← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أربعونَ حديثًا، وترجمته (أي: عنوانُه): كتابُ الأربعينَ حديثًا عن أربعينَ شيخًا من أربعينَ قبيلة في أربعينَ بابًا من العلم من أربعينَ بينَ مُسنَد ومصنّف هم أربعينَ من التابعينَ ﵃ بأربعينَ اسمًا من أربعين قبيلةً عن أربعينَ من الصّحابة ﵃ بأربعينَ اسمًا من أربعينَ قبيلةً معرِّفًا بجميعهم ﵏ من صحيح حديث رسُول الله ﷺ " هكذا ترجمةُ الكتاب، وذَكَرَ في متنِه بدَلَ "عن أربعينَ من التابعين ﵃": "مُسنَدةً إلى أربعينَ رجلًا بين صَحابيّ وتابعيّ بأربعينَ اسمًا من أربعينَ قبيلةً من قبائل العرب" وسائرُ الترجمة وافق لفظًا ومعنى أو معنًى ما في مَتْن الكتاب. قال: "وهذه أعجوبةٌ محجوبة، حجَبَها اللهُ تعالى، فلم يقَعْ أحدٌ في علمي عليها، فله الحمدُ والشكر أنْ هداني ووفَّقني إليها". قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: "ما تضمّنتْه هذه الترجمةُ من ذكْرِ أنواع الأربعين لا يصحُّ أكثرُها ولا يَسلَمُ على الانتقاد منها إلا أقلُّها، وقد نبَّهت على ما لحِقَه فيما أخَلّ به من ذلك في مقالة بيّنتُ فيها معتمَدَه ومَنْحاه" (١). وهذه المقالةُ جزءٌ من نشاط ابن عبد الملك في الحديث، ولا شك أنه أبان فيها عن تضلُّعه فيه وتبحُّره في النّقد الإسناديّ الذي شَهِدَ له أئمةُ المحدِّثينَ بالتبريز فيه. و- تقاييدُه: أشار العَبْدَريُّ، في حديثه عن تعريفه بابن عبد الملك الذي أملاه على ابن دقيقِ العيد، إلى تقاييدِ ابن عبد الملك قال: "فعرَّفتُه به، وبما حضرني من تحليتِه، وما أذكُر من تقاييدِه" (٢). وهذا يجعَلُنا نقدِّر أنّ لابن عبد الملك تقاييدَ ورسائل، غيرَ ما ذكَرْنا، في موضوعاتٍ مختلفة لا نعرفُ عنها شيئًا.

стр. 142

وقد وجَدْنا ابنَ عبد الملك في "الذّيل والتكملة" يعبّر عن نيته التفرُّغَ لبعض الموضوعات، قال متحدّثًا عن كتاب "أسانيدِ الموطإ" لأبي محمد القُرطُبي واستدراكِ ابن الأبّار عليه: "وفي أمَلي التفرغُ لالتقاطه إن شاء الله، وأرى أنه محَلُّ استدراك، ومجال اشتراك، فقد وقَفْت على ما لم يَذكُراه، وعثَرتُ فيما طالعتُ على ما لم يَسطُراه، والإحاطةُ لله" (١). هذا، وقد يكونُ ابن عبد الملك أشار إلى شيءٍ من مؤلفاتِه وتقاييدِه في الأسفار المفقودة في "الذّيل والتكملة". ز - شعرُه ونثرُه ونَقْدُه: أشَرْنا، في معرض الحديث عن ثقافة ابن عبد الملك، إلى عنايته بالأدب وأدواته، ويبدو أنه خلف ثروةً أدبيّة ولكنّها ضاعت ولم يبقَ منها إلا نماذجُ محدودة. قال النُّباهي: "وأوقَفَني ولدُه (أي: ولدُ ابن عبد الملك) صاحبُنا الفقيه أبو عبد الله على كثير من المكتوباتِ الصادرة عن أبيه القاضي أبي عبد الله ما بين منظوم ومنثور"، ثم أورَدَ قصيدةً لزوميّةً في الحَنين إلى أحبابِه في سلا. كما أنّ ابنَ الزُّبير وَصَفَ ابن عبد الملك بأنه كان "أديبًا بارعًا شاعرًا مُجيدًا امتدح بعضَ كُبَراءِ وقتِه". وقد عرَفْنا مما مضَى صِلتَه بالمِلْيانيِّ والي أغمات، ومَدْحَه إياه، ونقفُ في السِّفر الثامن على إحدى مدائحِه فيه، وهي قصيدة يغلِبُ عليه التكلُّف، وتلحَقُ بشعر الفقهاء، كما أنّ لزوميّتَه المشارَ إليها لا تقل عنها تكلّفًا وتصنّعًا. ومن مظاهر هذا التكلّف والتصنّع في قريضِه أنه -حسَبَ النماذج القليلة الباقية- عبارةٌ عن تذييلٍ أو تسميط، كما أنه يجيءُ إمّا باقتراح أو إلزام.

стр. 143

ذكر في "الذّيل والتكملة" بيتي الحريريِّ المشهورَيْن: سِمْ سِمَةً تحسُنُ آثارُها ... واشكُرْ لمن أعطى ولو سِمسِمَهْ والمكرُ مهما اسطَعْتَ لا تأتِهِ ... لتقتني السّؤدَد والمَكرُمَهْ وساق تذييلاتِ الأندلسيّين لهما، ثم ختَم بتذييلِه وقال: "وإلى ذلك فقد ألزَمَني قديما بعضُ من يجبُ عليّ إسعافُه، ولا يَسَعُني خلافُه، مجاراة هؤلاء الجِلّة في هذا المضمار، ولم يُصغ إلى ما أتيْتُ به في ذلك من اعتذار، فقلت ممتثلًا تكليفَه، ومتعرِّضًا بما لا يستجيدُ ناقدٌ تأليفَه: ملأمةٌ بالحُرِّ أن لا يُرى ... منه ثَأى جيرانَهُ مَلْأَمَةْ والملءُ مَهْ عن شرِّه إنهُ ... مأتًى إلى الهُجنة والمَلْأَمَةْ غيرَ أنّي وفَيْتُ فيما رأيت بشرط اشتباه الطرفَيْن في كلا البيتَيْن وإن كان طرفا أوّلهُما مشتركَيْن، وجعلتُ طرفَي الأول نَكِرتَيْن وطرفَي الثاني معرفتَيْن على حدّ ما أتي به الحريريُّ في بيته، وأتيتُ بالجميع مجُنَّسًا كما تراه" (١). ولعلّ هذا الذي لم يسَعْه خلافُه هنا هو والي أغمات المِلْيانيّ، الذي أشار على ابن عبد الملك في مناسبةٍ أخرى أن يشتركَ معَ بعض شعراءِ حاشيتِه في مباراة شعريّة، قال ابنُ عبد الملك: "ثم عَطَفَ (أي: الوالي المذكور) عليّ، وطالَبَني بالموافقة لهم في ذلك ولم يكن رأى لي قبلُ بيتًا واحدًا ولا أشعرتُه بأنّي خُضتُ في نظم قطّ، فاستعفَيْتُه من ذلك فلم يُعفِني وقال: وما الذي يمنَعُك وموادُّ النَّظم كلُّها عندَك عتيدة، فلا وجهَ لاستعفائك ولا بدَّ لك من مشاركةِ الأصحاب فيما خاضوا فيه" (٢). وقد رأى ابنُ عُفَيْر يُسمِّطُ قصيدةً لأبي حفص الأغماتيّ ويُغفِلُ بيتًا منها، فانبرى لتسميطِه، إظهارًا لقُدرته على النَّظم في مثل هذا الصِّنف من القريض (٣).

стр. 144

وذيَّل بيتَيْن لبعضِهم في مدح مالَقةَ فقال: لا تنْسَ لا شبيليَةٍ تينَها ... واذكُرْ معَ التينِ زَياتينَها (١) وذيّل قولَ بعضهم في وَصْف كتابِ "المشارق": مشارقُ أنوارٍ تبدَّت بسَبْتةٍ ... وذا عجَبٌ كونُ المشارقِ بالغَرْبِ فقال: تبَدّت بأنوارِ المشارقِ نخوةٌ ... بمطلَعِها في الغربِ يا شرقُ غرّبي (٢) وقد تتفقُ له أبياتٌ على شيءٍ من السلاسة، كقوله في مَدْح بلده مَرَاكُش وأهلِها: لله مَرّاكشُ الحمراءُ من بلدٍ ... وحبَّذا أهلُها الساداتُ من سكنِ إنْ حَلّها نازحُ الأوطانِ مغتربٌ ... أسلَوهُ بالأُنس عن أهلٍ وعن وطنِ بين الحديثِ بها أو العِيانِ لها ... يَنْشَا التحاسُدُ بين العينِ والأذُنِ وقولِه في أوّل قصيدته اللُّزومية المشار إليها سابقًا: يا عاذليّ دعا الملامةَ أو سلا ... عن صادق في الحبِّ مثلي هل سلا كيف السّلوُ ولي بحكم البينِ في ... مَرّاكُشٍ جسمٌ وقلبٌ في سلا هيهات أسلو عهدَ خِلّ لي بها ... أسَلا ابن حُجْر عهدَ جارته سلا وافَى إليّ على البِعادِ كتابُهُ ... فبمهجتي أفدي كتابًا أُرسلا (٣)

стр. 145

ومن نماذج شعرِه الذي يغلِبُ عليه الطابَعُ الفقهيُّ قولُه في المدح: يا مَن يقيسُ به سِواه في النّدى ... ألغَيْتَ في النظرِ اعتبارَ الجامعِ هذا يجودُ وفي الموانع كثرةٌ ... وسواهُ ضَنّ معَ ارتفاعِ المانعِ وفي البيتَيْن -كما هو واضح- ألفاظُ الفقهاء الأصُوليِّينَ وعباراتهم، وفيهما مِصداقٌ لكلام ابن خلدون الذي يقولُ فيه: "ولهذا كان الفقهاءُ وأهلُ العلوم كلُّهم قاصِرينَ في البلاغة وما ذلك إلّا لِما يَسبِقُ إلى محفوظِهم ويمتلئُ به من القوانين العلميّة والعباراتِ الفقهية ... " (١)، وكان ابنُ عبد الملك -فيما يبدو- معجَبَا بهذا اللّون من الشّعر، ويشهَدُ لذلك قولُه في ترجمة ابن عَمِيرة: "وكان يُملِّحُ كلامَه نظمًا ونثرًا بالإشارة إلى التواريخ، ويودعُه إلماعاتٍ بمسائلَ علميّة منوَّعةِ المقاصِد تشهَدُ بتمكُّنه في المعارف على تفاريقها" (٢)، فقد عَدّ حَشْوَ الشّعر بالمسائل العلميّة شيئًا مليحًا، وهذا هو الذوقُ الغالبُ في المشرق والمغرب يومئذٍ. ولابن عبد الملك شعرٌ تعليميٌّ هو من قَبيل النَّظم الذي تُقيَّدُ به القواعد وتُحفَظُ فيه المسائل، كنظمِه تاريخَ مولدِه وقد ذُكر، ونَظْمِه الترتيبَ المَشْرقيَّ للحروف الهجائية: ألمَّ بَرْوضي تَجْنِ ثَمّ جنَى حَيا .... خلا دَرَّ ذي ريٍّ زكا سَقْيُه شُرْبا صَفا ضِمنَ طَلٍّ ظَلّ عندَ غِنًى فَشا ... قِرى كِيلَ لي من نَهْي وَدْقٍ هَمَى سُحْبا وقد عقّب على هذَيْنِ البيتَيْن بقوله: "وعُذر التكلُّف في مثلهما لا يخفَى على مُنصف". وأمّا نثرُه فمنه نثرٌ مرسَل، وهو الذي نجدُه في تراجم "الذّيل والتكملة"، ومنه نثر مسجوع، وبه كان يُحبِّرُ رسائلَه الإخوانيّة في أغلب الظنّ، إذ لم يصلْ

стр. 146

إلينا شيءٌ منها، كما أنه يَستعملُه في "الذّيل والتكملة" أحيانًا، كقولِه: "وقد تعاطَى جماعةٌ من الشّعراء تذييلَ بيتَي الحريريِّ بما كان سكوتُهم عنه أصوَنَ لافتضاحِهم وأستر، وإخلادُهم إلى حضيض العَجْز عن مُساماتِه في أوْج إجادتِه أولى بهم وأجدَر، فمن مُطيل غير مُطِيب، ومجُيل فكْرَه في استدعاءِ ما ليس له بمُجيب، ومن مقصِّر لو أبصَر لأقصَر، ولو أنصف، لَما تكلَّف، وقد أثبَتُّ هنا من ذلك بعضَ ما وقَع إليّ منه، وإن كان من حقِّه الإضرابُ عنه، واستودعتُه هذا الموضعَ تَقِيّةً عليه من الضيَّاع، ورجاء في إفادة مستشرفٍ للاستفادة به والانتفاع". ويقولُ بعدَ إيراد تذييل لأبي زيد التّميليّ: "وحسْبُك بما في هذا التذييل، من الدَّعوى غير المستندةِ إلى دليل، والاغترار المؤدّي إلى الفضيحة، والتشبُّع بما يَحمِلُ على إجهادِ الخاطر وكدِّ القريحة". ثم يقولُ إثرَ تذييلٍ لأبي إسحاقَ الكانميّ: "ولا يَعزُبُ التعزيزُ بمثلِ البيتِ الأول من هذَيْن البيتَيْن على أدنى مقيمي وَزْن الشّعر ومُقترضيه، إذا غَفَلَ عن انتقادِ منتقديه واعتراض مُعترضيه، فإنّ صدرَ طرفَيْه من عجزُهما منقول، فالتعزيزُ بمثله مرذول، وعقدُ الثقة بما أشبَهَه محلول". ويقولُ بعَد ذلك: "فقد وَضُحَ بهذا كلِّه أنّ الحريريَّ هو الذي دانَ الاختراعُ للبدائع والإنشاء، وأنّ براعةَ مَعْلَمِه مُعلمة أنّ الفضلَ بيد الله يؤتيه من يشاء؛ ولله هو! فقد نصَحَت إشارتُه وزَجَرت مُناهضيه، ونَصَعت عبارتُه فنَهَرت إذْ بَهَرت مُعارضيه، حين ترنَّم ونسيمُ أسحار سِحر بيانِه يُطربه، واستيلاؤه على سُرُر السّرور بإجادتِه يؤمِنُه أن يُسامى مَرْقاه أو يُسامَتَ مَرْقَبُه ... فكلٌّ كَلَّف نفسَه شططًا، وقَنَعَ أن يأتيَ من القول سَقَطًا، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] " (١).

стр. 147

وهو يُعبّر أحيانًا عن إعجابِه بالسَّجْع واستحسانِه له؛ أورَدَ قولَ ابن جُبَير صاحبِ الرّحلة في وَصْف مقرئ: "وقراءتُه تُرِقُّ الجماداتِ خشوعًا" فعلَّق بقوله: "قال المصنّف عفا اللهُ عنه: ويَحسُنُ أن يُضافَ إلى هذه الفقرة: وتُرسِلُ شآبيبَ الرّحمة دموعًا" (١). وأمّا نَقْدُه الأدبيُّ فقد رأينا نماذجَ منه في تعقيباتِه على بعض شعر ابن المُرحَّل، وهو مبثوثٌ خلالَ كتابِه، ومعظمُه انتقاداتٌ جُزئيّة تنصَبُّ على ألفاظ أو استعمالاتٌ لبعض الشّعراء، كقوله في بيت ابن عَمِيرة: وكيف بشُقْر أو بُزْرقةِ مائهِ ... وفيه لشُقْرٍ أو لزُرقٍ مشارعُ: "هكذا قال، ووقَفتُ عليه بخطّه، ولو قال: أو بزُرقِ مياهِه، وفيها؛ لكان أتمَّ في التجنيس، فتأمَّلْه" (٢). وقولِه في بيتٍ له آخَرَ هو: بفضلِك قُلنا والمقالُ مزيَّفٌ ... إذا كان لا يؤتَى عليه بشاهدِ: "قال المصنِّف عَفَا اللهُ عنه: صَدرُ هذا البيت الذي هو: بفضلك قُلنا ... من أردإ الصُّدور وأقبحِها نظمًا لتمحُّضِه إذا أُنشِدَ وحدَه للهجاء ولا ينصرفُ إلى ما قُصِد به من المدح إلا بإتباعِه عجُزَه، فتأمَّلْه، واللهُ الموفِّق" (٣). وأورَدَ قصيدةً للأعمى التُّطِيليّ في مدح الحُرّة حوّاء، وعقَّبَ عليها بقولِه: "هذا من النَّظم البديع، والبَزّ الغالي الرفيع، ثم ختَمَها بقوله: قد عَمَّ بِرُّك أهلَ الأرض قاطبةً ... فكيف أُخرِجُ عنه جارُك الجُنُبُ؟

стр. 148

فللاشتراك الذي في لفظ الجُنُب يَقبُح استعمالُه ولا سيّما في مخاطبة النساء، وكذلك لفظُ الذّكَر الواقعُ في البيتِ الذي أولُه: أنثى سَمَا باسمِها النادي وكم ذكرٍ ... يُدعى كأنّ اسمَه من لؤمِه لقَبُ فتأمله" (١). وهو كما ترى مولَع بانتقاد استعمال الألفاظ المشتركة كما في هذا المثال والمثال السابق من شعر ابن المُرحَّل، ويبدو أنّ له وَقَفاتٍ نقديّةً من هذا القَبيل معَ شعر الفقيه ابن الفَخّار المالَقيّ. قال ابنُ الخَطيب: "شعرُه كثير، غريبُ النَّزعة، دالٌّ على السَّذاجة، وعدم الاسترابة والشعور، والغفلة المُعرِبة عن السلامة من ارتكابِ الحُوشيّ واقتحام الضّرائر، واستعمال الألفاظ المشتركة التي تتشبَّثُ بها أطرافُ المَلاحِن والمَعاريض، ووَلع كثيرٌ من أهل زمانِه بالردّ عليه والتملُّح بما يَصدُر عنه، منهم: القاضي أبو عبد الله ابن عبد الملك" (٢). وينبغي أن أُشيرَ هنا إلى أنّ بعضَ الاستعمالات كانت مثارَ نَقْد في هذا العصر مثلَ: استعمال "كان ماذا" إذْ جرَت بسببِه مناظرة بين ابن أبي الرّبيع وابن المُرحَّل وألَّف هذا في الموضوع كتابَ "الرَّمي بالحَمى والضَّرْب بالعصا" (٣). وبالجُملة، فإنّ ابن عبد الملك في نَقْدِه الأدبيّ -حسَبَ النماذج الموجودة منه- يُعالجُ في الغالب شوائبَ نَحْويّةً أو لُغَويةً أو عَروضيّة، كانتقاده على بعضِهم أنه "استَعمل الجِيل بمعنى القَرْن غلطًا، وإنّما هو بمعنى الأُمّة. فالعربُ جِيل والرّومُ جيل وكذلك الفُرس والتُّرك وغيرُهم" (٤)، وانتقادِ استعمال الدعاوِي جَمْعُ دعوى، قال: وهو غلط جرى عليه كثير من الشّعراء والكُتّاب قديمًا

стр. 149

وحديثًا (١)، ومن ذلك أيضًا: انتقادُه تلقِّي لام الإيذان بالقَسَم من لئن بالفاءِ التي تُتلَقَّى بها أدواتُ الشّرط، وهو غَلطٌ جرَّه كما يقول "اعتبارُ الشّرط الذي دخَلت عليه لامُ القَسَم، والعربُ إنّما تُراعي في هذا الباب ما تُصدِّرُ به الكلام"، وقال: "وإنّما حقُّها (أي: لام الإيذان بِالقَسَم) التلقِّي باللام أو ما يُتَلقَّىِ به القَسَم على الجملة، وفي التنزيل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ﴾ [لقمان: ٢٥]؛ ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]؛ في آيِ كثيرة" (٢). وقد انتقَد على بعضهم استعمالَ "انطفأ" مطاوعَ "أطفأ"، وقال: "لم تَستعمل العرَبُ "انفعل " مطاوعَ "أفعَلَ" إلّا شاذًّا" (٣). وثمّةَ أمثلةٌ أخرى في "الذّيل والتكملة". وله أحكامٌ نَقْديّة مجمَلة، كقولِه في ابن خَروف الشاعر: "وكان شاعرًا مُجيدًا بارعَ التشبيهات نبيلَ المقاصد ولا سيّما في المقطَّعات، فله في نَظْمِها الشأوُ الذي لا يُدرَك"، وقولِه في بعض تشبيهاته: "وهذا من التشبيهات العُقْم على قلبٍ فيه يمكنُ تسويتُه بوَجْهٍ ما" (٤). ويبدو من نَقْد ابن عبد الملك أنه كان يَرجِعُ فيه إلى محفوظٍ طيّب من الشّعر العربيّ واطّلاع جيّد على أُمّهاتِ كُتُب الأدب ودواوينِه، ومن مظاهر هذا إلمامُه بالمعاني المتداوَلة بين الشّعراء، كأنْ يقولَ في معنًى من المعاني: "قد تداوَلَه الناسُ كثيرًا قديمًا وحديثًا" (٥) ثم يوردَ شيئًا مما قيل فيه. ومن هذا قولُه في معنى بيتَي ابن المُرحَّل: رأيتُ مثالا لو رأتْهُ كرؤيتي ... نجومُ الدُّجى واللّيلُ أسودُ مُشمطُّ لسَرَّ الثُّريّا أنها قَدَمٌ ولم ... يَسُرَّ الثُّريّا أنها أبدًا قُرطُ:

стр. 150

"معنَىَ بديع قلَبَه من معنًى آخرَ ونقَلَ معظمَ ألفاظِه، وذلك في قول أبي العلاء ... : قُرَيْطيّةُ الأخوالِ ألمَعَ قُرطُها ... فسَرَّ الثُّريّا أنها أبدًا قُرطُ" ثم أورَدَ بعدَ هذا أنّ معنى بيتِ المَعَرّي مولَّد من معنًى آخر لابن المعتزّ في قوله: في الشّرق كأسٌ وفي مغارِبها ... قُرطٌ وفي أوسطِ السماءِ قَدَم (١) ومن مظاهر ما ذكرناه أيضًا: اهتمامُه بنسبة الشّعر غيرٍ المنسوب إلى أهلِه، أو تحقيقِ نسبتِه إلى أصحابه (٢). هذه مقتَطفاتٌ من نَقْده الذي يجيءُ خلال التراجم على سبيل الاستطراد؛ ولذلك يَعتذِرُ عن عدم الإطالة والتوسُّع فيه، كقولِه: "وفي ما أوردتُه من هذا كفاية، إذِ الاطالةُ في مثله تُخرج عن مقصود الكتاب، وله موضعٌ آخر، وإنّما أوردُ من هذا ما أُورد لِما جُبِلت عليه النفوسُ الزّكيّة من المَيْل إلى هذه الطريقة الأدبيّة، إلى ما فيه من إجمامِها خوفَ الإملال، وإصلاحها في تصريفها بالنقل من حالٍ إلى حال" (٣). هوايتُه: كان ابنُ عبد الملك قارئًا كبيرًا، ولعلّه كان فريدَ عصره بالمغرب في سَعة الاطّلاع وكثرة القراءة، ويدُلُّنا كتابُه "الذّيل والتكملة" على شَغَفِه الغريب بالوقوف على المؤلّفاتِ في مختلف العلوم، ولا نعرفُ في أعلامِنا القدماءِ مَن يضاهيه في معرفة الكُتُب وما يتّصل بها.

стр. 151

ويمكنُ القول بأنه قرأ جُلَّ الكُتُب التي سرَدَها في كتابه، وهي تُعَدُّ بالمئات أو الألوف، ونعتمدُ في هذا إمّا على تصريحِه بالوقوف عليها، أو على وَصْفها بما يدُلُّ على مطالعته لها، ومما يُلفت النظر أنه يَذكُر في الغالب وقوفَه على هذه الكُتُب بخطوطِ مؤلّفيها. كما أنّ معظمَ الأشعار والرسائل التي يَشتملُ عليها "الذّيل والتكملة" منقولةٌ من خطوط أصحابها. وهذا شيءٌ لم يكن يتيسّرُ في ذلك الزّمان إلا لمن كان له شغَفٌ كبير بالكُتُب، وكان مُعانًا على ذلك بالجِدَة والجاه، وفي عصر الوِراقة والنَّسخ اليدويّ كان ابنُ عبد الملك يقفُ على أكثرَ من نسخة من الكتاب الواحد، وقد يكونُ هذا الكتابُ مجرَّدَ ديوان لشاعر غير مشهور، ومثالُ ذلك أنه ذكَرَ خلافًا في نسبة بيتَيْن من الشعر بين الرُّشاطيّ وابن خاقان، وقال: "يترجَّح عندي ما ذهب إليه الفتحُ من وجهين: أحدُهما: أنّ الفتحَ (يعني: ابنَ خاقان) أشدُّ عناية بهذا الشأن من أبي محمد (يعني: الرُّشَاطي)، والثاني: أنّ هذَيْن البيتَيْن ثابِتان في غير نُسخة من شعر اليَعمُري (يعني أبا جعفرٍ أحمدَ ابن البُنّي) حسبَما وقفْتُ عليه" (١). وفي ترجمة أبي موسى الجَزُوليّ يشيرُ إلى وقوفِه على نُسَخ متعدِّدة من كُرّاسته المشهورة في النّحو، قال: "وقد وقَفتُ على خطِّه في نُسَخ منها محمّلًا إياها بعضَ آخِذيها عنه" (٢). وأما كتب الدراسة فقد كان يقفُ منها على نُسَخ كثيرة بخطّ ناسخ واحد أحيانًا، قال في ترجمة أبي الحَسَن بن أُميّة: "وكتَبَ بخطّه الأنيق كثيرًا من كتب المبتدئين كالجُمَل وأشعار السّتة والحماسة المازِنية (يعني حماسةَ أبي تمّام) وفصيح

стр. 152

ثعلب ونحوِها، وقَفْتُ على نُسَخ كثيرة مما ذكرتُه بخطّه لِما كان يُرغَبُ منه في ذلك ويُنافَسُ له في ثمنه" (١). ويقولُ في ترجمة أبي محمد البنشكليّ: "وكان أنيقَ الوِراقة، كتَبَ بخطّه الكثير، وقفتُ على خطِّه بنقله "البيانَ والتحصيل" لابن رُشد من أصله سنة تسعَ عشْرةَ وخمس مئة" (٢)، وفي ترجمة السياريّ: "وقَفتُ على خطّه بنقلِه كتابَ "البيان والتحصيل" من أصل المؤلّف سنة ثلاثينَ وخمس مئة" (٣)، وفي ترجمة عَبّاد بن محمد بن أشرف: "وقفتُ على خطّه بنقله "البيان والتحصيل" لنفسِه من أصل المؤلّف" (٤). وُيفهَمُ من كلامه في موضع آخَر أنه وقَفَ على غير ما نُسخةٍ من ديوان ابن حَمْديس الصِّقِلّي، فقد أورَدَ بيتين يُنسَبان إلى هذا الشاعر وقال معقّبًا: "قال المصنِّف عفا الله عنه: هذان البيتان يُنسَبان إلى أبي محمد عبد الجَبّار بن حَمْديس الصّقِلّيّ المذكور بموضعِه من هذا الكتاب، ولم يقعا إليّ في نُسخة من ديوان شعره، واللهُ أعلم" (٥). وقد وقَفَ على دواوينَ لشعراءَ أندلسيّين ومغاربة لم يصلْ إلينا شيءٌ منها؛ قال في ترجمة ابن الحَدّاد: "وشعره كثيرٌ جيّد مدوَّن وقفتُ على نُسخة منه في ثلاثة أسفارٍ ضخمة مبوَّبًا على حروف المعجم" (٦)، وقال في ترجمة ابن حَريق: "وشعرُه كثيرٌ مدوَّن، وقفتُ عليه في مجلدَيْن ضخمَيْن" (٧)، وفي ترجمة

стр. 153

سعيد بن حَكم صاحب مَنُرْقة: "رأيتُ من شعره مجلّدًا لطيفًا يكون أشفَّ من ديوان شعر المتنبي أو نحوَه بخطّ ابنه أبي عَمْرو حَكم ﵀" (١)، وفي ترجمة ابن جُبَيْر صاحب الرّحلة: "ونظمُه فائق، وقفت منه على مجلّد متوسّط يكونُ قَدْرَ ديوان أبي تَمّام حبيب بن أَوْس جمْعَ أبي بكرٍ الصُّوليّ أو نحوَ ذلك، ومنه جزءٌ سماه: نتيجةَ وَجْد الجوانح، في تأبين القرين الصّالح، أودَعَه قطعًا وقصائدَ في مراثي زوجه أُمّ المجد المذكورة بعدَ وفاتها والتوجُّع لها أيامَ حياتها تزيدُ بيوتُه على ثلاث مئة سوى موشَّحات خمس جعَلَها قريبًا من آخِره، ومنه جزءٌ سمّاه: نَظْمَ الجُمان في التشكّي من إخوان الزّمان، يشتملُ على أزيَدَ من مئتي بيت في قطع" (٢)، وفي ترجمة ابن حَبُوس: "وشعره كثير، وقد جمَعَ له بعضُ أصحابه المختصّين به ما عَلِق بحفظِه منه أو أحضَرَ ذكْرَه أو أسأرَتْه عوادي التنقّل والاضطراب إلى آخر ربيعَيْ ستّين وخمس مئة، فناهَزَ ذلك ستةَ آلافِ بيت، وقد وقَفتُ منه على مجلّد متوسط" (٣)، وفي ترجمة موسى ابنُ المُناصف: "وقَفْتُ على بعض [شعره في مجلد ضَخْم] يحتوي على أزيَدَ من خمسةَ عشَر ألفَ بيت" (٤). ومن الكُتب التي ذَكَرَ أنه وقَفَ منها على نُسَخ متعدّدة ومختلفة: برنامَجُ أبي الحسن بن مؤمن نزيل فاس، قال بعد أن سرَدَ شيوخه: "وقد ضمَّنهم برنامجَه الذي سماه: "بُغيةَ الراغب ومُنيةَ الطالب"، وهو برنامَجٌ حَفِيل أودَعَه فوائدَ كثيرة كاد يخرُجُ بها عن حدِّ الفهارس إلى كُتُب الأمالي المفيدة، وقفتُ على نُسخة منه بخطّه في ثمانيةَ عشَرَ جزءًا أكثرُها من نحو أربعينَ ورقة، واقتضَبَه في

стр. 154

ثمانيةِ أجزاء من تلك النسبة، وقفتُ عليه أيضًا بخطّه، ورأيتُ هذا البرنامَج في حجم "جامع الترمذي" أو أشَفّ" (١). ونرى من هذا الشاهد وغيره من الشواهد السابقة أنه يمثِّلُ أحجامَ الكُتُب ببعض المخطوطات المتداولة بين الناس كـ"جامع الترمذيّ" و"ديوان المتنبّي" و"ديوان أبي تمام" وديوان" سَقْط الزَّند" وغيرها. كما وقَفَ على نُسختين من برنامَج عبد الرّحيم ابن الملجوم، قال: "وقفتُ على نُسختين من فِهرِسة أبي القاسم هذا، إحداهما أتمُّ من الأخرى، وكل واحدة منهما عليها خطّه مجُيزًا" (٢). وقد أشار في مناسباتٍ أخرى إلى وقوفه على نُسَخ مختلفة من "صِلة" ابن بَشْكُوال و"تكملة" ابن الأبّار، وهذا يُشبه نظام الطبعات المتعدِّدة في عصرنا. وكان وقوفُه على النُّسخ المتعدِّدة وجمْعُه للأمّهات منها بخطوط أصحابها أو بخطوط أهل العناية والإتقان من أجْلِ ما كان يحرِصُ عليه من ضبط ويأخذ به نفسه من تحقيق، ومثالُ ذلك: أنه جرَّد شيوخ ابن الرُّوميّة ورتَّبهم -وهم مِئون- من فهارس المذكور بخطِّه وخطِّ بعض أصحابه، وقال بعد أن فرغ من ذكرهم: "هذا منتهى ما انتقاه أبو العبّاس النَّباتيّ من الشيوخ الذين استجيزوا له حسبما مَرّ تفسيرُه، وعلى ما ذكرهم في فهارِس له منوعة بين بَسْط وتوسط واقتضاب، وقَفْتُ منها كذلك بخطّه وبخطّ بعض أصحابه والآخِذينَ عنه كأبي بكر محمد بن يوسُف ... وأبي القاسم عبد الكريم بن عِمران وأبي محمد طلحة وغيرهم، فعثرتُ فيما طالعتُه منها على أوهام كثيرة بين تصحيف ونقص من الأنساب وزيادةٍ فيها وقَلْبِها ويمرارِها، فلم آلُ جهدًا في إصلاح ما أمكنني من ذلك كله وتصحيحِه وتقييده وإكمالِه معتمدًا على ما وقَع إليّ له أو لغيره من خطوط أولئك الشيوخ

стр. 155

أنفسِهم وخطِّ المتقن أبي الأصبَغ عبد العزيز بن الحُسَين بن هلالةَ أحد من استجاز بعضَهم له كما سبق ذكْرُه وأبي ... ابن عَدْلان وغيرهما ممن يوثَقُ بضبطه ويُركَنُ إلى تجويده من أهل العناية بهذا الشأن، وعلى تقييد الحافظ أبي بكر ابن نُقطةَ البغداديّ في كتابِه الذي أكمَلَ به "إكمالَ" الأمير أبي نَصْر ابن ماكولا، وتصنيف هذا الكتاب على الأسماء مطلقًا لأبي القاسم بن عمران، وقفتُ عليه أيضًا بخطّه، إلى غير ذلك، واللهُ ينفَعُ بذلك كلِّه ويجعلُه خالصًا لوجهه، فمن وجَد في نُسخة من فهارس أبي العبّاس خلافَ ما أثبتُّه هنا مما قيَّدتُه وأزحتُ إشكاله فالأولى به الرجوعُ إلى ما يُلفيه هنا وتصحيحُه على ما هنالك بناءً على ما قرّرتُه، اللهم إلا أن يستفرغَ وُسعَه في البحث جُهدَه حتى يُطلعَه على مستنَدٍ مثل ما ذكرتُه أو أوثقَ منه فله الأخْذُ به والعملُ عليه إن شاء الله، وقد بقيَتْ عليّ في ذلك مواضعُ لم أقفْ على الجلاء في ضبطِها فتركتُها مهملةً حتى ييسِّر اللهُ سبحانه لي ولغيري السبيلَ إلى تحقيق تقييدها، وما ذلك على الله بعزيز، فلطفُه معهود، وفضلُه متعوَّد، أوزَعَنا الله شكرَ نعمِه التي لا تحصى". ومن أمثلة وقوفه على نُسَخ متعادة للنصّ الواحد بقَصْد تحقيقِه وتوثيقه: ما ذكره في ترجمة ابن الحَصّار، فقد ساق قصيدتَه الرائية في المكِّيِّ والمدَنيّ من سُوَر القرآن روايةً عن شيخِه الماقريّ ثم قال: "قال المصنِّف عفا اللهُ عنه: هكذا أخَذْنا هذه القصيدةَ عن شيخِنا أبي علي في اثنين وعشرينَ بيتًا كما ذكر، وكذلك وقَفتُ عليها في غير موضع بخطّ غير واحد من الجِلّة، وقد وقَفتُ عليها بخطّ آخَرينَ منهم بزيادة بيت قبل البيتِ الأخير منها ... وكذلك وقفتُ عليها في كتاب "النّسخ" له فاعلَمْه، واللهُ أعلم". ومن أمثلة ذلك أيضًا: أُرجوزةُ القاضي ابن حَجّاج المسمّاةُ "نَظْمَ الدُّرَر، ونَثْرَ الزَّهَر" التي نظم فيها سيرةَ ابن إسحاق، قال: "وقفتُ على نُسَخ منها بخطِّه وبخط ابنِه أبي بكر وبخطّ غيرِهما".

стр. 156

ونجدُه يقفُ على نُسَخ خزائنيّةٍ مُلوكيّة من مثل ما جاء في ترجمة ابن خَروف النَّحوي، قال: "ورَفَع إلى الناصر من بني عبد المؤمن نُسخةً من "شَرْح كتاب سيبوَيْه" بخطّه في أربع مجلّدات، فأثابه عليها بأربعةِ آلاف درهم من دراهمهم، وقد رأيتُ هذه النُّسخة، وأخرى بخطِّه أيضًا، وذَكَرَ لي بعضُ الرّحّالين أنه رأى بمدرسة الفاضل البَيْسانيّ من القاهرة نُسخةً بخطّ المصنَّف في مجلّد واحد" (١). ولم يَذكُر أين وقَفَ على النُّسخة الناصِريّة المذكورة، ويُمكنُ أن يكونَ وقوفُه عليها في خزانة الموحّدينَ العظمى بمَرّاكُش، أو لعلّه عثَرَ عليها بعدَ أن انقَرَضت دولتُهم وتوزَّعت الأيدي ذخائرَ تلك الخِزانة الكبرى التي كان لها شأنٌ وأيُّ شأن، وإذا كان ابنُ عبد الملك يقفُ على هذا العدد من الشَّرح المذكور فما بالُك بعدد النُّسخ التي وقَفَ عليها من "الكتاب" نفسِه وهو يخبرُنا خلالَ التراجم بوقوفه على شروح أندَلُسيّة ومَغْربيّةٍ أخرى للكتاب؟ ومن أطرف المخطوطات التي وقَفَ عليها وأنفَسِها: تلك التي كان جَلَبَها من المشرق الأميرُ المُرابِطيُّ مَيْمونُ بن ياسين، ومنها نُسخةٌ من "صحيح مسلم"، وهي نُسخة سَفَريّة "عِدّة ورقها مئةُ ورقة وثلاثٌ وسبعونَ ورقة، في كلِّ صَفْح منها خمسون سطرًا بخطِّ المتقِن البارع أبي عبد الله مالك بن يحيى بن أحمدَ بن وُهَيْب وباقتراح أبي عُمرَ المذكور نَسَخها كذلك عليه وقَصد بها تخفيفَ محمَلِها للرحلة والإغراب، وإنّها لمن أغربِ ما رأيتُ من نُسَخ صحيح مسلم وأشرفِها" (٢). تأمَّلْ هذه العبارة الأخيرة، فإنها تشعرُ بوقوفه على عدد من نُسَخ "صحيح مسلم"، وكان كما نعلم يحظَى بمكانةٍ خاصّة وأولويّة معروفة عند الأندلسيِّين والمغاربة قديمًا. وقد أشار ابنُ عبد الملك إلى هذا في بعض تراجمه، ويتابعُ ابنُ

стр. 157

عبد الملك حديثَه فيقول: "وابتاع أبو عُمر أيضًا هناك نُسخة أخرى مَشْرقيّةَ الخطّ من "صحيح مسلم" مجزّأة تسعةً وعشرين جزءًا تجمعها ستةُ مجلّدات، سمع فيها أيضًا على الطّبري، وقَفْتُ عليها" (١)، ثم ذكَرَ أنّ هذا الأميرَ ابتاع من أبي مكتوم عيشى بن أبي ذَرّ الهَرَويّ "أصلَ أبيه بخطّه من "صحيح البخاريّ" الذي سمع فيه على شيوخه بمال جسيم، وسمعه عليه في عدّة أشهر، وقد وقفتُ على أسفارٍ ثلاثة منه، وهو تجزئةُ سبعة أسفار" (٢). ويمكنُ موازنةُ "المخطوطات السَّفَريّة" التي تحدّث عنها في النصّ السابق بطبعات "كُتُب الجَيْب" المعروفة في عصرنا. ويبدو أنه وقَف على بعض المخطوطات التي كانت في الأصل من مكتبة الحَكَم المستنصِر، ومنها: "جوامعُ كتاب البارع" لمحمد بن الحُسَين الفِهرِيّ وَرّاق أبي عليّ القالي، قال في ترجمة المؤلّف المذكور: "وقفتُ على ذلك في الكتاب المذكور بخطّ كاتبِه للحَكَم محمد بن عليّ الأشعريّ المصريّ الوَرّاق" (٣). وكانت لديه أصُولٌ وتقاييدُ بخطوط كبار العلماء مثل أبي عليّ الغَسّاني قال: "وقد قرأتُ بخطّ أبي عليّ الغَسّاني على ظهر كتابي من "الإصلاح" بخط الغسّاني أيضًا ما نصُّه ... " (٤) والمقصود بالإصلاح "إصلاح المنطق" ليعقوبَ بن السّكّيت، وقال في موضع آخَر: "وقفتُ على بطاقة بخطّ أبي عليّ الغَسّاني أدرجها في ذكر "المِعَا" أثناء ما جاء من المقصور على "فِعَل" من كتاب أبي عليّ البغداديّ في "المقصور والممدود" بخطّ أبي شجاع، ونصُّها" (٥)، ومن المعروف أن الغَسّانيَّ، كما

стр. 158

يقول ابن بَشْكُوال: "صحَّح من الكُتُب ما لم يصحِّحْه غيرُه من الحُفّاظ، وكُتُبه حُجّة بالغة" (١). وكان فَرَحُ ابن عبد الملك بامتلاك أصُول المخطوطات كبيرًا، وابتهاجُه باقتنائها عظيمًا، وها هو يحدّثنا عن أصل أبي مروانَ الباجيّ من تأليف ابن الصّلاح في علوم الحديث المشهور فيقول: "وهذا الأصل الذي سَمع فيه قد صار إليّ والحمد لله، وفي خطّ ابن الصّلاح بتصحيح التسميع، وقد تضمّن إذْنَه في روايته عنه لكلِّ من حصَّل منه نُسخة، فانتسَخَ منه جماعة من جِلّة أهل العلم ونُبلائهم منهم: أبو الحَسَن الشارّي وأبو عَمْرو عثمانُ ابن الحاجّ وأبو القاسم أحمدُ بن نبيل وغيرهم، ونسخت منه نسخة لبعض الأصحاب لأمرٍ اقتضى ذلك لم يسَعْ خلافُه" (٢). ويبدو أنّ بعضَ الأصحاب المشارَ إليه هنا هو ابنُ رُشَيْد السَّبْتيّ. وكان بعضُ أصحابِه يعرِفونَ هَواه الكبير وحِرصَه الشّديد على هذه الأصول، فكانوا يُتحِفونَه بها، ومن هؤلاء قريبُ شيخِه الماقريِّ الذي أهداه كتابَ "تقييد ما يقعُ في التحريف" لأبي الوليد ابن الدَّبّاغ، وهو كما يقول: "أصلٌ صحيح أراه كُتِب في حياة المصنِّف وأقدمُ الآثار فيه كونُه لأبي عُمر بن عَيّاد ثم لأبي الخَطّاب بن واجب ثم لابن عمه أبي الحَسَن ثم وَهَبَه لأبي عبد الله المومنانيِّ ثم أتحفَني به الصاحبُ الأودّ في الله الأفضلُ أبو عبد الله بن عيسى الماقريُّ مُستوطنُ ثغر اَسَفي حماه الله، وكافأ فضلَه وشكَرَ إفادتَه، وقد نقَلَ من هذا الأصل أبو عبد الله ابنُ الأبّار وغيرُه، وقرأوه على أبي الخَطّابِ ابن واجب" (٣). وكان يتحسَّر ويسترجعُ حينَ يضيعُ منه كتابٌ أو تُفلتُ منه فُرصةُ الانتفاع به؛ قال في ترجمة أبي القاسم ابن فَرْقَد: "وقد ضمَّن أبو القاسم هذا ذكْرَ مشيختِه

стр. 159

في برنامَج احتَفلَ فيه وأفاد به وقَفْتُ عليه في خطِّه قديما ولم يتَأتَّ ليَ الانتفاعُ به؛ لذهابِه بإضاعة من لا يَقدُرُ قَدْرَه، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون" (١). ولعلّه كان يُضطرُّ في بعض الأحيان لسبب من الأسباب إلى التخلّي عن بعض كُتُبِه، قال في ترجمة أبي العبّاس الشارقيّ: "وله على الموطّإ تصنيفٌ سمّاه "الإيماء" ضاهَى به "أطرافَ الصحيحَيْن" لأبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عُبيد الدِّمشقي، وعرَضَه على شيخِه أبي عليّ الصَّدفيّ فاستحسَنَه وأمَرَ ببَسْطه فزاد فيه، وقفتُ عليه، وكان في كُتُبي ثم خرجتُ عنه". وكان يتتبّعُ حركةَ التأليف في عصره ويتسقَّطُ أنباءها، قال في ترجمته الحافلة لابن الرُّومية العَشّاب -وهي التي اعتمد في كتابتها على برنامَج المذكور: "وبلَغَني أنّ تلميذَه الأخصَّ به الناقدَ المحدِّثَ الأنبل أبا محمد بن قاسم الحَرّار تهَمَّمَ بجَمْع أخبارِه وعُني بحشد مآثرِه وآثارِه وضمّنها مجموعًا له نبيلًا لم أقفْ عليه" (٢). وكتاب "الذّيل والتكملة" يكشِفُ عن نَهَم علميّ كبير ومشاركةٍ واسعة في الاطّلاع لابن عبد الملك؛ قال في ترجمة عُمَر بن عديس: "وله في اللّغات والآداب مصنَّفاتٌ مفيدة بانَ فيها إدراكُه وحضورُ ذكْرِه واستقلالُه بما تعاطاهُ من ذلك، منها: "الباهرُ في المثلَّث مضافًا إليه المثنَّيات" وقَفتُ عليه بخطّه في ثلاث مجلّدات متوسِّطة إلى الكِبَر أقرب، و"شَرْح الفصيح" في مقدار "الباهر"، وقَفتُ عليه أيضًا بخطّه، و"الصّواب في شرح أدبِ الكُتّاب" في ثلاث مجلّدات ضخمة، وقفتُ عليه بخطّه، أجزَلَ بها الإفادة" (٣). ويقول في ترجمة أبي العبّاس التُّدمِيريّ: "سَكَنَ بِجَايةَ مدّة وألَّف فيها لمحمد بن عليّ بن حَمْدون وزير بني الناصِر الصُّنهاجيِّين كتابًا سمّاه: "نظمَ القُرطَيْن

стр. 160

وضمَّ أشعار السَّقطيْن: كامل الثمالي ونوادر القالي" وقفتَ عليه بخطه، وكان جيّدَ الخطّ، ومن تصانيفه: "التوطئة" في النّحو، و"شرحُ الفصيح" وقفتُ عليه، وشرَحَ أبياتَ "الجُمَل" بكتاب جَمّ الإفادة كثير الإمتاع، وسمّاه "شفاءَ الصُّدور" وفَرَغ من تأليفه سنةَ ثمانٍ وثلاثينَ وخمس مئة ثم اختَصَره في كتاب سمّاه "المختزَل"، وله كتابُ "الفرائد" وشَرَح شواهدَ "نُزهة القلوب" في غريب القرآن لأبي بكرٍ محمد بن عُزَيْر -بعين غُفْل مصغَّرًا آخرُه راء على اللفظ الواقع في سورة التوبة- وسماه: "تسديدَ قواصِد الميز في شَرْح شواهد ابن عَزيز" وهذا تفقيرٌ مُنبئٌ على أنّ عزيزًا بزايَيْن، وقد نبَّه على ذلك في صدر هذا الكتاب" (١). وقال في ترجمة أبي القاسم ابن الطَّيْلسان: "وصنَّف فيما كان ينتحلُه من العلوم مصنَّفات، منها: "الجواهرُ المُفصَّلات في تصنيف الأحاديث المسلسَلات" وقفتُ عليه بخطّه، ومنها: "التبيين عن مناقبِ مَن عُرف قبرُه بقُرطُبة من الصّحابة والتّابعينَ والعلماءِ والصّالحين"، في مجلّد متوسّط، وقال فيه ابنُ الأبّار: الصّالحين من الأندَلسيِّين، وليس كذلك، ومنها مختصَرُ هذا الكتاب في كُناش لطيف وقفتُ عليه بخطّه، ومنها: "زهَراتُ البساتين، ونفَحاتُ الريّاحين في غرائبِ أخبار المُسنِدين، ومناقبِ آثار المهتدين" ضمَّنه أسماءَ معظم شيوخه، وقفتُ عليه في مجلّد جيّد، ومنها: "اقتطافُ الأنوار واختطافُ الأزهار من بساتينِ العلماءِ الأبرار" وهو اختصارُ "زهَراتِ البساتين" المذكور، ومنها: "بيانُ المِنن على قارئ الكتابِ والسُّنن"، وقفتُ عليه في سِفر متوسِّط بخطِّه، ومنها: "ما ورَدَ من الأمر على شَرَبة الخمر"، إلى غير ذلك مما شهِدَ له بسَعة الرواية وتمكُّن الدّراية (٢). يتجَلّى من هذه الشواهد التي اقتضَبْتُها من الأسفار الموجودة من "الذّيل والتكملة" مدى شَغَفِ ابن عبد الملك بالكُتُب، وهو شغَفٌ كان يُلازمُه في

стр. 161

مقامه وسَفَره، فحينما زار الجزيرةَ الخَضْراء بالأندلس اهتمّ قبلَ كلِّ شيء بما يوجَدُ فيها من مكتباتٍ خاصّة ومنها مكتبةُ آل عظِيمةَ التي حدّثَنا عنها فقال: "وقد وقفتُ بالجزيرة الخَضْراء عند صاحبِنا الوَرع الفاضل أبي عَمْرو عَيّاش بن الطُّفيل هذا المترجَم به على جملة وافرة من كُتُب سَلَفِه ممّا تملّكوه أو كتَبوه أو ألّفه مؤلِّفوه" (١)، وظَلّ على هذا الحال حتى قُبيل وفاته، فقد ذكَرَ كتابًا في التاريخ لأبي عامر السالِميّ وقال: "وقفتُ عليه بخطّه وصار إليّ في سَفْرتي إلى تِلِمْسين بفاسَ في جمادى الأخرى سنة تسع وتسعينَ وست مئة". وهو يقفُ على مخطوطاتٍ أصليّة قديمة بخطوطِ مؤلِّفيها؛ يقول في ترجمة عيسى ابن أبي عبدةَ القُرطُبي: "وكان أديبًا تأريخيُّا حافظًا متمكِّن الإشراف على أخبار الناس قديمًا وحديثًا، وهو الذي صنَّفَ لأبي الحَزْم جَهْور بن محمد بن جَهْور الكتابَ الفريد في المكارم والجُود، وقفتُ على نسخةٍ منه بخطّه النّبيل، وفرَغَ من نَسْخها يوم المِهرَجان الكائن في ربيع الأول سنة ثمان وسبعينَ وثلاث مئة" (٢)، ومعنى هذا أنه وقَفَ على نُسخةٍ أمٍّ لها أربعةُ قرون. وقد يكونُ وقوفُه على مخطوط أو مخطوطات بقلم شخص في عَقْد ترجمة له لا نجدُها عندَ غيره، ومن ذلك: ترجمةُ أميرٍ أُمَويّ اسمُه محمد بن إبراهيمَ بن عبد الرّحمن بن إبراهيم بن هشام ابن الأمير عبد الرّحمن بن الحَكَم الرَّبَضي ابن هشام بن عبد الرّحمن بن معاويةَ بن هشام بن عبد الملك بن مروان، فقد وَصَفَه بجَوْدة الخطّ وقال: "وقد كتَبَ بخطّه الكثير وأتقَنَه وتعيَّش بالوِراقة دهرًا، وكان حيًّا سنة خمس وعشرينَ وأربع مئة، وقفتُ على نُسختَيْن بخطّه من "مصنّف ابن وكيع في سَرقاتِ المتنبّي" وعلى غيرها" (٣). فالمعلوماتُ القليلة التي أورَدَها

стр. 162

في ترجمةِ هذا الأمير -الذي عاش في خُمول وعُزلة بعدَ ما جَرى لبني أميّة في الأندلس- مستمدّةٌ فيما يبدو ممّا جاء في آخر المخطوطة المذكورة" وترجمة عليّ بن غالب بن محمد بن حَزمون، فهي كالترجمة السابقة، لا توجَدُ عند غيره، وقد استفادَها من مخطوط بقلم المذكور قال: "وقَفْتُ على نُسخة من "سُبُل الخير" بخطّه كتبَها بمكّة شرَّفها الله وفَرَغ منها يومَ السبت غُرّةَ جُمادى الآخِرة سنةَ ثمانينَ وخمس مئة، وكان نبيلَ الخطّ ضابطًا متقنًا" (١). وكذلك ترجمةُ طبيبٍ مَشْرقيّ دخَلَ الأندَلس اسمُه عليّ ابنُ المَقْدِسيّ، فلم يزِدْ فيها على قولِه: "كان من أهل الطبّ والمعرفة بأسبابِه، وله انتَسَخ بالمَرِية إبراهيمُ بن عتيق بن ديسور طبقاتِ الحُكماءِ والفلاسفة والأطباء جمْعَ سليمان بن جُلجُل سنةَ سبع وتسعينَ وأربع مئة" (٢)، فهذه الترجمةُ، كما هو واضح، مستفادةٌ ممّا جاء في آخر النُّسخة المذكورة، وثمة تراجمُ أخرى من هذا القَبيل في "الذّيل والتكملة" (٣). ولم يكنْ حرصُه في الوقوف على الوثائق المخطوطة بأقلَّ من حرصِه على الكُتُب المخطوطة، وما أكثرَ الرسائلَ والظهائر التي وقَفَ عليها في نصُوصها الأصليّة وبخطوطِ أصحابِها! ومما يدُلّ على ذلك: ما ذكَرَه في ترجمة أبي بكر ابن العرَبيّ -من قَرابة القاضي أبي بكر ابن العَرَبي- من أنه لقِي بمِصرَ أبا الحُسَين ابنَ الخليليّ "وعندَه عايَنَ التوقيعَ الكريم النبَويّ الذي أقطَعَ به النبيُّ ﷺ تميمًا الدّاريَّ وإخوتَه حَبْرونَ والمرطومَ وبيت عينون وبيتَ إبراهيمَ وما فيهنّ، وكان بخطّ عليّ بن أبي طالب ﵁ وشهادتِه وشهادةِ الخلفاءِ الثلاثة قبلَه وهم فيه على ترتيبِهم في الخلافة، أوّلُهم: عَتِيق بن بُو -كذا- قُحافة وآخِرُهم عليُّ بن بُو -كذا-

стр. 163

طالب، وقد وقفتُ على نُسخة هذا التوقيع الكريم بخطّ أبي بكرٍ ابن العَرَبيّ، وقد حاكَى فيه خطوطَهم ووضْعَ المكتوب وعدّةَ أسطاره وأوائلَها وأواخرَها" (١). وهو يصحِّح بعضَ الأسماء ويعاني ضبطَها اعتمادًا على بعض الأصول الجيّدة التي كانت في حَوْزته، كما في ترجمة أبي عثمان الحِجَاريّ، فقد خالَفَ ابنَ الأبّار ومالَ إلى تأييد ابن بَشْكُوال في ضبطِ اسم الرجُل بناءً على ما في نُسخته من برنامَج الصاحبَيْن: ابن بَشْكُوال وابن مَيْمون: "قال المصنف عفا الله عنه: قد وقفتُ عليه في نُسخة جيّدة من برنامَج الصاحبَيْن المشترَك بينَهما كما ذَكَرَ ابنُ بَشْكُوال، وسَعِيدٌ فيه: بياءٍ بيّنة، والعينُ مكسورةٌ مجودةُ الضّبط، وهذه النُسخة صحيحة، كانت لأبي الحَسَن ابن مؤمن، وعانَى خدمتَها وأتقَنَ تصحيحَها، وكتَبَ محاذيًا لهذه الترجمة في الحاشية: سعيد هكذا، جَرْيًا على عمله في جميع المذكورينَ في هذا البرنامَج، وصار بعده لأبي عبد الله الرُّندي المُسَلْهم. وعلى الجُملة، فهي نُسخة صحيحة وقد كتَبَ ناسخُها في آخرها: قُوبلَ جميعُه بالأصل فصَحّ، وما ذكَرَه ابنُ الأبّار من وقوفه عليه في خطّ ابن مَيْمون لم يُبيِّنْ فيه أنه مضبوطٌ بإسكان العين فتقوَى الثقةُ به، وإن كان قد قال: لا إشكالَ فيه، فقد كان في خط ابن مَيْمون ﵀ إدماجٌ ومَشْقٌ للحُروف، فالرجوعُ إلى ما عندَ ابن بَشْكُوال وما في هذه النُسخة التي ذكرتُ آنفًا أوْلى، واللهُ أعلم" (٢). وجاء في ترجمة المُنَيذِر الصّحابيِّ في السفر الثامن: "قال المصنف عَفَا الله عنه: كلُّ مَن ذكَرَ هذا الرجُلَ فيما وَقفتُ عليه فإنما سمّاه المُنَيذِر على لفظ تصغير المُنذر، وقال فيه: الإفريقيُّ، أو: سَكن إفريقيّة، ووقَعَ في نُسختي من "الحروف" لأبي عليّ سَعِيد بن عثمان بن سعيد ابن السَّكَن بخطّ القاضي الراوية العَدْل

стр. 164

الضابط أبي عبد الله محمد بن أحمدَ بن يحيى بن مُفرِّج القُرطُبيّ ما نصه: ذكْرُ المُبتذِر اليمانيّ، على لفظِ اسم الفاعل منَ ابتَذَر ... " (١). كما اعتمَد على معرفته بالخطوط للتمييز بين المترجَمينَ الذين تتشابه أسماؤهم وتتماثل شيوخهم وسماعاتهم أحيانًا؛ قال في ترجمة علي بن إدريس الزناتي: "قال المصنِّف عَفَا اللهُ عنه: سيأتي لي ذكْرُ عليّ بن محمد بن عليّ بن إدريسَ بسماعِه من لفظ أبي محمد "تلقين الوليد" من تصنيفه وسَماع المَلّاحي وغيره عليه إيّاه، وأظُنُّه هذا الذي ذكَرَه ابنُ الأبّار لولا وصفُه بجَوْدة الخطّ والذي وعَدْنا بذكرِه ضعيفُ الخطّ، إلا أن يكونَ اختلافُ الخط بين الضَّعف والجَوْدة في حالي البدأة والانتهاء؛ ولولا أنّ المذكورَ عند ابن الأبّار زَناتيّ والذي سأذكُرهُ إن شاء اللهُ عَبْدَري، اللهمّ إلا أن يكونَ عَبْدريًّا بالولاء، ويكونَ المذكورُ عند ابن الأبّار قد نُسِب إلى جَدِّ أبيه، واللهُ أعلم" (٢). وهو يَروي لنا في بعض التراجم معلوماتٍ طريفةً تصوِّرُ حركةَ النَّسخ وتمثِّلُ ما عُرف به الأندلسيّونَ من دَأْب وصبر ومثابرة على انتساخ الكُتُب الجديدة في المشرق وجَلْبها إلى الأندلس، ومن أقوى الأمثلة دلالةً على ذلك: قصّةُ الرفيقَيْن أحمدَ ابن رأس غَنَمة ومحمد بن أحمدَ الكِنَانيّ وهما إشبيليّانِ رَحَلا إلى المشرق وأدَّيا فريضةَ الحجّ ولقِيَا الشّيوخ "وقَفَلا إلى الأندلس واستَصْحبَا فوائدَ جمّة وغرائبَ كُتُب لا عهدَ لأهل الأندلس بها، انتسخاها هناك، وتوافَقا على أن يَنسَخَ ويُقابل أحدُهما غيرَ ما ينسَخُه رفيقُه أو يُقابلُه، استعجالًا لتحصيل الفائدة، حتى إذا ألقيا عصا التّسيار بمقرِّهما إشبيلِيَة انتسَخ كلُّ واحد منهما من قِبَل صاحبِه ما فاته نَسْخُه بتلك البلاد، فكان ممّا جَلَباه: "الكشّافُ عن حقائق التنزيل" صنْعةَ جار الله العلامة الأوحد أبي القاسم محمود بن عُمر بن محمد

стр. 165

الخُوارِزميِّ الزمخشَريّ، وكان ممّا توَلَّى نسْخَه أبو العبّاس هذا (يعني أحمدَ المعروفَ بابن رأس غَنَمة) من الأصل المحبّس بمدرسة القاضي الفاضل أبي عليّ عبد الرّحيم بن عليّ بن الحَسَن بن الحَسَن بن أحمد البَيْسانيّ ﵀، وهو مسموع على مصنِّفه؛ و"مقاماتُ الزمخشَريّ الخمسون"، و"شرحُ السُّنة" تأليفَ الإمام أبي محمد الحُسَين بن مسعود البَغَوي ﵀، و"تاجُ اللُّغة وصحاحِ العربيّة" تصنيفَ أبي نَصْر إسماعيلَ بن حمّاد الفارابيّ نزيل نَيْسابور المعروفِ بالجَوْهريّ ﵀، وهو مما قابلَه أبو العبّاس هذا، وكانت النُّسخةُ التي جَلَباها من هذا الكتاب في ثمانية أسفار بخطّ مشرقيّ، و"إكمالُ الأفعال" تأليفَ أبي بكر محمد بن عُمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى الداخِل إلى الأندلس ابن مُزاحِم مَوْلى عُمرَ بن عبد العزيز المعروف بابن القُوطيّة تكميلَ الشّيخ أبي القاسم عليّ بن جعفرٍ السَّعْديّ ابن القَطّاع الآتي ذكْرُه في الغُرباء من هذا الكتاب إن شاء الله، إلى غير ذلك من التصانيف، وكان أبو العبّاس نبيلَ الخطّ نقيَّ الوِراقة حسَنَ الطريقة، كتَبَ بخطّه الكثيرَ من دواوين العلم عمومًا ومن هذه المسَمّاة خصوصًا باقتراح رؤساءِ عصرِه من الأمراء والقضاة واغتنامهم ما يكونُ بخطّه عندَهم وإجزالهم له المَثُوبة" (١). ونفهمُ من العبارات الأخيرة في هذه الفقرة أنّ هُواةَ الكُتُب كانوا يتَهافتونَ على النُّسخ الخطّية الجيِّدة المحرَّرة، ويتنافسونَ في اقتنائها ويُغالونَ في أثمانها، وكان الأمر عندهم في ذلك أشبَه بما هو معروف اليوم في الطّبعات النقدية أو النادرة أو الخاصّة المرقَّمة. وابنُ عبد الملك يُعنى كثيرًا بالإشارة إلى هذا الموضوع خلال بعض التراجم، فمن ذلك: قولُه في ترجمة ابن خَيْر الفاسيّ مؤلّف الفِهرسةِ المعروفة: "وكانت كُتُبه وأصُولُه في غاية الصّحة ونهاية الإتقان؛ لتهمُّمه بمقابلتها وعكوفه

стр. 166

على تصحيحها، مؤيَّدًا على ذلك بحُسن الخطّ وإتقانِ التقييد والضّبط اللذين برَّز فيهما على متقدِّمي الأكابر من مشاهير أهلها، دأَبَ على ذلك دهرَه وأنفَذَ فيه عُمرَه وكتَبَ بخطّه الكثير، ومُتِّع بصحّة بصَره، فقد وقفتُ في بعض ما كتَبَ -وهو قد جاوَزَ السّبعين من عُمره بسنتين أو نحوهما- على ما يقضي منه العَجَب دقّةَ خطّ وإدماجَ حروف معَ البيان، فكان في ذلك وحيدًا، وأثمَرَ المغالاةَ فيها بعدَ وفاته حتى تجووزت في أثمانها الغايةُ التي لا عهدَ بها وتمادت رغبةُ الناس في اقتناء ما يوجدُ بخطّه أو بتصحيحه ومنافستُهم فيه إلى الآن" (١). ومن ذلك أيضًا: ما يقوله في ترجمة أبي عبد الله الشَّوّاش: "واختَصَّ وقتَه وبعدَه ببراعة الخطّ، فكان أنيقَ الوِراقة رائقَها، وتوارَثَ الناسُ التنافسَ فيما كتَب إلى اليوم، وكم حامَ كثيرٌ من الوَرّاقينَ على سلوكِ طريقتِه فلم يُدركوها" (٢). ووَصَفَ أبا العبّاس القبسيَّ بأنه كان "أنيقَ الوِراقة بديعَها معروفًا بالإتقانِ والضّبط يُتنافسُ فيما يوجدُ بخطّه من دواوين العلم" (٣). وممّن ذكَرَهم بحُسن الخطّ وإتقانِ الضّبط وسُرعة الكَتْب: سرحانُ بن محمد الأنصاريّ، قال: "كان حَسَن الخطّ متقِنَ الضّبط، وكتَبَ بخطّه الكثير، وعُني بتفريق الكلم فيما كان يَكتُب"، وأبو الطيّب بن بَرُنْجال الذي "كان من أهل العناية بالتقييد والرواية حَسَنَ الخطّ، كتَبَ علمًا كثيرًا"، وطاهرُ بن عليّ الشُّقْريّ الذي "كتَب بخطّه الكثيرَ في كلِّ فن، وشُهر بسُرعة الكَتْب"، وأبو جعفرٍ ابنُ صاحب الصّلاة، وَصَفَه بجَوْدة الخطّ وجمال الوِراقة، ثم قال: "وكتَبَ بخطّه علمًا كثيرًا، وله اختصارٌ نبيل في الغوامِض المبهَمات، وقفتُ عليه بخطّه الرائق وصار لي".

стр. 167

كان ابنُ عبد الملك بصيرًا بالخطوط عارفًا بأنواعها مميّزًا لأصحابها واصفًا لها، وممّا يدُلّنا على ذلك ما ذكَرْناه في ترجمة محمد بن عبد الملك الطائيِّ المُرْسيّ، قال: "اقتَضَبَ ذكْرَه ابنُ الأبّار ووَصَفَه فقال فيه: بارعُ الخطّ أنيقُ الوراقة. ولم يكن عندي كذلك؛ فإنّ خطَّه كان ضعيفًا جدًّا أبترَ الحروف مقطوفَها أقربَ إلى الرداءة منه إلى الجَوْدة، إلّا أنه كان نقيَّ الجُملة حسَبَ الترتيب دالّا على إدمان النَّسخ، وقفتُ على كثيرٍ منه تعليقًا ووِراقة عُني بها، فلم يَعْدُ ما وصفتُه به، واللهُ أعلم" (١). وممّا يتصل بمعرفته بالخطّ وأحكامِه ما عقَّب به على هذا البيت من قصيدة لصالح بن شريفٍ الرُّندي: والثُّريا تَمُدُّ كفًّا خضيبًا ... أعجَمت بالسِّماكِ نونَ الهلالِ وها هو تعقيبه: "وقوله: "أعجَمت بالسِّماك نونَ الهلالِ" غلطٌ جرى عليه جُمهورُ الكُتّاب، لأن النونَ المتطرِّفة لا وجهَ لنَقْطها؛ إذ هي متميِّزة بصُورتها، وإنّما تُنقَطُ مبتدَأً بها ومتوسِّطة، وحالُها في ذلك حالُ الفاءِ والقاف والياءِ المسفولة، فإنهنّ إذا ما تطرَّفْن تميَّزْنَ بصُوَرهنّ فاستُغني عن نَقْطهن؛ إذِ الداعي إلى النقط خوفُ الإلباس، فإذْا ارتفع الإلباس كان الإعجامُ عبثًا وكُلفة لا جدوى فيها، والهلالُ إنّما يُشبَّه بالنون المتطرِّفة كما يُشبَّه بالرّاءِ أولَ ليلة، واللهُ أعلم" (٢). ونجدُ لديه إشاراتٍ مُفيدةً عن أنواع الخطوط وطرائقِها ومَناحيها، فهو يقولُ في ترجمة أبي عبد الله ابن المُناصِف: إنه كان "بارعَ الخطّ في كلٍّ طريقة، ذكَرَ لي شيخُنا أبو محمد ابنُ القَطّان أنه كان يَكتُب ثلاثَ عشْرةَ طريقةً هو فيها كلِّها مُجيد. قال المصنِّف عفا الله عنه: قد رأيتُ منها أربعَ طرائق، وهي كما وصَف

стр. 168

شيخُنا أبو محمد، وكتَبَ الكثير" (١). ثم ذكَرَ أنه وقف على كتابه "الإنجاد في الجهاد"، و"الدُّرة السَّنية" بخطّه المشرِقيّ، كما وقَفَ على "المذهّبة" و "المُعقِّبة" له بخطّه المغربيّ، وطرَّز حواشيَهما بخطه المشرِقيّ. ويقولُ في ترجمة أخيه أبي عِمران ابن المُناصِف: "وكان من أبرع الناس خطًّا في الطريقة المغربيّة ... " (٢)، ويصف أبا موسى الجَزُوليَّ النَّحوي بأنه "حسَنُ الخطّ المشرقيّ" (٣). وذكر في ترجمة أبي الحَسَن القَلَنّي أنه كان "حسَنَ الخطّ في الطريقتَيْن: الشّرقية والغربية". ونعرفُ منه أن الخطَّ الأندَلُسي لم يكنْ موحَّدًا، وإنّما كانت فيه طرائق؛ قال في ترجمة محمد بن إبراهيم الوَشْقيّ: "وكتَبَ بخطّه الكثير، وكان نبيلَ الخطّ في طريقة أهل شرْق الأندلس" (٤)، وفي ترجمة الطبيب ابن غَلَنْدو أنه كان "يكتُب خطَّين أندَلُسيَّيْن" (٥). كما أنه يحدِّثنا عمّا يمكنُ أن نُطلق عليه مدارسَ في الخطّ الأندلسي، كمدرسة ابن أبي الخِصَال ومدرسة ابن خَيْر، يذكُر في ترجمة أحمد بن هُذَيْل أنه كان "حسَنَ الخطّ نَحا فيه مَنْحى شيخِه أبي عبد الله ابن أبي الخِصَال فقاربه" (٦). ويقولُ في ترجمة ابن المَواعيني: "وكان حَسَنَ الخَطّ رائقَه سَلَكَ به في ابتدائه طريقةَ المتقن أبي بكر ابن خَيْر، ثم نزَعَ عنها إلى آنقَ منها وأبرع" (٧)، وقد أورَدْنا فيما سبَق وَصْفَ المؤلّف لمسلك ابن خَيْر أو مدرسته في الخطّ، أمّا ابنُ

стр. 169

أبي الخِصَال فلعلّ المؤلّفَ تحدّث عن مَنْحاه أو مدرسته في الخطّ في السِّفر الثاني، وهو مفقود، وقد أشار إلى خطّاطٍ آخَر كان مثلًا يُحتذى وهو: أبو يحيى ابنُ هشام القُرطُبيّ، قال في ترجمة ولده محمد: "وكان ... جيّد الخطّ حاذيًا فيه حَذْوَ أبيه" (١)، ولعلّه تحدّث عن طريقتِه في السِّفر الثاني المفقود. وممّا يتّصلُ بالموضوع إشاراتُه الطريفة إلى هِمَم بعض الأعلام وطاقاتهم في النَّسخ والوِراقة، فمنهم من كان يواظبُ على النَّسخ ولا يترُكُه إلا لضرورة مثل أبي القاسم ابن فَرْقَد الذي كان "رائقَ الوِراقة، كثيرَ الدُّؤوب على النّسخ ليلًا ونهارًا، حتى إنه كان إذ دُعي إلى موضع لعقد وثيقة أو شهادة فيها استَصحَب ما يَنْسَخ، فإن أمكنَتْ مُهلةٌ رَيْثما يتِمُّ أمرُ ما توجَّه إليه شَرَع في نَسْخه؛ فلذلك خَلّف بخطِّه من دواوين العلم كبارًا وصغارًا ما لا يُحصى، وقد وقفتُ على كثير منها" (٢). ومنهم من كان يوظِّفُ على نفسِه قدرًا معيّنًا كلَّ يوم مثل: الكاتب أبي بكر ابن البنّاء الذي يقول عنه المؤلّف: "وكان حَسنَ الخطّ أنيقَ الطريقة في الوِراقة متقن التقييد، رتَّب على نفسه وظيفةً من النَّسخ في كلّ يوم لم يكنْ يترُكُها على حال إلّا أن يعُوقَه عن الوفاء بها عائقُ مَرَض أو سَفَر سوى ما يُعلِّقُه من الفوائد ويقيِّدُه من الغرائبِ المنتقاة سائرَ أيامه، فقد كان كثيرَ الولوع بذلك شديدَ الرغبة في الاستكثار منه حتى إنه ليقالُ: إنه أخرَج معه بخروجه من إشبيلِيَة نحو خمس مئة مجلّد بخطّه، وقد وقفتُ على ستينَ منها أو أزيَدَ". وقد عَرَفَ ابنُ عبد الملك أديبًا نَسّاخًا من هذا الطّراز هو: يوسُفُ ابن الجَنّان السَّلَوي ووصَفَه فقال: "كان أكثرَ الناس كَتْبًا وأدومَه، أخبَرني أنه نَسَخَ "التقريبَ" لابن حَرْب في القراءات في يوم واحد، وأنه دأبَ صدْرَ عمُره على

стр. 170

نسخ عشرينَ ورقةً من الورق الكبير وسُطورُ كلِّ صفح منها سبعةٌ وعشرون سطرًا في كلّ يوم ... ورأيتُ له من ذلك ما يُقضى منه العجب، وكان أبدًا يَكتُب عن الولاة ويقعُد في دُكّانه لعَقْد الشّروط وَيكتُب أزِمّةَ المَجابي السُّلطانية، وهو معَ هذا كلِّه لا يفتُر عن النَّسخ فقلَّ كتابٌ مستعمَلٌ مشهور إلا نَسَخَه، ولقد رأيتُ له ممّا نسَخ معَ اشتغاله بما ذكرتُه أزَيدَ من مئة مجلّد في مدة ليست بالمديدة" (١). ومنهم من تخصص في نَسْخ المصاحف، كعائلة ابن غَطّوس؛ قال في ترجمة أبي عبد الله ابن غَطّوس البَلَنْسيّ: "وكان منقطعًا إلى كتابة المصاحف متقدمًا في براعة خطها إمامًا في جَوْدة ضبطها، على غَفْلة كانت فيه، وممّا شاع أنه نَسَخَ من كتاب الله ألفَ نسخة، وأنّ ذلك عن قَسَم أنْ لا يخُطَّ حرفًا من غيره تقرُّبًا إلى الله وتنزيهًا لتنزيله أن يخلِطَه بسواه، فسُعِد بالإعانة على بِرِّ هذا القَسَم ودأب على هذا العمل المبرور عمُرَه، وتنافس الناسُ على طبقاتهم، الملوكُ فمَن دونَهم، فيما يوجدُ من خطّه، وخَلَف في ذلك أباه وأخاه، وكانوا كلُّهم آيةً من آيات الله في إتقان هذه الصَّنعة المباركة" (٢)، وتوجدُ بعضُ هذه المصاحف في بعض المكتبات. ومن الناسخينَ الذين تخصَّصوا في نَسْخ المصحف -فيما ذكَرَ-: سعيدُ بن مغرال الذي "كان يُجيدُ كَتْب المصاحف" (٣)، وسليمانُ بن إبراهيمَ الذي "كان يَكتُب المصاحفَ ويُجيدُها" (٤). وتُعتبر المعلوماتُ التي انفرد بها ابنُ عبد الملك في هذا الباب مكمِّلة لِما ورَدَ في مصادرَ أخرى حول حركة النّسخ والوِراقة في الأندلس والمغرب.

стр. 171

ومنهم من كان مقتصرًا في نَسْخه على المؤلَّفات الصّغيرة الحَجْم، مثل: أبي عَمْرو ابن سالم المالَقيّ، جاء في ترجمته: "كتَبَ الكثيرَ وجمَعَ، وكان مولَعًا بانتساخ الكُتُب الصّغار والكراريس، وقفتُ على كثير منها بخطّه في فنونٍ من العلم" (١). ومنهم من كان معنيًّا بنَسْخ كُتُب "التعاليم" كالفلسفة والطبّ والرياضيّات، وقد ذكَرَ من هؤلاء محمدَ بن مرطير الذي كان فيما يقولُ "من أبرع أهل عصره خطًّا وأتقنهم لِما يتولّاه من انتساخ الكُتُب التعاليميّة وإحكام تشكيلها، لا يتقدّمُه في إتقان ذلك أحدٌ، معَ الصّحة الموثوق بها في ذلك الشأن حتى صارت كتبه حُجّةً عند أرباب ذلك الفنّ يرجِعونَ إليها ويعوِّلون عليها" (٢)، وكذلك ابنُ قوشتره الذي كان "ماهرًا في التعاليم، وكتبه التي يتولّى منها انتساخَها بيده من أجلِّ ما يعتمدُه أهلُ ذلك الفنّ على إفراطِ رداءة خطّه" (٣). أمّا وَصْفُ الخطوط وأصحابِها فلا تكاد تخلو منه ترجمةٌ من تراجم الكتاب؛ إذ كان الخَطّ حِلية من حُليّ أهل العلم وأداةً من أدواتهم، ولابن عبد الملك -كما لغيره- عباراتٌ وصيَغ في وَصْف خطوط المترجَمين عنده، ومن هذه العبارات والصيغ التي تتكرَّرُ عندَه: "وكان أنيقَ الوِراقة بديعَها- وكان بارعَ الخطّ رائقَ الوِراقة -وكان نبيلَ الخطّ- وكان جيّد الخطّ- وكتَب بخطّه الكثيرَ وأتقَنَه- وكتَب بخطّه على ضعفِه -وكتَب بخطّه كثيرًا وجوَّده على شدّة إدماجِه- رديءُ الخطّ- كتَب بخطّه الرديء"، وقد تطولُ هذه الفِقرة لو استقصيْتُ جميعَ الإشارات الواردة في الأسفار الموجودة من "الذّيل والتكملة"، وهي في عمومها تقدِّم مادّة طيّبة لمن يريدُ أن يتوسّعَ في هذا الموضوع. * * *

стр. 172

وبعدُ، فهذه ترجمةٌ موثقة لابن عبد الملك اعتمدتُ في معظمها على كلامه، وجمعتُ موادَّها المتفرِّقةَ خلال التراجم في الأسفار الموجودة من كتابه "الذّيل والتكملة"، وقد رتَّبت هذه الموادَّ التي استخرجتُها من الكتاب وربَطتُ بين أجزائها فأتت الترجمةُ قريبة من التراجم الذاتيّة، ولم أتوسَّعْ في تحليل كلام ابن عبد الملك؛ إذ لو فعلتُ لتضاعَفَ حجمُ الترجمة، ولا شكّ أنها ستزدادُ غِنًى وسَعة وتفصيلًا عندما تظهرُ الأسفارُ المفقودةُ من الكتاب؛ إذ لا بدَّ أنّ المؤلّفَ تحدث فيها عن نفسِه بما يَكشِفُ جوانبَ أخرى من شخصيّتِه وحياتِه.

стр. 173

منهج ابن عبد الملك وموارده في كتابه (١) أجمل المؤلف غايته من كتابه هذا بقوله: "أما بعد فإني قصدتُ في هذا الكتاب إلى تذييل "صلة" الراوية أبي القاسم ابن بَشْكُوال تاريخَ الحافظ أبي الوليد ابن الفرضي -رحمهما الله- في علماء الأندلس والطارئين عليها من غيرهم، بِذِكْر مَن أتى بعده منهم، وتكميلها بمن كانَ حقُّه أن يَذكراه فأغفَلاه". فكتابُه إذن تتمةٌ لمن جاءَ بعد ابنِ بشكُوال من أئمةٍ واستدراكٌ لما فاتَهُ وفاتَ ابنَ الفرضي. وقد كان أمامَه أحدُ طريقَيْن: أنْ يتَّبع ترتيبَ الحروف حسبما يوردها المشارقةُ، كما فعل ابنُ الفرضي وابن بَشْكُوال، أو يتَّبعَ الترتيبَ المغربي كما فعل ابنُ الأبّار وابنُ فَرْتون وابنُ الزُّبير، ذلك أنَّ نسق الحروف عند الفريقين يتَّفق حتى حرفِ الزاي ثم يجيء عند أهل المَغْرب والأندلس على النحو التالي: ط - ظ - ك - ل - م - ن - ص - ض -ع - غ - ف - ق - س - ش - هـ - و - ي، وقد آثر أن يتَّبع الترتيبَ المشرقي؛ لصحَّة اعتباره، إلا أنه بدأ في حرفِ الهمزة بمن اسمُه "أحمد"، وفي حرف الميم بمن اسمه "محمد"؛ تبرُّكًا بموافقة اسمَي النبيِّ ﷺ ، وقدَّم في باب العَيْن مَن اسمه عبدُ الله وعبد الرّحمن ووسَّط بينهما مَن اسمُه عُبيد الله؛ لشَرَفِ الإضافة، وأتى بمن اسمُه عبدُ الرّحيم بعدَ مَن اسمُه عبد الرّحمن؛ لتلازمهما في "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ثم أمعنَ في تحكيم الترتيب الهجائيِّ في ثَواني الأسماء، فجاء آدم -لأنه يبدأ بهمزتَيْن- ثم أبان وإبراهيم وأبو بكر وأبو العافية (دون اعتبارٍ لأداة التعريف)، وهنا ذَكَرَ الكُنى التي هي أسماء. فلمّا فرغ من الأسماء التي ثانيها باءٌ لم يجدْ أسماءً بعدها إلا التي ثانيها خاء، مثل: أخْطَل وأخْيَل، ثم أتْبَعها بما ثنيهِ دال مثل: إدريس، وزايٌ مثل: أَزْهر، وسين

стр. 174

مثل: أُسامة وأَسْباط وإسحاق وأسد (مُراعيًا الحرفَ الثالث أيضًا) حتى انتهى من حرفِ الهمزة، فانتقل إلى ما أوَّله باء ثم تاء وهلمَّ جرًّا. فإذا اتفق اثنانِ في اسمَيْهما واسمِ الأب فالكُنية هي التي ترجِّح تقديمَ أحدِهما على الآخر؛ قال: "وقدَّمتُ في كلِّ ترجمة الأطولَ فالأطول نَسَبًا منتهيًا إلى أقصرهم، بل حتى يكونَ آخرَ المذكورين فيها مَن لم يُذكر إلا باسمه، ومتى توافق اسمانِ فصاعدًا في نَسَب أو غيره التمستُ لتقديم أحدِ المذكورَين أو المذكورِين وجهًا يقتضي تقديمَه على غيره إمّا من نَسَبٍ إلى القبيلة أو البلد أو لَقَب يُعرف به أو لغير ذلك، وإن كان بعضُهم منسوبًا إلى القبيلة قدَّمتُه على المنسوب إلى البلد، وقدَّمتُ المنسوبَ إلى البلد على المنسوب إلى حِرْفة ... وأُقدِّم المكنيَّ على غير المَكْني". ويصرِّح ابنُ عبد الملك بأنه إنما اختار هذا المنهجَ في التأليف لِما وجده أمامَه من عيوب في طُرق مؤلِّفِي كُتب الطبقات والتراجم مِن قَبْله؛ فقد دَرَجَ ابنُ الفرضي وابن بَشْكُوال وابن الأبّار وابن الزُّبير قَبْله على تقديم الأسبقِ في الوجود فالأسبقِ مُعتمدِين على سنوات الوفاة، (أمّا أبو العبّاس بن فَرْتُون فلم يَعتمد في كتابه تطبيقًا، وأتى بالأسماء كيفما اتفقَ له)، وهذا أوقعهم في اضطراب كثير؛ لأنَّ سنة الوفاة كثيرًا ما تكونُ مجهولة: "ولذلك نجدُهم يَذكرون الرَّجل بين الرجلَيْن وهو أقدمُ موتًا من المذكور مُجاوِرًا له أو متقدِّمًا عليه برَجُل أو رجلَيْن فصاعدًا، أو تتأخَّر وفاته عنه على تلك النِّسبة"، هذا ابنُ بَشْكُوال وضع ترجمةَ محمدِ بن سَعْدون بن مرجى بين محمد بن الفَرَج بن إبراهيم (ت ٤٩٤ هـ) ومحمدِ بن فرج مولى ابن الطلّاع (ت ٤٧٧ هـ)، مع أنّ ابنَ عبد الملك وجد بعدَ البحثِ أنّ محمدَ بن سَعْدُون توفي سنة ٥٢٤ هـ، وكان ابنُ بَشْكُوال يجهلُ ذلك. ويُخطئ ابنُ الأبّار مِثْلَ هذا الخطإ حين يَعتبر زمنَ رواية الراوي عن شيوخه مع وفاةِ مَن قبله ومن بعده، فيوسِّطه بينهما؛ فمن روى سنة ٥٢٠ وقع بين مَن توفي سنة ٥١٩ ومَن توفي سنة ٥٢١، ولعلَّ الراويَ سنة عشرين كان طِفلًا صغيرًا

стр. 175

أو ابنَ خمس عشرة سنةً أو عشرين ثم يُعمَّر بعدُ ما شاء الله. إذن فإنَّ اختيارَ سنة الوفاة للترتيب أمرٌ غير بارئ من الخطإ. وإذا شاء أحدٌ أن يبحثَ عن ترجمةٍ فعليه -على حسب ترتيبهم هذا- أنْ يفتِّش جميعَ التراجم الذين اشترَكوا معه في الاسم ويتتبَّعَها ترجمةً ترجمة وحرفًا حرفًا. ثم إنَّ هؤلاءِ المؤلِّفين قد قدَّموا الأندلسيِّين وجاءوا بعدَهم في كلِّ بابٍ بأسماءِ الغُرباء، وجعلوا الأسماءَ في كلِّ باب على حسب الأكثر فالأكثر، وأفردوا للمفاريدِ من كلِّ حرف أبجدي بابًا على حِدَة. ولكنهم في تمييزهم للغُرباء خَرَجوا من عُرْف المُحدِّثين، فالذي يَنتقلُ من بلدٍ إلى آخَر يُنسَب إلى البلد الذي صار مُستقَرًّا له، كما إنَّ بعض الحروف لا يَرِدُ فيها غرباء؛ ولذا وَجَدَ من الأسلم أن يؤخِّر الغرباءَ إلى آخر الكتاب وُيفرِدَهم بالذكر بعد الانتهاء من ذِكْر الأندلسيِّين؛ ليكونَ ذلك أوضحَ لتمييزهم حتى لو شاء أحدٌ أن يَدرُسَ طبيعةَ المهاجرين إلى الأندلس وجدهم مجموعِين في نِطاقٍ على حِدَة. وإذا كان منهجُ أولئك المؤلِّفين بعامّة تَعْتوره أخطاءٌ فإنَّ ابن الأبّار بخاصّة أشدُّهم تورُّطًا في الخطإ: (١) لأنه عدَّ في الأندلسيِّين جماعةً من الناقلة إليها؛ إفراطًا في تعصُّبه للأندلس، ومن ذلك: قولُه في ترجمة أبي عبد الله بن عيسى ابن المُناصِف بعد أن ذَكَره في الأندلسيِّين: "مولدُه بتونسَ، وقيل: بالمهديَّة، وهو أصحُّ، وذِكْره في الغُرباء لا يَصلح؛ ضنانةً بعِلْمه على العُدْوة، وهذا شيء لا يليقُ بأهل الإنصاف وهو يشهدُ على صاحبه بالحَسَدِ المذموم واحتقارِ طائفة كبيرة من جلّةِ أهل العُدْوة". (٢) لأنه أَدرجَ في كتابه أُناسًا عُرفوا بالصَّلاح والخير والاجتهاد في العبادة، ولكنهم لم يُعرَفوا بفنٍّ من فنون العِلم (وهو شَرْطُ الكتاب)، ومثلُ هؤلاء يُفرَد لهم كتابٌ خاص ولا تُدرَج أسماؤهم مع أسماء العلماء.

стр. 176

(٣) لأنه ذَكَرَ في كتابه نساءً تُنزَّه الصُّحف عن تسويدها بذكرهنَّ مع أهل العِلْم الذين هم خواصُّ عباد الله: "نستعيذُ بالله من إعمال القَلَم في ذِكْر واحدة منهنَّ، ونرى الإعراضَ عنه دِيْنًا. وإذا ذَكَر هؤلاءِ النساءَ فما بالُه أغفلَ أضعافَ أعدادِهنَّ من الرجال الذين هم على مثال حالهن؟! إنها لعَثرة لا تُقال، وزلَّة لا تُغتفر، وسيِّئة لا تكفيرَ لها، وكبيرةٌ يجبُ المَتاب منها والإقلاع -بتوفيق الله- عنها، والله حسبُنا ونِعْم الوكيل". (٤) لأنه يكرِّر التراجمَ ويَقْلب النسب، فقد ترجم -مثلًا- لمحمدِ بن أحمدَ بن محمد بن سعيد ابن مطرِّف التُّجِيبيِّ من أهل قَلْعة أيُّوبَ ويُعرف بالبيرانيِّ، وأنّ ابنه عُمرَ حدَّث عنه، ثم أورد بعد (١٦٩) ترجمة: محمد بن أحمد بن مطرِّف بن سعيد التُّجيبي، وهذا هو نفسه الذي ترجَمَ له مِن قبلُ. موارده وطبيعتها العامة: قسَّم ابن عبد الملك مصادرَه في ثلاثة أنواع: (١) برامجُ روايات الشيوخ الجلَّة أئمة هذا الشأن، ومعظمها بخطوط جامِعِيْها، وسائرها بخطوط المُعتمَد عليهم من رجالِ هذا الفنِّ ومُقابلتِهم وتصحيحهم، وهي من الكثرة بحيثُ يعزُّ إحصاؤها. (٢) مقيَّدات ذوي العِناية بهذه الطريقة من مواليدَ ووَفَيات ورَفْع أنساب وتبيين أحوال الرُّواة. (٣) ما تلقَّاه عن مَشايخه الذين أخذ عنهم شفاهًا، وما التقَطَه من طبقاتِ القراءات والأسمِعة على الشيوخ أو منهم، وما أخذه بأيِّ ضَرْب من ضُروب التحمُّل سَماعًا أو قراءة أو مُناوَلةً أو إجازة. ولو اتّخذنا هذا السفر الرابع نموذجًا لمصادر ابن عبد الملك لوَجَدْنا أنه -وهو الذي يتعقَّب بالتكملةِ والنَّقد كُتبَ التراجم لمن جاءوا قَبْله أو عاصَروه- قد وضع أمامَه: طبقات النَّحْويِّين للزبيدي وجَذْوة المُقتبس للحميديِّ وتاريخَ

стр. 177

علماء الأندلس لابن الفرضي وصلةَ ابن بَشْكُوال وصلة الصلة لابن الزُّبير والتكملة لابن الأبّار وطبقات الأمم لصاعد الأندلسي، وهذا أمرٌ طبيعي لدى مؤلِّف يريدُ أن يَستدرِكَ ما فات هؤلاءِ المؤلِّفين، ويتعقُّبَ ما أوردوه بالزيادة أو النَّقدِ أو التصحيح. وزيادةً في الاطمئنان نجدُه حين يطَّلع على هذه المصادرِ يَحرصُ على أنْ يكونَ لديه من الكتاب الواحد غيرُ ما نسخة واحدة، بخطوطٍ مختلفة، فهو يقولُ -مثلًا- حين يتحدَّث عن سليمانَ بنِ عبد الملك بن رَوْبيل: "وقع ذكرُه في بعض نُسَخ الصلة مُقتضَبًا" (١)، ويقولُ في موضع آخرَ في ترجمةِ ابن الزهري: "وقد وقفتُ على نُسخة بخطِّه من الصلة تأليفَ الراوية أبي القاسم ابن بَشْكُوال، وعلى أول جزء منها بخطِّ أبي القاسم ابن بَشْكُوال ما نصُّه ... " (٢) إلخ، ولديه كذلك من المصادرِ غير الأندلسية عددٌ وفير مثل: رياض النفوس للمالكي، والمُنتظم لابن الجوزي، والإكمال لابن ماكُولا، والمستدرك عليه لابن نُقْطة، وتاريخ أهل مصر والمغرب لأبي سعيد بن يونس، وغرائب حديث مالك، والرواة عن مالك للدارَقُطْني، وغير ذلك، وهو دائبُ الاطِّلاع لا يكفُّ عن القراءة والتقييد واقتناءِ الكُتب، فقد اطَّلع على كثير من الكتب التي نسَخَها سالمُ بن صالح المشهور بابن سالمٍ بخطِّه (٣)، ولمّا زار الجزيرةَ الخضراء أُتيح له أن يرى مكتبةَ صاحبه أبي عمرٍ وعياشِ بن الطفيل، قال: "وقد وقفتُ ... على جُمْلة وافرة من كتب سَلَفِه ممّا تملَّكوه أو كتبوه أو ألَّفه مؤلِّفوه" (٤). وأمَّا مِن حيثُ ما تلقَّاه عن مشايخه: فأكثرُ روايته عن شيخه الأكبر أبي الحسن الرُّعيني، ثم عن سائر شيوخه، مثل: أبي جعفر الطَّنجالي وأبي الحجَّاج بن حكم وأبي علي بن الناظر وأبي الوليد بن عُفير، وعن صاحبه الرحَّالة ابنِ رُشيد.

стр. 178

غير أنّ أهمَّ مصادره هي برامجُ العلماء وفهارسُ الشيوخ، وقد توفَّرتْ له في هذا الصدد موادُّ غزيرة جدًا، مكَّنته في بعض التراجم من هذا السَّرْدِ الطويل الذي يَنتحيه إذا هو تعرَّض لأسماءِ الشيوخ والتلامذة. ومن المُقارنةِ بين ما جاء في هذا الجُزءِ وما وَرَدَ في برنامج الرُّعيني -مثلًا- نستطيع أن نحكُمَ بأنَّ كتاب "الذيل والتكملة" قد استوعبَ ما جاء لدى الرُّعينيِّ كما استوعب معلوماتٍ مستفيضةً مستمدَّة من سائر البَرامج وكُتب الفهارس. ويصرِّح لنا ابنُ عبد الملك أنه اطَّلع على كُتب البرامج ومعاجمِ الشيوخ والفهارس التالية (١): ١ - برنامج شيخه أبي الحسن الرُّعيني. ٢ - برنامج الصاحبَيْن المشترَك بينهما: ابن شنظير وابن ميمون، نسخة جيِّدة عانى خِدْمتَها ابنُ مؤمن وأتقن تصحيحَها، وصار البرنامجُ بعده لأبي عبد الله الرُّنْدي المُسلهم. ٣ - برنامج سعدِ الخير بن محمد البَلَنْسي (نقل منه، انظر الترجمة رقم ٤٣). ٤ - برنامج سعد السعود أبي الوليد بن عُفير، نسخة بخطه فيها ضُروب من الخَلَل والتصحيف الشنيع وفسادِ الهِجاء مّما يكاد أيسرُه يُناقِض التلبُّسَ بأدنى مرتبة من العِلْم أو الارتسامِ به جُملةً (رقم ٤٤). ٥ - فهرست سليمانَ بن عبد الملك بن رَوْبيل. ٦ - فهرست أبي العبّاس بن الرُّوميّة. ٧ - فهرست ابن خَيْر. ٨ - برنامج أبي عبد الله الخَوْلاني. ٩ - معجم مُلْحة الراوي وختام عَيْبة الحاوي لأبي محمدٍ طلحة.

стр. 179

١٠ - معجم شيوخ أبي الوليد الباجيِّ صنعةَ أبي محمد طلحة. ١١ - برنامج استوعب فيه أبو محمد طلحة شيوخَه حتى عام ٦٣٥ هـ وسمّاه: نُغْبة الوارد ونُخْبة مستفاد الوافد. ١٢ - فهرسة الشيخ أبي أميّة صنعة أبي محمد طلحة. ١٣ - فهرسة أبي الوليد بن الحاجِّ صنعة أبي محمد طلحة. والحقُّ أنَّ الاستقصاءَ في هذه النواحي عَسير، وإنما نقدِّم مثلًا وحسبُ، يدلُّ على طبيعة المصادر التي اعتمَدَها ابنُ عبد الملك، وحين يتمُّ حَصْرُ ما اطَّلع عليه في الأجزاء الأخرى من كتابه فإنَّ ذلك قد يبلغ مئاتٍ من الكُتب.

стр. 180

نهج العمل في التحقيق (١) أولًا: وصف ما وصل إلينا من مخطوطات الكتاب: عرفَ المشارقة الذين وَقفوا على كتابِ ابن عبد الملك كتابَهُ في تسعة مجلدات، كما نصَّ على ذلك جلالُ الدين السُّيوطي في "بغية الوعاة" (٢) وقد نقل من هذه النسخةِ الكثيرَ، وقال عصريُّهُ شمس الدين السَّخاوي وهو يتكلّم على الكتب التي استوفاها على الكتاب الذي شرع في تأليفه وأصَّلَهُ من "تاريخ الإسلام" للذهبي: "والخمسة الأُوَل من تسعة من التكملة لابن عبد الملك إلى قوله في السادس: محمد بن أحمد بن عثمان القَيْسي" (٣)، وقال في موضع آخر: "ثم الذيل والتكملة لكتابَب الموصول والصلة لقاضي الجماعة أبي عبد الله محمدِ بن محمد بن عبد الملك الأنصاريِّ المرّاكُشي، وهو حافل في مجلدات" (٤)، فلم يحدِّد عددَها، ولعلَّه لم يقف -كما يظهر من النصِّ الأول- إلا على خمسةِ مجلدات وأولِ المجلد السادس، وذهب الدكتور محمد بن شريفة إلى أنها في ثمانية مجلدات، فسمَّى السِّفر الأخير من الكتاب "السفرَ الثامن" عند نَشْره، وأبقينا على هذه التسمية. وهذه المسألةُ ليست من الإهمام بحيث يقال: أصاب فيها فلانٌ وأخطأ فيها فلان؛ لأنَّ النسّاخَ على مدى العصور كانوا يتصرَّفون في تقسيم الكتاب إلى
следующие страницы →