← Общие книги

Общие книги · id 17055

القول المحرر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (128 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ الآية. وقد روى الإمام أحمد في الزهد, وأبو نعيم في الحلية من طريقه عن جبير بن نفير قال: لما فتحت قبرص, وفرق بين أهلها, فبكى بعضهم إلى بعض, رأيت أبا الدرداء ﵁ جالسًا وحده يبكي, فقلت: يا أبا الدرداء, ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ويحك يا جبير, ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره, بينا هي أمة قاهرة ظاهرة, لهم الملك, وتركوا أمر الله , فصاروا إلى ما ترين. وقال ابن قتيبة الدينوري في كتاب مختلف الحديث: حدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور سمر ذات ليلة, فذكر خلفاء

стр. 72

بني أمية وسيرتهم, وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضي أمرهم إلى أبنائهم المترفين, فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات, وإيثار اللذات, والدخول في معاصي الله , ومساخطه, جهلا منهم باستدراج الله تعالى, وأمنا من مكره تعالى, فسلبهم الله تعالى الملك والعز, ونقل عنهم النعمة. فقال له صالح بن علي: يا أمير المؤمنين, إن عبيد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هاربًا فيمن اتبعه, سأل ملك النوبة عنهم, فأخبر, فركب إلى عبيد الله, فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه, وأزعجه عن بلده, فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة, ويسأله عن ذلك؟ فأمر المنصور بإحضاره, وسأله عن القصة. فقال: يا أمير المؤمنين, قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي, فافترشته بها, وأقمت ثلاثًا, فأتاني ملك النوبة وقد خبر أمرنا, فدخل على رجل طوال أقنى حسن الوجه, فقعد على الأرض, ولم يقرب الثياب, فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ فقال: إني ملك, وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذا رفعه الله ثم أقبل علي فقال لي: لِمَ تشربون الخمور وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا. قال: فلِمَ تطئون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: يفعل ذلك جهالنا، قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك, وقل أنصارنا, فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا, فلبسوا ذلك على الكره منا. فأطرق مليا, وجعل يقلب يده, وينكت في الأرض,

стр. 73

ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم عليكم, وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم, فسلبكم الله العز, وألبسكم الذل بذنوبكم, ولله فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها, وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي, فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاث, فتزودا ما احتجتم إليه, وارتحلوا عن بلدي, ففعلت ذلك. قلت: وفيما جرى على بني العباس من غلمانهم الأتراك وملوك الديلك والتتار عبرة عظيمة وعظة لمن بعدهم من ملوك المسلمين؛ فإن بني العباس كانوا أقوى سلطانًا, وأكثر أموالا ورجالا, وأوسع ممالك ممن جاء بعدهم من الملوك, وما نفعهم ذلك شيئًا, بل سلبهم الله العز, وألبسهم الذل, وسلط عليهم الأعداء من كل جانب يسومونهم سوء العذاب, ويأخذون ما بأيديهم من المماليك والأموال، وكان خاتمة ذلك زوال الملك والنعمة عنهم على أيدي التتار الكفار الفجار جزاء على تضييعهم لأوامر الله تعالى, وارتكابهم لنواهيه, وتهاونهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والأخذ على أيدي السفهاء والظالمين. فاعتبروا أيها المسلمون بمن خلا قبلكم من العاصين. واحذروا أن يصيبكم ما أصابهم, فما العقوبات من الظالمين منكم ببعيد. قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَاخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 74

وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فصل [في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على كل مسلم بحسب قدرته] إذا علم ما ذكرنا من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فليعلم أيضًا أنهما واجبان على كل مسلم بحسب قدرته, كما تقدم في قول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وعلى هذا, فمن اقتصر على الإنكار بقلبه وهو قادر عليه بلسانه, فقد ترك الواجب عليه، وخالف أمر النبي ﷺ . وكذلك من اقتصر على الإنكار بلسانه وهو قادر عليه بيده، فإما الإنكار بالقلب فهو واجب بكل حال لا يعذر أحد بتركه، ومن لم ينكر المنكرات بقلبه بأن يبغضها, ويكرهها ويمقت فاعلها, فليس بمؤمن لقول النبي ﷺ «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». وقال عبد الله بن مسعود ﵁: هلك من لم يعرف قلبه معروفًا, ولم ينكر منكرًا. رواه ابن جرير. وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي الطفيل أنه سمع حذيفة ﵁ يقول: يا أيها الناس, ألا تسألوني, فإن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير, وكنت أسأله عن الشر، أفلا تسألون

стр. 75

عن ميت الأحياء، فقال: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ , فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى, ومن الكفر إلى الإيمان, فاستجاب له من استجاب, فحيي بالحق من كان ميتًا، ومات بالباطل من كان حيًا, ثم ذهبت النبوة, فكانت الخلافة على منهاج النبوة، ثم يكون ملكًا عضوضًا, فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه, والحق استكمل, ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه كافًا يده وشعبة من الحق ترك, ومنهم من ينكر بقلبه كافًا يده ولسانه وشعبتين من الحق ترك، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولسانه, فذلك ميت الأحياء. وقيل لابن مسعود ﵁: من ميت الأحياء فقال: الذي لا يعرف معروفًا, ولا ينكر منكرًا. وهذا والعياذ بالله إنما ينشأ عن اتباع الهوى وقبول الفتن. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا, فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا, فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر

стр. 76

أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا, ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه». قال النووي: قال أهل اللغة أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان، والاختبار، قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء. قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونًا إذا وقع في الفتنة, وتحول من حال حسنة إلى سيئة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وتطلق الفتنة على الكفر والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من الحسن إلى القبيح والميل إلى الشيء والإعجاب به، وتكون في الخير والشر كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. قلت: والمراد بما في حديث حذيفة ﵁ الفتنة في الشر لقوله: «فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء, وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء» والله أعلم. وقوله: «تعرض الفتن على القلوب» قال النووي: قال الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان: معناه تظهر على القلوب أي تظهر لها فتنة بعد أخرى، وقوله كالحصير أي كما ينسج الحصير عودًا عودًا وشظية بعد أخرى، شبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد. ومعنى أشربها دخلت فيه دخولاً تامًا, وألزمها, وحلت به محل الشراب, ومعنى نكت نكتة نقط نقطة. انتهى.

стр. 77

وقوله: «مثل الصفا» , كناية عن صلابته في الدين, وأن الفتن لا تؤثر فيه، ولهذا قال: «فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض». قال القاضي عياض ليس تشبيهه بالصفا بيانا لبياضه, لكن صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل, وأن الفتن لم تلصق به, ولم تؤثر فيه, كالصفا, وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. انتهى. والأسود المرابد: هو ما خالط سواده غيرة. قال النووي: قال أبو عبيد عن أبي عمرو وغيره: الربدة لون بين السواد والغيرة. وقال ابن دريد: الربدة لون أكدر. وقال غيره: هي أن يختلط السواد بكدرة. وقال نفطويه: المربد الملمع بسواد وبياض، ومنه: تربد لونه, أي: تلون, والله أعلم. وقوله: «كالكوز مجخيًا» قال سعد بن طارق أحد رواة هذا الحديث: يعني منكوسًا. وقال الجوهري وغيره من أهل اللغة: التجخية الميل، ومنه قول حذيفة كالكوز مجخيًا أي: مائلا؛ لأنه إذا مال انصب ما فيه. وقال المنذري: قوله مُجَخِيًا هو بميم مضمونة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مكسورة يعني مائلا, وفسره بعض الرواة بأنه منكوس. ومعنى الحديث: أن القلب إذا افتتن, وخرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات خرج منه نور الإيمان, كما يخرج الماء من الكوز إذا مال أو انتكس,

стр. 78

وقال ابن الأثير وابن منظور: المجخي المائل عن الاستقامة والاعتدال, فشبه القلب الذي لا يعي خيرًا بالكوز المائل الذي لا يثبت فيه شيء. وقال النووي: قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الرجل إذا تبع هواه, وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة, وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز؛ فإذا انكب انصب ما فيه, ولم يدخله شيء بعد ذلك. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها, وهي فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى توجب فساد القصد والإدارة, والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. انتهى. إذا علم هذا, فكثير من القراء والمنتسبين إلى العلم معلمين ومتعلمين وكتاب في زماننا قد تهوكوا في كثير من فتن الشبهات وفتن الشهوات, واتبعوا في ذلك أهواءهم بغير حياء, ولا مبالاة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فكثير منهم تهوكوا في فتنة الكفر الأكبر والشرك الأكبر, ووسائل ذلك, وما يدعو إليه ويقرب منه. وكثير منهم قد تهوكوا في فتنة النفاق الأكبر والزندقة والإلحاد, وكثير منهم قد تهوكوا في فتن الشرك الأصغر والكفر الأصغر والنفاق الأصغر.

стр. 79

وكثير منهم قد تهوكوا في فتن البدع والأهواء المضلة. وكثير منهم قد تهوكوا في فتن الفسوق والعصيان من ترك المأمورات وارتكاب المحظورات. فمن ذلك افتتانهم بالتشبه بأعداء الله تعالى, واتباع سننهم حذو النعل بالنعل, وقد قال النبي ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄, وصححه ابن حبان وغيره. فكثير منهم يتشبهون بالمجوس, ومن يحذو حذوهم من طوائف الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى في حلق اللحى والتمثيل بشعر الوجه. وكثير منهم يتشبهون بالإفرنج في حلق جوانب الرأس وتسريح الباقي إلى جهة القفا وكثرة دهنه وتمشيطه ويسمونه التواليت. وكثير منهم يتركون قنازع في مقادم رءوسهم كأنها قنازع الدجاج, وقد قيل: إن ذلك من زي اليهود. وكثير منهم يأمرون نساءهم وبناتهم أن يتشبهن بنساء الإفرنج في فرق شعورهن من جانب الرأس, وفي تسريح شعورهن إلى جهة القفا وجمعها معقوصة خلف الرأس كأنها أسنمة البخت المائلة, كما أخبر بذلك عنهن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، ويأمرون نساءهم وبناتهم أن يتشبهن بنساء الإفرنج في لبس الثياب التي لا تستر إلا بعض أجسادهن, كما أخبر بذلك عنهن

стр. 80

الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه بقوله: كاسيات عاريات, ويكون في أوساط تلك الثياب تكة تشبه الزنار. ومن ذلك لبس الكرتة والكبك فكلها من لباس الإفرنج, وقد غضب النبي ﷺ على عبد الله بن عمرو ﵄ لما رأى عليه ثوبين معصفرين، وقال: «إنهما من ثياب الكفار فلا تلبسهما» فقال: أغسلهما. قال: «بل احرقهما» رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما. وكثير منهم يأمرون نساءهم وبناتهم أن يجعلن جيوبهن من ناحية القفا مشابهة لنساء الإفرنج, وخلافًا لما عليه نساء المسلمين. وكثير منهم يأمرون نساءهم وبناتهم بالسفور عند الرجال الأجانب مشابهة للإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال، ولا يغارون من خلوة الرجال الأجانب بهن, ولا بغيرهن من محارهم. وكثير منهم يتشبهون باليهود والنصارى في الإشارة بالأكف والأصعب, ورفع اليد إلى جانب الوجه عند التسليم. وكثير منهم يتشبهون بمشركي قريش وبطوائف الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال في التصفيق في الأندية, والمجامع عند التعجب واستحسان الخطب والأشعار. وكثير منهم يتشبهون بالإفرنج في تكتيف اليدين على الدبر، وكثير منهم قد اعتاضوا عن أحكام الشرع بقوانين أعداء الله تعالى ونظمهم وسياستهم الخاطئة وآرائهم الفاسدة. ومن ذلك افتتانهم بموالاة أعداء الله تعالى وموادتهم وتعظيمهم بالقيام لهم وبداءتهم بالسلام, وتصديرهم في المجالس, وتقديمهم على

стр. 81

المسلمين في الدخول, ومناولة المأكولات والمشروبات, والانبساط معهم, وتصديقهم في كثير من مزاعمهم الباطلة المخالفة لما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ , وقد غضب النبي ﷺ لما رأى مع بعض أصحابه صحيفة أخذها من بعض أهل الكتاب, وقال: أمتهوكون فيها. وإذا كان هذا قوله ﷺ من أجل صحيفة واحدة, فكيف ولو رأى ما آل إليه الأمر في زماننا من انتشار مقالات أعداء الله تعالى وآرائهم وتخرصاتهم بين المسلمين, وقبول كثير منهم لها, وتنافسهم في قراءتها وتنفيرهم من كتب الحديث, وغيرها من كتب أهل السنة, وتسميتهم لها بالكتب الصفراء, وتسمية المتمسكين بالسنة الرجعيين, وتسمية أهل الكفر والنفاق والشقاق والزندقة والإلحاد وغيرهم من أهل الفسق والفجور التقدميين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. ومن ذلك افتتانهم بالدخان الخبيث, وانهماكهم في شربه. ومن ذلك افتتانهم بالاستماع إلى الغناء والمزامير وأنواع المعازف والملاهي وأصوات النساء الأجنبيات, ونغمات البغايا المتهتكات, وتهوكهم في اتخاذ آلات ذلك كالراديو, والصندوق وغيرهما من آلات اللهو التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة, وتمكين نسائهم وبناتهم وغيرهن من محارمهم من الحضور عند الراديو وغيره من آلات اللهو واستماعهن إلى أنواع المحرمات التي تشوقهن إلى فعل الفواحش وأنواع المحرمات.

стр. 82

ومن ذلك افتتانهم بالحضور عند السينما والتلفزيون الذين هما من أخبث الملاهي التي تصدر عن ذكر الله وعن الصلاة. ومن ذلك افتتانهم باتخاذ الساعات التي فيها الموسيقى المطربة, ومثل ذلك اتخاذ السيارات التي فيها الراديو والموسيقى المطربة. ومن ذلك افتتانهم بلبس الساعات والتشبه بالنساء في لبسهن الأساور والتشبه أيضًا بالكفار الذين يتحلون بالساعات. والتشبه أيضًا بأهل النار؛ لأن الحديد حليتهم في نار جهنم. ومن ذلك افتتان كثير منهم بلبس الحرير والتختم بخواتم الذهب، ومن ذلك افتتانهم باللعب بالأوراق المسماة بالجنجفة والمقامرة على اللعب بها, وذلك من الميسر المحرم. ومثل ذلك اللعب بالكيرم ونحوه, وأخذ العوض على الغلبة فيه، ومن ذلك افتتانهم باللعب بالكرة, وهو من الأشر المذموم, وأخذ العوض على الغلبة فيه من الميسر المحرم. ومن ذلك افتتانهم بتصوير ذوات الأرواح واقتناء الصور وشراء الصحف والكتب المشحونة بالتصاوير ووضع صور الملوك والأكابر في المجالس. ومن ذلك افتتانهم بالجرائد والمجلات والكتب العصرية وصرف هممهم إلى مطالعتها, وإعراضهم عن تدبر كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وعن النظر في علوم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. ومن ذلك افتتانهم في بعض الأمصار بمعاشرة النساء الأجنبيات, والخلوة بهن وبالمردان, وذلك من أعظم الوسائل إلى

стр. 83

ارتكاب الفاحشة, كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي والحكم عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الإمام أحمد أيضًا عن جابر وعامر بن ربيعة ﵄ عن النبي ﷺ نحوه. وفي الصحيحين والمسند وسنن ابن ماجة عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء». ورواه مسلم أيضًا والترمذي من حديث أسامة بن زيد، وسعيد بن عمرو بن نفيل ﵃ أنهما حدثا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومن ذلك افتتانهم بالاشتراكية الخبيثة, وترغيبهم فيها, وهي من أعظم الظلم. ومن ذلك افتتانهم بأخذ المكوس والضرائب من أموال الناس بغير حق. ومن هذا الباب ما تأخذه البلديات ممن يريد أن يبني دارًا أو يجعل على السوق بابًا أو فرجة أو ميزابًا ونحو ذلك مما فيه منفعة لصاحب الدار, ولا مضرة فيه على غيره.

стр. 84

ومن ذلك افتتانهم بالقومية العربية، وترغيبهم فيها, وهي من عزاء الجاهلية وعصبيتها. إلى غير ذلك من الفتن التي قد تهوك فيها كثير من الناس, وأشربتها أهواؤهم, فأصروا على ارتكابها مع العلم بتحريمها. وهؤلاء أعظم جرمًا ممن يعمل المعاصي جاهلا بتحريمها. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال وهو على المنبر: «ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا, وهم يعلمون» رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄, وإسناده جيد. وكثير من الناس يرون بعض هذه المنكرات من المعروف, ويأمرون غيرهم بها ويرغبونهم فيها، وهذا مصداق ما رواه رزين عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر, ونهيتم عن المعروف» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن قال: «نعم وأشد». «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا, والمنكر معروفًا» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن قال: «نعم». وقد تقدم هذا الحديث بتمامه في أول الكتاب فليراجع.

стр. 85

فصل [في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر] قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية, ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره. والقدرة هي السلطان والولاية، فذووا السلطان أقدر من غيرهم, وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم, فإن مناط الوجوب القدرة, فيجب على كل إنسان بحسب قدرته. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها, ولا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. انتهى. فبين رحمه الله تعالى أن ذوي السلطان والولاية هم أهل القدرة, وأن عليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم, وأنه يصير فرض عين عليهم إذا لم يقم به غيرهم. ويشهد لصحة هذا أن الله تعالى وبخ علماء بني إسرائيل, وذمهم على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولولا أنه متعين عليهم لما خصهم بالذم والتوبيخ. قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.

стр. 86

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الربانيون: هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم. والأحبار: هم العلماء فقط. وقد تقدم هذا التفسير مع الكلام على الآية قريبًا. وقد تقدم أيضًا قول علي ﵁: إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي, ولم ينههم الربانيون والأحبار ... إلى آخره. ومن هذه الأدلة العامة يعلم أن المسئولية أمام الله واقعة على عاتق جميع الطبقات من المسلمين. وأول مسئولية وأعظمها تقع على عاتق الإمام الأعظم؛ لأن له السلطة الكاملة، وهو المنفذ لأحكام الله, والحامي لحدود الله. وعلى كل من حوله مساعدته ومؤازرته في ذلك بكافة الوسائل, وبالتنبيه والمناصحة, وبذلك تبرأ ذمتهم, وإلا فهم آثمون, ومسئولون عما أضاعوه من هذا الواجب العظيم، وقد قال النبي ﷺ «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» لا سيما من وضع ثقته فيهم, ووكل إليهم الأمر والنهي, وجعلكم واسطة بينه وبين رعيته. ثم يليه في عظم المسئولية أشراف الناس على اختلاف طبقاتهم في الشرف، سواء كان بعلم أو بنسب أو بجاه، أو بمال أو بعشيرة، أو بشجاعة، أو بقلم، أو بغير ذلك مما عده الناس شرفًا يحمي صاحبه من أن يستخف به، أو يستهان بكرامته. وإذا علم هذا فكل شخص له شرف يحميه من أهل الباطل وأنصارهم يرى منكرًا، أو يعلم به, ثم لا يعمل على تغييره, فهو آثم ومسئول مسئولية كبيرة, وخاصة أهل المقامات الذين لا يخشون سوطًا, ولا سجنًا, ولا غير ذلك.

стр. 87

فهؤلاء واجبهم التغيير باليد والإنكار باللسان، وبذلك تبرأ ذمتهم, ويقتدى بهم في استقامتهم وسلوكهم. وكل شرف لم تكن نتيجته نصرة الحق, فهو نقمة على صاحبه, وذلك لأن الساكت عن نصرة الحق مع القدرة مضعف لصف أهل الحق، ومكثر لأهل الباطل, وشريك لهم في الإثم والعقوبة، ولا بد. وعليه بذلك الوعيد الشديد, كما في سورة المائدة والأعراف، وغيرها من أدلة الكتاب والسنة. وهو بهذا السكوت لم يقم بتأدية شكر نعمة الله عليه، بهذا الشرف الخاص علاوة على شرفه بالإسلام, والله يقول: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. والمصيبة العظمى والآفة كل الآفة على الدين ترك كثير من القادرين ما هو متعين عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, مداهنة للناس, وطلبًا لرضاهم, وإيثارًا للوظائف والرياسات, وتحصيل الأغراض الدنيوية والحظوظ النفسانية على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ . ومن كان هذا شأنه يوشك أن يعاجل بالعقوبة مع عكس مراده. كما في صحيح ابن حبان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁, وأرضى عنه الناس, ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس»

стр. 88

ورواه الترمذي في جامعه عن رجل من أهل المدينة, قال: كتب معاوية إلى عائشة ﵂ أن اكتبي إلي كتابًا توصيني فيه, ولا تكثري علي, قال: فكتبت عائشة ﵂ إلى معاوية ﵁: (سلام عليك, أما بعد, فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس» والسلام عليك) ثم رواه من وجه آخر عن عائشة ﵂ موقوفًا. ورواه الإمام أحمد موقوفًا على عائشة ﵂ أنها قالت: من أسخط الناس برضاء الله كفاه الله الناس, ومن أرضى الناس بسخط الله وكله إلى الناس. وروى البزار في مسنده عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده له ذامًا». ورواه ابن حبان في صحيحه, ولفظه قال رسول الله ﷺ : «من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله, ومن أسخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس». وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه، ومن أرضى الله في سخط الناس رضي عنه وأرضى عنه من أسخطه في رضاه, حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينه» قال المنذري: إسناده جيد قوي. وروى الحاكم في مستدركه عن جابر بن عبد الله رضي الله

стр. 89

عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من أرضى سلطانًا بسخط ربه خرج من دين الله ﵎». وروى ابن سعد عن ابن مسعود ﵁ قال: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه, فيخرج وما معه دينه. قيل: كيف؟ قال: يرضيه بما يسخط الله. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث طارق بن شهاب عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه ذكر الفتنة فقال: إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه, فيرجع وما معه شيء منه, يأتي الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرًا ولا نفعًا, فيقسم له بالله أنك لذيت وذيت, فيرجع ما خلى من حاجته بشيء, وقد أسخط الله عليه، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومما يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أو غيره: ارجُ الله في الناس, ولا ترجُ الناس في الله, ولا تخف الناس في الله، وكما كتبت عائشة ﵂ إلى معاوية ﵁، إما بعد فإنه من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه, وجعل حامده من الناس له ذامًا, ومن أرضى الله بسخط الناس ﵁, وجعل ذامه من الناس حامدًا. وقال خالد بن معدان: من اجترأ على الملاوم في مراد الحق رد الله ترك الملاوم له محامد، ومن ترك قول الحق في مراد الخلق خوف ملاوم الخلق, ورجاء محامدهم قلب الله تلك المحامد عليه ملاوم وذمًا.

стр. 90

قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. وإنما يؤتى الإنسان من نقص متابعته للرسول. وقال الشيخ أيضًا في موضع آخر: وأما كون حامده ينقلب له ذامًا, فهذا يقع كثيرًا, ويحصل في العاقبة. قلت: والعيان من ذلك يغني عن البرهان, فلا تجد أحقر, ولا أصغر قدرًا من الذين استهانوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, مداهنةً للخلق, وخوفًا من سخطهم حتى عند الذين يداهنونهم في أمر الله تعالى, ويقدمون رضاهم على رضا الله. وكثيرًا من الناس, وإن تملقوا للمداهنين, وأظهروا لهم المودة, وسارعوا إلى قضاء حوائجهم؛ ليسكتوا عنهم, ويتركوهم وما هم عليه, أو لينالوا من دنياهم, أو لينالوا بسببهم من أمور الدنيا وحظوظها فهم في الباطن مستخفون بهم محتقرون لهم، وكثيرًا ما يظهرون عيبهم وذمهم عند من يثقون به من الناس، وإذا زلت النعل بأحد المداهنين رأيت العجب العجاب من إظهار الشماتة به والذم له. فينبغي للمؤمن أن يقدم رضا الله تعالى على كل شيء, وإن سخط عليه الناس كلهم؛ فإن من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁, وأرضى عنه الناس, كما في حديث عائشة ﵂. وهذا هو العقل النافع.

стр. 91

وأما المداهنة, فإنها نقص في العقل والدين، وربما كانت سببًا لفتنة القلب وموته , كما تقدم في حديث حذيفة والأثرين عنه وعن ابن مسعود ﵄. وإذا مات القلب فارقه نور الإيمان, وفارقته الغيرة على محارم الله, وصار الحاكم عليه الشيطان والهوى, فلا يعرف معروفًا, ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه, وهذا هو المنافق الذي لا خير فيه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ , وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين هم أقل الناس دينًا. وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسوله ﷺ يرغب عنها, وهو بارد القلب، وساكت اللسان شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم, فلا مبالاة بما جرى على الدين، وخيارهم المتحزن المتلفظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل, وتبذل وجد, واجتهد, واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه, وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله, ومقت الله لهم قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون, وهو موت القلوب؛ فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى, وانتصاره للدين أكمل.

стр. 92

فصل روى أبو نعيم في الحلية عن علي بن الحسين زين العابدين رحمه الله تعالى أنه قال: التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كنابذ كتاب الله وراء ظهره, إلا أن يتقي تقاة. قيل: ما تقاته؟ قال: يخاف جبارًا عنيدًا أن يفرط عليه, أو أن يطغى. فصل [في بيان أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة من الكبائر] وقد عد ابن حجر الهيثمي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة من الكبائر, ونقل ذلك عن بعض الشافعية. ونقله الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن بعض الشافعية أيضًا وهو متجه، والدليل على ذلك ما جاء من الوعيد الشديد على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث في ذلك, ولله الحمد والمنة. فصل في تفنيد الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد يحتج بعض المداهنين على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ , ولا حجة لهم فيها, لما رواه أهل السنن إلا النسائي عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني ﵁ فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية، قال:

стр. 93

أية آية قلت: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال أما والله, لقد سألت خبيرًا, سألت عنها رسول الله ﷺ قال: «بل ائتمروا بالمعروف, وتناهوا عن المنكر, حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه, فعليك بخاصة نفسك, ودع العوام من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر, للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم» قيل: يا رسول الله, أجر خمسين رجلا منا, أو منهم قال: «لا, بل خمسين رجلا منكم» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وزاد ابن ماجة بعد قوله: وإعجاب «كل ذي رأي برأيه» «ورأيت أمرًا لا يدان لك به فعليك بخاصة نفسك». وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبغوي في تفاسيرهم ورواه الحاكم في مستدركه, وقال: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. قوله: «ورأيت أمرًا لا يدان لك به» يعني: لا قدرة لك, ولا طاقة بتغييره. قال الجوهري: ما لي بفلان يدان, أي: طاقة. وقال ابن الأثير: يقال: ما لي بهذا الأمر يد, ولا يدان؛ لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد, فكان يديه معدومتان لعجزه عن دفعه, وكذا قال ابن منظور في لسان العرب. وفي هذا الحديث فوائد جليلة.

стр. 94

إحداها: أن آية المائدة دالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على المؤمنين مهما أمكنهم ذلك. ويدل على ذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر الصديق ﵁, فحمد الله, وأثنى عليه, ثم قال: أيها الناس, إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إلى آخر الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها, وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر, ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وصححه أيضًا ابن حبان. وفي رواية لابن جرير عن قيس بن أبي حازم, قال: صعد أبو بكر ﵁ المنبر منبر رسول ﷺ , فحمد الله, وأثنى عليه, ثم قال: أيها الناس, إنكم لتتلون آية من كتاب الله, وتعدونها رخصة, والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والله لتأمرن بالمعروف, ولتنهون عن المنكر, أو ليعمنكم الله منه بعقاب. وروى ابن جرير أيضًا عن السدي في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يقول مروا بالمعروف, وانهوا عن المنكر. قال أبو بكر ﵁: يا أيها الناس, لا تغتروا بقول الله عليكم أنفسكم, فيقول أحدكم: على نفسي، والله لتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم. فليسوا منكم سوء العذاب, ثم ليدعو الله خياركم, فلا يستجيب لهم.

стр. 95

وأكثر الآيات والأحاديث التي تقدمت في فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدل على مثل ما دل عليه حديث أبي بكر وحديث أبي ثعلبة ﵄. الثانية: الرد على من زعم أن آية المائدة تدل على الترخيص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أوضح ذلك الصديق ﵁ في حديثه, فانقطع بذلك ما يتعلق به المداهنون في الآية الكريمة. الثالثة: أن المؤمن إذا قام بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فلم يقبل منه, ولم يكن له قدرة على الإلزام بالمأمور وإزالة المحظور, فعليه حينئذ بخاصة نفسه, ولا يضره من ضل. وقد روى ابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي إمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الأمر لا تستطيعون تغييره, فاصبروا حتى يكون الله هو الذي يغيره» في إسناده مقال, ولمتنه شاهد من حديث أبي ثعلبة الذي تقدم ذكره قريبًا. ومعنى قوله «لا تستطيعون تغييره» أي: باليد أو اللسان. فأما التغيير بالقلب, فكل أحد يستطيعه, ومن لم يغير بقلبه بأن يبغض المعاصي ويكرهها ويمقت أصحابها فليس بمؤمن. وقد روى ابن أبي حاتم وغيره عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: أن من بقي منكم سيرى منكرًا, وبحسب امرئ يرى منكرًا لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه إنه له كاره. ورواه البخاري في التاريخ الكبير مرفوعًا إلى النبي ﷺ -

стр. 96

ثم قال: رواه غير واحد, ولا يرفعونه. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أن رجلا سأل ابن مسعود ﵁ عن قول الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال: إن هذا ليس بزمانها, إنها اليوم مقبولة, ولكنه قد يوشك أن يأتي زمانها تأمرون بالمعروف, فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم, فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل. ورواه ابن جرير حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق فذكره. وروى ابن جرير أيضًا عن الحسن أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود ﵁ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال ابن مسعود ﵁: ليس هذا بزمانها قولها ما قبلت منكم, فإذا ردت عليكم, فعليكم أنفسكم. وروى ابن جرير أيضًا عن أبي العالية قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود ﵁ جلوسًا, فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس, حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه, فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم, فآمرهما بالمعروف, وأنهاهما عن المنكر. فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: فسمعها ابن مسعود ﵁ فقال: من لم يجئ تأويل هذه بعد. إن القرآن أنزل, حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد النبي ﷺ , ومنه

стр. 97

آي وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير, ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة لم تلبسوا شيعًا, ولم يذق بعضكم بأس بعض, فأمروا, وانهوا, فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعًا ذاق بعضكم بأس بعض, فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. وذكر البغوي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ أنه قال في هذه الآية: مروا بالمعروف, وانهوا عن المنكر ما قبل منكم, فإن رد عليكم, فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل منه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن, وذكر تمامه بنحو قول ابن مسعود ﵁. وروى ابن جرير عن سفيان بن عقال قال: قيل لابن عمر ﵄: لو جلست في هذه الأيام, فلم تأمر ولم تنه, فإن الله تعالى يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال ابن عمر ﵄: إنها ليست لي, ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «ألا, فليبلغ الشاهد الغائب» فكنا نحن الشهود وأنت الغيب, ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. وروى ابن جرير أيضًا عن سوار بن شيب، قال: كنت عند ابن عمر ﵄ إذا تاه رجل جليد في العين شديد اللسان,

стр. 98

فقال: يا أبا عبد الرحمن, نحن ستة كلهم قد قرأ القرآن, فأسرع فيه, وكلهم مجتهد لا يألو, وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة, وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك, فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك؟ قال: فقال الرجل: إني لست إياك أسأل, أنا أسأل الشيخ, فأعاد على عبد الله الحديث, فقال عبد الله بن عمر ﵄: لعلك ترى لا أبا لك أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم, عظهم وانههم؛ فإن عصوك, فعليك بنفسك, فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وروى ابن جرير أيضًا عن قتادة عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان ﵁ بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي ﷺ , فإذا فيهم شيخ يسندون إليه فقرأ رجل ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال الشيخ: إنما تأويلها آخر الزمان. ثم رواه ابن جرير من وجه آخر عن قتادة قال: حدثنا أبو مازن رجل من صالحي الأزد قال: انطلقت في حياة عثمان ﵁ إلى المدينة, فقعدت إلى حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ , فقرأ رجل من القوم هذه الآية ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: فقال رجل من أسن القوم: دع هذه الآية, فإنما تأويلها في آخر الزمان.

стр. 99

وروى ابن جرير أيضًا عن جبير بن تفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ وإني لأصغر القوم, فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فاقبلوا علي بلسان واحد, وقالوا: اتنتزع آية من القرآن لا تعرفها, ولا تدري ما تأويلها, حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت, ثم أقبلوا يتحدثون, فلما حضر قيامهم, قالوا: إنك غلام حدث السن, وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي, وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحًا قطاعًا, وهوى متبعًا, وإعجاب كل ذي رأي برأيه, فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت. وروي أبو نعيم في الحلية عن مكحول قال: أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله, قوله عزك وجل ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: يا ابن أخي, لم يأت تأويل هذه بعد إذا هاب الواعظ, وأنكر الموعوظ, فعليك حينئذ نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت يا ابن أخي الآن نعظ, ويسمع منا. وروى ابن جرير عن حذيفة ﵁ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: إذا أمرتم ونهيتم. وروى ابن جرير أيضًا عن سعيد بن المسيب ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: إذا أمرت بالمعروف, ونهيت عن المنكر لا يضرك من ضل إذا اهتديت. قال ابن كثير: وكذا قال غير واحد من السلف,

стр. 100

وروى ابن جرير عن ضمرة بن ربيعة قال: تلا الحسن هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال الحسن: الحمد لله بها, والحمد لله عليها؛ ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله. الرابعة: كثرة ثواب العاملين في أيام الصبر, وذلك حين يكون الصبر على الدين ومتابعة السنة, كالقبض على الجمر. الخامسة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفضل الأعمال في أيام الصبر، وكذلك نشر السنة وإصلاح ما أفسد الناس منها، وقد تقدم في أول الكتاب حديث أبي أمامة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة كلها من عند آخرها, حتى لا يبقى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان, فهما مقهوران مقموعان ذليلان إن تكلما أو نطقا قمعًا وقهرًا واضطهدا وقيل: لهما أتطعنان علينا, حتى يشرب الخمر في ناديهم ومجالسهم وأسواقهم, وتنحل الخمر غير اسمها حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها إلا حلت عليهم اللعنة». الحديث, وفي آخره «فمن أدرك ذلك الزمان, وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر, فله أجر خمسين ممن صحبني, وآمن بي, وصدقني أبدًا» رواه الإمام أحمد وغيره. وتقدم أيضًا حديث عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول: «إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم, يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقاتلون أهل الفتن». رواه البيهقي في دلائل النبوة.

стр. 101

وروى الإمام أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم, ونحن عنده «طوبى للغرباء» فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: «ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم». ورواه محمد بن وضاح بلفظ: «من يبغضهم أكثر ممن يحبهم» وفي هذا إشارة إلى أنهم يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر. وروى الترمذي وأبو نعيم في الحلية من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه، عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين بدأ غريبًا, ويرجع غريبًا, فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسده الناس من بعدي من سنتي» قال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني, ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «إن هذا الدين بدأ غريبًا, وسيعود غريبًا كما بدأ, فطوبى للغرباء» قيل: يا رسول الله, ومن الغرباء؟ قال: «الذين يحيون سنتي من بعدي, ويعلمونها عباد الله». وروى محمد بن وضاح عن المعافري قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى للغرباء الذين يتمسكون بالكتاب حين يترك, ويعملون بالسنة حين تطفأ». قال النوذي: اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾. فروى عن ابن عباس ﵄ أن معناه فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نعم ما لهم.

стр. 102

وقال الضحاك: غبطة لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وعن قتادة أيضًا: معناه أصابوا خيرًا. وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة. وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنة. وقيل: شجرة في الجنة. وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث. قلت: والمعنى فيها متقارب, وكلها حاصلة لمن أدخله الله الجنة, والله أعلم. وروى محمد بن وضاح عن سعيد أخي الحسن يرفعه، قال: «إنكم اليوم على بينة من ربكم؛ تأمرون بالمعروف, وتنهون عن المنكر, وتجاهدون في سبيل الله، ولم يظهر فيكم السكران: سكر الجهل, وسكر حب العيش, وستحولون عن ذلك, فالمتمسك يومئذ بالكتاب والسنة له أجر خمسين. قيل: منهم؟ قال: بل منكم». ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة إبراهيم بن أدهم من حديث سفيان بن عينية عن أسلم أنه سمع سعيد بن أبي الحسن يذكر عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنتم اليوم على بينة من ربكم؛ تأمرون بالمعروف, وتنهون عن المنكر, وتجاهدون في سبيل الله, ثم تظهر فيكم السكرتان: سكرة الجهل, وسكرة حب العيش, وستحولون عن ذلك, فلا تأمرون بمعروف,

стр. 103

ولا تنهون عن منكر, ولا تجاهدون في سبيل الله، القائمون يومئذ بالكتاب والسنة لهم أجر خمسين صديقًا» قالوا: يا رسول الله, منا أو منهم؟ قال: «لا، بل منكم». قال أبو نعيم: ورواه محمد بن قيس عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ مثله. وروى أبو نعيم أيضًا من حديث إبراهيم بن أدهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : غشيتكم السكرتان: سكرة حب العيش, وحب الجهل, فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف, ولا تنهون عن المنكر, والقائمون بالكتاب وبالسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «للمتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد». وروى الترمذي في جامعة والطبراني في الصغير عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحيا سنتي, فقد أحبني, ومن أحبني كان معي في الجنة» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروي الترمذي أيضًا وابن ماجة والدارمي عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا» الحديث. قال الترمذي: هذا حديث حسن.

стр. 104

السادسة: فيه علم من أعلام النبوة؛ لأنه ﷺ أخبر عما سيقع في أمته من مخالفة العصاة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, طاعة من العصاة للشح, واتباعًا للهوى, وإيثارًا للدنيا, وإعجابًا بالرأي فوقع الأمر طبق ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه. ورأينا ذلك من كثير من المنتسبين إلى العلم, فضلا عن غيرهم, ولهم في معاندة الحق حجج من الباطل. فأما العوام, فحجتهم فعل العامة, وسكوت بعض المشايخ من ذوي القدرة عن الإنكار عليهم. وبعضهم يحتجون بأفعال ولاة الأمر وإقرارهم للمنكرات. وأما المنتسبون إلى العلم, فحجتهم ما يجدونه من أخطاء العلماء وزلاتهم, وإذا قيل لهم: قال الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ لم يلتفتوا إلى ذلك وأجابوا بأنه قد قال العالم الفلاني كذا وكذا، وأنه قد أفتى الشيخ الفلاني بكذا وكذا، وإن في المذهب الفلاني رواية أو قولا أو وجهًا بكذا وكذا مما هو مخالف للنص أو للظاهر من الآيات والأحاديث الصحيحة. وهؤلاء فيهم شبه من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وربما رد بعضهم الآيات والأحاديث مراعاة لأهواء الرؤساء والأكابر. وكثيرًا منهم إذا قيل لهم قال الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ -

стр. 105

أذعنوا لذلك بألسنتهم, وخالفوه بأفعالهم, وهؤلاء فيهم شبه من الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: سمعنا وعصينا. وكل هؤلاء العصاة المعرضين عن اتباع الحق المقدمين لطاعة الشح, واتباع الهوى, وإيثار الدنيا وشهواتها والإعجاب بالرأي على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ متعرضون للسخط من الله والعقوبة قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ, فيهلك, ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» ولا يزيغ عنه رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب الأربعين التي شرط فيها أن تكون من صحيح الأخبار، ذكر ذلك عنه الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين النووية، وقال النووي: حديث صحيح, رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.

стр. 106

إذا عرف هذا, فالواجب على كل مؤمن أن يقدم طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ على ما سواهما, وإذا أمر بمعروف, أو نهى عن منكر وجب عليه أن يذعن لذلك, ويقابله بالرضا والتسليم والمبادرة إلى فعل المأمور, وترك المحظور؛ فإن ذلك من أسباب الهداية والفوز بالجنة والنجاة من النار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وليحذر المؤمن الناصح لنفسه من طاعة الشح واتباع الهوى وإيثار الدنيا والإعجاب بالرأي, فإن ذلك ضلال عن الصراط المستقيم. وليحذر المؤمن أيضًا من تتبع أخطاء العلماء وزلاتهم, فإنها من هوادم الإسلام, ومن تتبعها أوقعه في المهالك ولا بد، إلا أن ينقذه الله تعالى, ويمن عليه بالتوبة والإنابة.

стр. 107

وقد روى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أخاف على أمتي ثلاث: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن والتكذيب بالقدر» وروى أبو نعيم في الحلية عن عمرو بن عوف المزني ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني أخاف على أمتي من بعدي ثلاثة أعمال» قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «زلة عالم وحكم جائر وهوى متبع». وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «إن أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم». وروى الطبراني في الصغير عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إني أخاف عليكم ثلاثًا, وهي كائنات: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم». وروى الدارمي وأبو نعيم في الحلية عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت لا. قال: يهدمه زلة عالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. وروى الإمام أحمد في الزهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: إنما أخشي عليكم زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن. وليحذر المؤمن أيضًا من الاغترار بالقراء الفسقة, والاقتداء بهم في أفعالهم السيئة؛ فإن ذلك ضلال عن الحق.

стр. 108

وقد كان النبي ﷺ يتخوف على أمته من كل منافق عليم اللسان. كما في المسند بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي قال: إني لجالس تحت منبر عمر ﵁, وهو يخطب الناس, فقال في خطبته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان». وفي رواية في غير المسند يتكلم بالحكمة, ويعمل بالجور. وروي الإمام أحمد في الزهد عن الأحنف بن قيس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنت عنده جالسًا, فقال: إن هلكة هذه الأمة على يدي كل منافق عليم. وروى الطبراني في الكبير البزار عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم باللسان». قال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح. وروي الطبراني أيضًا في الصغير عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إني لا أتخوف على أمتي مؤمنًا, ولا مشركًا، أما المؤمن, فيحجزه إيمانه، وإما المشرك, فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان, يقول ما تعرفون, ويعمل ما تنكرون». وروى الإمام أحمد في الزهد والدارمي في سننه عن هرم بن حيان أنه قال: إياكم والعالم الفاسق, فبلغ عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه وأشفق منها: ما العالم الفاسق؟ فكتب إليه هرم: والله يا أمير المؤمنين, ما أردت به إلا الخير يكون إماما يتكلم بالعلم, ويعمل بالفسق, فيشتبه على الناس فيضلون.

стр. 109

فصل [في التحذير أن يخالف قول الآمر والناهي فعله] وليحذر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يخالف قولَه فعلُه، فإن الله تعالى يمقت على ذلك أشد المقت مع ما يدخره لصاحبه من العذاب المهين في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وروى البخاري في صحيحه عن أبي موسى ﵁ قال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات, فأنسيتها غير أني حفظت منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسئلون عنها يوم القيامة. وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد جيد عن الحسن مرسلا، قال: قال رسول الله ﷺ «ما من عبد يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة ما أردت بها» قال: فكان مالك - يعني ابن دينار - إذا حدث بهذا الحديث بكى, ثم يقول: أتحسبون أن عيني تقر بكلامي عليكم, وأنا أعلم أن الله سائلي عنه يوم القيامة يقول: ما أردت به؟. وروى الأصبهاني عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل لا يكون مؤمنًا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء, ويكون لسانه مع قلبه سواء، ولا يخالف قوله عمله, ويأمن جاره بوائقه».

стр. 110

وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿تَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه, ويخالفون فعيرهم الله . قال ابن كثير: وكذا قال السدي. وقال ابن جريج: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة, ويدعون العمل بما يأمرون به الناس, فعيرهم الله بذلك, فمن أمر بخير, فليكن أشد الناس فيه مسارعة. وروى أبو نعيم في الحلية عن الأوزاعي، أنه قال: إن المؤمن يقول قليلا, ويعمل كثيرًا، وإن المنافق يقول كثيرًا, ويعمل قليلا. وروى ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس, إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر. قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله, فافعل. قال: وما هن؟ قال: قول الله تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني قال قوله تعالى ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث, قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك. وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عن إبراهيم النخعي أنه قال: إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ﴿أَتَامُرُونَ النَّاسَ
следующие страницы →