عليه وسلم -، أو مفتتحو باب ضلالة، ولم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، فكيف بالذين يقيمون بدعة المولد كل عام ويجتمعون لذلك، فهؤلاء أولى بالإنكار، وأن يعد فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة.
فليتأمل الرفاعي ما جاء عن ابن مسعود، وأبي موسى ﵄ من إنكار الأمر الذي لم يكن عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وإن كان ظاهره الخير، وليتأمل أيضًا قول الذين أنكر عليهم ابن مسعود ﵁ والله ما أردنا إلا الخير وجواب ابن مسعود ﵁ لهم بقوله وكم من مريد للخير لن يصيبه، وليتأمل أيضًا قول ابن مسعود ﵁ لهم، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيدًا، ولعل الرفاعي بعد التأمل يراجع الحق في إنكار بدعة المولد ولا يكون عونًا للشيطان في تأييد هذه البدعة والذب عنها، ولا ينس قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
ومما يدل على أن عيد المولد بدعة وضلالة أن الله شرع لهذه الأمة على لسان نبيها ﷺ سبعة أعياد في سبعة أيام وهي: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، فأما يوم الجمعة فقد جاء فيه عدة أحاديث، منها ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب
стр. 37
عن عبيد بن السباق أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا، فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك»، هكذا رواه مالك، والشافعي مرسلا، وقد رواه ابن ماجه، والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ فذكره بنحوه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، والبخاري في الكنى، والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي هريرة، ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده».
ومنها ما رواه الطبراني عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيدًا، فاغتسلوا، وعليكم بالسواك».
ومنها ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يصلي فليصل» صححه الحاكم، والذهبي.
стр. 38
ومنها ما رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس، ﵄ عن النبي ﷺ مثل حديث بي هريرة ﵁.
ومنها ما رواه ابن ماجه أيضًا عن ابن عمر ﵄، قال اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى بالناس ثم، قال: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف».
ومنها ما رواه الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ ، فقال: «من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج».
وفي الباب أحاديث موقوفة منها ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان ﵁ فجاء فصلى، ثم انصرف، فخطب، وقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له.
ومنها ما رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه عن وهب بن كيسان، قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير
стр. 39
فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى ولم يصل للناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس ﵄ فقال: «أصاب السنة»، زاد ابن خزيمة، والحاكم فبلغ ابن الزبير، فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد رواه أبو داود في سننه من حديث عطاء بن أبي رباح بنحوه، وفي رواية له عن عطاء، قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: «عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر».
ومنها ما رواه ابن جرير في تفسيره، والطبراني في الأوسط عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية؛ لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه، فقال عمر ﵁: أي آية يا كعب فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فقال عمر ﵁: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
ومنها ما رواه وابن جرير عن عمار بن أبي عمار، قال: قرأ ابن عباس ﵄ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا، فقال ابن عباس ﵄ فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم الجمعة ويوم عرفة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
стр. 40
وأما يوم الفطر ويوم الأضحى، فقد جاء فيهما عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان»، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى، ويوم الفطر»، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد جاء ذكر يوم النحر أيضا في حديث عقبة بن عامر الذي سيأتي ذكره.
وأما يوم عرفة، وأيام التشريق فالدليل على أنها من أعياد المسلمين ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل، وشرب» صححه الترمذي، والحاكم وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وإذا علم أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته عيدًا سوى السبعة الأيام التي تقدم ذكرها في الأحاديث الثابتة فليعلم أيضًا أن ما سوى ذلك من الأعياد فهو بدعة وضلالة مثل عيد المولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، ومن هذا الباب أيضًا أعياد الجلوس عند بعض الملوك والرؤساء، وأعياد الثورة عند المنازعين للملوك والرؤساء وانتصار بعضهم على بعض، وأعياد جلاء المستعمرين عند بعض المنتسبين إلى الإسلام، فكل هذه الأعياد المحدثة من باب واحد وكلها داخلة في عموم قول النبي ﷺ «وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وفي
стр. 41
عموم قوله ﷺ أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وأما قول الرفاعي: أما دليل كونها بدعة حسنة، فقد روي البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي، قال: المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه البدعة ضلالة؛ الثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر ﵁ في قيام رمضان: "نعمت البدعة هذه" يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى.
فجوابه من وجوه، أحدها: أن يقال إن الأدلة على جواز الشيء وتحسينه، أو على منعه وذمه لا تؤخذ من أقوال العلماء، وإنما تؤخذ من القرآن، أو من السنة، أو من الإجماع، أو من قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره منهم على القول الراجح. وما ذكره البيهقي عن الشافعي -رحمه الله تعالى- ليس فيه دليل على تحسين بدعة المولد، ولا غيرها من البدع، بل يؤخذ من كلامه ذم الاحتفال بالمولد لمخالفته للكتاب والسنة والأثر وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها كما سيأتي بيانه إن شاء الله -تعالى، وقد روي كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- بلفظ آخر وهو ما رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية من طريق إبراهيم بن الجنيد حدثنا حرملة بن يحيى، قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: «البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب ﵁ في قيام رمضان نعمت البدعة هذه»، قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه "جامع العلوم والحكم": ومراد الشافعي -رضي الله
стр. 42
عنه- ما ذكرناه من قبل (١) أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها للسنة، انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال إن بدعة المولد ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وإنما هي مخالفة لهدي رسول الله ﷺ وسنته، وعلى هذا فهي بدعة مذمومة، وفي الرواية التي ذكرها أبو نعيم عن الشافعي -رحمه الله تعالى- أبلغ رد على الرفاعي فيما تعلق به من الرواية الأولى عن الشافعي، وزعم أنها تدل على تحسين بدعة المولد.
الوجه الثالث: أن يقال إن الاحتفال بالمولد مخالف للكتاب والسنة والأثر، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فأما مخالفته للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها فقد تقدم بيانه في أول الكتاب فليراجع (٢).
وأما مخالفته للأثر، فقد قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا معاذ بن معاذ قال: أخبرنا ابن عون عن نافع، قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁، أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها قال: فأمر بها فقطعت، إسناده صحيح إلى نافع، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر ﵁، فإنه لم يدركه وهذا الأثر مشهور عن عمر ﵁، وقال ابن أبي شيبة أيضًا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر ﵁
стр. 43
في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ فلما قضى حجه، ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا، فقال: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ ، فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرض له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل» إسناده صحيح على شرط الشيخين، وفي هذين الأثرين عن عمر ﵁ دليل على أنه لا يجوز الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا لما في ذلك من الغلو ومضاهاة أهل الكتاب في تتبعهم لآثار أنبيائهم، وقد صرح عمر ﵁، أن تتبع آثار الأنبياء من الهلاك، وقد ذكرت فيما تقدم أن الاحتفال بالمولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيدًا والتشبه بهم حرام شديد التحريم، وقد ذكرت الأدلة على ذلك فيما تقدم فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الرفاعي الذي قد نصب نفسه لتأييد بدعة المولد والذبّ عنها.
الوجه الرابع: أن يقال إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا يعود في كل عام لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ، ولا من سنة الخلفاء الراشدين، ولم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان، وإنما أحدثه سلطان إرببل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع، وقد تقدم إيراد النصوص في التحذير من محدثات الأمور، وبيان أن كل محدثة بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبيان أن شر الأمور محدثاتها، وتقدم أيضا ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه
стр. 44
وسلم -
قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي هذه النصوص أبلغ تحذير من بدعة المولد وغيرها من المحدثات، وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وبدعة المولد داخلة فيما نهى عن رسول الله لأنها من محدثات الأمور التي قد حذر منها، وأخبر أنها شر وضلالة، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والذين يعملون بدعة المولد لا شك أنهم قد خالفوا الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ لأنهم لم يقتصروا على الأعياد المشروعة للمسلمين، بل زادوا عليها عيدًا لم يأذن به الله، ولم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه ﵃، فهم بذلك متعرضون للفتنة والعذاب الأليم.
وقد أمر الله المؤمنين باتباع ما أنزله على رسوله محمد ﷺ ، ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه، وعلق محبته للعباد ومغفرته لذنوبهم وهدايته إياهم ونيلهم الفلاح على اتباع رسوله محمد ﷺ ، وذم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وذم الذين ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وفي هذا أبلغ تحذير من الابتداع في الدين واتباع المبتدعين للأعياد وغيرها من البدع.
وأما قوله: وقد قال عمر ﵁ في قيام رمضان نعمت البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى.
стр. 45
فجوابه أن يقال: إن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان ليس ببدعة، وإنما هو سنة سنها رسول الله ﷺ فقد صح عنه من عدة أوجه أنه صلى بالناس جماعة في شهر رمضان ثلاث ليال، ثم ترك ذلك مخافة أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما رواه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، واللفظ له، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلته، فأصبح الناس يحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: «أما بعد، فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها» وفي رواية لهم، وذلك في رمضان.
ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضًا واللفظ له، وأهل السنن عن أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة، وقام بنا الليلة التي تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل، قال: فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى
стр. 46
ينصرف حسب له بقية ليلته»، ثم لم يقم بنا السادسة وقام بنا السابعة قال: وبعث إلى أهله واجتمع الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال: قلت: وما الفلاح؟ قال السحور. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي قوله ﷺ «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» دليل على أن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة وليس ببدعة.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، والنسائي أيضًا بإسناد جيد عن نعيم بن زياد أبي طلحة الأنماري، قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ على منبر حمص يقول: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمونه السحور.
وإذا علم ما جاء في هذه الأحاديث من صلاة النبي ﷺ بالناس ثلاث ليال في رمضان فليعلم أيضًا أن ما فعله عمر ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان هو السنة لأمرين: أحدهما أن النبي ﷺ قد صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان، ثم قطع ذلك خشية أن يفرض على أمته، وما فعله النبي ص فهو سنة وليس ببدعة. الأمر الثاني أن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، فهذا النص الصحيح يدل على أن ما فعله عمر- ﵁ من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فهو سنة وليس ببدعة، ويدل على ذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه،
стр. 47
والبخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، والذهبي، وللترمذي والحاكم أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وقد قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-: سن رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده سننًا الأخذ بها، تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. رواه أبو بكر الخطيب من طريق الزهري عن عمر بن عبد العزيز، -رحمه الله تعالى-، وقد ذكره الشاطبي في كتاب "الاعتصام"، فقال ومن كلامه الذي عني به وبحفظه العلماء وكان يعجب مالكًا جدًا، فذكر كلام عمر الذي رواه الخطيب، ثم قال: وبحق ما كان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولا حسنة من السنة منها قوله: ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، قطع لمادة الابتداع جملة، وقوله من عمل بها مهتد إلى آخر الكلام مدح لمتبع السنة، وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك، وهو قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي ﷺ ، فهو سنة لا بدعة فيه البتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة،
стр. 48
وذلك نص حديث العرباض بن سارية ﵁، حيث قال فيه: «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»، فقرن ﵇ كما ترى سنة الخلفاء الراشدين بسنته، وإن من اتباع سنته اتباع سنتهم، وإن المحدثات خلاف ذلك ليست منها في شيء؛ لأنهم ﵃، فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم ﵇ نفسها، وإما متبعون لما فهموا من سنته ﷺ في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله، لا زائد على ذلك.
ومن الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لقوله: «الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة في دين الله»، وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع، فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز، ﵀ أصولا حسنة وفوائد مهمة انتهى كلام الشاطبي -رحمه الله تعالى-.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن عمر بن الخطاب ﵁، إنما سمى ما فعله من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان بدعة، لأن النبي ﷺ لم يستمر على فعله ولم يكن يفعل في زمان أبي بكر الصديق ﵁ فلهذا قال عمر ﵁ فيه ما قال. وقد صرح الشاطبي في كتاب "الاعتصام" أن عمر بن الخطاب ﵁ إنما سمى قيام الناس في ليالي رمضان بدعة على المجاز، وقال في موضع آخر من كتاب "الاعتصام" وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال، وتبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد، فقد قام بها
стр. 49
رسول الله ﷺ في المسجد واجتمع الناس خلفه، ثم ذكر الشاطبي حديث أبي ذر ﵁ في قيام النبي ﷺ بالناس ثلاث ليال في العشر الأواخر من رمضان، وذكر أيضًا حديث عائشة ﵂ في ذلك وفيه أنهم لما اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة، لم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم، فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم»، وقد ذكرت هذين الحديثين قريبًا ومعهما حديث النعمان بن بشير ﵄ بنحو حديث أبي ذر ﵁ ثم قال الشاطبي بعد ذكره لحديث عائشة ﵂ فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة، فإن قيامه أولا بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقًا؛ لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع فيمكن أن أوحى إذا عمل به الناس بالإلزام.
فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله ﷺ رجع الأمر إلى أصله، وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له، وإنما لم يقم ذلك أبو بكر ﵁، لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه ﵁ عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح، فلما تمهد الإسلام في زمن عمر ﵁، ورأى الناس في المسجد أوزاعًا كما جاء في الخبر، قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر
стр. 50
الليل أفضل، ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي.
فإن قيل فقد سماها عمر، ﵁، بدعة وحسنها بقوله: «نعمت البدعة هذه»، وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ ، واتفق إن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁، لا أنها بدعة في المعنى فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؛ لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه، انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم": فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة، بل هي سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه»، ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثًا، وصلاها أيضًا في العشر الأواخر في جماعة مرات، وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح. رواه أهل السنن، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها
стр. 51
في حال الانفرد، وفي قوله هذا ترغيب في قيم شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده ﷺ ويقرهم، وإقراره سنة منه ﷺ ، انتهى.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه "جامع العلوم والحكم" قول عمر ﵁، لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: «نعمت البدعة هذه»، قال وروي عنه أنه، قال: «إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة»، ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه، فمنها أن النبي ﷺ كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا، وهو ﷺ صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمن بعده ﷺ ، وروي عنه ﷺ أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الإفراد في العشر الأواخر، ومنها أنه ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين، وهذا قد صار من سنة الخلفاء الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر، وعثمان، وعلي ﵃، انتهى.
وأما قول الرفاعي في العدد الأخير وهو الصادر في ٢٣ من ربيع الأول سنة ١٤٠٢ هـ عدد ٤٨٧٠ من جريدة السياسة الكويتية، ونورد اليوم المزيد من الأدلة على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وهي كثيرة أهمها ما يلي:
стр. 52
١ - أن الاحتفال بالمولد الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى ﷺ ، وقد انتفع بذلك الاحتفال الكافر فقد جاء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى ﷺ ، وفي ذلك قال الحافظ شمس الدين الدمشقي:
إذا كان هذا كافرًا جاء ذمه ... بتبّت يداهُ في الجحيم مخلدًا
أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا ... يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسرورًا ومات موحدًا
فجوابه من وجوه، أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٧ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وهذا الكتاب مملوء من الشركيات والشطحات والخرافات، وعسى الله أن يَهُيئ الفرصة للرد عليه وبيان ما فيه من البلايا العظيمة، ولو أن الرفاعي نسب الكلام إلى قائله لكان أولى به من الاتصاف بصفة الاختلاس، وقد ذكر ابن علوي هذا الكلام أيضًا مختصرًا ومبسوطًا في صفحة، ٦ وصفحة ٩٨، وصفحة ١٦١، وصفحة ٢٦١، وجميع أدلة الرفاعي التي سيأتي ذكرها والرد عليها كلها مأخوذة من كتاب ابن علوي، وسيأتي التنبيه على ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أن يقال إن الأدلة على جواز الشيء أو منعه
стр. 53
لا تؤخذ من أفراح الناس وسرورهم، ولا من أحزانهم وغمومهم، وإنما تؤخذ من القرآن أو السنة أو الإجماع، وليس مع من ادعى جواز الاحتفال بالمولد النبوي دليل على ما ادعاه لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع، وعلى هذا فدعواه باطلة مردودة.
الوجه الثالث: أن يقال قد دلت السنة على ذم المحدثات والتحذير منها، وقد تَقدَّم إيراد الأحاديث الدالة على ذلك في أول الكتاب فلتراجع، وبدعة المولد من المحدثات التي قد أحدثت بعد زمان رسول الله ﷺ بنحو من ست مائة سنة وهي داخلة فيما ذمة رسول الله ﷺ وحذر منه.
الوجه الرابع: أن يقال إن الفرح والسرور بالنبي ﷺ ينبغي أن يكون على الدوام، ولا يكون مقصورًا على ليلة واحدة من كل سنة.
وأما قوله: وقد انتفع بذلك الاحتفال الكافر، فقد جاء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى ﷺ .
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال لم يجيء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب العذاب كل اثنين ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشرتها إياه بولادة المصطفى ﷺ ، فكل هذا من التقول على البخاري، وقد روى البخاري في أول "كتاب النكاح" من صحيحه في باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ من طريق الزهري عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن
стр. 54
أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ أخبرتها إنها قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: «أو تحبين ذلك»، فقلت: نعم لست لك بمخيلة، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي ﷺ : «إن ذلك لا يحل لي»، قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: «بنت أم سلمة» قلت: نعم، فقال: «لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن على بناتكن، ولا أخواتكن» قال عروة وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ ، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرِّ حِيْبة (١) قال له ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة، هذا لفظ الحديث عند البخاري، وليس فيه ما تقوَّله ابن علوي والرفاعي على البخاري.
الوجه الثاني: أن يقال لم يثب من طريق صحيح أنا أبا لهب فرح بولادة النبي ﷺ ، ولا أن ثويبة بشرته بولادته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي ﷺ ، فكل هذا لم يثبت، ومن ادعى ثبوت شيء من ذلك فعليه إقامة الدليل على ما ادعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً، وسيأتي في الوجه الثالث أن إعتاق أبي لهب لثويبة كان بعدما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة.
الوجه الثالث: أن يقال ظاهر قول عروة بن الزبير: إن إعتاق
стр. 55
أبي لهب لثويبة كان قبل أن ترضع النبي ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": والذي في السير يخالفه وهو أن أبا لهب أعتقها قبل الهجرة، وذلك بعد الإرضاع بدهر طويل، انتهى.
وقد روى ابن سعد في الطبقات عن محمد بن عمر الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا: وكان رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي يومئذ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بصلة وكسوة حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع مرجعه من خيبر، انتهى. وهذا الذي ذكره ابن سعد يرد قول من قال إن أبا لهب أعتقها لما بشرته بولادة النبي ﷺ .
الوجه الرابع: أن يقال إن خبر عروة مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به. والمرسل لا يثبت به شيء، قال الحافظ ابن حجر في "فتح لباري": وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به، انتهى.
الوجه الخامس: أن يقال إن الله ﵎ قد أخبر في آيات من القرآن أن أعمال الكفار حابطة، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾، وفي هاتين
стр. 56
الآيتين مع الآيات الدالة على إحباط أعمال الكفار دليل على أن أبا لهب لا ينتفع بإعتاقه ثويبة؛ لأن أعماله كلها حابطة، وقد جعلت هباء منثورًا وكالرماد الذي قد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وفيها أيضًا أبلغ رد على ما جاء في خبر عروة.
الوجه السادس: أن يقال إن أبا لهب كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ بعد البعثة، وكان يؤذي النبي ﷺ أشد الأذى، وعلى تقدير أن يكون قد فرح بولادة النبي ﷺ ، وأنه أعتق ثويبة لما بشرته بولادته، فإن عداوته للنبي ﷺ بعد البعثة ومبالغته في أذيته تهدم كل ما كان أسلفه من الفرح والسرور بولادة النبي ﷺ ، وعتق ثويبة وغير ذلك من الأعمال الحسنة إن كان له أعمال حسنة، ومن كان بهذه المثابة فلا يتعلق بالرؤيا التي ذكرت عنه ويستدل بها على جواز الاحتفال بالمولد، إلا من هو بعيد كل البعد عن السداد وإصابة الحق.
الوجه السابع: أن يقال إن نصوص القرآن دالة على أن العذاب لا يخفف عن الكفار، وقد جاء ذلك في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هاتان الآيتان لشدة كفره بالله وشدة عداوته لرسول الله، ﷺ وأذيته له، وقد عمّر عمرًا طويلاً وجاءه النذير وهو
стр. 57
محمد ﷺ على القول الراجح، وهو قول أكثر المفسرين، فكذب النذير وبارزه بالعداوة والأذى.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هذه الآيات؛ لأنه قد جاءه الحق على لسان محمد ﷺ فكرهه أشد الكراهة، وعادى من جاء به أشد العداوة وآذاه أشد الأذى.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هذه الآيات لكفره بآيات الله وتكذيبه سيد المرسلين وبمالغته في عداوته وإيذائه، وقد قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، ولم يأت في كتاب الله، ولا عن رسول الله ﷺ ما يدل على تخفيف العذاب عن أبي لهب طرفة عين، ومن ادعى تخفيف العذاب عنه كل يوم اثنين فعليه إقامة الدليل على ذلك من الكتاب أو من السنة، ولن يجد إلى ذلك سبيلاً البتة. وأما الرؤيا التي ذكرها عروة فهي مرسلة كما تقدم بيان ذلك، وعلى تقدير ثبوتها فليس فيها إلا أن أبا لهب أخبر عن نفسه أنه جوزي عن إعتاقه ثويبة بأن سقي في النقرة التي في الأبهام، وماذا تغني عنه هذه القطرة الصغيرة مع
стр. 58
شدة عطشه في النار، وليس في سقيه القطرة الصغيرة تخفيف عنه من العذاب كما قد يتوهم ذلك من لا علم عندهم. والمقصود ههنا أن الرؤيا التي ذكرها عروة لم تثبت من طريق صحيح متصل فلا يعول عليها، وأما التخفيف عن أبي لهب في كل يوم اثنين فهذا لم يثبت بإسناد صحيح يعتمد عليه، بل ولم يرو بإسناد ضعيف، وإنما ذكره بعض المؤرخين بدون إسناد، ومثل هذا لا ينبغي أن يلتفت إليه فضلاً عن أن يحتج به، والله أعلم.
وأما قول الرفاعي:
٢ - أنه ﷺ كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود إذ سعد به كل موجود، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي» كما ورد في صحيح مسلم.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٧ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد نقله الرفاعي نصًا، ولم يبين أنه نقله من كلام ابن علوي وهذا عمل غير مرضي عند أهل العلم لما فيه من الاتصاف بصفة الاختلاس.
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي ﷺ لم يكن يخص اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بالصيام، ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، ولو كان يعظم يوم مولده كما زعم ذلك ابن علوي
стр. 59
والرفاعي؛ لكان يتخذ ذلك اليوم عيدًا في كل سنة، أو كان يخصه بالصيام أو بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، دليل على أنه لم يكن يفضله على غيره، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، والتأسي بالرسول ﷺ هو التمسك بهديه، والبعد عما أحدثه أهل البدع ومنه بدعة المولد، لأنها لم تكن من هدي رسول الله ﷺ ، ولا من عمل أصحابه ﵃.
الوجه الثالث: أن يقال إن النبي ﷺ قد رغب في صيام يوم الاثنين من كل أسبوع، كما رغب في صيام يوم الخميس ويوم عرفة ويوم عاشوراء وأيام البيض وست من شوال، وكان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم، وكان يكثر الصوم في شعبان، وكان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس، وإذا كان النبي ﷺ لم يخص يوم الاثنين بالصيام دون يوم الخميس فاستدلال ابن علوي والرفاعي بصوم يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد في غاية البعد والتكلف.
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ علل صيامه ليوم الاثنين والخميس بأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم، وقد جاء ذلك في حديثين عن أبي هريرة وأسامة بن زيد ﵃ فأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه أن رسول الله ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين
стр. 60
والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم».
وأما حديث أسامة بن زيد ﵄ فرواه الإمام أحمد، والنسائي بإسناد حسن ولفظه قلت: يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: «أي يومين»، قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم»، وقد جاء في ذلك حديث ثالث رواه الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس. قال فقيل له فقال: «إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس أو كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله لكل مسلم أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين فيقول أخرهما»، وقد رواه ابن ماجه مختصرًا وإسناده جيد، وفي تعليله ﷺ صيامه ليوم الاثنين والخميس بأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم أبلغ رد على من استدل بصيام يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد.
الوجه الخامس: أن يقال قد زعم ابن علوي والرفاعي أنه قد سعد بالنبي ﷺ كل موجود، وهذا الإطلاق خطأ كبير؛ لأنه يلزم عليه إثبات الإيمان لجميع الإنس والجن، ونفي الكفر عن الكافرين منهم وهم الأكثرون، وهذا خلاف ما أخبر الله به في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ
стр. 61
لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قلة السعداء وكثرة الأشقياء، ولو كان الموجودون كلهم قد سعدوا بالنبي ﷺ كما قد زعم ذلك الذين يهرفون بما لا يعرفون؛ لكان الناس كلهم على الإسلام والإيمان وكانوا جميعًا من أهل الجنة، وهذا خلاف قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وقد أخبر الله تعالى عن السعداء أنهم في الجنة فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهذا يدل على أن السعادة بالنبي ﷺ خاصة بمن آمن به وبما جاء به من الهدى ودين الحق، وأنه لا حظ فيها لأحد من الكافرين والمنافقين، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أنه قد سعد بالنبي ﷺ كل موجود، وأما قول الرفاعي:
٣ - أن الفرح به ﷺ مطلوب بأمر القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، فالله تعالى أمرنا أن نفرح برحمته والنبي ﷺ أعظم الرحمة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام
стр. 62
محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٨ من كتابه المسمى بالذخائر المحمدية"، ومع هذا لم ينسبه الرفاعي إلى قائله، وهذا من ضعف الأمانة عنده.
الوجه الثاني: أن يقال إن الله تعالى لم يأمر عباده أن يخصوا ليلة المولد بالفرح والاحتفال، وإنما أمرهم أن يفرحوا بما أنزله على نبيه محمد ﷺ من الهدى ودين الحق، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فأمر ﵎ عباده أن يفرحوا بما جاءهم من ربهم من الموعظة والشفاء لما في الصدور والهدى والرحمة. قال أبو سعيد الخدري ﵁: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله، وقال ابن عباس ﵄، وهلال بن يساف، وقتادة: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: فضل الله القرآن، ورحمته حين جعلهم من أهل القرآن، وقال زيد بن أسلم، والضحاك: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام، روى هذه الأقوال كلها ابن جرير، وقال القرطبي في تفسيره: قال أبو سعيد الخدري، وابن عباس ﵄: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام، وعنهما أيضًا: فضل الله القرآن، ورحمه أن جعلكم من أهله، وعن الحسن، والضحاك، ومجاهد، وقتادة: فضل الله الإيمان، ورحمته القرآن، على العكس من القول الأول.
قلت: ولا منافاة بين القولين، فإن الإسلام والقرآن كلاهما من فضل الله ورحمته
стр. 63
وفيما ذكرته عن المفسرين أبلغ رد على من حمل الآية التي تقدم ذكرها على غير محملها، وخالف ما قاله علماء السلف في تفسيرها.
الوجه الثالث: أن يقال إن الرحمة للناس لم تكن بولادة النبي ﷺ ، وإنما كانت ببعثه وإرساله إليهم، وعلى هذا تدل النصوص من الكتاب والسنة، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فنص على أن الرحمة للعالمين إنما كانت في إرساله ﷺ ، ولم يتعرض لذكر ولادته، وأما السنة ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة»، وروي الإمام أحمد، وأبو داود بإسناد حسن عن سلمان، ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب، فقال: «أيما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من بني آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثتني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة».
وفيما ذكرته من الآية والحديثين أبلغ رد على ما توهمه ابن علوي والرفاعي في معنى الآية التي تقدم ذكرها، وجعلاه دليلا على جواز الاحتفال بالمولد.
وأما قول الرفاعي:
٤ - أن المصطفى ﷺ كان يهتم بالحوادث الدينية الهامة التي مضت وانقضت، فإذا مر الوقت الذي وقعت به وصادف ذكراها جعلها فرصة لتذكرها وتعظيم يومها بطاعة من الطاعات، سواء كان ذلك بصيام أو إطعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة
стр. 64
عليه ﷺ أو سماع شمائله الشريفة وقراءة سيرته العطرة، وقد أصّل النبي ﷺ هذه القاعدة وقعّدها بنفسه فقد صح في الحديث أنه لما وصل إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء شكرًا لله؛ لأنه نجا فيه نبيهم سيدنا موسى ﵇، وأغرق عدوه صامه ودعا أصحابه لصومه قائلاً: ونحن أولى بموسى منهم (مقدمة المورد الروي في المولد النبوي، لعلي القاري).
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٨ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بالزيادة والنقصان في بعض الكلمات، ومنها جملة ذكرها ابن علوي في الثاني من أدلته وجعلها الرفاعي في الرابع من أدلته وهي قوله: سواء كان ذلك بصيام، أو إطعام طعام، أو اجتماع على ذكر، أو صلاة عليه ﷺ ، أو سماع شمائله الشريفة.
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي ﷺ لم يكن يحتفل بمولده ويتخذه عيدًا، ولا كان الصحابة ﵃ يفعلون ذلك، ولا التابعون، ولا أئمة العلم والهدي من بعدهم، ولو كان ذلك خيرًا لسبقوا إليه، وقد قال النبي ﷺ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» فالاحتفال بالمولد مردود على من ابتدعه، ومن عمل به، ومن دعا إليه، ومن زعم أنه بدعة حسنة.
الوجه الثالث: أن يقال ما ذكره ابن علوي والرفاعي عن النبي ﷺ من الاهتمام وملاحظة ارتباط الزمان
стр. 65
بالحوادث الدينية الهامة التي قد مضت وانقضت فهو شيء جاء به ابن علوي والرفاعي من عندهما ولا صحة له ولا دليل عليه، ولم يرد عن النبي ﷺ أنه جعل شيئًا من أوقات الحوادث التي قد مضت وانقضت فرصة لتذكرها وتعظيم أمرها، ولم يرد عنه أنه كان يصوم أو يطعما لطعام لتذكر الحوادث التي قد مضت وانقضت، ولا أنه كان يعمل الاجتماع على الذكر لتذكر الحوادث التي قد مضت وانقضت وتعظيم يومها، ولا أنه كان يعمل الاجتماع للصلاة عليه وسماع شمائله وقراءة سيرته، فكل هذا لم يرد عنه ﷺ أنه فعله، وما زعمه ابن علوي والرفاعي ونسباه إلى النبي ﷺ في كلامهما الذي تقدم ذكره فهو من توهمهما وتقولهما عن النبي ﷺ .
ومن أعظم الأمور التي وقعت في زمن النبي ﷺ مجيء الملك إليه بالنبوة وهو في غار حراء وتعليمه أول سورة ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ومن أعظم الأمور أيضًا الإسراء به إلى بيت المقدس، والعروج به إلى السماوات السبع وما فوقها، وتكليم الرب ﵎ له، وفرضه الصلوات الخمس عليه وعلى أمته، ومن أعظم الأمور أيضًا هجرته ﷺ إلى المدينة، ومن أعظم الأمور أيضًا وقعة بدر، ومن أعظم الأمور أيضًا فتح مكة ولم يرد عنه، ﷺ أنه كان يعمل الاجتماع لتذكر شيء من هذه الأمور العظيمة وتعظيم أيامها، ولو كانت قاعدة ابن علوي والرفاعي التي توهماها وابتكراها صحيحة؛ لكان النبي ﷺ يهتم بأوقات هذه الأمور العظيمة، ويعقد الاجتماعات لتذكرها، وتعظيم أيامها وفي تركه ﷺ ذلك أبلغ
стр. 66
رد على مزاعم ابن علوي والرفاعي وتقولهما على النبي ﷺ ، وقد زعم الرفاعي في العاشر من أدلته الوهمية إن أكثر أعمال الحج هي إحياء لذكريات مشهودة، وسيأتي الجواب عن هذا الخطأ الكبير في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وأما قول ابن علوي والرفاعي وقد أصّل النبي ﷺ هذه القاعدة وقعّدها بنفسه إلى آخر كلامهما الذي تقدم ذكره.
فجوابه أن يقال ليس في صيامه، ﷺ يوم عاشوراء تأصيل لشيء من القواعد البتة، وإنما الأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله ﷺ : «من شاء صام ومن شاء ترك» متفق عليه من حديث عائشة وابن عمر رضي الله -عنهم-، وزاد بعد حديث ابن عمر ﵄، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه، وفي الصحيحين أيضًا عن علقمة بن قيس النخعي أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود ﵁ وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن إن اليوم يوم عاشوراء، فقال: «قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك»، وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه وتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده، وفي هذه الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على ما زعمه ابن علوي والرفاعي من التأصيل والتقعيد بصيام يوم عاشوراء.
وأما قول الرفاعي:
٥ - إن المولد الشريف مناسبة وفرصة مناسبة للإكثار من
стр. 67
الصلاة والسلام على المصطفى الحبيب ﷺ المطلوبين بنص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي إلا أن الرفاعي قد غير في العبارة بعض التغيير وهو في صفحة ٢٦٩ من كتاب ابن علوي المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي ﷺ إنما أمر بإكثار الصلاة عليه في يوم لجمعة ولم يأمر بذلك في ليلة مولده فيعمل بما أمر به رسول الله ﷺ ، ويرد ما لم يأمر به والحديث في الأمر بإكثار الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة قد رواه الإمام أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما، والحاكم في مستدركه من حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ»، فقالوا يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت يعني وقد بليت؟ قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ويستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ في كل وقت لما رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن
стр. 68
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرًا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن ربيعة، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب انتهى.
وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا» الحديث قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وتتأكد الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير من الصلاة، وعند الشافعية، وجمهور الحنابلة أنها واجبة في التشهد الأخير، وبعض الحنابلة يرى أنها ركن في التشهد الأخير لا تصح الصلاة بدونه.
وتتأكد أيضًا في خطبتي الجمعة والعيدين، وعند الشافعية، والحنابلة أنها شرط في الخطبة، وتجب الصلاة على النبي ﷺ في صلاة الجنازة، وتسن بعد الأذان والدعاء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وتستحب عند ذكره ﷺ فكلما مر ذكره فإنه يستحب لمن ذكره ولمن سمع ذلك أن يصلي عليه، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
وأما قول الرفاعي:
٦ - إن المولد الشريف يشمل ذكر مولده الشريف وشمائله
стр. 69
ومعجزاته وسيرته ومعرفة خصاله الكريمة، ونحن مأمورون بمعرفة ذلك للاقتداء به والتأسي بأعماله والإيمان بمعجزاته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير وزاد فيه ذكر الآية.
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي ﷺ لم يأمر أمته بالاحتفال بمولده، ولم يأمرهم بذكر مولده وشمائله ومعجزاته وسيرته وخصاله الكريمة في ليلة المولد بخصوصها، بل هذا من البدع التي أحدثت بعد النبي ﷺ بنحو من ست مائة سنة، وقد تقدم في أول الكتاب (١) ذكر الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذم المحدثات وبيان أنها شر وضلالة، وقدم أيضًا قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث والأحاديث المشار إليها قبله تدل على ذم الاحتفال بالمولد، وأنه من الأعمال المردودة.
الوجه الثالث: أن يقال إن معرفة مولد النبي ﷺ وشمائله ومعجزاته وسيرته وخصاله الكريمة متيسرة لمن أراد الاطلاع على هذه الأمور، ومعرفتها في أي وقت من الأوقات ولا يتقيد ذلك بوقت معين وعلى هيئة اجتماعية مبتدعة، كما يفعله المفتونون
стр. 70
ببدعة المولد، حيث جعلوا قراءة المولد والشمائل والمعجزات في ليلة المولد خاصة دون سائر الليالي والأيام وعلى هيئة اجتماعية مبتدعة، وهذه التقاليد الذميمة ينطبق عليها قول الله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، والمراد بالأمة ههنا الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد والذين يحتفلون بالمولد إنما هم سائرون على طريقة سلطان إربل وما أحدثه من الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا يعتادون إقامته في كل عام، وهذا الاحتفال من الأمور التي لم يأذن بها الله، ولم يأمر بها رسول الله ﷺ فيدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
الوجه الرابع: أن يقال إن الاقتداء بالرسول ﷺ والتأسي به لا يتم إلا بتحقيق المتابعة للرسول ﷺ والتمسك بسنته وتقديم هديه على هدي غيره، وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى في بعض فتاويه العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له؛ والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب ومستحب، ولا يعبده بالأمور المبتدعة، انتهى.
стр. 71
وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان أحدهما: أن لا نعبد إلا الله؛ والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بعبادة مبتدعة، وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه.
قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي لفظ في الصحيح «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، ولهذا قال الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف، والله سبحانه أمرنا باتباع الرسول وطاعته وموالاته ومحبته، وأن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما، وضمن لنا بطاعته، ومحبته محبة الله وكرامته، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وأمثال ذلك في القرآن كثير، ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا عما مضت به السنة، وجاءت به الشريعة، ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة وما علمه قال به، وما لم يعلمه أمسك عنه، ولا يقفو ما ليس له به علم، ولا يقول على الله ما لا يعلم، فإن الله قد حرم ذلك كله، انتهى.
стр. 72
وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر، وأصل الإسلام أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله، ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله، وإنما يحقق هذين الأصلين من لم يعبد إلا الله، ولم يخرج عن شريعة رسول الله ﷺ التي بلغها عن الله فإنه قال: «تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»، وقال: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به»، وقال ابن مسعود ﵁: «خط لنا رسول الله ﷺ خطًا وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، فالعبادات والزهادات، والمقالات، والتورعات الخارجة عن سبيل الله وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله أن نسأله هدايته، وهو ما دلت عليه السنة هي سبل الشيطان انتهى كلامه، فليتأمل من أوله إلى آخره ففيه رد على المفتونين ببدعة المولد، وليتأمل قوله أنه لا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة ففي هذه الجملة أبلغ رد على المفتونين ببدعة المولد».
الوجه الخامس: أن يقال إن الاحتفال بالمولد ليس من هدي النبي ﷺ ، ولا من عمل أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة العلم والهدي من بعدهم، وإنما هو من هدي سلطان إربل، فمن احتفل بالمولد فقد تأسى بسلطان إربل واتبع هديه شاء أم أبى.
стр. 73
الوجه السادس: أن يقال من أراد الاقتداء بالنبي ﷺ ، والتأسي بأعماله وهو صادق النية، فلا بد له من لزوم الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لأن النبي ﷺ قد أخبر عن الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة بأنهم من كان على مثل ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا بد له أيضًا من إنكار البدع كلها ومخالفة أهلها ومنها بدعة المولد؛ لأنها من المحدثات التي أحدثت بعد زمان النبي ﷺ بنحو من ست مائة سنة فهي داخلة فيما حذر منه رسول الله ﷺ وأخبر أنه شر وضلالة، فأما من يفعل بدعة المولد ويذب عنها وعن أهلها أو يفعل غير ذلك من البدع، ثم يدعي أنه يريد بذلك الاقتداء برسول الله ﷺ والتأسي بأعماله فإنه غير صادق في دعواه؛ لأن عمله يكذب دعواه.
وأما قول الرفاعي:
٧ - الاحتفال فرصة لأداء بعض حقه الكبير علينا؛ لأن الله تعالى هدانا به، وأنقذنا من النار، وأخرجنا من الظلمات إلى النور جزاه الله عنا ما هو أهله، وقد كان الشعراء يتقربون إليه ﷺ في حياته المنيفة بالقريض والقصائد مثل كعب بن زهير، وحسان بن ثابت فكان يرضى عملهم ويكافئهم على ذلك بالصلات والطيبات، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة مثل: «مولد البرزنجي» وغيره أو تلاه أو جمع الناس للاستماع إليه، ففي ذلك كل التقرب والتحبب إليه باستجلاب محبته ورضاه ﷺ .
стр. 74
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٩ من كتابه المسمى «بالذخائر المحمدية»، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير وزاد فيه ونقص.
الوجه الثاني: أن يقال إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا ليس فيه أداء لشيء من حقوق النبي ﷺ ، وإنما هو في الحقيقة إساءة إلى النبي ﷺ من جهتين.
إحداهما: أن الذين يحتفلون بالمولد قد شرعوا عيدًا لم يأذن به الله ولم يأمر به رسول الله ﷺ ، وقد زعموا مع ذلك أن هذه البدعة بدعة حسنة، وزعم الرفاعي أنها سنة مباركة وبدعة حسنة محمودة، وقد تقدم في أول الكتاب (١) ما ذكره الشاطبي عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- أنه قال: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأن لله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. انتهى.
الجهة الثانية: معصيتهم للرسول ﷺ حيث نبذوا تحذيره من محدثات الأمور وراء ظهورهم، ولم يبالوا بقوله ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه: «وشر الأمور محدثاتها»، وقوله أيضًا: «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقوله أيضًا: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
стр. 75
الوجه الثالث: أن يقال إن أداء حق النبي ﷺ لا يتم إلا بطاعته، واتباع هديه، والتمسك بسنته، ونشر دعوته، والبعد عن كل ما خالف أمره، وليس لأداء حقه وقت مخصوص، بل هو واجب في جميع الأوقات، ومن زعم أنه يؤدي بعض حق النبي، ﷺ في ليلة المولد بخصوصها فلا شك أنه قد بخسه حقه.
الوجه الرابع: أن يقال من آكد حقوق النبي ﷺ كثرة الصلاة والسلام عليه، وقد أمر النبي ﷺ بإكثار الصلاة عليه في يوم الجمعة كما تقدم ذلك في حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁ (١) ولم يأمر بذلك في ليلة مولده. فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم، وتشبهوا بالذين اتخذوا مولد المسيح عيدًا، وزعموا أن فعلهم هذا بدعة حسنة محمودة وسنة مباركة، وهذا مصداق ما جاء في عدة أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ولو كان في إكثار الصلاة على النبي ﷺ في ليلة مولده زيادة فضل لبين ذلك النبي ﷺ ، فإنه لا خير إلا وقد دل أمته عليه ورغبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه.
وأما قول الرفاعي: وقد كان الشعراء يتقربون إليه ﷺ بالقريض والقصائد مثل كعب بن زهير، وحسان بن ثابت فكان يرضى عملهم ويكافئهم على ذلك بالصلات والطيبات.