Полный текст (128 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
القَوْل الْمُحَرر فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر
تأليف
حمود بن عبد الله التويجري
قَامَ بِتَصْحِيحِهِ والإشراف على طبعه
عَليّ الْحَمد الصَّالِحِي
مؤسسة النُّور
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وجعلهما سببًا للنجاة والفوز الأكبر. أحمده وهو المستحق؛ لأن يحمد ويشكر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها ليوم الفزع الأكبر. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صفوة البشر. أفضل رسول أمر ونهى وحذر وأنذر. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه السادة الغرر الذين كان لهم في الجهاد, وقمع المخالفين أحسن الأثر، وعلى من تبعهم بإحسان ممن مضى ومن غبر. وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فهذه نبذة وجيزة في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من إضاعتهما. دعاني إلى جمعها ما وقع فيه المسلمون من التهاون بهذا الواجب العظيم والاستخفاف بشأنه في هذه الأزمان. والمقصود من ذلك النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم لما في الحديث الصحيح عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي, وهذا لفظ مسلم.
стр. 3
ولفظ أبي داود أن الدين النصيحة, إن الدين النصيحة, إن الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله وكتابه رسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم» أو «أئمة المسلمين وعامتهم».
ولفظ النسائي: إنما الدين النصيحة, إن الدين النصيحة, إن الدين النصيحة, قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». ورواه أيضًا بنحو رواية الترمذي.
ورواه أبو نعيم في الحلية: ولفظه إنما الدين النصيحة, إنما الدين النصيحة, إنما الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولائمة المسلمين ولعامتهم».
قال الترمذي, وفي الباب عن ابن عمر وتميم الداري وجرير وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه وثوبان ﵃.
قلت: أما حديث تميم ﵁, فقد تقدم ذكره.
وأما حديث ابن عمر ﵄, فقال الدارمي في مسنده: أخبرنا جعفر بن عون عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم ونافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدين
стр. 4
النصيحة» قال: قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم». إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد رواه البزار في مسنده. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وأما حديث جرير ﵁, فهو في الصحيحين وغيرهما قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. وفي رواية للنسائي إن رسول الله ﷺ قال لجرير: «أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين».
وأما حديث حكيم بن أبي يزيد عن أبيه فرواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما قال: قال رسول الله ﷺ «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض, فإذا استنصح الرجل الرجل فلينصح له» وقد ذكره البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم.
وأما حديث ثوبان ﵁, فرواه الطبراني في الأوسط أن رسول الله ﷺ قال: «رأس الدين النصيحة لله ولدينه ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وللمسلمين عامة».
ورواه البخاري في تاريخه مختصرًا.
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «الدين النصيحة» قالوا: لمن؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المؤمنين». رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني في الكبير، وقال فيه: ولأئمة المسلمين وعامتهم.
ورواه أبو يعلى وعنده قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لكتاب الله ولنبيه ولأئمة المسلمين». قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
стр. 5
فصل [التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب ضياع الدين]
والتهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الأسباب لإضاعة الدين والانسلاخ منه بالكلية.
وقد روى أبو نعيم في الحلية عن طارق بن شهاب عن حذيفة ﵁ قال: قيل له: في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم قال: لا, ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه, وإذا نهوا عن شيء ركبوه حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه.
ورواه أبو البحتري وابن أبي ليلى عن حذيفة ﵁. قاله أبو نعيم.
وقد سلك كثير من المسلمين مسلك بني إسرائيل في مخالفة الأوامر وارتكاب النواهي, فبعضهم انسلخوا من الدين، وبعضهم يكادون أن ينسلخوا منه, فلا حول ولا قوة إلا بالله العليم العظيم.
فصل [في بيان أن أغلب الأقطار تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
وقد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أكثر الأقطار الإسلامية في زماننا وضعف جانبه في البلاد التي فيها أمر ونهي.
فأما الأقطار التي قد غلبت فيها الحرية الإفرنجية وانطمست فيها أنوار السنة النبوية, فتلك لا أمر فيها, ولا نهي, ولا تغيير إلا أن يكون من إفراد قليلين مستضعفين لا يؤبه لهم, ولا يستمع إلى قولهم، ولهذا عاد كثير منها إلى حال تشبه حال أهل الجاهلية
стр. 6
الذين بعث إليهم النبي ﷺ في كثرة الشرك وأنواع الفسوق والعصيان، بل حال كثير منهم الآن شر من حال أهل الجاهلية, كما لا يخفى على عاقل نور الله قلبه بنور العلم والإيمان، وقد أطلقت لهم الحرية العنان في كل شيء أرادوه, فلا يهوى أحد منهم شيئًا من المحرمات إلا ارتكبه, ولا صاد له عنه ولا راد، وما أكثر البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام, وهي بهذه الصفة.
وأما البلاد التي فيها أمر ونهي فقد ضعف جانبه فيها, كما ذكرنا, ففي كثير منها تغير منكرات وتترك منكرات آخر ظاهرة لا تغير, وفي بعضها يغير على بعض الناس ويترك بعضهم, فلا يغير عليهم, ولا سيما الرؤساء والأكابر ونحوهم من أرباب الولايات والوظائف الدنيوية. وهذا من أعظم أسباب الضلال والهلاك, ولما في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂ أن رسول الله ص, قال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».
وفي رواية للبخاري: إنما ضل من قبلكم، والباقي مثله.
وفي رواية له أخرى: إنما هلك من كانوا قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع, ويتركون على الشريف.
وبالجملة فقد عاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رسما دارسا في هذه الأزمان, والله المسئول أن يعيده على أحسن الوجوه وأفضلها.
стр. 7
فصل [في بيان أن من أشراط الساعة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
والتهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أشراط الساعة، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث.
الأول: منها عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة» فذكر الحديث بطوله، وفيه ويقل الأمر بالمعروف رواه أبو نعيم في الحلية.
الحديث الثاني عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «كيف بكم إذا فسق فتيانكم, وطغى نساؤكم؟» قالوا: يا رسول الله, وإن ذلك لكائن قال: «نعم وأشد كيف أنتم, إذا لم تأمروا بالمعروف, ولم تنهوا عن المنكر؟» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن قال: «نعم وأشد، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن قال: «نعم وأشد. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن قال: «نعم» رواه رزين.
الحديث الثالث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل يا رسول الله, متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا: يا رسول الله, وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم» رواه ابن ماجة.
قال في الزوائد: وإسناده صحيح رجاله ثقات.
قال ابن ماجة: قال زيد - يعني ابن يحيى بن عبيد الخزاعي
стр. 8
أحد رواته - تفسير معنى قول النبي ﷺ «والعلم في رذالتكم» إذا كان العلم في الفساق.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس ﵁ قيل: يا رسول الله, متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا ظهر الأدهان في خياركم, والفحش في شراركم, والملك في صغاركم والفقه في رذالكم».
قلت: ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق مكحول عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل: يا رسول الله, متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهر الأدهان في خياركم, والفاحشة في شراركم, وتحول الفقه في صغاركم ورذالكم».
قال الحافظ ابن حجر، وفي مصنف قاسم بن أصبغ بسند صحيح عن عمر ﵁. فساد الدين إذا جاء العلم من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير تابعه عليه الصغير.
وذكر أبو عبيد أن المراد بالصغر في هذا صغر القدر لا السن, والله أعلم, انتهى.
قلت: بل كلاهما مراد لما رواه الإمام أحمد وغيره من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: «إذا كانت الفاحشة في كباركم, والملك في صغاركم, والعلم في مرادكم والمداهنة في خياركم» الحديث.
стр. 9
فقوله في مرادكم واضح في إرادة صغر السن, وقوله في رذالكم واضح في إرادة صغر القدر, والله أعلم.
وقد يطلق وصف الأمرد على من يحلق لحيته, ويتشبه بالنساء والمردان. أخذا مما ذكره أئمة اللغة.
قال الجوهري: غصن أمرد لا ورق عليه، قال: وتمريد البناء تمليسه, وتمريد الغصن تجريده من الورق.
قال ابن منظور: وشجرة مرداء لا ورق عليها, وغصن أمرد كذلك.
وقال أبو حنيفة: شجرة مرداء ذهب ورقها أجمع, والمراد التمليس, وقال الكسائي: شجرة مرداء وغصن أمرد لا ورق عليهما. قال: والتمريد التمليس والتسوية.
وقال الراغب الأصفهاني: من قولهم شجر أمرد إذا تعرى من الورق, ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر.
قلت: وحلق الشعر من الوجه قريب في المعنى مما ذكره هؤلاء الأئمة؛ لأن فيه تمليسًا للوجه وتعرية له من الشعر, فهو كتمريد الغصن وتعري الشجر من الورق, فجاز إطلاق صفة الأمرد على فاعله بهذا الاعتبار.
ويؤيد ذلك قول ابن الأعرابي أن المراد نقاء الخدين عن الشعر، وعلى هذا فيعود المعنى إلى ما ذكره أبو عبيد من أن المراد بالصغر صغر القدر, والله أعلم.
стр. 10
والمعنى - والله أعلم - أن العلم يتحول في آخر الزمان عند الفساق والمردان السفهاء ونحوهم من السفل والأراذل الذين لا يؤبه لهم, وليسوا من رعاة العلم الذين يحترمونه ويصونونه عما يدنسه ويشينه, فيستهان بهم, ويستهان بالعلم من أجلهم, فلا يقبل منهم, ولا يستمع إلى قولهم.
وأيضًا, فإنهم من أعظم الأسباب لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإتيانهم المنكرات وإنكارهم على من أنكر عليهم شيئًا منها بالشبه والمغالطات كما هو الواقع من كثير منهم في هذه الأزمان, فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ألا ترى إلى حال كثير منهم, وما هم عليه من أنواع الفسوق والعصيان. فكثير منهم يتهاونون بالصلاة ويضيعونها, ولا يبالون بها، وسواء عندهم صلوها في جماعة أو فرادى، وفي وقتها أو بعده، حتى أن كثيرًا منهم يكفون على الراديو أكثر الليل ثم ينامون عن صلاة الفجر, فلا يصلونها إلا بعد ارتفاع النهار.
وكثير منهم يتركون صلاة العشاء مع الجماعة إيثارًا للعكوف على الراديو، وربما ترك بعضهم حضور الجمعة لذلك، فأكثرهم لا يزال عاكفًا على أم الملاهي في أكثر أوقاته يستمع إلى المحرمات من غناء المغنيات ونغمات البغايا المتهتكات وأنواع المزامير والمعازف، أو الاستهزاء بالقرآن وقراءته بألحان الغناء والنوح، أو إلى قيل وقال, وخطب أعداء الله وهذيانهم.
وكثير منهم يحلقون لحاهم, ويتشبهون بالمجوس, ومن يحذو حذوهم من طوائف الافرنج وغيرهم من أعداء الله.
стр. 11
وبعضهم ينتفها نتفًا, وذلك أقبح من الحلق؛ لأن فيه زيادة تشويه للخلقة، وكل من الحلق والنتف مثلة قبيحة.
وكثير منهم يشربون الدخان الخبيث, ويدمنون شربه، وقد ثبت أنه من المسكرات، وأما خبثه, فلا يمتري فيه عاقل.
وكثير منهم يتخذون الساعات التي فيها الموسيقى لطربة وكثير منهم يشترون المصورات ويقتنونها, ولا يلتفتون إلى أمر النبي ﷺ بطمسها ولطخها.
وكثير منهم يلعبون بالأوراق المسماة بالجنجفة, ويقامرون عليها, وذلك من الميسر المحرم بالنص والإجماع.
وكثير منهم يلعبون بالكرة, وهي من شر الأشر.
وقد روي البخاري في الأدب المفرد من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «الأشرة شر» قال: أبو معاوية أحد رواته: الأشر العبث.
وفي اللعب بالكرة من الصد عن ذكر الله, وعن الصلاة ما لا يخفى على عاقل. والمقامرة عليها من الميسر المحرم.
وكثير منهم يصفقون في الأندية والمجتمعات عند التعجب واستحسان المقالات, فيتشبهون بكفار قريش وبطوائف الافرنج في زماننا وغيرهم من أمم الكفر والضلال, ويتشبهون أيضًا بالنساء؛ لأن التصفيق من أفعالهن في الصلاة إذا أناب الإمام شيء فيها.
وغالبهم يتحلون بالساعات في أيديهم كأنها أساور النساء، وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي والبخاري وأهل السنن إلا النسائي من
стр. 12
حديث ابن عباس ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ..
وفيهم من معاشرة الأنذال والسفل الساقطين ما هو ظاهر معروف عند الجهال فضلا عن أهل العلم، وقد قال ابن مسعود ﵁ اعتبروا الناس بأخدانهم، وقال الشاعر.
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قريب بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فخالل خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
وقال آخر:
لكل امرئ شكل يقر بعينه ... وقرة عين الفسل أن يصحب الفسلا
وقال آخر:
يقاس المرء بالمرء ... إذا هو ما شاه
وقال آخر:
ولا يصحب الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونوا من قبيل, ولا بلد
وأبلغ من هذا كله قول النبي ﷺ «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» رواه البخاري من حديث عائشة ﵂.
ورواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 13
وكثير منهم لا يعرفون معروفًا, ولا ينكرون منكرًا إلا ما أشربته أهواؤهم. وإذا أمرهم أحد بمعروف أو نهاهم عن منكر سخروا منه, وهمزوه, ولمزوه, وازدروه, ورموه زورا وبهتانًا بكل ما يرون أنه يدنسه ويشينه.
وكثير منهم يأمرون بالمنكر, ويحسنونه للناس، وقد رأينا ذلك في مقالات لهم كثير منشورة, وهذا لا يصدر إلا من منافق لقول الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾.
وكثير منهم يرون بعض المعروف منكرًا, وبعض المنكر معروفًا، وقد رأينا ذلك في بعض كتب العصريين ومقالاتهم.
وبالجملة, فلا ترى أكثرهم إلا على أخلاق الفساق والسفهاء، راغبين عن أخلاق أهل العلم والدين، مجانبين لكل فضيلة ومقارفين لكل رذيلة، فهم الذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وثبطوا غيرهم عن القيام بهما, وصارحوا بالعداوة والأذى لكل من أنكر عليهم شيئًا من أفعالهم السيئة، فصلوات الله وسلامه على عبده ورسوله المصطفى، الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى.
وأكثر ما ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البلدان التي يحلق علماؤها لحاهم, ويتشبهون بالنسوان والمردان والمجوس وطوائف الإفرنج وأضرابهم. وبسبب ذلك اشتدت غربة الدين, وغلب الجفاء على الأكثر, وهانت عليهم أوامر الشرع ونواهيه, فلا
стр. 14
يبالون بترك المأمورات, ولا بارتكاب المحظورات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولقد أحسن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى, حيث يقول:
وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها
لقد رتع القوم في جيفة ... مبين لذي اللب انتانها
والمراد بما ذكر في حديث أنس ﵁ الأكثر والأغلب لا العموم.
لما في الصحيحين وغيرهما عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم, ولا من خالفهم, حتى يأتي أمر الله, وهم على ذلك».
وفي الصحيحين أيضًا عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
ولمسلم أيضًا عن سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة، وثوبان، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ عن النبي ﷺ نحو ذلك.
وروي الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن معاوية بن قرة، عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك. وروي الحاكم في مستدركه وصححه عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ نحو ذلك.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه رواه ابن ماجة.
стр. 15
فهذه أحاديث متواترة عن النبي ﷺ أنه لا تزال في أمته أمة على الحق والاستقامة ظاهرين على من ناوأهم لا يضرهم من خذلهم, ولا من خالفهم, حتى يأتي أمر الله, وهم على ذلك.
قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: هم أهل العلم. قال الترمذي في جامعه: قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري: قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث.
قلت: وكذا قال ابن المبارك وأحمد بن سنان، وابن حبان، وغيرهم.
وقال يزيد بن هارون: إن لم يكونوا أهل الحديث, فلا أدري من هم، وكذا قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
والمراد بقولهم أهل العلم وأهل الحديث جملة العلم والحديث ورعاة الدين الذين جمعوا بين العلم والعمل, لا الفساق والسفهاء الذين حملوا العلم, ثم لم يحملوه, بل أهانوه ودنسوه بالأطماع واتباع الشهوات والأهواء, فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارًا.
ومما يدل أيضًا على أن العموم غير مراد ما رواه البخاري في الكنى وابن ماجة في سننه وابن حبان في صحيحه عن أبي عنبة الخولاني ﵁، وكان قد صلى القبلتين مع رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته».
قال الإمام أحمد ﵀: هم أصحاب الحديث.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: غرس الله تعالى هم أهل العلم والعمل، فلو خلت الأرض من عالم خلت من غرس الله،
стр. 16
وأخبر النبي ﷺ أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم, ولا من خالفهم إلى قيام الساعة, فلا يزال غرس الله الذين غرسهم في دينه يغرسون العلم في قلوب من أهلهم الله لذلك وارتضاهم, فيكونون ورثة لهم كما كانوا هم ورثة لمن قبلهم, فلا تنقطع حجج الله, والقائم بها من الأرض.
وكان من دعاء بعض من تقدم: اللهم اجعلني من غرسك الذين تستعملهم بطاعتك.
ولهذا ما أقام الله لهذا الدين من يحفظه ثم قبضه إليه إلا وقد زرع ما علمه من العلم والحكمة, إما في قلوب أمثاله, وإما في كتب ينتفع بها الناس بعده وبهذا وبغيره فضل العلماء العباد، فإن العالم إذا زرع علمه عند غيره, ثم مات جرى عليه أجره, وبقي له ذكره, وهو عمر ثان وحياة أخرى, وذلك أحق ما تنافس فيه المتنافسون, ورغب فيه الراغبون. انتهى كلامه رحمة الله تعالى.
ومن تأمل الواقع في زماننا من حال المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام رآه مطابقًا لما في حديث أنس ﵁؛ فقد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أكثر الأقطار الإسلامية ووهي جانبه في البلاد التي فيها أمر ونهي.
وقد ظهر الأدهان في الخيار, والفقه في الصغار والرذال, والفحش والفاحشة في الأشرار، ولا سيما أهل البلدان التي قد ظهرت فيها الحرية الإفرنجية.
وقد آل الأمر ببعضهم إلى الإباحية وعدم الغيرة.
стр. 17
وقد ذكر عن بعض أهل البيوت الكبار أنهم إنما يسافرون إلى بلاد الكفار والمرتدين لأجل المسارح والراقصات ومخادنة الفتيات الفاتنات, وهذا مطابق لقوله ﷺ والفاحشة في كباركم.
وأما قوله: والملك في صغاركم, فظاهر من حال كثير من رؤساء الجمهوريات الذين تغلبوا على الملك, وليس لذلك بأهل. هذا إن قلنا: إن المراد بالصغر ههنا صغر القدر. وإن قلنا أن المراد به صغر السن, فقد وقع ذلك أيضًا في زماننا وقبله بأزمان حيث تولى الملك كثير من صغار السن, والله أعلم.
الحديث الرابع: عن أبي الجلد حيلان بن فروة عن معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يخلق القرآن في صدور أقوام من هذه الأمة, كما تخلق الثياب, ويكون ما سواه أعجب إليهم, ويكون أمرهم طمعًا كله لا يخالطه خوف، إن قصر عن حق الله منته نفسه الأماني، وإن تجاوز إلى ما نهى الله عنه قال: أرجو أن يتجاوز الله عني, يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أفضلهم في أنفسهم المداهن» قيل: ومن المداهن قال: «الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر» رواه أبو نعيم في الحلية.
وهو مطابق لحال الأكثرين في زماننا غاية المطابقة.
وقد روي نحوه عن أبي العالية. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الزهد حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام يعني الدستوائي، عن جعفر يعني صاحب الأنماط عن أبي العالية قال: يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن, ولا يجدون له حلاوة, ولا لذاذة؛ إن قصروا عما أمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم, وإن عملوا بما
стр. 18
نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا, إنا لم نشرك بالله شيئًا. أمرهم كله طمع ليس معه صدق يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أفضلهم في دينه المداهن. وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأنه إخبار عن أمر غيبي, فلا يقال إلا عن توقيف، والحديث قبله يشهد له.
قال الجوهري المداهنة كالمصانعة.
والأدهان مثله قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ وقال قوم داهنت بمعنى واريت, وأدهنت بمعنى غششت, وفي القاموس وشرحه دهن الرجل نافق والمداهنة إظهار خلاف ما يضمر كالادهان والادهان الغش.
وقال البغوي في تفسيره: المدهن والمداهن الكذاب والمنافق وهو من الادهان, وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: المدهن والمداهن واحد, والمراد به المحابي، والمدهن من يرائي, ويضيع الحقوق, ولا يغير المنكر.
ونقل الحافظ عن ابن بطال كلامًا حسنًا في التفريق بين المداراة الجائزة, وبين المداهنة المحرمة، ونقل أيضًا نحوه عن القاضي عياض والقرطبي، فأما ابن بطال فقال: المداراة من أخلاق المؤمنين, وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول, وذلك من أقوى أسباب الألفة.
وظن بعضهم أن المدارة هي المداهنة فغلط؛ لأن المدارة مندوب إليها, والمداهنة محرمة.
стр. 19
والفرق أن المداهنة من الدهان, وهو الذي يظهر على الشيء, ويستر باطنه.
وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.
والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم, وبالفاسق في النهي عن فعله, وترك الإغلاظ عليه, حيث لا يظهر ما هو فيه والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه, ونحو ذلك.
وأما القرطبي فقال: تبعًا لعياض الفرق بين المداراة والمداهنة، إن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا, وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا.
وقد تبعهم الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى, فقال في رسالة له:
وأما الفرق بين المداراة والمداهنة، فالمداهنة ترك ما يجب لله تعالى من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفساني, كما في حديث إن من كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة أنكروها ظاهرًا ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها, ويواكلونهم, ويشاربونهم كأن لم يفعلوا شيئًا بالأمس, فالاستئناس والمعاشرة مع القدرة على الإنكار هي عين المداهنة قال الشاعر:
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ... لم ترم ناقته بسيف قدار
وأما المدارة فهي درأ الشر المفسد بالقول اللين, وترك الغلظة,
стр. 20
أو الإعراض عنه إذا خيف شره أو حصل منه أكبر مما هو ملابس. انتهى.
وقد دل حديث أنس ﵁ الذي تقدم ذكره على أن خيار الناس من علماء وعباد يصانعون العصاة في آخر الزمان, ويمشون الحال معهم بالجلوس معهم ومواكلتهم ومشاربتهم وإظهار اللين لهم وترك الإنكار عليهم في كثير من أفعالهم السيئة، والمراد بذلك الأكثرون من الخيار لا العموم, كما تقدم بيان ذلك, ولله الحمد والمنة.
وقد وقع الادهان في زماننا من كثير ممن ينسب إلى العلم والدين, فضلا عن غيرهم, وبسبب ذلك ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكثير من المدهنين يضمون إلى الأدهان معصية (أخرى) , وهي الوقيعة في أعراض الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؛ فينبزون بعضهم بالتشديد, وبعضهم بالمشاغبة، وبعضهم بالحمق وضعف الرأي, حيث لم يمشوا الحال مع الناس بالسلوك معهم على أي حال كانوا، وينبزون بعضهم بالكبر والجبروت إذا كانوا يهجرون العصاة, ويكفرون في وجوههم، وربما نبزوا بعضهم بالإفساد وإثارة الفتنة، وما نقموا منهم إلا أن يأمروا بالمعروف, وينهوا عن المنكر, ويقوموا لله بالقسط, لا تأخذهم في بيان الحق ونصرته لومة لائم.
وربما ضم بعض المدهنين إلى المعصيتين المذكورتين معصية ثالثة، وهي المجادلة عن العصاة أو تزكيتهم أو الحكم بعد التهم من غير مسوغ.
стр. 21
وربما ضم بعضهم إلى ذلك معصية (رابعة) وهي تولية العصاة في الولايات الدينية كالإمامة والأذان وغيرهما من الوظائف التي لا يجوز أن يتولاها إلا العدول المرضيون.
وكل ما ذكرنا عن المدهنين فهو واقع في زماننا، وقد رأينا من ذلك كثيرًا, والله المستعان.
الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «سيجيء أقوام في آخر الزمن؛ وجوههم وجوه الآدميين, وقلوبهم قلوب الشياطين أمثال الذئاب الضواري, ليس في قلوبهم شيء من الرحمة, سفاكون للدماء, لا يرعون عن قبيح إن بايعتهم واربوك، وإن تواريت عنهم اغتابوك، وإن حدثوك كذبوك، وإن ائتمنتهم خانوك، صبيهم عارم، وشابهم شاطر، وشيخهم لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. الاعتزاز بهم ذل، وطلب ما في أيديهم فقر، الحليم فيهم غاو, والآمر فيهم بالمعروف متهم. والمؤمن فيهم مستضعف، والفاسق فيهم مشرف، السنة فيهم بدعة, والبدعة فيهم سنة، فعند ذلك يسلط الله عليهم شرارهم, فيدعو خيارهم, فلا يستجاب لهم» رواه الطبراني في الصغير بإسناد ضعيف، وهو مع ذلك مطابق لحال كثير من المنتسبين إلى الإسلام في زماننا غاية المطابقة.
قوله: لا يرعون عن قبيح هو بكسر الراء, أي: لا يكفون عنه, ويتحرجون من إتيانه.
وقوله (واربوك): قال ابن الأثير: أي: خادعوك من الورب, وهو الفساد.
стр. 22
ونقل ابن منظور عن الليث أنه قال: المواربة المدهاة والمخاتلة.
ونقل ابن منظور عن الليث أنه قال: المواربة المداهاة والمخاتلة قال: وقال أبو منصور المواربة مأخوذة من الأرب, وهو الدهاء, فحولت الهمزة واوًا.
قوله صبيهم: عارم, أي: شرس. قال ابن الأثير وابن منظور: العرام الشدة والقوة والشراسة ورجل عارم, أي: خبيث شرير.
قوله وشابهم شاطر، قال الجوهري: الشاطر الذي أعيا أهله خبثًا.
ونقل ابن منظور عن أبي إسحاق إنه قال: قول الناس فلان شاطر معناه أنه أخذ في نحو غير الاستواء، ولذلك قيل له شاطر؛ لأنه تباعد عن الاستواء.
فصل [أسباب التهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
وللتهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أسباب كثيرة، منها ما تقدم ذكره في حديث أنس بن مالك ﵁.
ومنها غلبة الجهل والجفاء على الأكثرين كما في الحديث الذي رواه الطبراني عن أبي إمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لكل شيء إقبالا وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من العمى والجهالة, وما بعثني الله به، وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأمرها, حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان إن تكلما قمعا وقهرا واضطهدا، وإن من ادبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها حتى لا يرى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما مقهوران ذليلان إن تكلما, فأمرا بالمعروف, ونهيا عن المنكر قمعًا وقهرًا واضطهدا فهما مقهوران ذليلان لا يجدان
стр. 23
على ذلك أعوانًا ولا أنصارًا».
وقد رواه الإمام أحمد وغيره مطولا، وفيه ثم ذكر من ادبار هذا الدين أن تجفو القبيلة كلها من عند آخرها, حتى لا يبقى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان فهما مقهوران مقموعان ذليلان إن تكلما أو نطقا قمعًا وقهرًا واضطهدا، وقيل لهما أتطعنان علينا حتى يشرب الخمر في ناديهم ومجالسهم وأسواقهم وتنحل الخمر غير اسمها حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها, إلا حلت عليهم اللعنة. الحديث. وفي آخره فمن أدرك ذلك الزمان وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فله أجر خمسين ممن صحبني وآمن بي وصدقني أبدًا.
ومنها ظهور الأشرار على الأخيار واستعلاء الفجار على الأبرار وسيادة المنافقين لقبائلهم.
وقد ذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية مرسلا أن النبي ﷺ قال: «سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفى المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم»
وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: توشك القرى أن تخرب, وهي عامرة. قيل: وكيف تخرب, وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها, وساد القبيلة منها فقها.
وروى أبو نعيم في الحلية عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «للساعة أشراط» قيل: وما أشراطها قال: «غلو أهل الفسق في المساجد, وظهور أهل المنكر على أهل المعروف» قال أعرابي: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال: «دع وكن حلسًا من أحلاس بيتك».
стр. 24
ويروي عن ابن عباس ﵄ يرفعه قال: «يأتي زمان يذوب فيه قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء» قيل: مما ذلك يا رسول الله؟ قال: «مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره».
ومنها قلة العلماء العاملين بعلمهم. وقد روى يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب، قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة, لست أعني رخاء من العيش يصيبه, ولا ما لا يفيده, ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علمًا من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس, فلا يأمرون بالمعروف, ولا ينهون عن المنكر, فعند ذلك يهلكون, ولقد أحسن الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى:
حيث يقول:
وإني لأخشى أن تجيء عواضل ... وليس لها من منكر حين تفتعل
وقد وقع ما كان يخشاه وجاءت عواضل كثيرة فلم تنكر ثم زاد الأمر حتى أنكر على غير واحد ممن أنكر المنكر, وقمعوا وقهروا واضطهدوا وقوبلوا بالإهانة؛ فبعضهم بالضرب، وبعضهم بالحبس, وبعضهم بالكلام العنيف, وسيجتمع المظلومون والظالمون عند حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة.
وقد روى البغوي في تفسيره عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ عن جبريل، عن الله قال: «يقول الله : من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة, وإني لأغضب
стр. 25
لأوليائي كما يغضب الليث الحرد»، ويشهد لهذا ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب». الحديث.
فصل [في بيان معنى المعروف]
والمعروف اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الإيمان والأعمال الصالحة.
قال الراغب الأصفهاني: المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه.
وقال ابن الأثير: هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله, والتقرب إليه, والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع, ونهى عنه من المحسنات والمقبحات, وهو من الصفات الغالبة, أي أمر معروف بين الناس إذا رواه لا ينكرونه، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب.
وأما المنكر, فهو اسم جامع لكل ما كرهه الله, ونهى عنه.
قال الراغب الأصفهاني: المنكر ما ينكر قبحه بالبصر أو البصيرة.
وقال أيضًا: المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول, فتحكم بقبحه الشريعة.
وقال ابن الأثير: المنكر ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب. وقد روى البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الكبير عن
стр. 26
قبيصة بن برمة الأسدي ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فسمعته يقول: «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة».
وقد روى الطبراني أيضًا في الكبير عن سلمان ﵁ مرفوعًا مثله, ورواه البخاري في الأدب المفرد مختصرًا موقوفًا على سلمان ﵁.
ورواه الطبراني أيضًا في الكبير من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا، ورواه الطبراني أيضًا في الصغير وأبو نعيم في الحلية من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
ورواه الخطيب البغدادي والحاكم في مستدركه من حديث علي ﵁ مرفوعًا, وصححه الحاكم, وتعقبه الذهبي في ذلك, وهو ضعيف كما أشار إلى ذلك الذهبي.
ورواه الخطيب أيضًا من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا، ورواه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعًا.
ورواه الطبراني أيضًا في الصغير من طريق أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رسول الله ﷺ «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة, وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة».
وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن أبي عثمان النهدي قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.
стр. 27
٣هذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا.
قال ابن الأثير في النهاية: ومنه الحديث أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة, أي: من بذل معروفه للناس في الدنيا أتاه الله جزاء معروفه في الآخرة.
وقيل: أراد من بذل جاهه لأصحاب الجرائم التي لا تبلغ الحدود, فيشفع فيهم شفعه الله في أهل التوحيد في الآخرة.
وروي عن ابن عباس ﵄ في معناه قال: يأتي أصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة, فيغفر لهم بمعروفهم, وتبقى حسناتهم جامة, فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته, فيغفر له ويدخل الجنة, فيجتمع لهم الإحسان إلى الناس في الدنيا والآخرة.
قلت: ما ذكره ابن الأثير في معنى الحديث فيه نظر؛ لأن الحديث قد ذكر فيه أهل المعروف وأهل المنكر معا، وإنما يتجه ما ذكره ابن الأثير لو كان ذكر أهل المعروف مفردًا في الحديث, ولم يذكر معهم أهل المنكر، والظاهر في معناه أن من كان في الدنيا على ما يحبه الله من الإيمان والأعمال الصالحة, ومات على ذلك فهو من أهل المعروف في الآخرة؛ لأنه قد كان من أهل المعروف في الدنيا، وأهل المعروف في الجنة، ومن كان في الدنيا على ما كرهه الله, ونهى عنه, ومات على ذلك فهو من أهل المنكر في الآخرة؛ لأنه قد كان من أهل المنكر في الدنيا, وأهل المنكر في النار إلا من عفا الله عنه ورحمه.
وحاصل معنى الحديث أن كل عبد يبعث على ما مات عليه,
стр. 28
والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يبعث كل عبد على ما مات عليه».
ورواه ابن ماجة, ولفظه قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس على نياتهم».
وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يبعث الناس على نياتهم».
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم».
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده بنحوه.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ في قصة الجيش الذي يخسف به، قال: ثم يبعثون عن نياتهم, وروى مسلم أيضًا، وأبو داود الطيالسي وابن ماجة عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ نحوه.
وروى ابن ماجة أيضًا والترمذي عن صفية ﵂ عن النبي ﷺ نحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: يا رسول الله, أخبرني عن الجهاد والغزو. فقال: «يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرا محتسبًا بعثك الله صابرا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك الله مرائيًا مكاثرًا، يا عبد الله بن عمرو, على أي حال قاتلت، أو قتلت بعثك الله
стр. 29
على تلك الحال» قال الحاكم: صحيح الإسناد. ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وهذه الأحاديث تدل على أن كل عبد يبعث على ما مات عليه من نية وعمل، فإن كان من أهل المعروف فهو في الآخرة كذلك، وإن كان من أهل المنكر فهو في الآخرة كذلك, والله أعلم.
وقد جاء ذلك صريحًا في حديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده, حيث قال: حدثنا هشام - يعني الدستوائي - عن قتادة عن الحسن عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده, إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان للناس يوم القيامة؛ فأما المعروف, فيبشر أصحابه ويعدهم الخير، وأما المنكر, فيقول: إليكم إليكم, وما يستطيعون له إلا لزومًا» رواته كلهم ثقات محتج بهم في الصحيحين إلا أن الحسن لم يذكر له سماع من أبي موسى ﵁.
وقد رواه الإمام أحمد والبزار قال الهيثمي: ورجالهما رجال الصحيح.
فصل [في بيان منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوجب الأعمال وأهم أمور الدين، ولا قوام لدين الإسلام إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى اتفاق أئمة المسلمين على قتال الطائفة الممتنعة إذا امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 30
وفي مستدرك الحاكم عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لهم ليلة العقبة: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم» وذكر تمام الحديث قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وإن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق, وإن كان مرًا.
وفي المسند عن أبي ذر ﵁ قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع. فذكرها, ومنها: وأمرني أن أقول الحق, وإن كان مرًا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم.
وفي المسند أيضًا عن أبي ذر ﵁ قال: بايعني رسول الله ﷺ خمسًا, وواثقني سبعًا وأشهد الله علي سبعًا أني لا أخاف في الله لومة لائم.
وروى الإمام أحمد أيضًا وأبو داود الطيالسي والترمذي
стр. 31
والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينهَ عن المنكر» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وسيأتي حديث أبي سعيد وحديث ابن مسعود ﵄ في بيان وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب القدرة.
ويأتي أيضًا الحث على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في غير ما آية وحديث, والله الموفق.
فصل [فضل وفضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
وفي القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفضائل الكثيرة, وتحصيل المصالح العامة والخاصة, ودرء المفاسد العامة والخاصة ما يدعو كل عاقل إلى الاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة القائمين بذلك.
فمن أعظم فضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه وظيفة الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة.
فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل, وأنزل الكتب للأمر بالمعروف الذي أساسه وأصله التوحيد ومتابعة الرسل، وفروعه الأقوال والأعمال الصالحة.
والنهي عن المنكر للذي أساسه وأصله الشرك والبدع، وفروعه أنواع الفسوق والعصيان،
стр. 32
فبالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعلو كلمة الله, ويظهر دينه, وبترك ذلك يضعف الإسلام وأهله ويظهر الباطل وحزبه.
قال ابن عقيل في الفنون من أعظم منافع الإسلام وآكد قواعد الأديان الأمر بالمعروف والنهي والتناصح؛ فهذا أشق ما يحمله المكلف؛ لأنه مقام الرسل, حيث يثقل صاحبه على الطباع, وتنفر منه نفوس أهل اللذات، ويمقته أهل الخلاعة, وهو إحياء السنن وإماتة البدع.
إلى أن قال لو سكت المحقون ونطق المبطلون لتعود النشء ما شاهدوا, وأنكروا ما لم يشاهدوا, فمتى رام المتدين إحياء سنة أنكرها الناس وظنوها بدعة.
وقد رأينا ذلك؛ فالقائم بها يعد مبتدعًا ومبدعًا. انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وإذا كان الإمام ابن عقيل قد رأى في القرن الخامس ما ذكره من الإنكار على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, وعدهم لذلك مبتدعة, فكيف لو رأى ما آل إليه الأمر في زماننا في آخر القرن الرابع عشر من الهجرة النبوية, حين ابتلي أكثر المسلمين بمخالطة أعداء الله, والأخذ عنهم, واتباع سننهم حذوا القذة بالقذة, حتى عاد بسبب ذلك المعروف عند الأكثرين منكرًا والمنكر معروفًا, والسنة بدعة والبدعة سنة, نشأ على ذلك صغيرهم, وهرم عليه كبيرهم، وكان الأمر كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير, ويربو فيها الصغير,
стр. 33
ويتخذها الناس سنة, فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة، قيل: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن قال: إذا كثرت قراؤكم, وقلت فقهاؤكم, وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم, والتمست الدنيا بعمل الآخرة, وتفقه لغير الدين. رواه عبد الرزاق والدارمي والحاكم في مستدركه, قال الذهبي: وهو على شرط البخاري ومسلم.
وفي رواية الحاكم: وكثرت أموالكم, وقلت أمناؤكم.
وقد رأينا في زماننا كثيرًا من المنتسبين إلى العلم, فضلا عن غيرهم ينكرون على الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر, ويعدونهم لذلك أهل شذوذ وتشديد ومشاغبة وتنفير إلى غير ذلك مما ينبزونهم به ظلمًا وعدوانًا, فالله المستعان.
والدليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وظيفة الرسل وأتباعهم قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية.
والنبي ﷺ مأمور باتباع هدي الأنبياء قبله, كما قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقد روي ابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن وهيب بن الورد, قال: لقي رجل عالم رجلا عالمًا هو فوقه في العلم, فقال له: يرحمك الله, ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه صلوات الله عليهم إلى عباده,
стр. 34
وقد قيل في قول الله ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان.
وقد أمر الله ﵎ نبيه محمدًا ﷺ أن يأمر بالمعروف, ويصبر على ما يصيبه في ذات الله فقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
والعرف هو المعروف قاله غير واحد من أئمة السلف منهم عروة بن الزبير والسدي وقتادة والبخاري وابن جرير.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف, ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمرًا لنبيه ﷺ فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله, ولا بالصفح عمن كفر بالله, وجهل وحدانيته, وهو للمسلمين حرب. انتهى.
والأمر بالمعروف إذا افرد دخل فيه النهي عن المنكر ضمنًا ونظير هذه الآية ما أخبر الله به عن لقمان أنه قال لابنه (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور).
وعن عمير بن حبيب الخطمي ﵁ أنه قال لبنيه: إذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر, فليوطن نفسه على الصبر على الأذى, وليوقن بالثواب من الله؛ فإنه من يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى. رواه الإمام أحمد في الزهد.
стр. 35
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: الصبر على أذى الخلق عند لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين: إما تعطيل الأمر والنهي, وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي، أو مثلها أو قريب منها, وكلاهما معصية وفساد قال الله تعالى: ﴿وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فمن أمر ولم يصبر, أو صبر ولم يأمر, أو لم يأمر ولم يصبر حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة, وإنما الصلاح في أن يأمر, ويصبر. انتهى.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال البغوي: من حق الأمور وخيرها.
وقال في موضع آخر: من حقها وحزمها.
قال: وقال عطاء: من حقيقة الإيمان.
وقال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها.
وقال سعيد بن جبير: من حق الأمور التي أمر الله بها.
وقال صديق بن حسن في تفسيره: من عزم الأمور, أي: مما جعله الله عزيمة, وأوجبه على عباده, وحتمه على المكلفين, ولم يرخص في تركه.
قال: وهذا دليل على أن هذه الطاعات كان مأمورًا بها في سائر الأمم. انتهى.
وقال تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
стр. 36
الثانية: من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنهما سهمان من سهام الإسلام وضياءان من نوره, وعلامتان من مناره.
وقد روي البزار في مسنده عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم» يعني الشهادتين «والصلاة سهم, والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم, والأمر بالمعروف سهم, والنهي عن المنكر سهم, والجهاد في سبيل الله سهم, وقد خاب من لا سهم له».
قال المنذري: ورواه أبو يعلي من حديث علي ﵁ مرفوعًا أيضًا.
وروي موقوفًا على حذيفة ﵁, وهو أصح قاله الدارقطني وغيره.
قلت: وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده, حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت صلة بن زفر يحدث عن حذيفة ﵁ قال: الإسلام ثمانية أسهم فذكره، ثم قال أبو داود الطيالسي: وذكروا أن غير شعبة يرفعه.
وروى محمد بن نصر المروزي من حديث خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للإسلام ضوءا ومنارًا كمنار الطريق من ذلك أن تعبد الله لا نشرك به شيئًا, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». الحديث.
стр. 37
ورواه الحاكم في مستدركه مختصرًا, وقال: صحيح على شرط البخاري. قال: وأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁, فغير مستبعد؛ فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه قال: لقيت سبعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال الحافظ الذهبي قال: ابن أبي حاتم خالد عن أبي هريرة ﵁ متصل، وقال أدرك أبا هريرة, ولم يذكر له سماع. انتهى.
وقال الحاكم في موضع آخر من المستدرك: خالد بن معدان من خيار التابعين, صحب معاذ بن جبل, فمن بعده من الصحابة, فإذا أسند حديثًا إلى الصحابة, فإنه صحيح الإسناد, وإن لم يخرجاه. وأقره الذهبي على هذا القول في تلخيصه.
وقد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث أن للإسلام صوى بالصاد المهملة.
ورواه أبو نعيم بهذا اللفظ في كتاب الحلية من حديث روح بن عبادة حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للإسلام صوى بينا كمنار الطريق, فمن ذلك أن يعبد الله لا يشرك به شيء, وتقام الصلاة, وتؤتى الزكاة, ويحج البيت, ويصام رمضان, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, والتسليم على بني آدم، فإن ردوا عليك ردت عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة, ولعنتهم أو سكتت عنهم, وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت, ومن انتقض منهن شيئًا, فهو سهم من سهام الإسلام تركه, ومن تركهن كلهن فقد
стр. 38
ترك الإسلام» قال أبو نعيم غريب من حديث خالد، تفرد به ثور حدث به أحمد بن حنبل والكبار عن روح. انتهى.
وقال ابن الأثير الصوى الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة: يستدل بها على الطريق واحدتها صوة كقوة أراد أن للإسلام طرائق وأعلامًا يهتدى بها. انتهى.
الثالثة: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعان من أنواع الجهاد في سبيل الله .
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وقد جاء في حديث مرفوع: الجهاد أربع أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر والصدق في مواطن الصبر وشنآن الفاسقين, فمن أمر بالمعروف شد عضد المؤمنين. ومن نهى عن المنكر أرغم أنف الفاسقين, ومن صدق في مواطن الصبر, فقد قضي ما عليه. رواه أبو نعيم في الحلية من حديث محمد بن سوقة عن الحارث عن علي ﵁, وفي إسناده ضعف.
وفي السنن إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» هذا لفظ ابن ماجة.
ولفظ أبي داود: عند سلطان جائر أو أمير.
стр. 39
ولفظ الترمذي: إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. ورواه الحاكم في مستدركه, ولفظه: ألا وإن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب قال: وفي الباب عن أبي إمامة ﵁.
قلت: هو ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي إمامة ﵁ قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى, فقال: يا رسول الله, أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه, فلما رمي الجمرة الثانية سأله فسكت عنه, فلما رمي جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب, قال: «أين السائل» قال: أنا يا رسول الله. قال: «كلمة حق عند ذي سلطان جائر».
وروى الإمام أحمد أيضًا والنسائي بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر».
وروي أبو نعيم في الحلية من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه، عن جده ﵁ أنه قال: يا رسول الله, أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة عدل عند إمام جائر».
قال الخطابي: إنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو كان مترددًا بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب, وصاحب السلطان مقهور في يده؛ فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك, فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف. انتهى.
الرابعة: أن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علامة على الإيمان, وترك ذلك علامة على النفاق.
стр. 40
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية.
قال الغزالي: أفهمت الآية أن من هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خرج من المؤمنين.
وقال القرطبي: جعله الله تعالى فرقًا بين المؤمنين والمنافقين.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية للنسائي «من رأى منكرًا فغيره بيده فقد برئ, ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ وذلك أضعف الإيمان».
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته, ويقتدون بأمره, ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون, ويفعلون ما لا يؤمرون, فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن, ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن, ومن
следующие страницы →