Полный текст (128 стр.). Показаны 106–128 · переход к 111.
стр. 106
إذا عرف هذا, فالواجب على كل مؤمن أن يقدم طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ على ما سواهما, وإذا أمر بمعروف, أو نهى عن منكر وجب عليه أن يذعن لذلك, ويقابله بالرضا والتسليم والمبادرة إلى فعل المأمور, وترك المحظور؛ فإن ذلك من أسباب الهداية والفوز بالجنة والنجاة من النار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وليحذر المؤمن الناصح لنفسه من طاعة الشح واتباع الهوى وإيثار الدنيا والإعجاب بالرأي, فإن ذلك ضلال عن الصراط المستقيم.
وليحذر المؤمن أيضًا من تتبع أخطاء العلماء وزلاتهم, فإنها من هوادم الإسلام, ومن تتبعها أوقعه في المهالك ولا بد، إلا أن ينقذه الله تعالى, ويمن عليه بالتوبة والإنابة.
стр. 107
وقد روى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أخاف على أمتي ثلاث: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن والتكذيب بالقدر»
وروى أبو نعيم في الحلية عن عمرو بن عوف المزني ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أخاف على أمتي من بعدي ثلاثة أعمال» قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «زلة عالم وحكم جائر وهوى متبع».
وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «إن أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم».
وروى الطبراني في الصغير عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إني أخاف عليكم ثلاثًا, وهي كائنات: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم».
وروى الدارمي وأبو نعيم في الحلية عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت لا. قال: يهدمه زلة عالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: إنما أخشي عليكم زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن.
وليحذر المؤمن أيضًا من الاغترار بالقراء الفسقة, والاقتداء بهم في أفعالهم السيئة؛ فإن ذلك ضلال عن الحق.
стр. 108
وقد كان النبي ﷺ يتخوف على أمته من كل منافق عليم اللسان.
كما في المسند بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي قال: إني لجالس تحت منبر عمر ﵁, وهو يخطب الناس, فقال في خطبته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان».
وفي رواية في غير المسند يتكلم بالحكمة, ويعمل بالجور.
وروي الإمام أحمد في الزهد عن الأحنف بن قيس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنت عنده جالسًا, فقال: إن هلكة هذه الأمة على يدي كل منافق عليم.
وروى الطبراني في الكبير البزار عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم باللسان».
قال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح.
وروي الطبراني أيضًا في الصغير عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إني لا أتخوف على أمتي مؤمنًا, ولا مشركًا، أما المؤمن, فيحجزه إيمانه، وإما المشرك, فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان, يقول ما تعرفون, ويعمل ما تنكرون».
وروى الإمام أحمد في الزهد والدارمي في سننه عن هرم بن حيان أنه قال: إياكم والعالم الفاسق, فبلغ عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه وأشفق منها: ما العالم الفاسق؟ فكتب إليه هرم: والله يا أمير المؤمنين, ما أردت به إلا الخير يكون إماما يتكلم بالعلم, ويعمل بالفسق, فيشتبه على الناس فيضلون.
стр. 109
فصل [في التحذير أن يخالف قول الآمر والناهي فعله]
وليحذر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يخالف قولَه فعلُه، فإن الله تعالى يمقت على ذلك أشد المقت مع ما يدخره لصاحبه من العذاب المهين في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وروى البخاري في صحيحه عن أبي موسى ﵁ قال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات, فأنسيتها غير أني حفظت منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسئلون عنها يوم القيامة.
وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد جيد عن الحسن مرسلا، قال: قال رسول الله ﷺ «ما من عبد يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة ما أردت بها» قال: فكان مالك - يعني ابن دينار - إذا حدث بهذا الحديث بكى, ثم يقول: أتحسبون أن عيني تقر بكلامي عليكم, وأنا أعلم أن الله سائلي عنه يوم القيامة يقول: ما أردت به؟.
وروى الأصبهاني عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل لا يكون مؤمنًا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء, ويكون لسانه مع قلبه سواء، ولا يخالف قوله عمله, ويأمن جاره بوائقه».
стр. 110
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿تَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه, ويخالفون فعيرهم الله .
قال ابن كثير: وكذا قال السدي.
وقال ابن جريج: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة, ويدعون العمل بما يأمرون به الناس, فعيرهم الله بذلك, فمن أمر بخير, فليكن أشد الناس فيه مسارعة.
وروى أبو نعيم في الحلية عن الأوزاعي، أنه قال: إن المؤمن يقول قليلا, ويعمل كثيرًا، وإن المنافق يقول كثيرًا, ويعمل قليلا.
وروى ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس, إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر. قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله, فافعل. قال: وما هن؟ قال: قول الله تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني قال قوله تعالى ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث, قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك.
وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عن إبراهيم النخعي أنه قال: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ
стр. 111
بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقوله إخبارًا عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾.
وروى الإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار، قال: أوحى الله إلى عيسى ﵊ أن يا عيسى, عظ نفسك, فإن اتعظت, فعظ الناس, وإلا فاستحي مني.
وروى الطبراني وأبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في سخط الله حتى يكف أو يعمل بما قال، أو دعا إليه».
وروى الطبراني أيضًا والحافظ الضياء المقدسي عن جند بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير, ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس, ويحرق نفسه».
وروى الطبراني أيضًا والبزار عن أبي برزة الأسلمي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل الذي يعلم الناس الخير, وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها».
وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وعبد بن حميد, وابن حبان في صحيحه, وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي والبغوي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار, فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر, وينسون أنفسهم, وهم يتلون الكتاب, أفلا يعقلون».
стр. 112
وفي رواية لابن مردويه: «تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار».
ورواه أبو نعيم في الحلية بنحوه.
وفي رواية له عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار, كلما قرضت وفت, قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون, ولا يفعلون, ويقرءون كتاب الله, ولا يعملون به» ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي بنحوه.
وروي أبو نعيم أيضًا عن مالك بن دينار قال: ما من خطيب يخطب إلا عرضت خطبه على عمله, فإن كان صادقًا صدق, وإن كان كاذبًا قرضت شفتاه بمقراض من نار, كلما قرضتا نبتتا.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أسامة بن زيد ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة, فيلقى في النار فندلق أقتاب بطنه, فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى, فيجتمع إليه أهل النار, فيقولون: يا فلان, ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى, قد كنت آمر بالمعروف, ولا أتيه, وأنهي عن المنكر, وآتيه».
الأقتاب: الأمعاء, واحدها قِتْب بكسر القاف وسكون المثناة, واندلاقها: خروجها من الجوف بسرعة. قاله غير واحد من أئمة اللغة، وروى ابن جرير والطبراني عن الوليد بن عقبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن إناسًا من أهل الجنة يطلعون على أناس من
стр. 113
أهل النار, فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم. فيقولون: إنا كنا نقول, ولا نفعل».
وروى الإمام أحمد في الزهد عن الشعبي قال: يشرف أهل الجنة في الجنة على قوم في النار, فيقولون: ما لكم في النار، وإنما نعمل بما تعلمونا, فيقولون: إنا كنا نعلمكم, ولا نعمل به.
وروى أبو نعيم في الحلية عن قتادة قال: إن في الجنة كوى إلى النار, فيطلع أهل الجنة من تلك الكوى إلى النار، فيقولون: ما بال الأشقياء, وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم, ولا نأتمر, وننهاكم, ولا ننتهي.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن الحسن قال: إذا كنت آمرًا بالمعروف, فكن من آخذ الناس به، وإلا هلكت, وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر, فكن من أنكر الناس له، وإلا هلكت.
وروى الطبراني عن الأغر أبي مالك أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: من أمر بالحق وعمل بالباطل, وأمر بالمعروف وعمل بالمنكر يوشك أن تنقطع أمنيته, وأن يحبط عمله.
ومن حكم الشعر قول أبي الأسود الدؤلي:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو سقيم
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم
وأراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم
стр. 114
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم
فصل [في أن على ولاة الأمور الاهتمام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه من آكد الفرائض عليهم]
وإذا علم ولاة الأمر ونوابهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين عليهم, وأنهم لا عذر لهم في تركه, فالواجب عليهم القيام بهذا الفرض العظيم والاهتمام بشأنه، فإن ذلكم أسباب النصر والتأييد والتمكين في الأرض، ولا ينبغي لهم إهماله, والاستخفاف بشأنه؛ فإن ذلك من أسباب عموم العقوبة, وسلب الملك كما تقدم إيضاح ذلك.
وتقدم أيضًا حديث أن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها, وإذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة.
ومن أعظم المنكرات الظاهرة إضاعة الصلاة, والتهاون بالجمعة والجماعة, وما أكثر ذلك في المنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين, فضلا عن غيرهم.
فيجب على ولاة الأمر ونوابهم أن يأخذوا على أيدي المتهاونين بالصلاة, ويؤدبوا من تخلف عن الجمعة والجماعة.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة الحسبة: وعلى المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في
стр. 115
مواقيتها, ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس, ويتعهد الأئمة والمؤذنين, فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك, واستعان فيما يعجز عنه بوالي الحرب والحكم وكل مطاع يعين على ذلك، وذلك أن الصلاة هي أعرف المعروف من الأعمال, وهي عمود الإسلام وأعظم شرائعه، وهي قرينة الشهادتين، وإنما فرضها الله ليلة المعراج, وخاطب بها الرسول بلا واسطة لم يبعث بها رسولا من الملائكة, وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته, وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصًا بعد تعميم كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
وقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ وهي المقرونة بالصبر بالزكاة وبالنسك وبالجهاد في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾.
وقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
стр. 116
وأمرها أعظم من أن يحاط به, فاعتناء ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق اعتنائهم بجميع الأعمال، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله أن أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه, ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة. رواه مالك وغيره.
ويأمر المحتسب بالجمعة والجماعات وبصدق الحديث، وأداء الأمانات، وينهى عن المنكرات من الكذب والخيانة, وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات والبياعات والديانات ونحو ذلك.
والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب, وتدليس السلع؛ مثل أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه كالذي مر عليه النبي ﷺ وأنكر عليه، ويدخل في الصناعات؛ مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك؛ أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم، أو يصنعون غير ذلك من الصناعات, فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان.
ومن هؤلاء الكيماوية الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك, فيصنعون ذهبًا أو فضة أو عنبرًا أو مسكًا أو جواهر أو زعفرانًا أو ماء ورد أو غير ذلك يضاهون به خلق الله, ولم يخلق الله شيئًا فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه, بل قال الله فيما حكى عنه رسوله «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي, فليخلقوا ذرة, فليخلقوا بعوضة».
стр. 117
ولهذا كانت المصنوعات مثل: الأطبخة والملابس والمساكن غير مخلوقة إلا بتوسط الناس.
قال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدور لبني آدم أن يصنعوها, لكنهم يشبهون على سبيل الغش, وهذا حقيقة الكيمياء, فإنه المشبه.
ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة مثل عقود الربا والميسر ومثل بيع الغرر وكحبل الحبلة والملامسة والمنابذة وربى النسيئة وربى الفضل وكذلك النجش, وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها, وتصرية الدابة اللبون, وسائر أنواع التدليس, وكذلك المعاملات الربوية.
ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق؛ فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع؛ فإنه لا يعرف السعر, فيشترى منه المشتري بدون القيمة.
ولذلك أثبت النبي ﷺ له الخيار إذا هبط إلى السوق، وثبوت الخيار له مع الغبن لا ريب فيه.
وأما ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين العلماء, وفيه عن أحمد روايتان:
إحداهما: يثبت, وهو قول الشافعي.
والثانية: لا يثبت؛ لعدم الغبن.
стр. 118
وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل, وهو الذي لا يماكس هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما, فليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر, ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر.
هذا مما ينكر على الباعة, وجاء في الحديث غبن المسترسل ربى، وهو بمنزلة تلقي السلع, فإن القادم جاهل بالسعر, ولذلك نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد، وقال دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
وقيل لابن عباس ﵄: ما قوله: «لا يبيع حاضر لباد»؟ قال: لا يكون له سمسارًا، وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين, فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها, والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري, فقال النبي ﷺ : «دعوا الناس برزق الله بعضهم من بعض».
ومثل ذلك الاحتكار لما يحتاج الناس إليه.
روى مسلم في صحيحه عن معمر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يحتكر إلا خاطئ»؛ فإن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام, فيحسبه عنهم, ويريد غلاءه عليهم, وهو ظالم للخلق المشترين.
ولهذا كان تولي الأمر أن يكون الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه, والناس في مخمصة, فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل.
стр. 119
ولهذا قال الفقهاء من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره.
ومن هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز.
ومنه ما هو عدل جائز, فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه, أو منعهم مما أباحه الله لهم, فهو حرام, وإذا تضمن العدل بين الناس؛ مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم من أخذ زيادة على عوض المثل, فهو جائز, بل واجب.
فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم, وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء, وإما لكثرة الخلق, فهذا إلى الله, فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.
وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة, فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل, ولا معني للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل, فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به.
وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون؛ لا تباع تلك السلع إلا لهم, ثم يبيعونها هم, فلو باع غيرهم ذلك منع؛ إما ظلمًا لوظيفة تؤخذ من البائع, أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد, فهاهنا يجب التسعير عليهم, بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل, ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل,
стр. 120
بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه, فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو يشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلمًا للخلق من وجهين: ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال, وظلمًا للمشترين منهم.
والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه, فالتسعير في مثل هذا واجب, بلا نزاع, وحقيقته إلزامهم أن لا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل, وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة؛ فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع.
مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة.
والإكراه على أن البيع إلا بثمن المثل لا يجوز إلا بحق, ويجوز في مواضع.
مثل المضطر إلى طعام الغير.
ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير, فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل, لا بأكثر, ونظائره كثيرة.
ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجران يشتركون إلا أنهم إذا اشتركوا والناس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر, فمنع البائعين الذين تواطئوا على بيع أن لا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى، وكذلك
стр. 121
منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا؛ فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضًا.
فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعًا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه, فيشترونه بدون ثمن المثل المعروف, ويزيد ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف, وينمو ما يشترونه كان هذا أعظم عدوانًا من تلقي السلع، ومن بيع الحاضر للبادي, ومن البخس, ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل, والناس يحتاجون إلى بيع ذلك وشرائه.
وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس, فإنه يجب أن لا يباع إلا بثمن المثل إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى ملخصًا.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا بيع السلع, وهي في محل البائع قبل أن يقبضها المشتري, ويحوزها إلى رحلة أو إلى مكان الاختصاص للبائع به إن لم يكن للمشتري رحل.
وما أكثر من يفعل هذا المنكر في زماننا. وقد كان النبي ﷺ ينهى عن ذلك, ويبعث رجالا يضربون الناس على ذلك, فيجب على ولاة الأمور ونوابهم أن يمنعوا الناس من فعل هذا المنكر, ويؤدبوا من فعل ذلك.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا التعامل بالربا, ويقع ذلك كثيرًا من الصيارفة, وهو في أهل البنوك أكثر وأكثر, فإن غالب معاملاتهم
стр. 122
مبنية على الربا, فيجب الأخذ على أيديهم, ومنعهم من المعاملات الربوية.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا شرب الدخان الخبيث وبيعه وابتياعه, وقد ثبت أنه من المسكرات مع اتصافه بصفة الخبث, وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
فيجب على ولاة الأمور المنع منه, وتأديب من يشربه أو يبيعه أو يبتاعه أو يحمله.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا أخذ المكوس والضرائب من المسلمين, وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما العشور على اليهود والنصارى, وليس على المسلمين عشور».
قال الخطابي: قوله: «ليس على المسلمين عشور» يريد عشور التجارات والبياعات دون عشور الصدقات. انتهى.
ومن هذا الباب ما تأخذه البلديات من الضرائب على السيارات كل عام, وما يأخذونه على الأراضي التي يبنى فيها, وعلى الأبواب والنوافذ والميازيب التي يحدثها أهل البيوت في بيوتهم, وغير ذلك من الضرائب التي يأخذونها ظلمًا بغير حق.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا تصوير ذوات الأرواح وبيع الصور وابتياعها, ونصبها في المجالس والدكاكين.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا حلق اللحى, وإعفاء الشوارب, وتقزيع شعر الرأس, وجعله تواليت, أو ترك قنزعة في مقدمه، وكل ذلك من التشبه بأعداء الله تعالى, والتشبه بهم حرام شديد التحريم.
стр. 123
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا تبرج النساء وسفورهن بين الرجال الأجانب ولبسهن لملابس نساء الإفرنج, وتقصيص شعورهن, وفرقها من جانب الرأس, وجمعها معقوصة من جهة القفا كما تفعله نساء الإفرنج, وجعل الخرق في رءوس البنات مشابهة لبنات الإفرنج.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا خلوة النساء مع الرجال الأجانب, كما هو واقع في المستشفيات وغيرها.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا تشبه النساء بالرجال في لبس النعال, وما أكثر من يفعل ذلك منهن, ولا سيما لما ظهرت نعال الشبشب والزنوبة.
وقد روى أبو داود في سننه بإسناد جيد عن ابن أبي مليكة قال: قيل لعائشة ﵂: إن امرأة تلبس النعل, فقالت: لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا تحلي الرجال بالساعات في أيديهم كأنها أساور النساء, والمتحلى بالساعة قد جمع بين التشبه بالنساء والتشبه بالإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى، والتشبه بأهل النار؛ لأن الحديد حلية أهل النار.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا الغناء والضرب بالمعازف والمزامير في الإذاعات وغير الإذاعات واتخاذ آلات اللهو التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ كالسينما والتلفزيون والراديو
стр. 124
والصندوق, وغير ذلك من الآلات التي تفسد الدين والأخلاق, وتسخط الرحمن, وترضي الشيطان.
ومن هذا الباب اتخاذ السيارات التي فيها الموسيقى المطربة، وكذلك اتخاذ الساعات التي فيها الموسيقى المطربة.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا تعليق الأجراس المطربة على الدواب, ومن المنكرات الظاهرة أيضًا اتخاذ الحفلات لقدوم السلطان, وهي تشتمل على عدة منكرات, منها: السرف وتبذير الأموال في غير حق. ومنها: التهاون بالصلوات, وتأخيرها عن أوقاتها. ومنها: اختلاط الرجال والنساء في ذلك من أعظم الذرائع إلى الفتنة ووقوع الفاحشة.
ومنها: الغناء والضرب بالدفوف وغيرها من آلات اللهو التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
ومنها التصفيق عند حضور بعض الأكابر وعند سماع ما يستحسنونه من الخطب والأشعار.
إلى غير ذلك من المنكرات التي تفعل في تلك الحفلات السخيفة, ومن المنكرات الظاهرة أيضًا اللعب بالكرة, وهو من رياضات الإفرنج وألعابهم.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم».
رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄.
стр. 125
وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا, لا تشبهوا باليهود, ولا بالنصارى» وهو أيضًا من المرح والأشر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.
وروى البخاري في الأدب المفرد من حديث البراء بن عازب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الأشرة شر».
وهو أيضًا مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء, وما كان كذلك فهو حرام.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا التصفيق في الأندية والمجتمعات عند التعجب والاستحسان وهو من أفعال الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى، وفيه أيضًا تشبه بالنساء.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا التمثيليات السخيفة التي يفعلها أهل المدارس وغيرهم.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا لبس ملابس أعداء الله تعالى؛ كالسترة والبنطلون والقبعة والكبك والكرتة وغير ذلك مما فيه مشابهة لأعداء الله تعالى، وقد قال النبي ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم» وفي حديث آخر عنه ﷺ أنه قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا, لا تشبهوا باليهود, ولا بالنصارى» وقد غضب النبي ﷺ لما رأى على عبد الله بن عمرو ﵄ ثوبين معصفرين, وقال: «إن هذه من ثياب الكفار, فلا تلبسها».
стр. 126
فدل هذا الحديث الصحيح على أنه لا يجوز لبس ثياب الكفار كالبرنيطة والسترة والبنطلون والكبك والكرتة وغير ذلك من ملابس أعداء الله تعالى.
وفي رواية أن النبي ﷺ قال: لعبد الله بن عمرو ﵄ «أأمك أمرتك بهذا» قلت أغسلهما. قال: «بل احرقهما».
وفي رواية أنه ﷺ قال له: «اذهب فاطرحهما عنك» قال: أين يا رسول الله؟ قال: «في النار».
وإذا كان هذا قوله ﷺ في لبس الثوبين المعصفرين, فكيف بلبس البرنيطة والسترة والبنطلون والكرتة وغير ذلك من ملابس أعداء الله تعالى أولى بالمنع لما فيه من مزيد المشابهة لأعداء الله تعالى والتزيي بزيهم, والله أعلم.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا الإشارة بالأكف مرفوعة إلى جانب الوجه فوق الحاجب الأيمن عند السلام كما يفعل ذلك الشرطة وغيرهم, وكذلك ضرب الشرط بأرجلهم عند السلام, ويسمون هذا الضرب المنكر والإشارة بالأكف التحية العسكرية, وهي من تحيات الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا القيام على الرؤساء وهم قعود, والقيام للداخل على وجه التعظيم والاحترام.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا تدريب الجنود الأنظمة الإفرنجية, ومن المنكرات الظاهرة أيضًا اتخاذ قبر النبي ﷺ عيدًا, واختلاط الرجال والنساء عنده, وضجيجهم بالأصوات المرتفعة, وإساءتهم الأدب مع النبي ﷺ .
стр. 127
ومن المنكرات الظاهرة التطريب بالأذان وتمطيطه والتنطع فيه حتى يتولد من الحرف الواحد حروف كثيرة, ويفعل ذلك في الحرمين الشريفين وفي غيرهما.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا ما يفعل في الحرمين الشريفين من التكبير الجماعي قبل صلاة العيد.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا مزاحمة النساء للرجال على الحجر الأسود, والركن اليماني.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا وقوف الجماعات للدعاء تحت باب الكعبة, وتضييقهم على الطائفين.
ومن المنكرات الظاهرة أيضًا تحجر الأمكنة القريبة من الإمام, ويفعل ذلك في المسجد الحرام في كل وقت, ويفعل في غيره من المساجد في يوم الجمعة.
ومن أعظم المنكرات الاستخفاف بكتب الحديث وغيرها من كتب أهل السنة وتسميتها بالكتب الصفراء, وتسمية المتمسكين بالسنة الرجعيين, وتسمية أعداء الله التقدميين, وهذا لا يصدر إلا من منافق مبغض للقرآن والسنة وأهل السنة، ومع هذا, فقد رأيت ذلك منشورًا في بعض الصحف المشؤومة, ولم أر من أنكر ذلك، وهذا القول الوخيم لا يجوز إقراره, وينبغي أن يؤدب قائله أدبًا بليغًا يردعه وأمثاله عن إظهار زندقتهم وإلحادهم.
وهذا ما تيسر ذكره من المنكرات الظاهرة التي يجب تغييرها وتطهير البلاد الإسلامية منها
стр. 128
والله ﵎ سائل ولاة الأمور عما أضاعوه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, كما في الصحيحين والمسند والسنن إلا ابن ماجة عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الإمام الذي على الناس راع, وهو مسئول عن رعيته».
وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث في التحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبيان أن إقرار المنكرات سبب للفتن, وعموم العقوبة وتسلط الأعداء على ملوك المسلمين, فليراجع ذلك في ذكر فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين عمومًا, وولاة أمورهم خصوصًا, وأن يأخذ بنواصيهم جميعًا إلى ما يرضيه ويوفقهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وتأديب المخالفين وقمع المعاندين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وهذا آخر ما تيسر جمعه, والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
وقد كان الفراغ من تسويد هذه النبذة في يوم الأربعاء, الرابع عشر من شهر جمادي الأولى سنة ١٣٨٣.
ثم كان الفراغ من كتابة هذه النسخة في يوم الثلاثاء ثالث رجب من السنة المذكورة، على يد جامعها الفقير إلى الله تعالى جمود بن عبد الله التويجري عفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.