← Общие книги

Общие книги · id 17055

القول المحرر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (128 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الثانية: من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنهما سهمان من سهام الإسلام وضياءان من نوره, وعلامتان من مناره. وقد روي البزار في مسنده عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم» يعني الشهادتين «والصلاة سهم, والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم, والأمر بالمعروف سهم, والنهي عن المنكر سهم, والجهاد في سبيل الله سهم, وقد خاب من لا سهم له». قال المنذري: ورواه أبو يعلي من حديث علي ﵁ مرفوعًا أيضًا. وروي موقوفًا على حذيفة ﵁, وهو أصح قاله الدارقطني وغيره. قلت: وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده, حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت صلة بن زفر يحدث عن حذيفة ﵁ قال: الإسلام ثمانية أسهم فذكره، ثم قال أبو داود الطيالسي: وذكروا أن غير شعبة يرفعه. وروى محمد بن نصر المروزي من حديث خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للإسلام ضوءا ومنارًا كمنار الطريق من ذلك أن تعبد الله لا نشرك به شيئًا, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». الحديث.

стр. 37

ورواه الحاكم في مستدركه مختصرًا, وقال: صحيح على شرط البخاري. قال: وأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁, فغير مستبعد؛ فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه قال: لقيت سبعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال الحافظ الذهبي قال: ابن أبي حاتم خالد عن أبي هريرة ﵁ متصل، وقال أدرك أبا هريرة, ولم يذكر له سماع. انتهى. وقال الحاكم في موضع آخر من المستدرك: خالد بن معدان من خيار التابعين, صحب معاذ بن جبل, فمن بعده من الصحابة, فإذا أسند حديثًا إلى الصحابة, فإنه صحيح الإسناد, وإن لم يخرجاه. وأقره الذهبي على هذا القول في تلخيصه. وقد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث أن للإسلام صوى بالصاد المهملة. ورواه أبو نعيم بهذا اللفظ في كتاب الحلية من حديث روح بن عبادة حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للإسلام صوى بينا كمنار الطريق, فمن ذلك أن يعبد الله لا يشرك به شيء, وتقام الصلاة, وتؤتى الزكاة, ويحج البيت, ويصام رمضان, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, والتسليم على بني آدم، فإن ردوا عليك ردت عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة, ولعنتهم أو سكتت عنهم, وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت, ومن انتقض منهن شيئًا, فهو سهم من سهام الإسلام تركه, ومن تركهن كلهن فقد

стр. 38

ترك الإسلام» قال أبو نعيم غريب من حديث خالد، تفرد به ثور حدث به أحمد بن حنبل والكبار عن روح. انتهى. وقال ابن الأثير الصوى الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة: يستدل بها على الطريق واحدتها صوة كقوة أراد أن للإسلام طرائق وأعلامًا يهتدى بها. انتهى. الثالثة: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعان من أنواع الجهاد في سبيل الله . وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وقد جاء في حديث مرفوع: الجهاد أربع أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر والصدق في مواطن الصبر وشنآن الفاسقين, فمن أمر بالمعروف شد عضد المؤمنين. ومن نهى عن المنكر أرغم أنف الفاسقين, ومن صدق في مواطن الصبر, فقد قضي ما عليه. رواه أبو نعيم في الحلية من حديث محمد بن سوقة عن الحارث عن علي ﵁, وفي إسناده ضعف. وفي السنن إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» هذا لفظ ابن ماجة. ولفظ أبي داود: عند سلطان جائر أو أمير.

стр. 39

ولفظ الترمذي: إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر. ورواه الحاكم في مستدركه, ولفظه: ألا وإن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب قال: وفي الباب عن أبي إمامة ﵁. قلت: هو ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي إمامة ﵁ قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى, فقال: يا رسول الله, أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه, فلما رمي الجمرة الثانية سأله فسكت عنه, فلما رمي جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب, قال: «أين السائل» قال: أنا يا رسول الله. قال: «كلمة حق عند ذي سلطان جائر». وروى الإمام أحمد أيضًا والنسائي بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر». وروي أبو نعيم في الحلية من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه، عن جده ﵁ أنه قال: يا رسول الله, أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة عدل عند إمام جائر». قال الخطابي: إنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأن من جاهد العدو كان مترددًا بين رجاء وخوف لا يدري هل يغلب أو يغلب, وصاحب السلطان مقهور في يده؛ فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك, فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف. انتهى. الرابعة: أن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علامة على الإيمان, وترك ذلك علامة على النفاق.

стр. 40

وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية. قال الغزالي: أفهمت الآية أن من هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خرج من المؤمنين. وقال القرطبي: جعله الله تعالى فرقًا بين المؤمنين والمنافقين. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي رواية للنسائي «من رأى منكرًا فغيره بيده فقد برئ, ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ وذلك أضعف الإيمان». وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته, ويقتدون بأمره, ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون, ويفعلون ما لا يؤمرون, فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن, ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن, ومن

стр. 41

جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». ورواه الإمام أحمد في مسنده مختصرًا. الخامسة: أن الله تعالى أثنى على القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ووصفهم بالخيرية, فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. وقد وصفهم رسول الله ﷺ بالخيرية أيضًا كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني عن درة بنت أبي لهب ﵂ قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر, فقال: يا رسول الله, أي الناس خير؟ قال: «خير الناس أقراهم, وأفقههم في دين الله, وأتقاهم لله, وآمرهم بالمعروف, وأنهاهم عن المنكر, وأوصلهم للرحم». السادسة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببان من أسباب الرحمة والرضوان والفوز بالسعادة الأبدية. قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 42

وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. والفلاح في اللغة الفوز والنجاة والبقاء في الخير والظفر وإدراك الطلبة، ومعناه هنا الفوز بدخول الجنة والنجاة من النار. وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والدارقطني والبغوي والحاكم عن البراء بن عازب ﵄ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله, علمني عملاً يدخلني الجنة. فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة، وفك الرقبة» فقال: يا رسول الله, أو ليستا بواحدة, قال: «لا؛ إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها, وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم الظالم, فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع, واسق الظمآن, وأمر بالمعروف, وانهَ عن المنكر, فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى الطبراني في الكبير عن أبي كثير السحيمي عن أبيه قال: سألت أبا ذر, قلت: دلني على عمل إذا عمل العبد به دخل الجنة. قال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «تؤمن بالله واليوم الآخر» قلت: يا رسول الله, إن مع الإيمان عملا قال: «يرضح مما رزقه الله» قلت:

стр. 43

يا رسول الله, أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضح به، قال: «يأمر بالمعروف, وينهى عن المنكر» قال: قلت يا رسول الله, أرأيت إن كان عييًا لا يستطيع أن يأمر بالمعروف, وينهى عن المنكر. قال: «يصنع لأخرق» قلت: أرأيت إن كان أخرق أن يصنع شيئًا، قال: «يعين مغلوبًا» قلت: أرأيت إن كان ضعيفًا لا يستطيع أن يعين مغلوبًا، قال: «ما تريد أن يكون في صاحبك من خير, يمسك عن أذى الناس» فقلت: يا رسول الله, إذا فعل ذلك دخل الجنة؟ قال: «ما من مسلم يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة». قال المنذري: رواته ثقات, ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه, وقال: صحيح الإسناد. السابعة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببان من أسباب النصر والتأييد, وتركهما من أعظم أسباب الذل والخذلان. قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عائشة ﵂ قالت: (دخل على رسول الله ﷺ , وقد حفزه النفس فعرفت في وجهه أنه قد حضره شيء فتوضأ, وما كلم أحدًا, فلصقت بالحجرة استمع ما يقول, فقعد على المنبر, فحمد الله وأثنى عليه وقال: «يا أيها الناس, إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا استجيب لكم, وتسألوني فلا أعطيكم, وتستنصروني فلا أنصركم» فما زاد عليهن حتى نزل).

стр. 44

الثامنة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببان من أسباب قبول الأعمال ورفعها إلى الله تعالى، وتركهما سبب لرد الأعمال وعدم قبولها. وقد روى ابن أبي الدنيا والطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما طفف قوم كيلا, ولا بخسوا ميزانًا إلا منعهم الله القطر، وما ظهر في قوم الزنى إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتل يقتل بعضهم بعضًا إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا يظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم, ولم يسمع دعاؤهم». التاسعة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببان من أسباب استجابة الدعاء وتركهما سبب للرد والحرمان. والدليل على ذلك ما تقدم في حديث عائشة, وحديث ابن عباس ﵃، ومثل ذلك ما يأتي إن شاء الله تعالى في أحاديث حذيفة, وحديث أبي هريرة, وحديث ابن عمر ﵃. وفي سنن ابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مروا بالمعروف, وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم». العاشرة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفضل أعمال الخير التي يحبها الله, ويرضاها, ويجزل المثوبة لفاعليها.

стр. 45

قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإيمان عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: «كل كلام ابن آدم عليه, لا له, إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكر لله ». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى البزار في مسنده عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكر الله». وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عبد الرحمن بن العلاء الحضرمي قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول: «إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم؛ يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر, ويقاتلون أهل الفتن». الحادية عشرة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مكفرات الذنوب والخطايا, كما في الحديث الصحيح عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان والترمذي وابن ماجة.

стр. 46

الثانية عشرة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعان من أنواع الصدقة؛ لما في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة, فكل تسبيحة صدقة, وكل تحميدة صدقة, وكل تهليلة صدقة, وكل تكبيرة صدقة, وأمر بالمعروف صدقة, ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود. قال ابن الأثير: السلامي جمع سلامية, وهي الأنملة، من أنامل الأصابع, ويجمع على سلاميات، وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان. وقيل: السلامي كل عظم مجوف من صغار العظام. والمعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. وقال النووي: في قوله: «وأمر بالمعروف صدقة, ونهي عن المنكر صدقة» فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر، ولهذا نكره والثواب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، وقد يتعين, ولا يتصور وقوعه نفلا، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل. ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل لقوله : «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه». رواه البخاري من رواية أبي هريرة ﵁.

стр. 47

وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري استشكل الحديث مع ما تقدم من ذكر الأمر بالمعروف, وهو من فروض الكفاية, فكيف تجزي عنه صلاة الضحى, وهي من التطوعات. وأجيب بحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره, فسقط به الفرض, فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضحى. قال: وفيه نظر، ثم قال: والذي يظهر أن المراد أن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاث مائة وستين حسنة التي يستحب للمرء أن يسعى في تحصيلها كل يوم ليعتق مفاصله التي هي بعددها، لا أن المراد أن صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف, وما ذكر معه. وإنما كان كذلك؛ لأن الصلاة عمل بجميع الجسد, فتتحرك المفاصل كلها فيها بالعبادة. انتهى. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاث مائة مفصل, فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرًا عن طريق الناس أو شوكة أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف أو نهي عن منكر عدد تلك الستين والثلاث مائة السلامي، فإنه يمشي يومئذ, وقد زحزح نفسه عن النار». وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «على كل مسلم صدقة» قيل: أرأيت إن لم يجد قال: «يعتمل بيديه, فينفع نفسه ويتصدق» قال: قيل: «أرأيت إن لم يستطع» قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف» قال: قيل: أرأيت إن لم

стр. 48

يستطع. قال: «يأمر بالمعروف أو الخير» قال: أرأيت إن لم يفعل. قال: «يمسك عن الشر, فإنها صدقة». وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده, وزاد بعد قوله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وفي جامع الترمذي وصحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة». قال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب. وروى البزار والطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة، وإن أمرك بالمعروف صدقة، وإرشادك الضال يكتب لك به صدقة». الثالثة عشرة: من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم» فقال رجل من القوم: هذا من أشد ما أنبأتنا به. قال: «أمرك بالمعروف، ونهيك عنه المنكر صلاة, وحملك عن الضعيف صلاة، وانحاؤك القذى عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة».

стр. 49

قوله: «على كل ميسم من الإنسان صلاة». قال ابن الأثير: هكذا جاء في رواية فإن كان محفوظًا, فالمراد به إن على كل عضو موسوم بصنع الله صدقة، هكذا فسر. انتهى. وقد تقدم حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاث مائة مفصل» الحديث. فهذا يوضح معنى قوله على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم, والله أعلم. الرابعة عشرة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب النجاة من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب الهلاك وعموم العقوبات قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وروى الدارقطني في سننه عن البراء بن عازب ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة, ويباعدني من النار قال: «لئن اقصرت الخطبة لقد اعرضت المسألة اعتق النسمة وفك الرقبة» وذكر تمام الحديث، وزاد في رواية: «فاطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر».

стр. 50

وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبغوي، وتقدم ذكره في الفائدة السادسة. وروى الإمام أحمد أيضًا والبخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة, فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها, فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاسقينا منه, ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال النووي: القائم في حدود الله تعالى معناه المنكر لها القائم في دفعها وإزالتها, والمراد بالحدود ما نهى عنه. انتهى. وقد تقدم الكلام في معنى المدهن في أول الكتاب. وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة عن زينب بنت جحش ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ يومًا فزعًا محمرًا وجهه يقول: «لا إله إلا الله, ويل للعرب من شر قد اقترب, فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» قالت: فقلت يا رسول الله, أنهلك وفينا الصالحون قال: «نعم, إذا كثر الخبث». وروي مالك في الموطأ بلاغًا إن أم سلمة زوجة النبي ﷺ -

стр. 51

رضي الله عنها قالت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم, إذا كثر الخبث». وفي جامع الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف» وقالت: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم, إذا ظهر الخبث» قال الترمذي: هذا حديث غريب. وروي الطبراني في معجمه الصغير عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر في زمن النبي ﷺ خسف قبل المشرق, فقال بعض الناس: يا رسول الله، يخسف بأرض فيها المسلمون فقال: «نعم, إذا كان أكثر أهلها الخبث». قال النووي: الخبث بفتح الخاء والباء، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور. وقيل: المراد الزنى خاصة، وقيل أولاد الزنى. والظاهر أنه المعاصي مطلقًا. قال: ومعنى الحديث أن الخبث إذا كثر يحصل الهلاك العام, وإن كان هناك صالحون. انتهى. وفي المسند عن أم سلمة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده» فقلت: يا رسول الله, أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: «بلى» قالت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: «يصيبهم ما أصاب الناس, ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان».

стр. 52

وفي المسند أيضًا عن عائشة ﵂ تبلغ به النبي ﷺ قال: «إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل الأرض بأسه» فقالت: وفيهم أهل طاعة الله قال: «نعم, ثم يصيرون إلى رحمة الله». وفي مستدرك الحاكم عن الحسن بن محمد بن علي عن مولاة لرسول الله ﷺ قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة, أو على بعض أزواج النبي ﷺ , وأنا عنده فقال: «إذا ظهر السوء فلم ينهوا عنه أنزل الله بهم بأسه» فقال إنسان: يا نبي الله, وإن كان فيهم الصالحون؟ قال: «نعم, يصيبهم ما أصابهم, ثم يصيرون إلى مغفرة الله ورحمته». وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي البختري قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم». قال الخطابي: فسره أبو عبيد في كتابه. وحكي عن أبي عبيدة أنه قال: معنى يعذروا, أي: تكثر ذنوبهم وعيوبهم. قال: وفيه لغتان: يقال: اعذر الرجل أعذارًا إذا صار ذا عيب وفساد، قال: وكان بعضهم يقول: عذر يعذر بمعناه, ولم يعرفه الأصمعي. قال أبو عبيد: وقد يكون يَعذروا بفتح الياء بمعنى يكون لمن بعدهم العذر في ذلك, والله أعلم. وقال ابن الأثير يقال: اعذر فلان من نفسه إذا أمكن منها, يعني أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم, فيستوجبون العقوبة, ويكون لمن يعذبهم عذر, كأنهم قاموا بعذره في ذلك. ويروي بفتح الياء من عذرته, وهو بمعناه. انتهى.

стр. 53

وفي المسند والسنن عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر الصديق ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس, إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إلى آخر الآية. وإنكم تضعونها على غير موضعها, وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر, ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن حبان. وروى الإمام أحمد أيضًا وأبو داود الطيالسي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن عبيد الله بن جرير عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون, ثم لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب». ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث المنذر بن جرير عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من قوم يعملون بالمعاصي, وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيره إلا عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب». وقد رواه أبو داود في سننه عن ابن جرير عن جرير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه, فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب من قبل أن يموتوا».

стр. 54

وروي أبو نعيم في الحلية من حديث الحارث بن سويد أنه سمع عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما من رجل في قوم يعمل فيهم بمعاصي الله هم أكثر منه وأعز, فيدهنون في شأنه إلا عاقبهم الله». وفي المسند وجامع الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف, ولتنهون عن المنكر, أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده, ثم لتدعنه فلا يستحب لكم». قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى الإمام أحمد أيضًا وأبو نعيم في الحلية من طريقه عن حذيفة ﵁ أنه قال: «لتأمرن بالمعروف, ولتنهون عن المنكر, ولتحاضن على الخير أو ليستحكم الله جميعًا بعذاب أو ليؤمرن عليكم شراركم, ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم». وروى أبو نعيم أيضًا عن عبد الله بن سيدان عن حذيفة ﵁ قال: «لعن الله من ليس منا, والله, لتأمرن بالمعروف, ولتناهون عن المنكر أو لتقتلن بينكم, فليظهرن شراركم على خياركم, فليقتلهم حتى لا يبقى أحد يأمر بمعروف, ولا ينهى عن منكر, ثم تدعون الله فلا يجيبكم بمقتكم». وروى البزار والطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتأمرن بالمعروف, ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم, فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم». وروى ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر ﵄ عن

стр. 55

النبي ﷺ أنه قال: «لتأمرن بالمعروف, ولتنهون عن المنكر, أو ليسلطن الله عليكم شراركم, فليسومونكم سوء العذاب, ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم, ولا يوقر كبيركم». وروى الأصبهاني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس, مروا بالمعروف, وانهوا عن المنكر قبل أن تدعو الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم, إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقًا, ولا يقرب أجلا, وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم, ثم عموا بالبلاء». وروى الأصبهاني أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها, وترد عنهم العذاب، والنقمة ما لم يستخفوا بحقها» قالوا: يا رسول الله, وما الاستخفاف بحقها؟ قال: «يظهر العمل بمعاصي الله, فلا ينكر, ولا يغير». وفي مراسيل الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال هذه الأمة تحت يد الله, وفي كنفه ما لم يمالئ قراؤها امراؤها, وما لم يزك صلحاؤها فجارها, وما لم يهن شرارها خيارها, فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم, ثم سلط عليهم جبابرتهم, فساموهم سوء العذاب, ثم ضربهم الله بالفقر والفاقة». وروى الإمام أحمد والبغوي عن عدي بن عميرة الكندي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا

стр. 56

يعذب العامة بعمل الخاصة, حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم, وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرون, فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة». وروى مالك في الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: كان يقال: إن الله ﵎ لا يعذب العامة بذنب الخاصة, ولكن إذا عمل المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلهم. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة جاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها, وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة. ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث الأوزاعي عن بلال بن سعد أنه قال: إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا أهلها, وإذا أظهرت فلم تغير ضرت العامة. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإنما تضر العامة لتركهم لما يجب عليهم من الإنكار والتغيير على الذي ظهرت منه الخطيئة. وروى الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو ﵄ في قول : ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: إذا لم يأمروا بالمعروف, ولم ينهوا عن المنكر. وروى ابن ماجة والبزار والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين, خمس إذا ابتليتم بهن, وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة

стр. 57

في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يمطروا, ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم, فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله, ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» قال الحاكم: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به. السنين: جمع سنة, وهي العام المقحط. وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس بخمس» قيل: يا رسول الله, ما خمس بخمس، قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات, وأخذوا بالسنين» قال المنذري: سنده قريب من الحسن, وله شواهد, وصححه السيوطي في الجامع الصغير. وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقي في قلوبهم الرعب, وإلا فشا الزنى في قوم قط إلا كثر فيهم الموت,

стр. 58

ولا نقص قوم المكيال والميزان, إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو. الختر: هو الغدر ونقض العهد. وروى الطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقض قوم العهد قط, إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط, إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة, إلا حبس الله عنهم القطر» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم, ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال ميمون بن مهران: ما أتي قوم في ناديهم المنكر, إلا عند هلاكهم. رواه أبو نعيم في الحلية. الخامسة عشرة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستنقذان صاحبهما من ملائكة العذاب, كما في حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في منامه الطويل: «ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية, فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر, فاستنقذه من أيديهم, وأدخله في ملائكة الرحمة». رواه الطبراني وغيره. وقال أبو موسى المديني: هذا حديث حسن جدا, ذكر ذلك عنه ابن القيم رحمه الله تعالى. وقال ابن القيم: هو حديث عظيم شريف القدر, ينبغي لكل مسلم أن يحفظه. قال: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه.

стр. 59

وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: قال ابن تيمية: أصول السنة تشهد له. قال المناوي: وإذا تتبعت متفرقات شواهده رأيت منها كثيرًا. السادسة عشرة: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسمًا لمواد الشر والفساد, وبإهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيدي السفهاء تغلب الفوضى على الناس, وتنفتح عليهم أبواب الفتن, ويكثر بينهم الشر والفساد والتوثب على ولاة الأمور ومنازعتهم في الولاية, كما وقع ذلك كثيرًا في الأزمان الماضية, وكما هو واقع الآن في كثير من أنحاء العالم, وذلك من نتائج تهاونهم بالدين, وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. وقال ابن عباس ﵄: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم, فيعمهم الله بالعذاب. قال ابن كثير: وهذا تفسير حسن جدًا. السابعة عشرة: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من لعنة الله تعالى وسخطه ومقته، وفي ترك القيام بهما تعرض لذلك كله. قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.

стр. 60

وفي المسند والسنن إلا النسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم, فلم ينتهوا, فجالسوهم في مجالسهم, وواكلوهم, وشاربوهم, فضرب الله قلوب بعضهم ببعض, ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم, ذلك بما عصوا, وكانوا يعتدون» وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس فقال: «لا والذي نفسي بيده, حتى تَاطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» هذا لفظ أحمد والترمذي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ولفظ أبي داود: «أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل, كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: اتق الله ودع ما تصنع, فإنه لا يحل لك, ثم يلقاه من الغد, فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده, فلما فعل ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض» ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثم قال: «كلا والله, لتأمرن بالمعروف, ولتنهون عن المنكر, ولتأخذن على يدي الظالم, ولتأطرنه على الحق أطرا, أو لتقصرنه على الحق قصرًا». زاد في رواية أخرى: «أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض, ثم ليلعنكم كما لعنهم». وقد تقدم ما رواه الأصبهاني عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى

стр. 61

لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم, ثم عموا بالبلاء». وروي ابن أبي حاتم عن علي ﵁ أنه خطب, فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: أيها الناس, إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي, ولم ينههم الربانيون والأحبار, فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم, واعملوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا, ولا يقرب أجلا. وفي حديث ابن مسعود وحديث ابن عمر ﵃ وعيد شديد للمداهنين التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة. وكذلك في الآيات قبلهما وعيد شديد وذم عظيم للمداهنين التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة. وأي وعيد أعظم من الوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة الله التي وسعت كل شيء عياذًا بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه؟! ومن الوعيد للمداهنين أيضًا ما رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله والترمذي عن ابن عباس ﵄ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يوقر الكبير, ويرحم الصغير, ويأمر بالمعروف, وينه عن المنكر» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب, وصححه ابن حبان.

стр. 62

الثامنة عشرة: إن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من الذم والتوبيخ في الدنيا والآخرة، ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته على ذلك, فله نصيب من الذم والتوبيخ بقدر ما ترك. قال الله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط. ثم ذكر ما رواه ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية. وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها أَنَّا لا ننهى. رواه ابن جرير. قال ابن جرير: وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخًا للعلماء من هذه الآية, ولا أخوف عليهم منها. وروى ابن جرير أيضًا عن سلمة بن نبيط عن الضحاك أنه قال: الربانيون والأحبار فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية. قلت: وفي الذم لبني إسرائيل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوبيخ لعلمائهم على المداهنة تحذير لهذه الأمة عمومًا.

стр. 63

ولعلمائهم خصوصًا, ولا سيما أرباب الولايات منهم أن يفعلوا كفعل بني إسرائيل, فيصيبهم ما أصابهم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن, فإنه لنا. وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحقر أحدكم نفسه» قالوا: يا رسول الله, كيف يحقر أحدنا نفسه قال: «يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه, فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى». وفي رواية لهم أيضًا وللترمذي والحاكم عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا, فكان فيما قال: «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه». زاد الترمذي وابن ماجة: فبكى أبو سعيد, وقال: قد - والله - رأينا أشياء فهبنا. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى الإمام أحمد وابن ماجة أيضًا وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة, حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر إن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدًا حجته قال: يا رب, رجوتك, وفرقت من الناس». وفي رواية لأحمد عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول

стр. 64

الله ﷺ : «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه, أو شهده أنه لا يقرب من أجل, ولا يباعد من رزق أن يقول بحق, أو أن يذكر بعظيم». وروي أبو نعيم في الحلية عن إسماعيل بن عمر سمعت أبا عبد الرحمن العمري الزاهد يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر بالمعروف, ولا تنهى عن المنكر خوفًا ممن لا يملك لك ضرًا, ولا نفعًا. قال: وسمعته يقول: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة المخلوقين نزعت منه الطاعة، فلو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف به. التاسعة عشرة: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من مشاركة العاصين في وزر المعصية وعارها. ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته على القيام بهما, فهو شريك للعصاة في العار والعقوبة. وقد روى أبو داود في سننه عن العرس بن عميرة الكندي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها» وقال مرة أنكرها, كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها, كان كمن شهدها. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الزهد: حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار قال: مكتوب في التوراة من كان له جار يعمل بالمعاصي, فلم ينهه فهو شريكه.

стр. 65

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أيضًا في كتاب الصلاة: جاء الحديث عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: من رأى من يسيء في صلاته, فلم ينهه شاركه في وزرها وعارها. وجاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها, فإذا ظهر ولم تغير ضرت العامة. قال أحمد رحمه الله تعالى: وإنما تضر العامة؛ لتركهم لما يجب عليهم من الإنكار, والتغيير على الذي ظهرت منه الخطيئة. وروي البيهقي في شعب الإيمان عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «أوحى الله إلى جبرائيل ﵇ أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها. فقال: يا رب, إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين. قال: فقال: اقلبها عليه وعليهم, فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط». وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم قال: يا رب, هؤلاء الأشرار, فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي, وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم. وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي هزان قال: بعث الله ملكين إلى قرية أن دمراها بمن فيها, فوجدا فيها رجلا قائمًا يصلي في مسجد, فقالا: يا رب, إن فيها عبدك فلانًا يصلي. فقال : دمراها, ودمراه معهم؛ فإنه ما تمعر وجهه فيَّ قط.

стр. 66

وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر، أن ملكًا أمر أن يخسف بقرية, فقال: يا رب, إن فيها فلانًا العابد, فأوحى الله إليه أن به فابدأ؛ فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط. وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة قال: يا رب, اغفر لي. قال: قد غفرتها لك, وألزمت عارها بني إسرائيل قال: يا رب, كيف وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدًا, أعمل أنا الخطيئة, وتلزم عارها غيري؟! فأوحى الله إليه أنك لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالإنكار. قلت: ويشهد لهذه الآثار قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. ويشهد لها أيضًا ما أخبر الله به عن ثمود أنهم عقروا الناقة, وأنه دمدم عليهم بذنبهم فسواها، وإنما كان الذي عقرها واحد منهم, والباقون أقروه, ولم ينكروا عليه, فصاروا شركاءه في العار والعقوبة. قال عبد الواحد بن زيد: قلت للحسن: يا أبا سعيد, أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب إلا أنه رضي بقلبه؟ قال: يا ابن أخي, كم يد عقرت الناقة؟ قال: قلت: يد واحدة. قال: أليس قد هلك القوم جميعا برضاهم وتماليهم. رواه الإمام أحمد في الزهد. ويشهد لها أيضًا حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «يغزو جيش الكعبة, فإذا كانوا ببيداء من الأرض

стр. 67

يخسف بأولهم وآخرهم» قالت: قلت: يا رسول الله, كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم, ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم». متفق عليه, وهذا لفظ البخاري. قال المهلب في هذا الحديث: إن من كثر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم. قال: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر, وإن لم يشرب. وقال النووي في هذا الحديث: من الفقه والتباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالسهم, ومجالسة البغاة, ونحوهم من المبطلين؛ لئلا يناله ما يعاقبون به، وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا. انتهى. العشرون: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من تعلق العصاة بالعبد يوم القيامة، وتارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعرض لتعلق العصاة به في موقف الحساب, ومخاصمتهم له بين يدي الجبار ﵎. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة: وقد جاء الحديث قال: يجيء الرجل يوم القيامة متعلقًا بجاره, فيقول: يا رب, هذا خانني. فيقول: يا رب, وعزتك ما خنته في أهل, ولا مال. فيقول: صدق يا رب, ولكنه رآني على معصية, فلم ينهني عنها. وروى رزين عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة, وهو لا يعرفه, فيقول له: ما لك إلي, وما بيني وبينك معرفة, فيقول: كنت تراني على الخطأ وعلى المنكر, ولا تنهاني.

стр. 68

الحادية والعشرون: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إعزازًا لدين الإسلام, وحراسة له ولأهله, وقمعًا للسفهاء والظالمين, وبذلك تكون العزة للمسلمين, ويثبت ملكهم, فإذا تهاونوا بإعزاز دينهم وحراسته وقمع سفهائهم والظالمين منهم سلبوا النعمة, وبدلوا بالعز ذلا وبالأمن خوفًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وروى ابن أبي حاتم بسنده عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية, ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله, فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الملك والدين إخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر؛ فالدين أساس والملك حارس فما لم يكن له أساس فمهدوم, وما لم يكن له حارس فضائع. ويشهد لهذا حديث معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين» رواه البخاري.

стр. 69

وفي تقييده ﷺ بقاء ملك قريش بإقامة الدين دليل على نهم إذا لم يقيموا الدين, فإن الأمر يخرج عنهم إلى غيرهم, وهكذا وقع الأمر, كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالأخبار. ويستفاد من هذا الحديث أن ملك ملوك المسلمين مرتبط بإقامة دين الإسلام, فمن أقامه منهم ثبت ملكه, ومن ضيعه خرج الأمر من يده, ولا بد. وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن مسعود رضي عنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ في قريب من ثمانين رجلا من قريش, فذكر الحديث، وفيه أن رسول الله ﷺ تشهد ثم قال: «أما بعد يا معشر قريش, فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله, فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم, كما يلحى هذا القضيب لقضيب في يده ثم لحا قضيبه, فإذا هو أبيض يصلد». قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجال أبي يعلى ثقات. قال الجوهري: اللحاء ممدود قشر الشجر، ولحوت العصا ألحوها لحوا إذا قشرتها. انتهى. ويصلد معناه: يبرق ويبص. قاله ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب.

стр. 70

وروى الحاكم في مستدركه من حديث حبيب بن أبي القاسم بن الحارث عن عبد الله بن عتبة عن أبي مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يزال هذا وأنتم ولاته ما لم تحدثوا أعمالا تنزعه منكم, فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شرار خلقه, فألحوكم, كما يلتحى القضيب» قال الحاكم: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال الشافعي في مسنده حدثنا ابن أبي فديك عن ابن ذئب عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم مع الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة يشير إلى جريدة في يده» وهذا مرسل صحيح. وقد وقع الأمر طبق ما في هذه الأحاديث الثلاثة, فبعث الله على قريش لما عصوه من لحاهم, كما يلحى القضيب، وهكذا وقع لكثير سواهم من ولاة الأمور الذين تركوا بعض الأوامر, وارتكبوا بعض النواهي, فسلط الله عليهم من لحاهم, كما يلحى القضيب. فليعتبر ولاة الأمور الآن بمن خلا قبلهم من ولاة الأمور الذين سلبوا ملكهم, وبدلوا من العزة والكرامة بالذلة والإهانة جزاء على تركهم لأوامر الله وانتهاكهم لمحارمه. فالعاقل من اعتبر بالماضين، والسعيد من وعظ بغيره.

стр. 71

وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ الآية. وقد روى الإمام أحمد في الزهد, وأبو نعيم في الحلية من طريقه عن جبير بن نفير قال: لما فتحت قبرص, وفرق بين أهلها, فبكى بعضهم إلى بعض, رأيت أبا الدرداء ﵁ جالسًا وحده يبكي, فقلت: يا أبا الدرداء, ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ويحك يا جبير, ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره, بينا هي أمة قاهرة ظاهرة, لهم الملك, وتركوا أمر الله , فصاروا إلى ما ترين. وقال ابن قتيبة الدينوري في كتاب مختلف الحديث: حدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور سمر ذات ليلة, فذكر خلفاء

стр. 72

بني أمية وسيرتهم, وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضي أمرهم إلى أبنائهم المترفين, فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات, وإيثار اللذات, والدخول في معاصي الله , ومساخطه, جهلا منهم باستدراج الله تعالى, وأمنا من مكره تعالى, فسلبهم الله تعالى الملك والعز, ونقل عنهم النعمة. فقال له صالح بن علي: يا أمير المؤمنين, إن عبيد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هاربًا فيمن اتبعه, سأل ملك النوبة عنهم, فأخبر, فركب إلى عبيد الله, فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه, وأزعجه عن بلده, فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة, ويسأله عن ذلك؟ فأمر المنصور بإحضاره, وسأله عن القصة. فقال: يا أمير المؤمنين, قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي, فافترشته بها, وأقمت ثلاثًا, فأتاني ملك النوبة وقد خبر أمرنا, فدخل على رجل طوال أقنى حسن الوجه, فقعد على الأرض, ولم يقرب الثياب, فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ فقال: إني ملك, وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذا رفعه الله ثم أقبل علي فقال لي: لِمَ تشربون الخمور وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا. قال: فلِمَ تطئون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: يفعل ذلك جهالنا، قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك, وقل أنصارنا, فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا, فلبسوا ذلك على الكره منا. فأطرق مليا, وجعل يقلب يده, وينكت في الأرض,

стр. 73

ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم عليكم, وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم, فسلبكم الله العز, وألبسكم الذل بذنوبكم, ولله فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها, وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي, فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاث, فتزودا ما احتجتم إليه, وارتحلوا عن بلدي, ففعلت ذلك. قلت: وفيما جرى على بني العباس من غلمانهم الأتراك وملوك الديلك والتتار عبرة عظيمة وعظة لمن بعدهم من ملوك المسلمين؛ فإن بني العباس كانوا أقوى سلطانًا, وأكثر أموالا ورجالا, وأوسع ممالك ممن جاء بعدهم من الملوك, وما نفعهم ذلك شيئًا, بل سلبهم الله العز, وألبسهم الذل, وسلط عليهم الأعداء من كل جانب يسومونهم سوء العذاب, ويأخذون ما بأيديهم من المماليك والأموال، وكان خاتمة ذلك زوال الملك والنعمة عنهم على أيدي التتار الكفار الفجار جزاء على تضييعهم لأوامر الله تعالى, وارتكابهم لنواهيه, وتهاونهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والأخذ على أيدي السفهاء والظالمين. فاعتبروا أيها المسلمون بمن خلا قبلكم من العاصين. واحذروا أن يصيبكم ما أصابهم, فما العقوبات من الظالمين منكم ببعيد. قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَاخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 74

وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فصل [في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على كل مسلم بحسب قدرته] إذا علم ما ذكرنا من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فليعلم أيضًا أنهما واجبان على كل مسلم بحسب قدرته, كما تقدم في قول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وعلى هذا, فمن اقتصر على الإنكار بقلبه وهو قادر عليه بلسانه, فقد ترك الواجب عليه، وخالف أمر النبي ﷺ . وكذلك من اقتصر على الإنكار بلسانه وهو قادر عليه بيده، فإما الإنكار بالقلب فهو واجب بكل حال لا يعذر أحد بتركه، ومن لم ينكر المنكرات بقلبه بأن يبغضها, ويكرهها ويمقت فاعلها, فليس بمؤمن لقول النبي ﷺ «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». وقال عبد الله بن مسعود ﵁: هلك من لم يعرف قلبه معروفًا, ولم ينكر منكرًا. رواه ابن جرير. وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي الطفيل أنه سمع حذيفة ﵁ يقول: يا أيها الناس, ألا تسألوني, فإن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير, وكنت أسأله عن الشر، أفلا تسألون

стр. 75

عن ميت الأحياء، فقال: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ , فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى, ومن الكفر إلى الإيمان, فاستجاب له من استجاب, فحيي بالحق من كان ميتًا، ومات بالباطل من كان حيًا, ثم ذهبت النبوة, فكانت الخلافة على منهاج النبوة، ثم يكون ملكًا عضوضًا, فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه, والحق استكمل, ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه كافًا يده وشعبة من الحق ترك, ومنهم من ينكر بقلبه كافًا يده ولسانه وشعبتين من الحق ترك، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولسانه, فذلك ميت الأحياء. وقيل لابن مسعود ﵁: من ميت الأحياء فقال: الذي لا يعرف معروفًا, ولا ينكر منكرًا. وهذا والعياذ بالله إنما ينشأ عن اتباع الهوى وقبول الفتن. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا, فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا, فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر
следующие страницы →