Полный текст (256 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الرَّد الْقوي على الرِّفَاعِي والمجهول وَابْن علوي وَبَيَان أخطائهم فِي المولد النَّبَوِيّ
تأليف
حمود بن عبد الله بن حمود التويجري
دَار اللِّوَاء
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وحده لا شريك له الذي أمر باتباع صراطه المستقيم، ونهى عن اتباع السبل المضلة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي حذر من البدع غاية التحذير، صلى الله عليه وعلى آله وصحابه ومن تبعهم على الدين القويم وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد رأيت مقالاً ليوسف بن هاشم الرفاعي يرد به على فتوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في النهي عن الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، ويرد به أيضًا على الذين ينكرون سياقة النساء للسيارات، وهذا المقال منشور في جريدة "السياسة" الكويتية في عددين: أولهما عدد ٤٨٥٩ في يوم الخميس ١٢ ربيع أول سنة ١٤٠٢ هـ والثاني عدد ٤٨٧٠ في يوم الاثنين ٢٣ ربيع أول، سنة ١٤٠٢ هـ.
والكلام على هذا المقال في مقامين: الأول: فيما يتعلق ببدعة
стр. 3
المولد، والثاني: فيما يتعلق بسياقة النساء للسيارات، فأما بدعة المولد فقد أطال الرفاعي الكلام فيها، وخالف القرآن والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها والمسلمون جميعًا منذ زمان رسول الله ﷺ إلى آخر القرن السادس من الهجرة أو قبيل آخره، فأما مخالفته للقرآن فهو واضح من الآيات التي سيأتي ذكرها منها قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على كل من ابتدع بدعة يزيد بها في الدين ما ليس منه.
ومن ذلك عيد المولد الذي ابتدعه سلطان إربل في آخر المائة السادسة من الهجرة، أو في أول المائة السابعة، ووافقه عليه كثير من العوام وبعض المقلدين من هل المذهب، وهؤلاء المقلدون يعترفون أنه بدعة، إلا أنهم يقولون إنها بدعة حسنة. وهذا القول منهم معدود من أخطائهم وزلاتهم كما سيأتي التنبيه على ذلك إن شاء الله تعالى، وسيأتي كلام الإمام مالك رحمه الله تعالى في التشديد على من ابتدع في الإسلام، ورأى أن بدعته حسنة، وهو كلام جيد في الرد على من يستحسن بدعة المولد.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية، أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهي عن شر، انتهى.
وقال البغوي: هو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه انتهى.
стр. 4
والنبي ﷺ لم يأمر أمته أن يخذوا يوم مولده عيدًا، وقد نهاهم عن البدع وحذرهم منها، فمن اتخذ يوم مولده ﷺ عيدًا فهو مخالف للآية التي ذكرنا لأنه قد عمل عملاً لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ ، وارتكب ما نهى عنه الرسول ﷺ من محدثات الأمور.
ومنها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: أي عن أمر رسول الله ﷺ وهو سبيله ومنهاجه وطريقه وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفر، أو نفاق، أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدنيا بقتل، أو حد، أو حبس، أو نحو ذلك انتهى.
وفي الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لمن خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ ، وسواء كان ذلك بزيادة على الأمر المشروع، أو بنقص منه، وقد استدل الإمام مالك رحمه الله تعالى بهذه الآية الكريمة على أنه لا يجوز لأحد أن يجاوز الأمر المشروع ويزيد عليه.
قال الشاطبي في كتاب "الاعتصام": حكي عياض عن سفيان بن عيينة أنه قال: سألت مالكًا عمن أحرم من المدينة
стр. 5
وراء الميقات، فقال: هذا مخالف لله ولرسوله، أخشى عليه الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة. أما سمعت قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقد أمر النبي ﷺ أن يهل من المواقيت، وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله: من أين أحرم؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ ، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الشاطبي: رحمه الله تعالى، وهذه الفتنة التي ذكرها مالك، ﵀، في تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون ما ذكره الله في كتابه وما سنه نبيه ﷺ دون ما اهتدوا إليه بعقولهم، وفي ذلك قال: ابن مسعود، ﵁، فيما روى عنه ابن وضاح: «لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم، أو إنكم لتمسكون بذنب ضلالة» إذ مر بقوم كان رجل يجمعهم يقول: رحم الله من قال: كذا وكذا مرة «سبحان الله»، فيقول القوم. ويقول: رحم الله من قال، كذا وكذا مرة "الحمد لله"، فيقول القوم انتهى كلام الشاطبي، وستأتي قصة ابن مسعود، ﵁، مع الذين ابتدعوا عد التكبير، والتسبيح، والتحميد، والاجتماع لذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن الاحتفال بليلة المولد واتخاذها
стр. 6
عيدًا لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ، وإنما هو من المحدثات التي أحدثت بعد زمانه ﷺ بنحو من ست مائة سنة وعلى هذا فالاحتفال بهذا العيد المحدث داخل فيما حذر الله منه في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولو كان في الاحتفال بهذا العيد المبتدع أدنى شيء من الخير لسبق إليه الصحابة، ﵃ فإنهم كانوا أسبق إلى الخير ممن جاء بعدهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب من رب كل شيء ومليكه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره، انتهى.
وإذا علم أن الله تعالى أمر عباده باتباع ما أنزله في كتابه، ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه، فليعلم أيضًا أن اتخاذ ليلة المولد عيدًا من اتباع الأولياء الذين ابتدعوا إحياء ليلة المولد، واتخذوها عيدًا يفعلونها في كل عام.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بالله
стр. 7
وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، فعلق ﵎ الفلاح على الإيمان بالرسول وتعزيره ونصره واتباع النور الذي أنزل معه وهو القرآن، وتعزيره ﷺ هو توقيره وتعظيمه، وإنما يكون ذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ثم أمر ﵎ بالإيمان به وبرسوله، وعلق الهداية على اتباعه ﷺ واتباعه لا يحصل إلا بالتمسك بهديه، وترك ما ابتدعه المبتدعون من بعده.
وأما مخالفة الرفاعي للسنة فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث العرباض من سارية ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم، والذهبي، وقال ابن عبد البر في كتاب: "جامع بيان العلم وفضله": حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح.
وروى الإمام أحمد أيضًا، ومسلم، وابن ماجه، والدارمي عن جابر بن عبد الله، ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومساكم، ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»، وقد رواه النسائي بإسناد جيد، ولفظه: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
стр. 8
وروى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إنما هما اثنتان الكلام والهدى فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وقد رواه ابن وضاح، وابن عبد البر وغيرهما موقوفًا على ابن مسعود ﵁.
وروي الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية لأحمد، ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» قال النووي في شرح مسلم: قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به، قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه، ﷺ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات، وقال أيضًا: وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به، انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، ثم ذكر قول النووي: إن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به كذلك. قال: وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع، قال الحافظ: وفيه
стр. 9
رد المحدثات، وإن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها، انتهى.
قلت: ومن الأعمال المردودة بلا ريب إحياء ليلة المولد كل عام، لأنه لم يكن من أمر النبي ﷺ ، ولا من عمل لصحابة ﵃، ولا من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان، وإنما هو من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله ﷺ ، وأخبر أنها بدعة وضلالة.
وأما مخالفة الرفاعي لما كان عليه سلف الأمة وأئمتها والمسلمون جميعًا منذ زمان رسول الله ﷺ إلى آخر القرن السادس من الهجرة، فهو ظاهر فإنهم لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا، ولم يكونوا يخصون ليلة المولد ولا يومه بشيء من الأعمال دون سائر الليالي والأيام. ولو كان الاحتفال بالمولد خيرًا لسبق إليه الصحابة، ﵃، فإنهم كانوا أسبق إلى الخير، وأحرص عليه ممن جاء بعدهم، وقد قال النووي في "تهذيب السماء واللغات": البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ، انتهى.
قلت: ويستثنى من ذلك ما سنه أحد الخلفاء الراشدين وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي ﵃، فإنه سنة وليس ببدعة؛ لقول النبي ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ».
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه «جامع العلوم والحكم»: وفي أمره ﷺ باتباع سنته وسنة الخلفاء
стр. 10
الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عمومًا، دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع السنة بخلاف غيرهم من ولاة الأمور قال: والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم، هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، وقوله: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة. وأكد ذلك بقوله: «كل بدعة ضلالة»، والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة إلى أن قال: فقوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة، والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: «نعمت البدعة هذه»، وروي عنه أنه قال: «إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة» انتهى المقصود من كلامه، وسيأتي تمامًا إن شاء الله تعالى مع الجواب عن استحسان الرفاعي لبدعة المولد، واستدلاله على ذلك بقوله عمر، ﵁ «نعمت البدعة هذه».
وأما قول الرفاعي: إن الاحتفال بالمولد النبوي سنة حسنة.
стр. 11
فجوابه أن يقال: إن السنة ما سنه رسول الله ﷺ ، أو سنة أحد الخلفاء الراشدين المهديين وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، فأما ما سوى ذلك فهو من المحدثات التي حذر منها رسول الله ﷺ ، وأخبر أنها شر وضلالة، ومن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي، لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك، ولم يفعله، ولم يأمر به أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يفعله أحد من الصحابة، ﵃، ولا التابعين وتابعيهم بإحسان، وعلى هذا فهو بدعة وضلالة يجب ردها لقول النبي ﷺ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
وقد زعم الرفاعي أن هذه البدعة من السنن الحسنة، وزعم في كلامه الذي سيأتي ذكره قريبًا أنها سنة مباركة وبدعة حسنة، هكذا قال وذلك مبلغه من العلم، وفيه دليل على انعكاس الحقائق عنده، حيث لم يفرق بين السنة والبدعة، بل إنه قد غلب عليه التكلف حتى جعل البدعة سنة مباركة حسنة، وهذا من مصداق الحديث الذي رواه رزين عن علي، ﵁ مرفوعًا «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا» قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن، قال: نعم.
وروى أبو يعلي والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا مثله، وروي ابن وضاح عن ضمام بن إسماعيل المعافري عن غير واحد من أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال: فذكر مثله. وروى ابن وضاح أيضًا عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: يأتي على الناس زمان تكون السنة فيه بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا.
стр. 12
وقد ذكر الشاطبي في كتاب «الاعتصام» ما رواه ابن حبيب عن ابن ماجشون قال: سمعت مالكًا يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فلما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا»، وذكره الشاطبي في موضع آخر من كتاب «الاعتصام»، ولفظه قال: «من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة»، وذكر بقيته بمثل ما تقدم، انتهى.
وأما قول الرفاعي: وإن كانت بدعة فهو بدعة حسنة محمودة كغيرها من البدع التي ابتدعت في الإسلام، وأفتى بها وأثنى عليها علماء أهل السنة والجماعة.
فجوابه أن يقال: ليس في البدع التي قد ابتدعت في الدين شيء حسن محمود البتة، بل البدع في الدين كلها شر وضلالة بنص رسول الله ﷺ حيث قال في حديث جابر ﵁ الذي تقدم ذكره «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة»، وفي حديث العرباض بن سارية، -رضي الله- عنه الذي تقدم ذكره «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة»، وكل بدعة ضلالة، وفي حديث ابن مسعود ﵁، الذي تقدم ذكره «ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
وهل يقول عاقل: إن من الشر والضلالة ما هو حسن محمود، كلا لا يقول ذلك عاقل، ومن زعم أن في البدع التي قد ابتدعت في الدين
стр. 13
شيئًا حسنًا محمودًا فإنما هو في الحقيقة يستدرك على الشريعة، ويرد على رسول الله ﷺ ، وهذان الأمران خطيران جدًا لما فيهما من المحادة لله ولرسوله ﷺ فليتأمل الرفاعي قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فهذه الآية الكريمة تقضي على البدع كلها، وترد على من تعلق بها، أو بشيء منها، وعلى من أفتى بجوازها، أو جواز شيء منها، وعلى من زعم أن بدعة المولد حسنة محمودة وسنة مباركة، قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام»: إن المستحسن للبدع يلزمه أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعدُ، فلا يكون لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ معنى يعتبر به عندهم، انتهى.
ويلزم على القول بأن الاحتفال بالمولد سنة حسنة محمودة مباركة لوازم سيئة جدًا أحدها: أن يكون الاحتفال بالمولد من الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم. وهذا معلوم البطلان بالضرورة، لأن الله تعالى لم يأمر عباده بالاحتفال بالمولد، ولم يأمر به رسول الله ﷺ ، ولم يفعله ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين، ولا غيرهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، بل ولم يكن معروفًا عند المسلمين إلى أن مضى عليهم نحو من ستمائة سنة، فحينئذ ابتدعه سلطان إربل وصار له ذكر عند الناس. وعلى هذا فمن زعم أن الاحتفال بالمولد من الدين، فقد قال: على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله ﷺ بغير علم.
الثاني: من اللوازم السيئة أن يكون النبي ﷺ وأصحابه ﵃ قد تركوا العمل بسنة حسنة
стр. 14
مباركة محمودة، وهذا مما ينزه عنه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.
الثالث: أن يكون المحتفلون بالمولد قد حصل لهم العمل بسنة حسنة مباركة محمودة، لم تحصل للنبي ﷺ ولا لأصحابه، ﵃، وهذا لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل ودين.
وليتأمل الرفاعي أيضًا نصوص رسول الله ﷺ في حديثي جابر والعرباض، ﵄، وما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود ﵁، وليقابل بين الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ مع النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من المحدثات على وجه العموم، ووصفها بأنها شر وضلالة، وبين قوله إن بدعة الاحتفال بالمولد بدعة حسنة محمودة كغيرها من البدع الحسنة التي ابتدعت في الإسلام، وقوله أيضًا: أنها سنة مباركة ليعلم ما في كلامه من المعارضة للكتاب والسنة؛ وليتأمل أيضًا قول النبي ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقوله أيضًا: «من رغب عن سنتي فليس مني»، ولعله بعد التأمل يراجع الحق، فإن الرجوع إلى الحق نبل وفضيلة، كما أن الجدال بالباطل لإدحاض الحق نقص ورذيلة، وقد ذم الله الذي يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، وتوعدهم على ذلك بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، وذم ﵎ الذين إذا ذكروا لا يذكرون، وذم الذين لا يسمعون ولا يعقلون، فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ
стр. 15
الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، فليحذر الرفاعي أن يصاب بما جاء في هذه الآيات أو ببعضه.
وإن لم يفهم الرفاعي دلالة النصوص على تحريم بدعة المولد وغيرها من البدع والمنع منها، فينبغي له أن يعرف قدر نفسه، ولا يتطاول على العلماء الذين ينهون عن الفساد في الأرض، ويحذرون الناس من البدع التي حذر منها رسول ﷺ ، وأمر بردها.
وإذا علم هذا فمن أفتى بجواز البدع، وأثنى عليها وزعم أنها حسنة محمودة فقوله مردود عليه كائنًا من كان، لأنه لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أتدري ما الفتنة، الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
стр. 16
ولما عارض بعض التابعين قول رسول الله ﷺ بقول أبي بكر وعمر ﵄ في متعة الحج، رد عليهم ابن عباس، ﵄، وقال: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر».
وإذا كان هذا قول ابن عباس، ﵄، لمن عارض قول رسول الله ﷺ بقول الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر ﵄، فكيف بمن عارض قول رسول الله ﷺ بقول فلان وعلان، ممن زعم أنهم أفتوا بجواز الاحتفال بالمولد، وأثنوا على هذا العمل، فهذا القول مردود على قائليه، وفي الأحاديث التي تقدم ذكرها عن العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وعائشة، ﵃، أبلغ رد عليهم، وعلى الرفاعي الذي قدم أقوالهم على أقوال رسول الله ﷺ .
وقد روى الترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا من هي يا رسول الله قال: «ما أنا عليه وأصحابي»، وروى الطبراني نحوه من حديث أنس بن مالك، وأبي أمامة، ووائلة بن الأسقع، ﵃.
ومن المعلوم عند أهل العلم أن الاحتفال بالمولد لم يكن في عهد
стр. 17
رسول الله ﷺ ولا في عهد أصحابه، ولا في القرون الثلاثة المفضلة، وإنما حدث ذلك بعد زمان رسول الله ﷺ ، بنحو من ست مائة سنة، وما لم يكن عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ﵃، فلا شك أنه مذموم ويخشى على فاعله أن يكون من الثنتين وسبعين فرقة التي أخبر النبي ﷺ أنها في النار.
وقد استدل الرفاعي على أن عيد المولد بدعة حسنة محمودة بثناء أبي شامة على سلطان إربل الذي ابتدع عيد المولد وهو الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري ابن زين الدين علي بن بكتكين التركماني، واستدل أيضًا بأقوال لبعض الذين ألفوا في المولد واستحسنوا الاحتفال به، وأفتوا بجواز ذلك.
والجواب أن يقال: إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع، ولا قول لأحد مع رسول الله ﷺ ، وقد تقدم في الأحاديث الثابتة عنه ﷺ أنه قال: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقال أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها»، وقال أيضًا: «من عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، فهذه النصوص تقضي على كل ما خالفها من أقوال الناس واستحسانهم، وقد تقم قول الشافعي -رحمه الله تعالى- أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وتتقدم في وصف الفرقة الناجية من هذه الأمة أنهم من كان على مثل ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃.
стр. 18
وقد ذم الاحتفال بالمولد عدد كثير من أكابر العلماء، وعدوا ذلك من البدع، وسيأتي ذكر أقوالهم في آخر الكلام على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى.
وقد روي الإمام أحمد في الزهد عن ابن مسعود، ﵁ أنه قال: «عليكم بالسمت الأول»، وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة" عنه، ﵁، أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول»، وروى الإمام أحمد، ومحمد بن نصر عنه، ﵁ أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة»، وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ﷺ ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ ، كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة»، وقد روى رزين نحو هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: رحمه الله تعالى، الأفضل للناس اتباع السلف الصالح في كل شيء، انتهى.
وقال الراجز وأحسن فيما قال:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
والثناء على من ابتدع عيد المولد واستحسان بعض الناس لبدعة
стр. 19
المولد، وإفتاؤهم بجوازها لا شك أنه من أخطاء العلماء وزلاتهم. وقد ورد التحذير من تتبع أخطاء العلماء وزلاتهم، وبيان أنها من هوادم الإسلام. فروى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أخاف على أمتي ثلاثًا: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، والتكذيب بالقدر»، وروى أبو نعيم في الحلية عن عمرو بن عوف المزني، ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أخاف على أمتي من بعدي، ثلاثة أعمال» قالوا: وما هي يا رسول الله، قال: «زلة عالم، وحكم جائر، وهوى متبع»، وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أشد ما أتخوف على أمتي زلة عالم، وجدل منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم»، وروى الطبراني في الصغير عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أخاف عليكم ثلاثًا، وهي كائنات، زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم»، وروى الدارمي، وأبو نعيم في الحلية عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁، هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال «يهدمه، زلة عالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين»، وروي الإمام أحمد في الزهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: «إنما أخشى عليكم زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن»، وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا فليتأملها الرفاعي الذي قد اعتمد على زلات بعض العلماء في استحسان بدعة المولد، وقدمها على النصوص الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع وبيان أنها شر وضلالة.
وإذا علم أنه لا دليل مع الذين قالوا بجواز بدعة المولد
стр. 20
واستحسانه، وأنهم قد زلوا واخطئوا حيث خالفوا الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في التحذير من البدع، وبيان أنها شر وضلالة، وأنها مردودة على من أحدثها، ومن عمل بها. وقد خالفوا أيضا هدي رسول الله ﷺ وما كان عليه الصحابة ﵃، والتابعون لهم بإحسان، فليعلم أيضًا أن القائلين بجواز بدعة المولد واستحسانها قد خالفهم كثير من المحققين، وردوا عليهم، وصرحوا بذم الاحتفال بالمولد، وأن ذلك من البدع السيئة، وسيأتي ذكر أقوالهم في آخر الكلام على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى.
وأما زعم الرفاعي أن علماء أهل السنة والجماعة أفتوا بما زعم أنها بدعة حسنة ابتدعت في الإسلام، وأنهم أثنوا عليها.
فجوابه أن يقال: أما علماء أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدي من بعدهم، فكلهم على إنكار البدع في الدين على سبيل العموم. ومن زعم أنهم استحسنوا شيئًا من البدع في الدين وأفتوا بها وأثنوا عليها فقد تقول عليهم. وأما المتساهلون ببعض البدع من المتأخرين الذين ذكرهم الرفاعي واعتمد على أقوالهم في استحسان بدعة المولد، فهؤلاء محجوجون بقول النبي ﷺ : «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وبقوله أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها»، وبقوله أيضًا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا﴾، وسيأتي ذكر أقوال
стр. 21
الذين خالفوهم وردوا عليهم في آخر الكلام على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى.
فإن قيل إن عمر ﵁ قد استحسن جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، وقال: «نعمت البدعة هذه».
فالجواب أن يقال: إن ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان ليس ببدعة، وإنما هو سنة بنص رسول الله ﷺ حيث قال: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، وأيضا فإن رسول الله ﷺ قد صلى بالناس جماعة في قيام رمضان، ثم ترك ذلك خشية أن يفرض على أمته، وعلى هذا ففعل عمر ﵁ موافق لفعل رسول الله ﷺ ، وليس من البدع وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما ما ذكره الرفاعي عن السخاوي أنه قال: ولو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى.
فجوابه أن يقال: وما يدريه أن بدعة المولد ترغم الشيطان، بل إن ذلك مما يفرح به الشيطان ويسر به؛ لأن البدع في الدين كلها من عمل الشيطان وتزيينه، وإذا عمل المسلمون بما يدعوهم إليه من البدع والمعاصي فلا شك أنه يسر بذلك. وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها»، والدليل على أن البدع في الدين كلها من عمل الشيطان قول الله تعالى مخبرًا عن إبليس أنه قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾، وقد قال النبي ﷺ في
стр. 22
الأحاديث التي تقدم ذكرها: وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة فدلت الآية والأحاديث الصحيحة على أن البدع في الدين من إضلال الشيطان، وقد روى الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث الثمالي ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة»، وهذا يدل على شؤم البدع في الدين، وأنها مما يفرح به الشيطان لما يقع بسببها من رفع السنن.
وأما زعمه أن بدعة المولد فيها سرور أهل الإيمان.
فجوابه أن يقال: إنه لا يسر ببدعة المولد من المسلمين إلا من هو جاهل بما ثبت عن النبي ﷺ من التحذير من المحدثات والنص على أنها شر، وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما ثبت عنه أيضًا أن من عمل عملاً ليس عليه أمره فهو رد، أي مردود، فأما أهل العلم والإيمان فإنما يكون سرورهم بإحياء السنن، وإماتة البدع كما أنه يسوءهم إحياء البدع، وإماتة السنن.
وأما ما ذكره الرفاعي عن السخاوي أنه قال: وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر.
فجوابه أن يقال: لا شك أن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيدًا مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيدًا، وهذا مصداق ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن؟ رواه الإمام أحمد والبخاري، ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله
стр. 23
عنه- وروى الإمام أحمد، والبخاري أيضًا، وابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة نحوه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وإسناده جيد، وروى محمد بن نصر أيضًا، والبزار، والحاكم نحوه من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الحاكم، والذهبي، وروى أبو داود الطيالسي، والترمذي، ومحمد بن نصر بعضه من حديث أبي واقد الليثي ﵁ وقال الترمذي: حسن صحيح، وروى أبو داود الطيالسي، ومحمد بن نصر، وأبو بكر الآجري نحوه من حديث عمرو بن عوف المزني ﵁ وروى الطبراني نحوه من حديث المستورد بن شداد ﵁.
وإذا علم أن عيد المولد عند جهال المسلمين مبني على التشبه بالنصارى، فليعلم أيضًا أن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين حرام شديد التحريم؛ لقول النبي ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وصححه ابن حبان، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: إسناده جيد، وقال ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد احتج أحمد وغيره بهذا الحديث، قال: وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا، انتهى.
وقد روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن
стр. 24
رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود، ولا بالنصارى»، قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم، انتهى.
وأما ما ذكره الرفاعي عن أبي شامة أنه قال في إقامة عيد المولد: إنه مشعر بمحبته، ﷺ وتعظيمه، وفيه إغاظة للكفرة والمنافقين.
فجوابه أن يقال: إن تعظيم النبي ﷺ لا يكون بارتكاب البدع التي حذر منها، وأخبر أنها شر وضلالة، وأنها في النار، وإنما يكون تعظيمه بطاعته، واتباع هديه، والتمسك بسنته، ونشر ما دعا إليه كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فهؤلاء هم المحبون للرسول ﷺ حقًا والسير على منهاجهم هو الذي يشعر بمحبة النبي ﷺ وتعظيمه، وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»، قال النووي في الأربعين: له حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، ثم قال في الكلام على هذا الحديث، يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به ﷺ ، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، فليس لأحد مع الله ورسوله ﷺ أمر ولا هوى، انتهى.
стр. 25
وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في أول كتابه «إغاثة اللهفان»: لا تجد مشركًا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك كما إنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول ﷺ ، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة، فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلا مقلدًا، وإن كان مستبصرًا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله انتهى.
وأما قوله: وفيه إغاظة للكفرة والمنافقين.
فجوابه أن يقال: بل الأمر بالعكس فإن الكفار والمنافقين يفرحون بما يكون من بعض المسلمين من المخالفة لهدي نبيهم ﷺ وارتكابهم لما حذرهم منه من البدع والضلالات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وإذا يئسوا من كفر المسلمين رضوا منهم بإظهار البدع في الدين؛ لأنها تئول إلى الشرك. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. رحمه الله تعالى، المبتدع يئول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، انتهى.
وقال السدي في تفسير هذه الآية: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم قلت: وهذا هو المطابق لحال المشركين وأهل البدع، فإنهم استنصحوا الذين يدعوهم إلى الشرك والبدع في الدين، ونبذوا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وراء ظهورهم.
стр. 26
وأما ما ذكره الرفاعي عن السيوطي أنه قال: إن عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها.
فجوابه أن يقال: إن كلام السيوطي مردود بقول النبي ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها "وشر الأمور محدثاتها"، وقوله أيضًا: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقوله أيضًا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، فقد وصف النبي ﷺ البدع بأنها شر وضلالة، وهذه صفات سيئة ذميمة، وأخبر أنها مردودة على أصحابها، وأنها في النار. وهذا يدل على أن صاحب البدعة لا يثاب على بدعه، بل إنه يخشى عليه من الفتنة والعذاب الأليم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولقول النبي ﷺ : «وكل ضلالة في النار»، والثواب إنما يكون على متابعة الرسول ﷺ وتقديم هديه على هدي غيره، ويدل على ذلك قول الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، فقد جعل الله ﵎ اتباع رسوله ﷺ سببًا لمحبته لمن اتبعه وهدايته ومغفرة ذنوبه، وعمل المولد ليس من هدي الرسول ﷺ وسنته، وإنما هو من هدي سلطان إربل وسنته، وذلك بعد زمان رسول الله ﷺ بنحو من ست مائة سنة، وقد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، وأحسن فيما قال:
وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها
стр. 27
وأما ما ذكره الرفاعي عن ابن حجر المكي أنه خرّج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال ما زعمه الرفاعي من أن الذي خرج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء هو ابن حجر المكي فهو غلط ظاهر، وإنما هو ابن حجر العسقلاني صاحب "فتح الباري"، وقد نقل ذلك عنه السيوطي في رسالته التي سماها "حسن المقصد، في عمل المولد" وهي الرسالة الرابعة والعشرون مما في كتاب "الحاوي للفتاوي" وقد توفي السيوطي في سنة إحدى عشرة وتسع مائة من الهجرة، وذلك بعدما ولد ابن حجر الهيتمي المكي بسنتين؛ لأنه قد ولد في سنة تسع وتسع مائة من الهجرة، وهذا الذي في سن الفطام حين توفي السيوطي، لا يقول عاقل إن السيوطي قد نقل عنه، والظاهر أن الرفاعي نقل تخريج ابن حجر من رسالة السيوطي، وتوهم أنه أراد به ابن حجر الهيتمي المكي.
الوجه الثاني أن يقال: إن ابن حجر العسقلاني قد صرح في أول كلامه الذي نقله السيوطي عنه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وهذه الجملة من كلام ابن حجر كافية في ذم المولد إذ لو كان خيرًا لسبق إليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ثم قال ابن حجر: ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا، قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي ﷺ قدم لمدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى فنحن
стр. 28
نصومه شكرًا لله تعالى فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، انتهى.
وهذه الجملة من كلام ابن حجر مردودة بما صرح به في الجملة أولى من كلامه وهو قوله: إن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وقد ذكرت الآيات والأحاديث لدالة على ذم البدع والتحذير منها، والأمر بردها في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على الجملة الأخيرة من كلام ابن حجر.
ومما يرد به عليه أيضًا كلامه في "فتح الباري" لما ذكر حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، قال: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، قال وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من مر الدين فيجب ردها، انتهى.
وقد صرح في كلامه الذي تقدم ذكره أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة فيلزم على قوله في "فتح الباري" أنه يجب ردها؛ لأنها من المحدثات وليست من أمر الدين.
стр. 29
الوجه الثالث: أن يقال إن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء ليس بوجيه، وإنما هو من التكلف المردود؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الرأي والاستحسان والابتداع، ولم يرو عن النبي ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر أمته بالاحتفال بمولده، ولا أنه خص ليلة المولد أو يومه بشيء من الأعمال دون سائر الليالي والأيام، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال أيضًا: «من رغب عن سنتي فليس مني»، وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من جعل ليلة المولد عيدًا وخصها بأعمال لم يأمر بها رسول الله ﷺ في تلك الليلة ولم يفعلها، وفيهما أيضًا رد على من خرج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء؛ لأن صيام يوم عاشوراء قد فعله رسول الله ﷺ ورغب فيه بخلاف الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا، فإن النبي ﷺ لم يفعله ولم يرغب فيه، ولو كان في الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا أدنى شيء من الفضل لبين ذلك رسول الله ﷺ لأمته، لأنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذره منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه وحذرهم منه كما تقدم النص على ذلك في أحاديث العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله وابن مسعود ﵃.
ولو قال قائل بتخريج بدعة المولد على نهي النبي ﷺ عن اتخاذ قبره عيدًا لكان أولى وأقرب من تخريجها على صيام يوم عاشوراء، وكذلك تخريج بدعة المولد على قوله ﷺ «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» هو أولى
стр. 30
وأقرب من تخريجها على صيام يوم عاشوراء، ويؤيد هذا التخريج أن عيد المولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم يوم مولد المسيح عيدًا، فعيد مولد المسيح عند النصارى وعيد مولد النبي ﷺ عند جهال المسلمين متشابهان ولا فرق، وكلاهما من ثمرة الغلو والإطراء ونتائجهما السيئة.
وفيه وجه ثالث لتخريج بدعة المولد النبوي: وهو المنع من تعظيم أعياد أهل الجاهلية وتعظيم مواضعها، والنص على أن ذلك معصية لله تعالى وأنه لا يجوز الوفاء بالنذر في ذلك. وقد جاء فيه حديث صحيح رواه أبو داود في سننه بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك، ورضي الله عنه، قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي ﷺ «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد»، قالوا: لا، قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم»، قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ : «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم»، وهذا الحديث الصحيح يدل على تحريم مضاهاة أهل الجاهلية والتشبه بهم في تعظيم الأوثان والأعياد التي شرعها لهم أولياؤهم من شياطين الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، والذين يحتفلون بالمولد النبوي قد جمعوا بين التشبه بأهل الجاهلية في تعظيم الأعياد المبتدعة وبين التشبه بالنصارى في تعظيم مولد المسيح واتخاذه عيدًا، والتشبه بأهل الجاهلية وبالنصارى حرام شديد التحريم؛ لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم»، ولقوله أيضًا: «ليس منا من تشبه
стр. 31
بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى»، وقد ذكرت هذين الحديثين قريبًا وذكرت من خرجهما من الأئمة فليراجع ما تقدم (١).
وأما زعم الرفاعي أن بدعة المولد سنة مباركة وبدعة حسنة واستدلاله على ذلك باحتفال جمهور المنتسبين إلى الإسلام بهذه البدعة، وزعمه أن احتفالهم بها دليل ساطع على إجماعهم عليها.
فجوابه أن يقال ليس في البدع في الدين شيء مبارك ولا حسن البتة، ووصفها بالبركة والحسن من مجازفات أهل الغلو والإطراء ومجاوزة الحد، وقد تقدم في الأحاديث الصحيحة عن العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود ﵃ أن رسول الله ﷺ حذر أمته من محدثات الأمور، وأخبرهم أنها شر وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وفي هذه الأحاديث أوضح دليل على أن بدعة المولد شر وضلالة، واحتفال جمهور العوام بها لا يحيلها من الشر والضلالة إلى البركة والحسن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، وقد افتتن كثير من المنتسبين إلى الإسلام بالقبور واتخذوا بعضها أوثانًا، وجعلوا لبعض الأموات أعيادًا زعموها لمواليدهم، كما يفعلون ذلك في مولد البدوي وغيره من الأموات الذي يعظمهم الجهال، وهذه الأعياد كلها شر وبدعة وضلالة، ولا فرق في ذلك بين بدعة مولد النبي - صلى стр. 32
الله عليه وسلم - وبدعة مولد البدوي وغيره من الأموات، فكلها داخلة في قول النبي ﷺ : «وشر الأمور محدثاتها»، وقوله أيضًا: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وكلها مردودة لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه مرنا فهو رد»، وبدع المواليد في الإسلام مأخوذة مما ابتدعه النصارى في مولد المسيح حيث جعلوا ذلك عيدًا يعود كل عام، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم».
وأما قول الرفاعي: وهذا الإجماع يعتبر إجماعًا سكوتيًا يعتد به عند فقهاء المسلمين.
فجوابه ن يقال: هذه الجملة مما كتبه الرفاعي من غير تثبت ولا تعقل، وهل يقول عاقل له أدنى علم ومعرفة: إن الإجماع يؤخذ من أفعال العوام والجهال وسكوتهم على ما يفعلونه من البدع، وأن ذلك يعتبر إجماعًا سكوتيًا يعتد به عند فقهاء المسلمين، كلا لا يقول ذلك من له أدنى علم ومعرفة.
ويقال أيضًا: إن الإجماع الذي يعتد به عند فقهاء المسلمين هو إجماع الصحابة وأئمة العلم والهدى من بعدهم، فأما العوام والجهال، فلا عبرة بهم، ولا بأقوالهم وأفعالهم، وقد ذكر الشاطبي أن منشأ الاحتجاج بعمل الناس في تحسين البدع الظن بأعمال المتأخرين، وإن جاءت الشريعة بخلاف ذلك، والوقوف مع الرجال دون التحري للحق، وقال الشاطبي أيضًا: لا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع العوام، وإن ادعوا الإمامة، انتهى.
وأما قول الرفاعي: ودليل كونها بدعة وحسنة قوله - صلى الله عليه
стр. 33
وسلم -: «ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».
فجوابه أن يقال: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وحمل كلام النبي ﷺ على غير المراد به، وذلك لأن النبي ﷺ قد حث على الأخذ بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ وحذر مما سوى ذلك من محدثات الأمور التي لم تكن على عهده ﷺ ، ولا على عهد الخلفاء الراشدين، وأخبر أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن ما سنه رسول الله ﷺ أو سنه أحد الخلفاء الراشدين فهو السنة الحسنة، وما أحدثه غيرهم مما ليس له أصل في الشريعة يرجع إليه فهو بدعة سيئة وضلالة مردودة، وإن كان صاحبه يريد الخير، ومن ذلك بدعة المولد. وقد أنكر ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري ﵄ هو دون بدعة المولد بكثير، وعده ابن مسعود ﵁ من البدع وإن كان في الظاهر حسنًا، ومن أفعال الخير، وقد روي ذلك من عدة طرق، منها ما رواه الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال: كنا قعودًا على باب ابن مسعود ﵁ بين المغرب والعشاء، فأتى أبو موسى ﵁ فقال: أخرج إلينا أبا عبد الرحمن، فخرج ابن مسعود ﵁ فقال: أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة، قال: لا والله إلا أني رأيت أمرًا ذعرني وإنه لخير، ولقد ذعرني وإنه لخير، قوم جلوس في المسجد ورجل يقول: سبحوا كذا وكذا، احمدوا كذا
стр. 34
وكذا، قال: فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء، وأزواجه شواب، وأبنيته لم تغير، أحصوا سيئاتكم، فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم».
ومنها ما رواه الدارمي عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه، قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا فقال: له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا، ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم. قال: ما قل لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحق، فوقف عليهم فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون» قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ ، أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله
стр. 35
يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه».
ومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وأبو الفرج ابن الجوزي، واللفظ له عن أبي البختري، قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود ﵁ أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فائتني فأخبرني بمجلسهم، فجلس فلما سمع ما يقولون، قام فأتى ابن مسعود ﵁ وكان رجلاً حديدًا، فقال: أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالاً بعيدا، وفي رواية الطبراني فمرهم أن يتفرقوا.
ومنها ما رواه ابن وضاح أن عبد الله بن مسعود، ﵁ حدث أن ناسًا يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم، وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبُهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وهو يقول: لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا.
وإذا كان ابن مسعود، وأبو موسى ﵄ قد أنكرا على الذين يجتمعون للذكر، وعد التكبير، والتهليل، والتسبيح بالحصى، وعد ابن مسعود ﵁ فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة، وقال لهم إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - صلى الله
стр. 36
عليه وسلم -، أو مفتتحو باب ضلالة، ولم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، فكيف بالذين يقيمون بدعة المولد كل عام ويجتمعون لذلك، فهؤلاء أولى بالإنكار، وأن يعد فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة.
فليتأمل الرفاعي ما جاء عن ابن مسعود، وأبي موسى ﵄ من إنكار الأمر الذي لم يكن عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وإن كان ظاهره الخير، وليتأمل أيضًا قول الذين أنكر عليهم ابن مسعود ﵁ والله ما أردنا إلا الخير وجواب ابن مسعود ﵁ لهم بقوله وكم من مريد للخير لن يصيبه، وليتأمل أيضًا قول ابن مسعود ﵁ لهم، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيدًا، ولعل الرفاعي بعد التأمل يراجع الحق في إنكار بدعة المولد ولا يكون عونًا للشيطان في تأييد هذه البدعة والذب عنها، ولا ينس قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
ومما يدل على أن عيد المولد بدعة وضلالة أن الله شرع لهذه الأمة على لسان نبيها ﷺ سبعة أعياد في سبعة أيام وهي: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، فأما يوم الجمعة فقد جاء فيه عدة أحاديث، منها ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب
стр. 37
عن عبيد بن السباق أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا، فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك»، هكذا رواه مالك، والشافعي مرسلا، وقد رواه ابن ماجه، والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ فذكره بنحوه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، والبخاري في الكنى، والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي هريرة، ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده».
ومنها ما رواه الطبراني عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيدًا، فاغتسلوا، وعليكم بالسواك».
ومنها ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يصلي فليصل» صححه الحاكم، والذهبي.
стр. 38
ومنها ما رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس، ﵄ عن النبي ﷺ مثل حديث بي هريرة ﵁.
ومنها ما رواه ابن ماجه أيضًا عن ابن عمر ﵄، قال اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى بالناس ثم، قال: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف».
ومنها ما رواه الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: «من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج».
وفي الباب أحاديث موقوفة منها ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان ﵁ فجاء فصلى، ثم انصرف، فخطب، وقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له.
ومنها ما رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه عن وهب بن كيسان، قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير
стр. 39
فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى ولم يصل للناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس ﵄ فقال: «أصاب السنة»، زاد ابن خزيمة، والحاكم فبلغ ابن الزبير، فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد رواه أبو داود في سننه من حديث عطاء بن أبي رباح بنحوه، وفي رواية له عن عطاء، قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: «عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر».
ومنها ما رواه ابن جرير في تفسيره، والطبراني في الأوسط عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية؛ لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه، فقال عمر ﵁: أي آية يا كعب فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فقال عمر ﵁: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
ومنها ما رواه وابن جرير عن عمار بن أبي عمار، قال: قرأ ابن عباس ﵄ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا، فقال ابن عباس ﵄ فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم الجمعة ويوم عرفة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
стр. 40
وأما يوم الفطر ويوم الأضحى، فقد جاء فيهما عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان»، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى، ويوم الفطر»، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد جاء ذكر يوم النحر أيضا في حديث عقبة بن عامر الذي سيأتي ذكره.
وأما يوم عرفة، وأيام التشريق فالدليل على أنها من أعياد المسلمين ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل، وشرب» صححه الترمذي، والحاكم وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وإذا علم أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته عيدًا سوى السبعة الأيام التي تقدم ذكرها في الأحاديث الثابتة فليعلم أيضًا أن ما سوى ذلك من الأعياد فهو بدعة وضلالة مثل عيد المولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، ومن هذا الباب أيضًا أعياد الجلوس عند بعض الملوك والرؤساء، وأعياد الثورة عند المنازعين للملوك والرؤساء وانتصار بعضهم على بعض، وأعياد جلاء المستعمرين عند بعض المنتسبين إلى الإسلام، فكل هذه الأعياد المحدثة من باب واحد وكلها داخلة في عموم قول النبي ﷺ «وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وفي
следующие страницы →