبعضها مستمدة من تراجم الرجال التي دونها الفضلاء من أهل العلم. وهذه القصص تحوي أنواعاً من أهل الفضل اختلفت أزمنتهم، كما اختلفت أعمالهم وإنجازاتهم، ولكنهم جميعاً يضمهم إطار واحد، فهم جميعاً من أهل التقوى، لقد ترجم كثيرون للأتقياء، ولكن في تراجم وسير بعض الذين ترجم لهم بعض الخلل في مقاصدهم أو أعمالهم أو عبادتهم، بل أدخلوا فيهم من ليس منهم، فقد أدخلوا فيهم بعض المجانين، أو من يسمونهم عقلاء المجانين، وأدخلوا فيهم من ليس له بصيرة بالعبادة والقيم والأخلاق. لقد أدخلت في المتقين في هذا المبحث ملكة مصر التي كانت امرأة فرعون، فرفضت الملك، ورضيت بالإسلام، وطلبت الجنة، وأدخلت فيهم مؤمن آل فرعون، الذي وقف بجانب الحق، وصدع بالحق في مجلس فرعون وزبانيته. وأدخلت فيهم بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم القائد الفذّ خالد ابن الوليد، ومنهم الذي ولي مدينة من المدن، ومنهم الذي التزم بالإسلام، ولم يجامل فيه أحداً، ومنهم بعض التابعين وأتباع التابعين، وبعض هؤلاء أعطاه الله الجمال، فطمعت فيه النساء فاستعصم، وبعضهم أصبح خليفة، فأقام الدين، وأحقَّ الحقَّ وأبطل الباطل.

стр. 109

وبعضهم من بلغ بعلمه درجة الإمامة في الدين، فقام بما كلفه الله به خير قيام، فوقف في وجه الحكام الذين أرادوا أن يحرفوا هذا الدين، كما عزف عن الذين أحسنوا الظن بالإمام من الحكام، فأرادوا أن يغرقوه بالمال ومتع الحياة، فأبى. ومنهم العلماء الذين صدعوا بالحق، فابتلوا، وقدُّموا أنفسهم قرابين في مواجهة الطغاة الظالمين. إن مجموع الذين اخترتهم من المتقين يمثلون شخصية واحدة، توضح التقوى الحقيقة التي ينبغي أن ينسج على منوالها، فهم جميعاً أخذوا الدين عن رضا واقتناع، وفقهوا هذا الدين على وجهه الصحيح، وأحيوا القلوب والنفوس به، ووقفوا في وجه الطغيان وقاوموه، وكانوا أصحاب بصيرة، أخذوا أنفسهم بالحق، ولم تشغلهم الدنيا عن إصلاح أنفسهم. ١ - ملكة مصر زوجة فرعون بلغ الطغيان بفرعون موسى إلى أن يذبح أبناء بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم، وفي تلك الفترة العصيبة من حياة بني إسرائيل ولد نبي الله موسى، فأمر الله أم موسى أن تضع ابنها في صندوق، ثم تلقيه في نهر النيل، فجرى به النهر إلى بركة في قصر فرعون، فأتي به إلى ملكة مصر زوجة فرعون، فلما رأته ألقى الله حبَّه في قلبها، فتوسلت إلى فرعون أن لا يقتله، لعله ينفعهما، أو يتخذانه ولداً، وهم لا يشعرون ﴿وَقَالَتْ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩].

стр. 110

ونجّى الله ﵎ موسى من القتل، وعاش موسى في قصر فرعون، معزَّزاً مكرماً، فقد اتخذته الملكة ابناً لها، وبهذا ظهر عجز فرعون، وقلة علمه، فالذي كان يبحث عنه فرعون، ويريد قتله قبل أن يكبر، ويقضي على ملكه، كان يعيش في قصره، ويأكل طعامه، ويطيعه خدّامه. وقتل موسى رجلاً من شيعة آل فرعون، ففرّ إلى مدين، وبقي هناك بضع سنين، ثم عاد إلى مصر، وأوحى الله إليه في عودته، وأرسله إلى فرعون وقومه، وطالبه بأن يرسل معه بني إسرائيل، ليخرج بهم إلى الأرض فلسطين، التي أعطاهم إياها في عهده لإبراهيم، فأبى فرعون، وطغا وبغى، وأعاد قتل الأبناء، واستحياء النساء، وفي هذه الفترة التي زاد فيها طغيان فرعون وعلوه آمنت زوجته، وتمردت على زوجها، فعذبها زوجها عذاباً شديداً، فلما اشتد بها العذاب توجهت إلى بها تدعوه، أن يقبضها إليه، وأن يبني لها عنده بيتاً في الجنة، وينجيها من فرعون وعمله، وأن ينجيها من القوم الظالمين، وقد ضرب الله بها المثل في كتابه العزيز، فأبقى ذكراها مثلاً يتلى إلى يوم القيامة، يقتدي به المؤمنون، ويتعظ به الصالحون، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] لقد آثرت امرأة فرعون، وهي الملكة التي حيزت لها الدنيا، آثرت ما عند الله، فأعرضت عن دنيا فرعون، وطلبت ما عند الله ورضوانه، وقد أخبرنا رسولنا ﷺ ، أنه لم يكمل من النساء على مستوى البشرية كلها إلا آسية زوجة فرعون، ومريم بنت عمران [صحيح البخاري: ٣٤١١]. وأخبرنا أن خير نساء العالمين مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ [صحيح ابن حبان: ٦٩٥١].
следующие страницы →