← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رواياتٌ تخالفُ أحيانًا ما عند ابن عبد الملك، ولعلّ ابنَ أبي زرع كان يرجِعُ إلى "الذّيل والتكملة" في تسجيل وَفَيات الأعلام. أمّا مؤلّفُ "الذّخيرة السَّنية" فقد ضمَّنها بعضَ التراجم الموجودة في "الذّيل والتكملة"، ويبدو من المعارضة أنّ المؤلفَ المذكورَ نقَلَ عن ابن عبد الملك. وبالجملة، فقد كان ابنُ عبد الملك إمامَ المؤرِّخين بالمغرب في زمنه، ويُمكنُ القولُ على العموم بأنّ "الفَذْلَكاتِ" التاريخيّةَ التي اشتمل عليها كتابُه "الذّيل والتكملة" تُعَدّ أوثقَ ما يُعتمَد عليه في تاريخ الموحِّدين وأصحَّ نصوص هذا التاريخ، وذلك لِما عُرف به محرِّرُها من اطّلاع واسع وإكباب طويل على المدوَّنات التاريخية والوثائق الرسميّة، ولما يلتزمُ به من منهجيّة صارمة وموضوعيةٍ عادلة ومجُانبةٍ لأساليبِ المؤرِّخين الرسميِّين المعهودة وطرائقِهم المعروفة، وكلُّ ذلك تشهَدُ به النّصوصُ المبثوثة في ثنايا تراجم "الذّيل والتكملة". وقد انفردَ ابنُ عبد الملك بذكر أشياءَ من تاريخ الموحِّدين لا توجَدُ عند غيره. فمن ذلك: ما يُمكنُ أن نُطلقَ عليه "حساسيّةَ الأسماء" في عهد الموحِّدين، فقد كان اسم "عبد المؤمن" مثلًا مقصورًا عليهم، وعُرف أحمدُ بن عبد المؤمن الشَّريشيُّ شارحُ المقامات في بلده بابن مؤمن بدلًا من ابن عبد المؤمن، وذلك كما يقول ابنُ عبد الملك: "لمكان التّقية من غَيْرةِ آل عبد المؤمن من مشاركتهم في الشّهرة بالانتساب إلى جدهم، فكثيرًا ما كانوا يفعلون ذلك، ويُغيِّرون الأسماءَ والكُنَى والأنسابَ والشُّهَر على الجملة بسببه" (١). وهذه حساسيّةٌ غريبة جدًّا، فالمعروفُ على العموم وفي كلِّ زمان ومكان أَنّ الناس -خاصّتَهم وعامّتَهم على السواء- يُسَمُّوْن بأسماءِ ملوكهم وعظمائهم وزعمابهم وعلمائهم وصُلَحائهم، ولعلّ مصدرَ هذه الحساسيّةِ الغريبة لديهم تخوُّفُهم من استغلال الاسم

стр. 107

والاستفادة منه بشكل ما والتّمويهُ به على العامّة على سبيل الادّعاءِ والتزوير وما يُشبه ذلك. ومن ذلك: "معتقَدُ آل عبد المؤمن وطائفتهم قديمًا وحديثًا أنّ كلَّ من خرج عن قبائلهم المعتقِدة هدايةَ مَهْديِّهم وعصمتَه فهم عَبيدٌ لهم أرِقّاء" (١). ومن ذلك نصٌّ طريف يعكِسُ ضربًا من المعارضةِ السياسيّة يتمثّلُ في الكيفيّة العجيبة التي انتقَد بها أبو العبّاس أحمدُ بن يحيى العَبْدَريُّ نزيلُ مَرّاكُش تعيينَ المنصور "بَنيه وصِغارَ إخوتِه وبني أعمامِه وذوي قرابته وُلاةً في البلاد" (٢). كما سَجَّل بعضَ الدّسائس التي كانت تقعُ في بَلاط الموحِّدين لم يُعرّجْ عليها المؤرِّخون، مثل: تسميم المستنصِر وفساد الحاشية في عهده، ومحاكمة ابن العثمانيّ (٣)، وغير ذلك ممّا سنقفُ عليه في مكانه، وممّا أفادنا به أنّ خُطّة الشورى التي كان العملُ جاريًا بها قبلَ الموحِّدين حُذفت في عهدهم (٤). أمّا كُتُب التراجم فقد وقَفَ منها على عدد كبير، وسمَّى طائفةً منها في مقدّمة "الذّيل والتكملة"، بينَما أشار إلى أخرى في خلال كتابه، كما أنه وقَفَ على كمّ هائل من كُتُب البرامج والمعاجم، ولو تتبّعنا هذه المصادرَ بالإحصاءِ والاستقصاء لطال الموضوع؛ ولذلك فسنكتفي بالإحالة على فهارس الكتاب. ممّا تقدَّم نَعرِفُ ما كانت عليه ثقافةُ ابن عبد الملك من التوسُّع والتنوُّع، ونُدركُ صدقَ النعوت التي أضْفاها عليه مترجِموه، ومنهم ابنُ فَرْحون الذي يقولُ فيه: "الإمامُ العلّامة الأوحَد المصنِّفُ الأديبُ المفتي الفقيهُ المقرئُ المؤرِّخ الحافظ المقيِّد".

стр. 108

شخصيّته: لا نجدُ عند من ترجَموا لابن عبد الملك ما يشيرُ ولو إلى صفة واحدة من صفاته الجسمية، ومن هنا فإننا لا نَعرِفُ شيئًا عن صورته وشكلِه (١)، كما أنّنا لا نجدُ عندَهم ما يُغني في تحليل شخصيّته. وكلُّ ما نقفُ عليه في هذا المعنى ما ذكَرَه ابنُ الزُّبير الذي عَرَف ابن عبد الملك عن بُعد وانتهت إليه أخباره بالسّماع، فقد وَصَفَه بذكاءِ الذّهن الفائق، ونباهة الخاطر الفائقة، وحِدّة الخُلُق، وهذه صفاتٌ متلازمة أحيانًا. ويبدو من هذا، ويشهَدُ له كلامُ ابن عبد الملك، أنّ الحِدّةَ حدّةَ الذّهن والخاطر والخُلُق معًا، كانت الصِّفةَ الغالبةَ عليه، وهي تصلحُ أن تكونَ "مفتاحَ شخصيّته" حسَبَ تعبير المرحوم العقّاد، ومن مظاهر هذه الحِدّة لديه الصّراحةُ في القول، والنّزوعُ إلى النّقد، والطموحُ إلى التفوُّق على الأضراب، والتمدُّح بالعمل المتقَن، وهذه المظاهرُ باديةٌ لمن يقرأُ الأسفار المنشورةَ من "الذّيل والتكملة". فأمّا الصّراحةُ في القول فقد جعَلتْه يدوِّنُ كلَّ ما يعرفُه من أحوال المترجَمين أو يقعُ إليه من أخبارهم، وهو لا يتغاضَى عن نقلِ الروايات التي قد يكونُ فيها مسّ بهم، وهذا منتهى الصّراحة والأمانة، وليس كلُّ المؤرِّخينَ على هذَيْن الوصفَيْن، فمِن صراحتِه وعدم تكتُّمِه: ما نقَلَه من خلافٍ في مخزوميّة أبي المُطرِّف أحمد بن عَمِيرة، وما حكاه عن ابن الحاجِّ الشاطبيّ من تعريض بأصلِه، وتصريح بيهوديّة سَلَفِه. وقد انتقد ابن الخطيب صنيعَ ابن عبد الملك فقال تحت عنوان: أولّيّته -وهو عنوانٌ تقليديٌّ في تراجمه-: "لم يكن من بيتِ

стр. 109

نباهة، ووقَعَ لابن عبد الملك في ذلك نقلٌ كان حقُه التجافيَ عنه لو وُفِّق" (١)، وكلامُ ابن الخطيب أخفُّ وقعًا من نَقْل ابن عبد الملك، ولكنه في الواقع إجمالٌ لِما فصَّله مؤلّفُ "الذّيل والتكملة". ومن ذلك: أنه ذكَرَ بيتَيْن في هجاءِ ابن الأبار فاعتَرضَ عليه راوي كتابه أبو القاسم التُّجِيبيّ بقوله: "لو تركتَ نقْلَ هجاءِ أهل العلم وغيرِهم كان أجملَ بك أيُّها الشيخ" (٢). وقال في ترجمة أبي عليّ الشَّلَوْبِين: "على أنّ كثيرًا من أهل بلده كانوا يرغبونَ بأبنائهم عنه ولا يسمَحونَ لهم بالتتلمذ له والقراءة عليه لقبيح لا يليقُ مثلُه بأهل العلم نسَبوه إليه"، وعقَّب على هذا الكلام أبو القاسم التُّجِيبيُّ أيضًا فقال: "لا أعلمُ من ذَكَرَ أبا عليّ بما عرَّض به المصنِّف، وقد لقيتُ من أصحابِه عددًا كثيرًا، فكان حقُّه أن لا يتعرَّض لمثل هذا الشيخ في شُهرتِه وجلالة معلوماته وكثرة المنتفعينَ به" (٣). وقال في ترجمة محمد بن خَلَف: "قُرطُبيٌّ، أبو بكر ابنُ الحَصّار وابن النَّخّاس، وكان أبوه المقرئ يَكرَهُها"، وعلّق على هذا تلميذُه المذكورُ بقوله: "إذا كان يكرَهُها فلمَ لم تُعرِضْ عنها؟! " (٤). ونقَلَ في ترجمة أبي الحَسَن بن مؤمن محاسنَه ثم نقَضَها بما يُنسَب إليه من مساوئَ ومطاعن، ومنها: أنه كان "يُرمَى في دِينه بالميل إلى الصَّباءِ خاصّة"، ثم قال: "وهذه خُلة إن صَحّت أخَلّت بجميع ما يُعزى إليه من الفضائل التي ذكَرْنا وغيرها" (٥).

стр. 110

وعدَّد في ترجمة ابن القَطّان بعضَ ما كان يُنعَى على هذا العالِم الكبير من أمور، ومنها: استعمالُه المُسكِر وتناولُه إيّاه وتأوُّلُه فيه، وقد ناقش شيخَهُ أبا عبد الله المدعوَّ بالشّريف الذي كان متعصِّبًا لابن القَطّان مبرِّرًا بعضَ تلك الأمور، ولكن ابن عبد الملك رَدّ تبريرَه وأصَرَّ على ما نقَلَه (١). وهكذا منهجُه على الجُملةِ في تراجمه، يَنقُل فيها كلَّ ما وقَعَ إليه وانتهى إلى علمِه حتى ألقابَ المترجَمين المكروهةَ عند أصحابها مثلَ "الوَزَغيّ" و"ابن الرُّوميّة"، والخلافَ في أنسابِهم وما يتّصلُ بالجَرْح والتعديل في رواياتهم وغيرَ ذلك. وليس في نيّتنا هنا تتبُّعُ جميعِ ما جاء في كتابه من صراحةٍ قاسية انتقَدَها عليه بعضُ مُعاصِريه وغيرُهم ومنهم: ابنُ الزُّبير وابنُ رُشَيْد والتُّجِيبيُّ وابنُ الخطيب، وقد رجَعَ ابنُ الزُّبير ذلك إلى حدّة خُلُقِه، وهي حِدّةٌ ذكَرَ أنها كانت سببَ محنتِه. ومهما يكنْ من أمر فالمؤرِّخونَ ومؤلِّفو كُتُب التراجم في هذه النُّقطة فئتان: فئة تتحاشَى ذكْرَ الهفَوات وتتغاضَى على الهَنَات ولا تَعرِضُ لشيء ممّا يمسُّ الأعراض، ومنهم: السُّبكيُّ الذي وقَفَ عندَ هذه النقطة في كتابه "مُعيد النِّعم ومُبيدِ النِّقم". وفئةٌ لم تكنْ ترى هذا الرأي وذهَبَت إلى مخالفتِه وذكَرت الناسَ بما لهم وما عليهم معَ تفاوُت في الحِياد والعدل والإنصاف والبُعد عن الهوى والتعصُّب، ومن هؤلاءِ ابنُ حَيّان وابنُ عبد الملك في المغرب، والذّهبيُّ في المشرِق على سبيل المثال (٢). وأمّا النزوعُ إلى النَّقْد فهو مظهرٌ آخَرُ من مظاهر الحِدّة والتنبُّه والتحفُّز والتيقُّظ عندَ ابن عبد الملك، كما أنه يعكسُ مَيْلَه الواضحَ إلى إظهار تضلُّعِه في المعارف وتمكُّنه من العلوم؛ ولذلك جاء نقدُه متنوِّعًا، فله نقداتٌ أدبيّة ولُغَويّة

стр. 111

ونَحْويّة وعَروضيّة سنتحدّث عنها في فقرة لاحقة، وله نقدٌ تاريخيٌّ يتعلّقُ معظمُه بما يَرجِعُ إلى تراجم الأعلام، وتعقَّب في هذا النقد جماعةً ممّن سَبَقوه إلى الموضوع؛ كابن الفرَضي وابن بَشْكُوال وابن الأبّار وابن الزُّبَير وابن فَرْتون وغيرِهم. أمّا ابنُ الفَرَضيّ مؤلِّفُ الحلقة الأولى في السِّلسلة ومؤسِّس المصطلح المتداوَل بعدَه، فكان ابنُ عبد الملك يُجلُّه ويحلِّيه حيثما ذكَرَه: الحافظَ، وقد استَدرك عليه بعضَ التراجم ووقَفَ على تتميم وتصويب هَفَواتٍ هيِّنة في "تاريخِه". وابنُ بَشْكُوال دونَه في رأيه منزلةً؛ إذ يُطلقُ عليه: الراوية. وقد ناقَشَه في النّهج الذي سار عليه ولا سيّما ترتيبُ الرجال حسَبَ طبقاتِهم ووَفَياتهم قائلًا: إنّ هذا "لا يتأتّى اطّرادُه إلا بشرط العلم بوفاة الرّجال المذكورين وتحقُّق متأخِّرها من متقدِّمها، وهو مُتعذِّر"، وذَكَرَ أنّ ابنَ بَشْكُوال ومن سلَكَ مسلكَه "يذكرونَ الرّجلَ بين الرجلَيْن وهو أقدمُ موتًا من المذكورِ قبلَه، مجاورَا له أو متقدِّمًا عليه برجُل أو رجُلَيْن فصاعدًا أو تتأخَّرُ وفاته عنه على تلك النسبة، وذلك موجودٌ في كُتُبهم بأيسَرِ تأمّل"، ثم قال: "ومن مثالِه لمن يَستعجلُ الوقوفَ عليه: أنّ ابنَ بَشْكُوال ذكَرَ أبا عامرٍ محمدَ بن سَعْدون بن مُرَجَّى بن سعدون بن مُرَجَّى العَبْدريَّ -ولم يذكُرْ له وفاةَ لمّا لم يعرفْ وقتَها- بين أبي عبد الله محمد بن الفَرَج بن إبراهيم المقرئ البَطَلْيَوسيّ -وذكَرَ أن وفاتَه سنة أربع وتسعينَ وأربع مئة- وأبي عبد الله بن فَرَج مَوْلى محمد بن يحيى البكريّ ابن الطّلّاع، وذكَرَ أن وفاته بُكرةَ يوم الخميس لثلاثَ عشْرةَ ليلةً خلت من رجبٍ الفرد سنةَ سبعِ وتسعينَ وأربع مئة، واقتضى وضْعُ أبي عبد الله ابن سَعْدون بينَهما أن يكون زمانُ وفاتِه بين زمان وفاتَيْهما، وقد طلع نجيث البحث عن وفاته على أنها كانت في ربيعٍ الآخِر سنة أربع وعشرينَ وخمس مئة بعد وفاة أبي عبد الله بن فَرَج بسبع وعشرينَ سنة غيرَ شهرَيْن وأيام" (١).

стр. 112

ولابن عبد الملك تعقيبات على ابن بَشْكوال، ولسنا ندري لماذا كان يستكثرُ عليه بعضَ الأشياء، فقد وقَفَ له على إجازةٍ لصاحب له سأله مناوَلةَ "الصِّلة"، وفيها: "فأجبتُه إلى ما سأل على وجه الطاعة له بعدَ أن أشفقتُ ممّا رَسَم أن يتعاطى مثلي معَ مثلِه منزلةَ الأشياخ، لكنّ بعضَ الشّيوخ كان يقول: موافقةُ الإخوان خيرٌ من الإبقاء على النفْس"، وعلّق ابن عبد الملك على هذا بقوله: "كنتُ أستجيدُ التعبيرَ عن هذا المقصِد بمثل هذه العبارة وأُبعد كثيرًا أن يَصدُرَ مثلُه عن أبي القاسم ابن بَشْكُوال ﵀ حتى وقَفْتُ على نُسخة من شيوخ الراوية أبي عَمْرٍ والسَّفَاقُسيّ وذكَرَ بعضَ ما أخَذ عنهم كتَبَ بها إلى القاضي أبي عُمَر أحمد بن محمد ابن الحَذّاء وذكَرَ في صدرِها سؤالَه إياه ذلك"، وقال: "فأجبتُه بعدَما أشفقتُ منه إلي ما رَسَم وإن كان على مثلي فيه وَهْنٌ أن يتعاطى رُتبةَ الأئمة ومنزلةَ الأشياخ معَ مثلِه، لكنّي سمعتُ بعضَ الشيوخ يقول: موافقةُ الإخوان خيرٌ من الإبقاء على النفْس"، ثم قال: "فسُرِرت بصدق حَدْسي في ذلك، والحمدُ لله على نِعَمِه التي لا تُحمى" (١). وهذا التعليقُ شاهدٌ على الارتياح الذي كان يَشعُرُ به ابنُ عبد الملك عندما يكتشفُ المآخذَ ويتوصَّلُ إلى المطاعن، ولهذا نظائرُ وأشباهٌ في كتابه، فقد أورَدَ في ترجمة سَعْدِ السُّعود بن عُفَير اللَّبْلي قصيدةً له يُخاطب بها ولدَه، ثم قال: "أنا أبعدُ أن يكونَ هذا النظمُ لأبي الوليد هذا؛ فقد وقَفْتُ في "برنامجَه" الذي كتبَه بخطّه إلى بعض سائلي الرواية عنه على ضروبٍ من الخَلَل والتصحيف الشّنيع وفساد الهجاء مما يكاد أيسَرُه يناقضُ التلبُّسَ بأدنى رُتبة من العلم والارتسام به جملة، ولعلّه كلَّف غيرَه فأنشَأَها له وبعَثَ بها إلى ابنه وهو الظاهر، والله أعلم" (٢). والشاهدُ في هذا النصّ والذي قبلَه أنّ طبيعةَ الانتقاد كانت غالبةً على ابن عبد الملك معَ ما يُصاحبُها من حَذَر في تقبُّل أعمال الناس بعين الإغضاء،

стр. 113

وكان بعضُ معاصِريه -ممن تشُقُّ عليهم الصّراحة ويتلقَّون الأشياءَ بالتسليم وعدم الاعتراض- لا يرضَوْنَ عن مسلكِه ولا يوافقونَه على منهجه، وذهَبَ ابنُ رُشيد معاصِرُ ابن عبد الملك إلى أنّ انتقاصَ الأفاضل كان فيه عادةً مرافقة والاعتراضَ عليهم صار له طبعًا ملازمًا، ولكنّ كلامَ ابن رشيد لا يخلو من تحامُل، ولا ندري أوقَفَ عليه ابنُ عبد الملك أم لا، وما نحسَبُ أنه كان يترُكُه بدون ردّ لو وقَفَ عليه، وقد عرَفْنا ممّا سبق فضلَ ابن عبد الملك على ابن رُشيد. ومن مواقفِ ابن عبد الملك معَ ابن بَشْكُوال: مخالفتُه إيّاه في شأن نَقْل المصحف الإمام من قُرطُبة إلى مَرّاكُش بأمرِ عبد المؤمن، قال ابنُ بَشْكُوال: "أُخرِجَ هذا المصحف عن قُرطُبة وغُرِّب عنها ليلةَ السبت الحاديةَ عشْرةَ من شوّال سنةَ اثنتينِ وخمسينَ وخمس مئة، وحُمل صبيحةَ يوم السّبت وجُوِّز إلى العُدوة أخَذَ اللهُ من سعَى في تغريبِه وخروجِه عن الحضرة أخْذَ آسف، ولا أمهلَه بالذي لا إلهَ إلا هو، وعجَّل بصرْفه إلى مكانِه بقدريه، لا يُعجِزُه شيء ﷻ وعَظُم سلطانُه". وقال ابن عبد الملك: "رحمَ اللهُ أبا القاسم ابنَ بَشْكُوال ونفَعَه بمقصدِه، فإنّما استأثرَ بعِلق نفيس، واستكثرَ من خير جليس، وأفضل أنيس، وتأثّر لانتقال موقفٍ على محلِّه الأحقِّ به حبيس، فلذلك أتبَعَ خبرَه عنه نفثةَ مصدور عن قلب جريح، ولَهْفَ موتور ذي فؤادٍ بمؤلم هذا المُلمِّ جريح، ولو كوشفَ ﵀ بحال قُرطُبة من بلاد الأندلس وسواها، وانتهاك عَبَدة الصّليب مَحُوطَ حماها، واستيلائهم على ما اشتملت عليه من كثير من المصاحف غيرِ ذلك المصحف الكريم، وابتذالِهم ما عُني العلماءِ بصيانتِه من ذخائرِ دواوين العلم على العهد القديم، لسُرَّ بإخراجِه عن قُرطُبةَ واحتماله، وأعان بالتحضيض نصحًا له على انتقاله، إنقاذًا له من أيدي المشركين، واستدامةً لبقائه في كلاءة المسلمين" (١).

стр. 114

وكلامُ ابن بَشْكُوال قد تشمُّ منه رائحة العصَبيّة البلديّة والحساسيّة الأندلسية، ويبدو عنيفَا في الدعاءِ على سلطانِ وقته، أمّا ابنُ عبد الملك فقد جاء كلامُه هادئَا صادرَا عن عاطفةٍ دينيّة تعترفُ بحُرمة الحبس ولكنها تنتصرُ لمآلِ ذلك التصرُّف. كان ابنُ عبد الملك معتزَّا بمَغْربيّيه، ومعَ أنّ شرطَ كتابه فَرَضَ عليه أن يوجّه جُلَّ اهتمامه إلى تراجم أعلام الأندلس ويصرفَ معظمَ نشاطِه في تخليدِهم قبل غيرهم، فقد كان يُحسُّ بالامتعاض من تعصُّب بعض الأندلسيِّين ويَشعُر باهتضامهم حقَّ أهل العُدوة وقلة إنصافِهم لهم، ونجدُ ردَّ الفعل عندَه يبدو في عنايته بتراجم الغُرباء، وهم الداخلونَ إلى الأندلس من أهل العُدوة، وفي إشارته إلى "ما لأهل المغرب في الفضل من الحُسنَى والزّيادة" وإلى "أنّ بهذه البلاد (المغربية) من أهل هذا الفنّ (الشّعر) عِمارة" (١)، وهو يبدو أكثرَ من ذلك في موقفِه من ابن الأبار وتصَدّيه لتعصُّبه. ومن مظاهر اعتزازه بمغربيّته: دفاعُه عن النَّحويِّ المغربيِّ الكبير أبي موسى الجَزُوليّ، وردُّه على بعض الأندلسيِّين، كابن الأبّار وابن الزُّبير، الذين شكَّكوا في نسبة الكُرّاسة المشهورة إلى أبي موسى، قال: "ومن الناس -وأكثرُهم بعضُ الأندلسيِّين- من ينسُبُها لشيخه أبي محمد بن بَرّي، ويَذكُرُ عن أبي موسى أنه كان يقولُ: إنها جمْعُ تلامذةِ أبي محمد بن بَرّيّ حسبما لَقَنُوه عنه، ومنهم من يأثرُ عن أبي موسى أنها من إملاءات ابن برِّي على أبواب "الجُمَل" وأنّ أبا موسى كمَّلها، وكلُّ ذلك مما لا ينبغي التعريجُ عليه، وإنّما هي تقوُّلاتُ حسَدتِه النافسينَ عليه، وإلّا فلمَ لم تُعرَفْ إلا من قِبَل أبي موسى، وقد أخَذَها الناسُ عنه ودرَّسهم إياها ولم تُشهَرْ إلا له؟ وقد وقفتُ على خطِّه في نُسَخ منها محمِّلًا إياها بعضَ آخِذيها عنه إلى عصرِنا هذا، ولم يزَلْ أبو موسى يتولّى تهذيبَها وتنقيحَها والزيادةَ فيها والنقْصَ منها وتغييرَ بعض عباراتها حسبَما

стр. 115

يؤدِّيه إليه اجتهادُه ويقتضيه اختيارُه، وشهيرُ وَرَعِه يزَعُه عن التعرُّض إلى مثل هذه التصرُّفات في غير مصنَّفِه، اللهمّ إلا أن يكونَ ابن بَرِّي قد أذِنَ له في ذلك وهو بعيدٌ إن لم يكن باطلًا لِما تقَدَّم من أنه لم يأتِ بها أحدٌ عنه ولا نسَبَها إليه منذ مئةٍ وثلاثينَ سنة أو نحوها وهلم جرًّا" (١). ثم روى بعدَ هذا حكايةً تُصوِّر انبهارَ النَّحوي الأندَلُسي الشَّلَوْبين بما سَمع في مجلس أبي موسى، وترمي إلى إثباتِ التفوّق العلميِّ لأهل المغرب يومئذ على أهل الأندلس، وكلُّ ذلك مما ظهرت فيه حَمِيّةُ ابن عبد الملك لبلدِه ردًّا على تعصُّب ابن الأبّار وغيره. كان ابنُ عبد الملك يَعرِفُ قَدْرَ ابن الأبّار ويحترمُ علمَه ويُجِلُّ مكانتَه، فقد عَدَّه أنبلَ مَن ألّف في التراجم بعد ابن الفَرَضي وابن بَشكُوال، وقدَّمه لذلك على ابن فَرْتون الفاسيِّ وابن الزُّبَير الغَرْناطيّ، وأشار إلى "شَهِير نُبلِه ومعروف تيقُّظِه وتحفُّظِه من متعلّقات النقد وأسبابِه" (٢)، وأشاد باقتداره في كتابه: "الأربعون حديثًا ... " وقال: "أبدى به اقتدارَه معَ ضِيق مجاله عمّا عَجَزَ عنه المَلّاحيُّ من ذلك" (٣)، كما نَوّه بشفوفه وتبريزه في الأدب ولا سيّما في النَّظم، وقد فَصَّل راسله فيه بقوله: "كان آخِرَ رجال الأندلس براعةً وإتقانًا، وتوسُّعًا في المعارف وافتنانًا، محدِّثًا مكثرًا، ضابطا عَدْلًا ثقةً ناقدًا يقظًا، ذاكرًا للتواريخ على تباين أغراضِها، مُستبحِرًا في علوم اللّسان نحوًا ولغةً وأدبًا، كاتبًا بليغًا، شاعرًا مُفلِقًا مجُيدًا، عُني بالتأليف وبَخَتَ فيه، وأُعينَ عليه بوفور مادتِه، وحُسن التهدّي إلى سلوكِ جادّتِه، وأعجَزَ عن الوفاءِ بشكر إفادتِها" (٤). بيدَ أنّ هذا الإكبار لابن الأبّار لم يمنَع ابنَ عبد الملك من أن ينتقدَ عليه جُملةَ أشياء، منها: تعصُّبُه الأندَلسي، كما تتبّع هفَواتٍ وقَعَت له في "التكملة"

стр. 116

وغيرها، فقد اتّهمه بالتعصُّب، لأنه عَدَّ من أهل الأندَلس "جماعةً من الناقلة إليها" أي: من الطارئينَ عليها وغير القاطنينَ في الأصل بها، وقال: إنه فعل ذلك "تشبُّعًا واستكثارًا وإفراطًا في التعصّب الذي كان الغالبَ عليه حتى غلا فيه" (١)، وكانت لدى ابن عبد الملك أمثلةٌ وأدلّة على هذا الاتّهام، واكتفَى في مقدّمة كتابِه بذكْر مثالٍ واحد منها فقال: "ويكفيك من مثل ذلك ما خَتَمَ به رَسْمَ أبي عبد الله بن عيسى ابن المُناصف ﵀ بعدَ أن ذكَرَه في الأندَلُسيِّين، وذكَرَ من أحواله ما رأى أن يذكُرَه به، فقال: مولدُه بتونُس وقيل: بالمَهْديّة، وهو أصحّ. ثم قال: وذكْرُهُ في الغُرباء لا يَصلُح ضَنانةً بعلمه على العُدوة. وحسبُك ما اشتمل عليه هذا القولُ من الشهادة على قائله بما لا يَليقُ بأهل الإنصاف من العلماء، واستحكام الحسَد المذموم واحتقار طائفة كبيرة من الجِلّة العُدْويِّين، وفضلُ الله سبحانه رحمةٌ يختصُّ بها من يشاء، وموهبةٌ يُنيلُها من يختار. والله ذو الفضل العظيم" (٢). وعندما ترجَم لابن المُناصِف المذكور في السِّفر الثامن معَ الغرباء، عاد إلى انتقاد ابن الأبّار فقال: "وقبَّح اللهُ الحسَدَ المذموم، فقد حمَل أبا عبد الله ابن الأبّار على ذكْرِه إيّاه في الأندلسيين تشبُّعًا لها ببعض ما ذكَرْناه به". وحِدّة ابن عبد الملك واضحةٌ هنا في انتقادِه ابنَ الأبّار ووَصْفِه بالتعصُّب المُفرِط والحسَد المستحكِم. ومن الغريب سكوتُه عن ابن سَعِيد الذي عَدَّ ابنَ المُناصِف وأخوَيْه في القُرطُبيِّين الأندَلسيِّين، وعَدمُ تعرّضه للشقنديِّ الذي اعتبر أبا حَفْص الأغماتي الفاسيَّ من حسَنات الأندَلس وفاخَرَ به أهلَ العُدوة. ويبدو أنّ عبارةَ ابن الأبّار التي يُفهَم منها احتقارُ العُدوة وأهلها هي التي أغضبت ابنَ عبد الملك وأنطقَتْه بما نطق به، وإلّا فقد وجدناه في مناسباتٍ

стр. 117

مماثلة يخالفُ ابنَ الأبّار ويمُرُّ مرَّ الكرام ولا يلتفتُ إلى الردِّ عليه، كما في ترجمة ابن خَيْر صاحب "الفِهرست" المشهورة، فابنُ الأبّار يسلُكُه في الأندَلسيِّين ويجعَلُه إشبيليًّا وخالَفَه ابن عبد الملك فذكَرَ الرجل في الغُرباء الطارئينَ على الأندلس وقال: إنه "فاسيُّ المولد والنشأة" ولم يُشرْ إلى صنيع ابن الأبار. والواقعُ أنّ هذا الاختلافَ يدخُل في نطاق المنافرة بين العُدوتَيْن، ولقد أصبح بعضُ الأعلام منذُ امتزاج العُدوتَيْن في عهد المرابطين ومن بعدَهم محلَّ تنازع وموضعَ تجاذُب بين الأندَلسيِّينَ والمغاربة، والحقُّ أَنّ ابنَ عبد الملك تحَلّى بالإنصاف وتقيَّد بالشرط، وآيةُ ذلك أنه اعتبر ابنَ هشام النَّحويَّ اللُّغوي إشبيليًّا لا سَبْتيًّا وترجم له معَ الأندَلسيِّين لا مع الغُرباء، قال: "إشبيليٌّ سكنَ سبْتة، وجعَلَه ابنُ الأبّار منها فذكَرَه في الغُرباء غلطًا منه" (١)، كما أنه يعتبرُ ابن المُرحَّل مالَقيًّا لا سَبْتيًّا، مُراعيًا في كل ذلك مكانَ الولادة والنشأة. وقد تتبَّع ابنُ عبد الملك هفَواتٍ لابن الأبّار فيما يخُصُّ وَفَيات بعض المترجَمين أو عَمُودَ نسبِهم أو نِسبتَهم، إلى غير ذلك، وسنكتفي بالإحالة على بعض مواضعها (٢)، وربّما كان في بعض تعقيباتِه على ابن الأبّار شيءٌ من التجنِّي، ومثال ذلك: أنّ ابنَ الأبّار وَصَفَ كتابَ "تلخيص أسانيد الموطإ" لأبي محمد القُرطُبيّ بقوله: "وهو مما دَلّ على سَعة حفظِه وحُسن ضبطِه، وقد استدركتُ عليه مثلَه أو قريئا منه"، فعقّب ابن عبد الملك على هذا بقوله: "قال المصنِّف عفا اللهُ عنه: أسَرَّ ابنُ الأبّار في هذا الثناءِ حَسْوًا في ارتغاء، وأظهر زُهدًا في ضمنِه أشدُّ ابتغاء، ولم أقفْ على كتاب ابن الأبّار، غيرَ أنّي وجدتُه يَذكُرُ بعضَ ذلك في مواضعَ من "تكملته" وفي أمَلي التفرُّغُ لالتقاطِه إن شاء الله، وأرى أنه محلُّ استدراك ومجال اشتراك، فقد وقَفْت على ما لم يذكراه، وعثرت فيما طالعتُ على ما لم يَسطُراه، والإحاطةُ لله وحدَه" (٣).

стр. 118

ومن انتقاد ابن عبد الملك على ابن الأبّار، الذي نُحسُّ فيه شيئًا من التعسُّف والتهويل المبالَغ فيه والتحرُّج الذي لا معنى له: قولُه: "وكذلك ذِكْره طائفةً كبيرة ليست من شرطِ كتابِه ولا كتابَي الشّيخَيْنِ: أبي الوليد ابن الفَرَضي وأبي القاسم ابن بَشْكوال؛ لأنهم لم يُرسَموا بفنّ من فنون العلم وإن ذُكروا بصلاح وخيرٍ واجتهاد في العبادة وانقطاع إلى أعمال البِرّ، فلذكرِهم مجموعٌ آخَر يشملُهم مع من كان على مثل أحوالهم. وأقبحُ من هذا كلِّه وأشنع: ذكْرُه نساءً تُنزّهُ الصّحفُ عن تسويدها بذكْرِهنّ فيها معَ أهل العلم الذين هم خواصُّ عباد الله. اللهمّ إلا مَن قصَدَ في تأليفه إلى ذكْرِ أهل البِطالة والمُجّان والقِيَان اللّواتي يكادُ الخوضُ في ذكرِهنّ يكونُ وَصْمة وجَرْحة فيمَن تعرَّض له. نستعيذُ بالله من إعمال القلم في ذكرِ واحدةٍ منهنّ، ونرى الإعراضَ عنه دينًا، وليتَ شعري! إذ ذكَرَ هؤلاء النِّسوةَ اللائي هنّ بهذه الصِّفات، فما بالُه أغفَل أضعافَ أعدادِهنّ من الرّجال الذين هم على مثل حالهنّ؟ إنّها لَعثرةٌ لا تُقال، وزلّةٌ لا تُغتفَر، وسيّئةٌ لا تكفيرَ لها، وكبيرة يجبُ المَتابُ منها والإقلاعُ بتوفيق الله عنها، والله حسبُنا ونعمَ الوكيل" (١). ولقد عارضنا تراجمَ النساءِ عند ابن عبد الملك بتراجمهنَّ عند ابن الأبّار، فتبيَّن لنا أنّ ابنَ عبد الملك اقتصَر على من ذُكِرْنَ بقراءة أو كتابة أو رواية أو ما يتّصلُ بذلك ممّن هنّ من شَرْط كتابه وكُتُب مَن قبلَه ولم يصنَعْ صنيعَ ابن الأبّار في التعميم، ولكنّ هذا الصَّنيع لا يستحقُّ كلَّ هذا الانتقاد الذي هو في نظرِنا من جموح حِدّته التي وصَفَه بها ابنُ الزُّبير. وهو يسيءُ الظنَّ باطّلاعه أحيانًا ويشكِّك في وقوفِه على بعض ما يَذكُرُه أو يصفُه في "تكملته"، قال في ترجمة عليّ بن كوثر: "وقد ذَكَرَ أبو عبد الله ابنُ الأبّار مصنّفاتِه فقال: وله تأليفُ ومجموعات منها: "كتابُ الوسيلة لإصابة المعنى

стр. 119

في أسماءِ الله الحُسنَى" فأوهَمَ بذلك أنه تأليفٌ غيرُ منظوم على نحو "المقصِد الأسنَى" لأبي حامد الغَزّالي أو "الأمدِ الأقصى" لأبي بكر ابن العَرَبيّ أو غيرِهما مما جَرى مجراهما وألف في معناهما، وهذه الوسيلةُ كما وصفتُ لك، وما أرى ابنَ الأبّار وقَفَ عليها". كما كثُرت تعقيباتُ ابن عبد الملك في كتابه على شيخِه ابن الزُّبير، ولا تخلو هذه التعقيباتُ من الحِدّة التي نَعَت الشيخُ المذكورُ بها تلميذَه، فهو يستعمل فيها ألفاظَ الوَهم والغلط والخطإ والخَلْط والتخليط وما أشبهَها، وليس في نيّتنا هنا تتبّعُ هذه التعقيبات التي أتيحَ لابن عبد الملك أن يقفَ على وجه الصّواب فيها، وإنّما نشير إليها في معرِض الحديث عن حِدّته مُحيلين على بعض مواضعها في كتابه (١). ومن أكثر هذه التعقيبات حِدّةً وأشدِّها قسوةً: قولُه في ترجمة محمد بن أحلى: "قال المصنِّفُ عفا الله عنه: كان ابنُ الزُّبير قد بعَثَ إليّ برَدْع الجاهل وبالرَّجز المذكورين، فأمّا ردعُ الجاهل فأقلُّ شيء فائدةً وأبعدُه عن النفع بعلم، مع أنّ بعض أصحابِنا نقَل لي عن بعض أصحابِ ابن أحلى أنهم يقولون: إن ابنَ الزُّبير لم يفهَمْ عنهم شيئًا ولا يتلاقَى كلامُه معَهم في وِرد ولا صَدَر، وأمّا الرجَزُ المشارُ إليه فقد تقدّم التنبيهُ عليه في رَسْم ابن الزُّبير ورداءة نظمه وخلوِّه من المعنى، وأنه هزأة للمستهزئين، ولقد كان في غنًى عن التعرُّض لنظمه وأوْلى الناس بسَتْر عاره منه، والله يُبقي علينا عقولَنا وُيرشدُنا إلى ما يُرضيه عنا بفضلِه وكرمه" (٢). وقال في آخرِ تعقيباتٍ طويلة على ابن الزُّبير من ترجمة ابن البَرّاق بعد أن وَصَمَه بالتخليط الفاحش في إيراد شيوخ المذكور: "وقد أحوَجَنا فعلُ ابن الزُّبير في ذكْره أشياخَ ابن البَرّاق وقلّة تثبُّته في نقلِه إياهم واعتماده ذكْرَ المَلّاحي إياهم

стр. 120

وما انجرَ بسبب ذلك كلِّه إلى إطالة ليست من شأننا، أردنا بذلك التنبيه على عمل ابن الزُّبير في كثير ممّن اشتملَ عليه كتابُه ولنُبيِّن أنّ الإتقانَ له رجال خصَّهم اللهُ بفضيلتِه، نفَعَ اللهُ بهم، وأوجَدَنا بركةَ الاقتداء بهم" (١). هذا رأيُه في عمل ابن الزُّبير وكتابِه "صلة الصِّلة"، وذلك اعتدادُه بنفسه وزهوُه بعمله الذي وجَدْناه يُفصح عنه في مناسباتٍ متعدِّدة. وأمّا ابنُ فَرتون الفاسيُّ فقد انتقد ابنُ عبد الملك كتابَه "الذّيل" جملةً وتفصيلًا، وقال: إنه "لم يعتبرْ في كتابه تطبيقًا، ولا سلَكَ من ذلك الترتيب طريقًا"، وأنه "أتى بالأسماء كيف اتَّفق له"، وأنه لم يكن يعقِلُ منهجَ مؤلِّفي "الصِّلات" والترتيبَ الذي بنَوْا عليه كتبهم، واعتبر ابنَ الزُّبير "مُصلحَ كتابِه ومكمِّلَه"، ولم يلتمسْ لابن فَرْتون العُذرَ كما التمسَ له تلميذُه ابنُ الزُّبير، وفي "الذَّيل والتكملة" إشاراتٌ متعدِّدة إلى أوهام ابن فَرتون. وبالجملة، فقد كان ابنُ عبد الملك معنيًّا بتتبُّع الهَنَات وتصيُّد الهَفَوات، ولم يُعفِ من ذلك من اشتُهروا بالضبطِ من الأعلام كالقاضي عِيَاض وابن خَيْر وابن الرُّومية وابن عساكر. ولكنّ الرجلَ كان -فيما عدا هذا البَأْوَ بتمكُّنه والزهو بتضلُّعه- من أهل التواضُع وخَفْض الجناح، يتبرَّكُ بزيارة قُبور عِباد الله الصّالحين كأبي مَدْيَن الغَوْث وأبي محمد عبد السلام التونُسيِّ في تِلِمسان، وأبي شُعَيْب السارية في أَزْمُور وأبي يعزى وغيرهم، ويسألُ نفْعَ اللهُ بهم كلّما أجرى ذكْرَهم (٢). وأمّا انتقاداتُه التي أشرنا إلى نماذج منها فلم تكنْ صادرةً عن طبيعة مولَعة بنشر المعايب والمآخِذ كما ذهب إلى ذلك بعضُ مُعاصريه، وإنّما هي انتقاداتٌ علميّة قَصدَ فيها إلى تصحيح الأخطاء وتصويبِ الأغلاط، وصدَرَت عن نزوعٍ قويّ إلى الضّبط والتدقيق وولوع شديد بالتنقيح والتحقيق.

стр. 121

مؤلّفاتُه وَآثارُه: قد يُعتبر ابنُ عبد الملك مُقِلًّا في التأليف بالنسبة إلى بعض مُعاصريه، وبالنظر إلى قراءاته الهائلة ومشاركته الواسعة، وقد ألّف كتابَيْن كبيرين هما: الذّيل والتكملة لكتابَي الموصُول والصِّلة، والجَمْع بين كتابَي الموصُول والصِّلة، والجَمْع بين كتابَي ابن القَطّان وابن المَوّاق على كتابِ الأحكام، وهما مؤلَّفانِ استَبدّا بجُلِّ وقته وأنفق فيهما معظمَ حياته، وذلك بحكم مادّتِهما التي تتطلّبُ الاستقصاءَ وطبيعةِ منهجهِما الذي يقتضي ضروبًا عسيرةً من الترتيبِ والتنسيق. أ - الذّيل والتكملة: ويبدو كلُّ هذا جليًّا على الخصوص في كتاب "الذّيل والتكملة"، ولعلّ هذا ما عَناه ابنُ الزُّبير حين قال متحدِّثًا عن هذا الكتاب -وكأنه يُبرِّر قلةَ مؤلّفاتِ ابن عبد الملك-: "وعلى هذا الكتاب عَكَف عمُرَه، ولم يتمَّ له مَرامُه منه إلى أن لحِقته وفاتُه؛ لأنه ألزَمَ نفسَه فيه ما يعتاصُ الوفاءُ به من استيفاءِ ما لم يلتزمْه ابنُ بَشْكوال ولا الحُمَيْديّ ولا ابنُ الفَرَضيّ ومَن سلك مسلكَهم". ولا ننسى أنّ ابنَ عبد الملك عاش في فترة انتقاليّة كانت محُوطةً بالمكاره والمخاوف، وأنه مات في الأخير غريبًا عن بلده نائيًا عن أهله وولده. ومعَ ذلك، فقد أشار في كتابه "الذّيل والتكملة" إلى مؤلَّفاتٍ ومقالات له لم تصلْ إلينا مع الأسف وسنَسرُدُها فيما بعدُ. لم يُشر ابنُ عبد الملك إلى تجزئة كتابِه فيما وَصَلَ إلينا من مقدّمته، وربّما أشار إلى شيءٍ من هذا في آخِر المقدّمة الذي بقي بياضًا في النُّسخة التي انتهت إلينا، وقد ذكَرَ كلٌّ من السَّخاوي في "الإعلان بالتوبيخ" والسُّيوطي في مقدّمة "بُغية الوُعاة" أنّ "الذّيلَ والتكملة" يقعُ في تسع مجلّدات، وقد تكونُ هذه هي تجزئةَ الأصل الذي تركه المؤلّف، ويبدو أنّ بعضَ النُّسخ المتأخِّرة خالفت هذه

стр. 122

التجزئة، كما تدُلّ على ذلك الأجزاءُ أو الأسفار التي بين أيدينا، وقد يُفهَم من قول ابن الزُّبير: "ولم يتمَّ له مَرامُه منه إلى أنْ لحِقَته وفاتُه" أنّ ابن عبد الملك توفِّي وهو لم يفرُغْ بعدُ من كتابه، ولعله إنّما يشيرُ إلى ما بقي عليه فيه من تنقيح وتتميم كما يدُلُّ على ذلك البَيَاضاتُ التي نجدُها فيه (١). وعلى كلِّ حال فقد أخرَج ابنُ عبد الملك كتابَه في حياته، وممّن رواه عنه: ولدُه أبو عبد الله محمد، والقاسمُ التُّجيبيُّ السَّبتي، وجماعة من أصحابِه ذكَرَهم ابنُ مرزوق ولم يُسمِّهم. ونحسَبُ أنّ روايةَ أبي عبد الله محمد ولد المؤلِّف عُرِفت في الأندَلُس بعد هجرته إليها، ولعلّ النسخةَ التي نقَلَ عنها ابنُ الخطيب في "الإحاطة" والنُّباهيُّ في "المرقبة" كانت من رواية ابن عبد الملك الابن، فهو من شيوخِهما. وأمّا روايةُ القاسم بن يوسُف التجيبيِّ فلعلّها أن تكونَ أوثقَ روايات "الذّيل والتكملة"؛ لِما تمتازُ به من التعليقات المفيدة والتحقيقات الجيِّدة والتذييلات النافعة كما يدُلُّ على ذلك سِفْرانِ وَصلا إلينا من الكتاب بهذه الرواية، أحَدُهما: الخامس، وهو في دار الكتب المصرية، والآخَر: السادس، وهو في المكتبة الوطنيّة بباريس، وأصلُهما معًا من نسجة تامّة كانت في مُلك ابن مرزوق الجَدّ. وقد جاء في آخِر السِّفر الخامس المذكور ما نصُّه: "نَجَز السِّفرُ الخامس من كتاب الذّيل والتكملة لكتابَي الموصُول والصّلة من تصنيف شيخِنا القاضي النّبيل أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك ﵀، يتلوه في السادس إن شاء اللهُ: محمدُ بن أحمدَ بن عبد الملك بن موسى بن موسى بن عبد الملك بن وليد بن محمد بن وليد بن مروانَ بن عبد الملك بن أبي جمرة".

стр. 123

وجاء في ظهر الورقة الأولى من السِّفر السادس المذكور ما نصه: "السِّفرُ السادس من كتاب الذّيل والتكملة لكتابَي الموصُول والصلة تصنيف قاضي الجماعة العلّامة النَّسّابة الناقد أبي عبد الله محمد ابن الفقيه المقريء أبي عبد الله محمد بن عبد الملك الأنصاريِّ ثم الأوْسيّ المَرّاكُشي، روايةَ: القاسم بن يوسُف ابن محمد بن عليّ بن القاسم التُّجيبي". وكُتب تحتَ هذا مباشرةً بخطٍّ مغاير -وهو خطُّ ابن مرزوق- ما نصُّه: "ورواية لصاحبِه ومسترجعِه ممن صار إليه بعداء ومنصب بالثمن محمد بن أحمدَ بن محمد بن مرزوق التِّلِمسانيّ عن أبي عبد الله ولدِ مصنِّفهِ وجماعة من أصحابه عنه، وله المِنة". وجاء في الورقة الأخيرة من هذا السِّفر ما نصه: "نَجَزَ السِّفرُ السادس من كتاب الذّيل والتكملة لكتابَي الموصول والصِّلة تصنيفَ شيخِنا القاضي الناقد أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك الأوْسيِّ المَرّاكُشيّ رحمه الله تعالى، يتلوه في أول السابع إن شاء اللهُ تعالى: محمدُ بن عليّ بن ياسر الأنصاريُّ جَيّانيٌّ استوطن حَلَبَ أبو بكر سِراجُ الدِّين. والحمدُ لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى وحسبُنا الله ونعم الوكيل". وهذا الذي كُتِب في طالعة هذين السِّفرين وخاتمتِهما هو من إنشاء القاسم التُّجيبيّ، وكذلك التعليقاتُ والتذييلاتُ الموجودة فيهما، وله تعليقاتٌ وتذييلات في بقيّة الأسفار المفقودة من هذه النُّسخة التي رواها عن ابن عبد الملك وقام بخدمتها وتوثيقِها خيرَ قيام. ونقولُ هذا لأنّ هذه النسخةَ انتهت كما ذكَرْنا إلى ابن مرزوق الكبير، وقد وجَدْنا له نُقولًا عن السِّفر الأول والسِّفر الثامن من هذه النسخة، وذلك في كتابه "المسنَد الصّحيح الحَسَن" (١) وساق مع هذه النقول تعقيباتِ التُّجيبيِّ عليها، ولو وصَلَتْ إلينا هذه النسخةُ تامّة لأغنت عن كلِّ تحقيق وتعليق.

стр. 124

والنصوصُ التي ذكرناها آنفًا صريحةٌ في أن التُّجيبيَّ يروي عن ابن عبد الملك ويعتبرُه شيخَه، ومن الغريب أنه لم يُشرْ إليه في "برنامَجه"، ولم يُجْرِ ذكْرَ "الذَّيل والتكملة" في هذا البرنامَج، وقد وجدناه يقول في آخِره: "وقد قرأت وسمعتُ غيرَ ما ذُكر على غير من ذُكر واقتصَرتُ على هذا القدَرْ مخافةَ الإطالةِ والإكثار، حسبما أعان عليه الوقتُ ولرغبة الأصحاب في الاختصار" (١)، أو لعلّ التُّجيبيَّ روى "الذّيل والتكملة" بعد أنْ فرَغَ من تأليفِ برنامِجَه. نستطيع القول بأن أهلَ العلم تداولوا كتابَ "الذَّيل والتكملة" بعدَ وفاة مؤلِّفه مباشرة، والأدلة تشهَدُ على أنه عُرف وقرئ بمَرّاكُش وفاسَ وسَبْتة وتلِمسان وتونُس وغَرناطة منذ مطلع القرن الثامن، واستُعمل بالمشرق في القرن التاسع، وقد أشار السَّخاويُّ إلى وقوفِه عليه وقراءته الأجزاء الخمسةَ الأولَ منه، كما عدَّه السُّيوطيُّ من مصادرِه في مقدّمة "بغية الوعاة" ونقَلَ عنه كثيرًا. وظلّ "الذّيلُ والتكملة" يُستعمَل ويُستنسَخ، فقد نقَلَ عنه من المتأخِّرين ابن غازي في "الرَّوض الهَتُون" و"شفاءِ العليل" مرّات، وابنُ القاضي المِكْناسيُّ مرارًا في "جذوة الاقتباس"، وأحمد بابا السّوداني وعبدُ الرّحمن الفاسيُّ في كتابه "استنزال السَّكينة"، ولا نعرفُ ماَلَ النسخة التي نقَلَ عنها هذا العالِم المتوفَّى في أواخِر القرن الحاديَ عشَرَ للهجرة. والجزءانِ الموجودانِ بالمتحف البريطاني هما من نسخةٍ حديثة نسبيًا، وناسخُ هذه النسخة التي لا نَعرِف مصيرَ الأجزاء الأخرى منها هو عبد الله بن عُمر بن عثمان التدغي. وثمّةَ نسخةٌ أخرى كانت حديثةَ التداول ومنها السِّفر الأول المحفوظُ بالخزانة الحَسَنيّة، إذ نقرأ في ظهر الورقة الأولى منه المُلكيّة الآتية:

стр. 125

"مُلكٌ لله بيد عبدِه محمد بن عبد القادر بن المعطي الشَّرقي القادرِي، تملَّكه بالشّراء من محروسةِ فاسَ سنة ١٢٤١ هـ". وكان هذا المخطوطُ في مكتبة ابن زَيْدان وقد اطّلع عليه واستعمَله حينئذٍ بعضُ المستعرِبين ومنهم كولان ودجياكومو وعلوش، ثم آلَ إلى الخزانة الحَسَنية ضمن المكتبةِ المذكورة. وقد يكونُ فيما سردناه ما يبعَثُ الأملَ في ظهور الأجزاء المفقودة من هذا الكتاب الجليل، وما ذلك على الله بعزيز. وقد نقَلَ عن "الذّيل والتكملة" جماعةٌ من المؤلّفين، منهم: ١ - ابن عِذاري: وقد سبقت الإشارةُ إلى النصُوص والأخبار التي صرَّح فيها بالنقل عن "الذّيل والتكملة". ٢ - ابنُ مرزوق: نقَلَ فِقراتٍ كاملة من السِّفرَيْن الأول والثامن، معَ تذييلاتٍ للقاسم التُّجيبيِّ الذي رَوى "الذّيلَ والتكملة" كما سبَقت الإشارةُ إلى ذلك. ٣ - ابنُ الخَطيب في "الإحاطة" فقد ذكَرَه عشَراتِ المرّات ونقَل من "الذّيل والتكملة" فقراتٍ بنصِّ المؤلف أو بتصرف. ٤ - السيُّوطي في "بُغية الوُعاة": استَخرجَ من "الذّيل والتكملة" الأندلسيِّينَ الذين يندرجونَ في طبقات النُحاة واللّغويِّين، وقد تتبّعنا المواضعَ التي نقَلَ فيها عن ابن عبد الملك وذكرَهُ بالاسم، فوجدناها تزيدُ على المئة، وهو ينقل عنه بتصرّف في الغالب ويلخِّص كلامَه. ٥ - ابن القاضي في "جذوة الاقتباس":وهو يختم تراجم متعدِّدةً من كتابه بهذه العبارة: "ذكَرَه ابنُ عبد الملك ولا نستبعدُ وقوفَه على "الذّيل والتكملة" ونقله عنه في "جذوة الاقتباس" و"دُرة الحِجَال". ٦ - ابنُ غازي: فقد وقَفَ على "الذّيل والتكملة" ونقَلَ منه في كتابه "الرَّوض الهَتُون"، قال في خلال سَرْدِه علماءَ مِكناس: "ومنهم الزّغابشةُ، وقد

стр. 126

انتقل بعضُهم لعُدوة الأندلس، وبعضُهم لمَوّاكُش، وقد ذكَرَ ابن عبد الملك في "تكملته" جماعةً منهم". كما نقَل عنه في كتابه "شفاء العليل في شرح مختصر خليل" ورسالة "الإشارات الحِسَان". ٧ - عبدُ الرّحمن الفاسيّ في كتابه "استنزال السَّكينة بتحديث أهل المدينة": فقد اعتَمَد على "الذّيل والتكملة" في تحقيق أسانيده، ونقَلَ عنه ترجمة ابن هشام الأوْسي المَوّاكشي. ٨ - محمدُ بن عبد الرّحمن الفاسيّ: نقَلَ في كتابه "المِنَح البادية" كلامًا لابن عبد الملك من ترجمة ابن خَيْر الأمويّ في "الذّيل والتكملة". ولا نريدُ أن نستقصي الذين نقَلوا عن "الذّيل والتكملة"، وفيمن ذكرنا منهم كفاية. قيمتُه التاريخيّة: يُعتبر كتابُ "الذّيل والتكملة" أبرَ معاجم الأعلام التي ألَّفها الأندَلسيّونَ والمغاربةُ قديمًا، وتقريرُ قيمته التاريخيّة من باب تحصيل الحاصل، فهي قيمةٌ واضحة للعيان سواءٌ بالنسبة إلى التاريخ الخاصّ أو بالنسبة إلى التاريخ العام. فأمّا قيمتُه بالنسبة إلى التاريخ الخاصّ، أي: تراجم الرّجال، فيمكنُ تلخيصُها فيما يلي: ١ - الاستيعاب: وهذه الصِّفة يشيرُ إليها عنوانُ الكتاب ويدُلُّ عليها منهجُه ومحتواه، فابن عبد الملك -كما يقول أستاذُنا المرحوم عبد العزيز الأهواني-. "لم يقتصرْ على التذييل علي كتابٍ واحد كما فَعَل ابنُ الأبّار وابن فَرْتون وابن الزُّبير في تكملتِهم وتذييلهم ووَصْلهم لكتاب ابن بَشْكُوال، ولكنه تصَدّى للتذييل على ابن بَشْكُوال والتكميل لابن الفَرَضي أصلَ ابن بَشْكوال في وقتٍ واحد، وجعل ذلك في عنوان كتابه، فجعل نفسَه نِدًّا لابن بَشْكوال، وقد أحسّ

стр. 127

ابنُ الزُّبير بخطورة ذلك وثقله"، وهو يشير إلى قول ابن الزُّبير- متحدِّثًا عن "الذّيل والتكملة"-: "ألزَمَ نفْسَه فيه ما يعتاصُ الوفاءُ به من استيفاء ما لم يلتزمْه ابنُ بَشْكوال ولا الحُمَيْديّ ولا ابنُ الفَرَضي ومَن سلَكَ مسلكَهم، وقد ذكرتُ مقصِد هؤلاء الأئمة في ذلك في أول كتابي هذا، وفي آخِره، بأشفى ممّا ذكرتُ هنا، لا جرَمَ أنّ ترجمة كتابه بالذّيل والتكملة تستلزمُ ما عَزَمَ عليه وتُطابقُه، إلا أن مقصِد من تقدّم ذكره ليس ذلك، وهما مقصدانِ ومقصِدُه منهما وافٍ بما قَصدَه الآخرون وزيادة لا تعيبُ مقصِدَهم، وفيها زيادة فائدة، نفَعَه اللهُ ونفعَهم بمنّه" (١). لقد استدرك ابن عبد الملك على ابن الفَرَضيّ ومن تلاه بعضَ أعلام القرون الأولى، ولكنّ معظمَ تراجم كتابه هم من أهل القرنين السادس والسابع، وهو حينما يعيدُ كتابةَ التراجم الموجودة عند سابقيه فإنّما لزيادة فائدة وإضافة شيء جديد أو لتصويب بعض الأخطاء والتنبيه على ما فيها من أوهام، ويبدو هذا عند معارضة تراجمه بتراجم "التكملة" لابن الأبّار أو "صلة الصِّلة" لابن الزُّبير. ٢ - طُول التراجم: كانت التراجمُ في بدايتها عند المحدِّثين -مثل البخاريِّ ومن اقتدى به من مؤلفي كتب التراجم والرجال -مبنيّة على الاختصار، أمّا تراجمُ ابن عبد الملك فإنّها "طويلةُ النفَس بالقياس إلى ابن الزُّبير وغيره من مؤلِّفي التراجم السابقينَ من علماءِ الأندلس" (٢)، وابنُ عبد الملك في هذا الاتجاه شبيهٌ ببعض أعلام المدرسة المَشْرقية في كتابة التراجم من أمثال ابن خَلّكان والذّهبي والصَّفدي، وابنُ عبد الملك لا يقتصرُ في الترجمة على اسم المترجَم وسَرْد بعض شيوخه، وقد يكون واحدًا، كقول ابن الفَرَضيّ في المحمدِيْن: "محمدُ بن فَرْحون

стр. 128

ابن ناصح الغافقيّ، من أهل تُطيلة، سمع من إسماعيلَ بن موصل"، وقولِه في حرف الحاء: "حَمْدونُ بن حَوْط، من أهل رَيُّه، ذكَرَه ابنُ سعدانَ في رجالها". ولكنه -أي: ابنَ عبد الملك- حينما تتوفّر لديه المادةُ التاريخية يُسهبُ في كتابة الترجمة، فيرفعُ نسَب المترجَم إلى أعلى جَدّ له ويفصِّلُ القولَ في نسَبِه ونسبتِه ويستقصي في عدّ شيوخه وتلاميذه ومؤلّفاته، ويسوقُ نماذجَ من آثاره وشعره ونثره، وقد يلخّص برنامَج المترجَم إن كان له برنامَج. ومن تراجمه المطوّلة في السِّفر الأول: تراجمُ ابن الزُّبير، وأبي العبّاس القنجايري، وابن عَمِيرة، وابن الرُّومية، وغيرِهم، وترجمة أبي محمد ابن القُرطبيِّ في السِّفر الرابع، وتراجمُ: ابن جُبَير والرُّعيني وابن مؤمن وغيرهم في السِّفرين الخامس والسادس، وتراجمُ: ابن القَطّان وأبي الحَسَن الشارّي وأبي الخَطّاب ابن الجُمَيِّل وغيرهم في السِّفر الثامن. وابنُ عبد الملك يتتبّعُ أسماءَ المؤلَّفات في استقصاءٍ يقلُّ نظيرُه، والباحثون مَدِينونَ له في أنه حَفِظ لنا -على سبيل المثال- قائمة تامّة بأسماءِ مؤلفات الفيلسوف ابن رُشْد. ويمكنُ القولُ بإجمال بأنّ بعضَ تراجم "الذّيل" يمكن أن تتألّفَ منها تراجمُ مفردة، وهي تقدِّم مادةً غزيرة لمن يريدُ أن يتوسّع في دراسة بعض الشخصيّات وتحليل جوانبها المختلفة، وحينما درسنا شخصيّةَ ابن عَمِيرة وجدنا في "الذّيل والتكملة" بُغيتَنا وعُمدتنا ومصدرنا الأول. ٣ - كثرةُ الاختيارات الأدبية ووَفْرةُ النصُوص: الشّعرية والنثرية: فإذا كانت تراجمُ ابن الفَرَضي وغيره تتّسم بالجفاف والخلوِّ من العنصر الأدبي، فإنّ "الذّيل والتكملة" يحتوي على ذخيرة أدبيّة تجعلُه أحيانًا "أشبهَ بكتاب الذّخيرة لابن بسام منه بكتابَي ابن الفَرَضي وابن بَشْكُوال" كما يقول أستاذنا المرحوم عبد العزيز الأهواني، وسأعود إلى هذه النقطة بعد قليل.

стр. 129

٤ - النقد: يتميز "الذّيل والتكملة" بمادّته الغزيرة في النقد، وهو في الكتاب أنواع، فمنه نقدٌ إسناديّ تاريخيّ، ومنه نقد علمى يتناول بعضَ الآثار العلميّة بالنقد والمحاكمة، ومنه نقد أدبيّ يتمثّلُ في خَطَراتٍ نقديّة أدبيّة مبثوثة في الكتاب. فمن النوع الأول مبحثُ سلسلة نَسَب رزق الله ابن أكينةَ في ترجمة أحمدَ بن بالغ (١)، ومبحثُ ضبط اسم ضُمام أو هُمام بن عبد الله (٢)، ومبحث تحقيق شخصية أبي البساتين الواعظ الصُّوفي (٣)، ومبحثُ المُنَيذِر الإفريقيّ الصّحابي وحديثه (٤). ويندرجُ في هذا النوع تحقيقاتُه في أسماء بعض المترجَمين أو أنسابهم أو وَفَياتهمِ وتصويباتُه لأوهام بعض المؤلِّفين في ذلك، كابن الزُّبير وابن الأبّار وابن فَرتونَ وغيرِهم. ومن النوع الثاني: ما نقرؤه في تراجم ابن الزُّبير والمَلّاحي. أمّا النوعُ الثالث فسنعرض له عندَ الحديث عن أدب ابن عبد الملك. ٥ - رفع الأنساب: من خصائص "الذّيل والتكملة" رفعُ أنساب المترجَمين واجتهادُ مؤلّفِه في ضبطها، وانتقادُه "قلبَ الأنساب الذي وقَعَ فيه كثيرٌ من المؤرِّخين". وقد رفَعَ أنسابَ عدد كبير من المترجمين إلى أجدادِهم الأعلَيْنَ الداخلينَ إلى الأندلس نقلًا من خطوطهم أو اعتمادًا على بعض النّسّابين الأندَلُسيِّين كابن حَزْم والحكيم وغيرهما. ونجدُه يُعنى كذلك برفع أنساب بعض المذكورينَ عَرَضًا في كتابه مثل: أبي ذُؤيب الهُذَليّ وابن دُرَيْد وأبي العتاهيَة، كما يعرِضُ إلى مناقشةَ بعض الأنساب كنسَب المنتسبينَ إلى خالد بن الوليد، وبالجملة، فالكتابُ يؤكِّد ما وُصِف به ابنُ عبد الملك من أنه "نَسّابة".

стр. 130

٦ - الترتيبُ المُعجَمي: يتميّز "الذّيلُ والتكملة" بتنظيمه المعجَميِّ الدّقيق على أساس الترتيبِ المشرِقيّ لحروف المعجَم، وقد شَرَحَ ابن عبد الملك كيفيّةَ هذا الترتيب في مقدّمة الكتاب، وهو يُراعي الترتيبَ في أسماءِ المترجَمين وكُناهم وعَمُود نسَبِهم وشيوخِهم وتلاميذهم في نَسَق غريب لا شكّ أنه كلّفه كثيرًا من جهده ووقته، كما يدُلّ على قوة طاقته وشدّة احتماله وقُدرته الفائقة على الترتيب ووَلَعِه الشديد بالتنظيم. وأمّا قيمةُ "الذّيل والتكملة" بالنسبة إلى التاريخ العامّ ولا سيّما تاريخُ المغرب والأندَلس، فتتجلّى من جهة في الاستطرادات التاريخيّة المتعدِّدة التي وَرَدت خلال عدد من تراجم الكتاب، وقد عُدّ "الذّيل والتكملة" من أجل ذلك ضمن مصادرِ بعض الحَوْليّات التاريخية مثل: "البيان المُغرِب" لابن عذاري وغيره. وهي تتجلّى -من جهة ثانية- في الموادِّ والعناصر الجزئية المختلفة المبثوثة خلال التراجم، وهي تنفعُ المؤرِّخ في تأليف الصُّورة العلميّة أو الاجتماعية لعصر من العصور، ومن الملاحَظ أنّ بعضَ المشتغلينَ بالتاريخ قد لا ينتبهونَ إلى قيمة كُتب التراجم كمصادرَ تاريخيّةٍ أساسيّة، ولا ينتفعون بما تشتملُ عليه من مادّة تضيف الكثيرَ إلى ما تُقدّمه الحَوْليّات التاريخية. وعندما تضيعُ هذه الحَوْليّاتُ التاريخية-كما هو الشأن بالنسبة إلى تاريخ المَغرب- فإنّ المشتغلَ بالتاريخ يستطيعُ أن يجدَ شيئًا من العِوض في كُتب تراجم الرّجال مثل "الذيل والتكملة". قيمتُه الأدبيّةُ والعلمية: لا يخفَى ما لكتاب "الذّيل والتكملة" من قيمة أدبيّة وعلميّة، ويكفى إلقاءُ نظرة على فهارِس القوافي والرسائل الأدبيّة في المجلد الأخير من هذه النشرة، فهذه الفهارسُ تدُلُّنا على الثروة الأدبيّة التي يحتوي عليها الكتاب، وهذه النصوصُ

стр. 131

الأدبية المبثوثة خلال التراجم تميِّز هذا الكتابَ عن كُتب ابن الفَرَضيّ وابن بَشْكُوال وابن الأبّار وابن الزُّبير في الموضوع، وهي نصوصٌ متنوعة، فمنها: مقطَّعات في الوصايا والعِظات والأغراض الزُّهدية والوَعْظيّة والخُلُقيّة بصفة عامة، ومنها مطوَّلاتٌ في التوسّل وفي المديح النبويّ وغيره وفي الرثّاء والوصف، ومنها ما يدخُل في باب المطارَحات الإخوانيّة والمعارَضات الشّعرية، ومنها جملةٌ كبيرة من النّظم التعليميّ في مسائلَ لُغَويّة وعَرُوضيّة وفقهيّة وفَلَكيّة وحديثيّة، وقد نوّه الأستاذُ الجليل السيد محمد الفاسيّ بحُسن اختيار ابن عبد الملك للقصائدِ والمقطَّعات الشّعرية، ولاحَظَ أننا لا نكادُ نجدُ فيه قصيدةً في مدح الملوك والأمراء، وهي ملاحظةٌ لا تستندُ على الاستقراء التامّ، فالواقعُ أنّ الأسفارَ التي بين أيدينا تشتمل على قصائدَ ومقطَّعات في مدح الخلفاء والأمراء الموحِّدينَ ومنهم عبدُ المؤمن ويعقوبُ المنصور وأبو العلاء المأمون والرشيدُ وغيرُهم. ويشتملُ الكتابُ على طائفة كبيرة من الرسائل الإخوانيّةِ وغيرها، كما يشتملُ من جهة ثانية على نَظَرات مهمّة في النّقد الأدبي، وجُلُّ هذه الحصيلة الأدبيّة إن لم نقل: كلُّها، هي من النِّتاج الأدبيِّ في عصر الموحِّدين، ومن ثم فإنه لا غنى لدارس الأدب المغربيِّ والأندَلسيّ في هذا العصر من الرجوع إلى "الذّيل والتكملة" واستغلال مادّته الأدبيّة واعتماده ضمنَ المصادر الأوّليّة، وهذا طبعًا زيادة على قيمته الكبرى وفائدته العظمى في تصوير العصر ورجاله، ولا مجالَ هنا لدراسة هذا الأدب وتحليله، وحسبنا هنا الإشارةُ والتنبيه. وأمّا قيمة "الذّيل والتكملة" العلميّة فهي أوسعُ من قيمتِه الأدبية؛ لأنّ الحياةَ العلميّةَ من حيث حركةُ التعليم والتأليف هي محِورُ الكتاب ومدارُه، وذلك من خلال الأعلام المترجَمين، وحسبنا هنا أيضًا الإحالةُ على فهارس الكُتُب المستخرجَة من الأسفار الموجودة والمثبَتة في المجلد الأخير من هذه النشرة، وسيقتنعُ الواقف عليها والمتصفّح لها أنها تؤلّفُ القاعدةَ العريضة لمن يدرُس الحركةَ العلميّة والفِكرية في عصر الموحِّدين دراسةً منهجيّة ومتقصِّية.

стр. 132

ب - الجمعُ بين كتابي ابن القَطّان وابن المَوّاق على كتاب "الأحكام" لعبد الحق ابن الخَرّاط. تحدّث المؤلّف عن كتابه هذا وظروفِ تأليفه فقال في ترجمة ابن المَوّاق: "وله تعقُّبٌ على كتاب شيخِه أبي الحَسَن ابن القَطّان الموسوم بـ "الوَهْم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام" جمْعَ أبي محمد عبد الحقّ ابن الخَرّاط الجاري عليه اسم "الأحكام الكبرى"، ظهر فيه إدراكُه ونُبلُه ومعرفتُه بصناعة الحديث واستقلالُه بعلومه وإشرافُه على عِلَلِه وأطرافِه وتيقظُه وبراعةُ نقدِه واستدراكِه، وقد عُنيتُ بالجَمْع بين هذين الكتابَيْن مضافَيْنِ إلى سائر أحاديثِ الأحكام وعلى ترتيبهما وتكميل ما نقَصَ منهما، فصار كتابي هذا من أنفع المصنَّفات وأغزرِها فائدةً، حتى لو قلتُ: إنه لم يؤلّفْ في بابه مثلُه لم أُبعد، والله ينفعُ بالنيّة في ذلك" (١). إنّ عملَ المؤلّف في هذا الكتاب من حيث إنه تذييل وتكميل يُشبهُ عملَه في "الذّيل والتكملة"، ولو وَصَل إلينا هذا الكتابُ لكشَف عن جوانبَ من عبقريّة ابن عبد الملك وعقليّتِه الموسوعيّة. وقد نَوَّه به بعضُ المحدِّثين، وأُعجب به آخرونَ منهم؛ إذْ وقَفَ عليه ابنُ الزُّبير واستَنْبلَه، كما أنّ العَبْدَريَّ صاحبَ الرحلة كان مُعجَبًا به فيما يبدو، وبَلَغَ خبرُه إلى ابن دقيقِ العيد. وإذا كان كتابُ "الذّيل والتكملة" تذييلًا وتكميلًا لكتابَيْن في التراجم هما: تاريخُ ابن الفَرَضي وصِلةُ ابن بَشْكُوال، فإنّ كتابه هذا الثانيَ هو تذييلٌ وتكميل لثلاثة أعمالٍ في الحديث أو أحاديثِ الأحكام على وجه الخصوص، وهي: ١ - الأحكام الكبرى: لعبد الحقّ بن عبد الرّحمن الأزديّ الإشبيلي، يَذكُر ابنُ عبد الملك أنّ مؤلّفَه حَذا فيه حَذْوَ شيخه أبي العبّاس أحمد بن أبي مروان

стр. 133

الإشبيليّ الذي كان يقال فيه: بُخاري زمانِه وابنُ مَعِين وقتِه، "وألّف في السُّنن كتابَه الكبير المسمى بـ"المنتخَب المنتقَى" جمَعَ فيه مفترِقَ الصّحيح من الحديث الواقع في المصنَّفاتِ والمسنَدات، وطريقَه هذا حذا أبو محمدًا عبد الحقّ بن عبد الرّحمن ابن الخَرّاط في كتابه "الأحكام"، إذ كان ملازمًا له ومستفيدًا منه". وكتاب "الأحكام" هذا منه نُسَخٌ كبرى وصُغرى ووُسطى، ولعبد الحقّ كُتُبٌ أخرى، "والذي كثُر تداولُه بين أيدي الناس من كُتُبه هو الأحكامان: الكبرى والصغرى" حسَبَ عبارة الغُبْريني (١)، وتوجدُ بعضُ النُّسخ المخطوطة من "الأحكام الصغرى" و"الأحكام الكبرى"، وهذه الأخيرةُ هي المقصودة هنا. وقد أثنى علماءُ الحديث على هذا الكتاب واهتمّوا به كثيرًا، وكان محلَّ إضافاتٍ وتعقيبات من بعضِهم، ذَكَرَ ابنُ عبد الملك في ترجمة أبي عبد الله محمد ابن الصَّيْقَل أنه "استدرك على الأحكام الكبرى لعبد الحقّ أحاديثَ كثيرةً في أكثر الكُتُب رأى أنّ أبا محمد أغفَلَها وأنّها أوْلى بالذّكر ممّا أورَدَه أبو محمد في الأحكام، ودَلّ ذلك على حُسن نظرِه وجَوْدة اختياره"، كما أنّ ابن حمّاد والصنهاجيَّ ألّف كتابًا في الإشادة بكتاب شيخه أسماه: "الإعلام بفوائد الأحكام"، وقد عُني بشرح ما فيه من غريب الحديث؛ ولا بدّ أنّ ابنَ عبد الملك استفاد من هذَيْن العمَليْنِ، كما استفاد من الكتاب الذي نَذكُرُه فيما يلي: ٢ - بيانُ الوَهْم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام لابن القَطّان: وهو تعقيبٌ وتذييلٌ على الكتاب السابق، وذَكَر ابنُ عبد الملك أنه يقعُ "في مقدار الأحكام الشرعيّة الكبير وعليه وَضَعَه"، ومن العبارة الأخيرة نتأكّد أنّ "الأحكام الكبرى" هي التي كانت محوَرَ الذّيول المتلاحِقة، ويوجد خلافُ هذا في عنوان الدِّراية للغُبْرينيّ الذي يقول: "وقد كتَبَ أبو عبد الله ابنُ القَطّان مِزْوارُ الطلبةِ بالمغرب على "الأحكام الصغرى" نكتًا واستلحاقًا، وكتَبَ غيرُه عليها ردًّا

стр. 134

وإصلاحا". وذكر التُّجيبيُّ في برنامجِه "كتابَ الوَهْم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام" وسندَه في روايته ثم قال: "وهذا الكتابُ موضوعٌ على النُّسخة الوُسطى من "الأحكام" تأليفَ أبي محمد عبد الحقّ" (١)، وكلامُ ابن عبد الملك أولى بالأخذ وأجدَرُ بالاعتماد؛ لأنه وقَفَ على الكتابَيْن -كتابَيْ عبد الحقّ وابن القَطّان- واشتغل بهما. وقد اشتُهر كتابُ ابن القَطّان هذا ووَصَلَ خبرُه إلى المشرق وذُكر في مصادرَ متعدِّدة وتعقَّبه فيه الحافظُ الذّهبيُّ في مصنَّف كبير، وقد امتَدحَ حفظَ ابن القَطّان وقوَّة فهمِه، لكنّه مثل ابن الزُّبير انتقد تعنُّتَه وقلّةَ إنصافِه، كما رتبه الحافظ مغلطاي وأضافه إلى كتاب الأحكام وسمى عمله "منارة الإسلام" ٣ - تعقيبُ ابن المَوّاق على ابن القَطّان: وقد أورَدْنا آنفًا كلامَ ابن عبد الملك في وَصْفه، وَيذكُر المرحوم الأستاذ العابدُ الفاسيّ أنه وقَفَ "على النقل من كتاب ابن المَوّاق هذا غيرَ مرّة بخطِّ أبي العلاء العراقيّ ﵀، مما يدُلّ على أنّ الكتابَ كان معروفًا بفاسَ إلى القرن الثانيَ عشرَ" (٢). ٤ - الجَمْعُ بين "الوَهْم والإيهام" لابن القَطّان والتعقيب عليه لابن المَوّاق: وهذه هي الحلقة الأخيرةُ في هذه السِّلسلة التي بدأت بعبد الحقّ الإشبيلي أو شيخِه كما ذكَرْنا سابفا وانتهت بابن عبد الملك الذي استَفْرغَ جهدَه في الجمع والاستقصاء وأعجِب بعمله فصرَّح في لهجةِ المعتَدّ بصنيعِه الواثق من عملِه: "لو قلتُ: إنه لم يؤلَّفْ في بابِه مثلُه لم أُبعِدْ". وقد حدَّث بكتابه هذا في حياته وأجاز به بعضَ تلاميذه ومنهم: أبو الحَسَن المطماطيّ، قال: "وحدّثني (أي: ابن عبد الملك) - فيما أجازَني- بكتابه الذي ألّفه على "الأحكام الكبرى"

стр. 135

لأبي محمد عبد الحقّ بن عبد الرّحمن الأزدي؛ وذلك أنّ أبا الحَسَن ابنَ القَطّان ألّف كتابًا على كتاب "الأحكام" المذكورة سمّاه "الوَهْمَ والإيهام"، ثم إنّ الفقيهَ المحدّث أبا عبد الله محمدَ بن أبي يحيى المَوّاق أكمَلَ ما أغفَلَه أبو الحَسَن المذكور، ثم إنّ الشّيخَ أبا عبد الله ابن عبد الملك تمَّم ما أغفلاه" (١). كما أنّ العَبْدَريَّ -وهو من أقران ابن عبد الملك وأصحابِه- اطّلع على هذا الكتاب وتحدث عنه. قال في رحلته واصفًا لقاءه لابن دقيقِ العيد بمصر: "وفي أول ما رأيتُه قال لي: كان عندَكم بمَرّاكُش رجل فاضل، فقلت له: من هو؟ فقال: هو أبو الحَسَن ابنُ القَطّان، وذكَرَ كتابَه "الوَهْم والإيهام" وأثنى عليه، فذكرتُ له ردَّ ابن المَوّاق عليه وأنه تركه في مسَوّدتِه فعانى إخراجَه صاحبُنا الفقيه الأديبُ الأوحد أبو عبد الله ابن عبد الملك حفظه الله، فقال لي: مَن هذا الرجل؟ فعرَّفتُه به وبما حضَرَني من تحليتِه وما أذكُر من تقاييدِه، فعَجِب من ذلك وكتَبَ ما أملَيْتُه عليه" (٢). وعبارةُ العَبْدَريّ تُشعرُ أنّ ابنَ عبد الملك لم يزدْ على أنه أخرَج كتابَه من مسَوّدتِه، ولكنّ كلامَ ابن الزُّبير صريحٌ في أنه جمَعَ بين كتابَي ابن القَطّان وابن المَوّاق "معَ زياداتٍ نبيلة من قِبَلِه"، وكذلك كلامُ أبي الحَسَن المطماطيِّ الذي يؤكّد أنّ ابنَ عبد الملك تمَّم ما أغفَلَه ابنُ القَطّان وابنُ المَوّاق، أمّا ابنُ عبد الملك فيُخبرنا أنّ عملَه يتألّفُ من أربعة أشياءَ هي: الجَمْعُ والترتيب والإضافةُ والتكميل، أي أنه عمل منهجيّ موسوعيّ كعمله في "الذّيل والتكملة". ولو وصل إلينا الكتابُ لكان دليلًا على باع ابن عبد الملك الكبير في الحديث وعلو كعبِه وسعَة اطّلاعه، ولكان بُرهانًا آخرَ على قدرته الخارقة على التنظيم والترتيب.

стр. 136

جـ - الجامعُ في العَروض: هكذا سمَّى ابنُ عبد الملك كتابَه هذا في ترجمة محمد بن شَدّاد، وذلك في أعقاب مسألةٍ عَروضيّة، قال: "وقد أشبَعتُ القولَ في هذا وبيّنت عملَ العرب في موضعِه من كتابي: الجامع في العروض" (١). وإذا كان هذا الكتابُ يُعَدُّ من كُتُبه المفقودة فإنّ "الذّيل والتكملة" يشتملُ على مباحثَ عَروضيّة تدُلُّ على معرفته واهتمامه بالعَروض كما أشَرْنا إلى ذلك فيما سبَق، ونقتبسُ هنا -بمناسبة ذكْرِ كتابه الضائع في العروض- فقراتٍ في مسائلَ عَروضية ورَدَت في "الذّيل والتكملة"، قال معقِّبًا على هذا البيت من قطعةٍ لأبي محمد طلحة: كسَتْ شمسُ دينِ المصطفى كلَّ ما بها ... فللنورِ في الأوراق رَوْقٌ عجيبُ: "وما ينبغي التنبيهُ عليه أنّ الأستاذَ أبا محمد طلحةَ نبَّه فيما وقَفْت عليه بخطِّه على قوله: "رَوْقٌ" بما نصُّه: مزحوفٌ جائز. وليس ما قاله بصحيح عند حُذّاق العَروضيِّينَ حسبما تقَرَّر من اصطلاحهم، بل هو سالمٌ غيرُ مزحوف؛ لأنه فعولن على أصله، وبيانُ ذلك أنّ هذه القطعةَ من الضَّرب الثالث من الطويل وهو المحذوف، كان أصلُه: مفاعيلن، فحُذف، والحذفُ: إسقاطُ متحرِّك وساكن من آخِر الجزء، وهو المسَمَّى عند العَروضيِّين سببًا خَفيفًا، فصار الجُزءُ بعد الحَذْف: مفاعي، فنُقل إلى مثل وزنه وهو: فعولن، وكثُر في فعولن الذي قبلَه الزِّحاف المسَمَّى عندَهم بالقَبْض، وهو: حذفُ الساكن الخامس من الجزء، وكان أصلُه: فعولن، فانتقل -بالقَبْض- إلى: فعول، واستُعذِب في الذّوق حتى صار مُزاحَفُه أعذبَ من سالمِه وذلك ليستتبَّ لهم ما اعتمدوه من بناءِ دائرة الطويل على اختلاف أجزائها، فتبيَّن بما قلناه أنّ الجزءَ الذي نبَّه أبو محمدٍ على أنه مزحوفٌ هو السالم، ومثلُه ما أنشَد الخليل: أقيموا بني النُّعمانِ عنّا رؤوسَكمْ ... وإلا تُقيموا صاغرينَ الرؤوسا

стр. 137

وإنّ ما سواه من الأجزاءِ الواقعة موقعَه من سائر أبياتِ القطعة مزحوفةٌ، وهي أعذبُ في الذّوق، فإن قلتَ: لعلّه يكونُ ذلك على اصطلاح بعض العَروضيِّين في إطلاقِهم الزِّحافَ على كلِّ تغيير، قلنا: لا تغييرَ في هذا؛ لمجيئه على أصله، اللهمّ إلا أن يكونَ في الذّوق، وهم لم يعتبروه ولا وضَعوا له لقبًا حتى يكونَ له أثرٌ، وما لا أثرَ فيه للزِّحافِ فإنّما يقال فيه: سالمٌ، عندَ الجميع، فتأمَّلْه، واللهُ الموفِّق لا ربّ غيره" (١). وقال عَقِب هذه الأبيات: رأيتُ الإنقباضَ أجلَّ شيءٍ ... وأدعى في الأمورِ إلى السلامَهْ فهذا الخَلقُ سالِمْهم ودَعْهم ... فخُلطتُهم تعودُ إلى النّدامَهْ ولا تُعنى بشيءٍ غيرِ شيءٍ ... يقودُ إلى خلاصك في القيامَهْ "وفي صَدْر البيت الأول: رأيتُ الإنقباضَ" فيَضبِطُه بعضُهم بقَطْع همزة الوَصْل ترجيحًا للزِّحاف الحَسَن، وهو: إسكانُ الخامس من مفاعلتن المسَمَّى بالقَصْر على الزِّحاف القبيح وهو: ذهابه رأسًا ويسمى العَقْل. وفي صدر الثالث: "ولا تُعنى" يُثبتُ بعضُهم فيه الألفَ، وهو من قَبِيل ما تقدَّم في قَطْع همزة الوَصْل من الانقباض، ولو وَصَل بإسقاط الهمزة وحَذف الألف للخَرْم لم يَنكسِر البيتان ولكنهما يكونانِ مشتملَيْنِ على زحافٍ قبيح كما تقَدَّم، وكثيرًا ما تفِرُّ العربُ من الزِّحَاف القبيح إلى الزِّحاف الحَسَن، ومن الزِّحاف الحَسَن إلى السلامة حرصًا عليها أو على ما يَقرُبُ منها إلا في مواضعَ كان المُزاحَف فيها أعذبَ من السالم؛ وقد أشبعتُ القول في هذا وبيّنت عملَ العرب فيه في موضعِه من كتابي: "الجامع في العَروض"" (٢).

стр. 138

وقال بعدَ إنشاد هذَيْن البيتين: يا موقظَ النفْس علِّمَنْها ... ولاتكِلْها إلى الجهاله فالشمسُ بدرٌ والعلم شمسٌ ... والجهلُ فيها سوَادُ هالهْ: "قال المصنّفُ عفا الله عنه: هذان البيتان لزُوميّان، ولا يصحُّ في ثانيهما أن يكونَ مُخلَّعًا لوقوع "مفعولن" -في صَدْره- موقعَ "فاعلن"، ومخرَجُه عندي من المُنسرح على رأي لي فيه قرّرتُه في غير هذا الموضع، ليس هذا الكتابُ موضعَ بَسْطِه، وإذا كان كذلك استُجرَّ الأولُ إليه، فاعلَمْه" (١). وقال في ترجمة أبي عبد الله ابن الحَنّاط: "ولأبي عبد الله أشعارٌ ذهب إلى الإغراب فيها بنظمِها على غير أوزان الشعر العربيّة المحفوظة عن العرب، منها قولُه: لو كان يدري بما فعلْ ... أحيا المحبَّ الذي قتَلْ وهذا وزنٌ لم تنظِمْ عليه العرب، وهو قد غيَّر فيه مجزوءَ البسيط الذي شاهدُه: ماذا وقوفي على رَسْمٍ خلا ... مُخْلَولقٍ دارسٍ مستعجمِ فاستعمَلَه أحدَ العَروض والضّرب مخبونًا، فكان تفعيلُه: مستفعلن فاعلن مستفعلن، فأصابه الحَذَذ، وهو: إذهابُ الوتد رأسًا وهو "علن"، فبقي "مستَفْ"، ثم خَبَنَ فحَذَفَ ثانيَه فصار "مُتَفْ"، فنُقل إلى مثل وزنه وهو "فَعِلْ"، فصار كلُّ واحد من الشطرَيْن: مستفعلن فاعلن فعلْ، وهو وزن لم يرِدْ عن العرب" (٢). وتجدُرُ الإشارة بعدَ هذا إلى ملخَّص مركَّز في العَروض لأبي محمد ابن القُرطُبيّ أوردَه ابنُ عبد الملك في السِّفر الرابع كما أنه نصّ على وقوفه على عدد

стр. 139

من المؤلّفات في العَروض، وهو فنٌّ أكثَرَ الأندَلسيّونَ والمغاربةُ من التأليف فيه ولا سيّما في عصر ابن عبد الملك، ونحن نعرف ثلاثةَ أعلام على الأقل كانوا يتسابقونَ في هذا المضمار، وهم: صاحبُنا ابن عبد الملك وابن رُشيد صاحب الرحلة المعروفة والقللوسي. د - مقالة في ضبط عُنوان "الملخّص": صنَّف أبو الحَسَن عليّ، المعروفُ بالقابِسيّ، كتابًا في الحديث جمَعَ فيه ما اتّصل إسنادُه من حديث مالك بن أنس في "الموطإ" روايةَ ابن القاسم، وسَمَّى كتابه "الملخّص". وقد اختَلفَ الناسُ في قراءة هذا العنوان وضَبْطه، فمنهم من ينطِقُه بكسرِ الخاء ومنهم من ينطِقُه بفتحها، وجاء في ترجمة أبي العبّاس ابن شاب من "الذّيل والتكملة" ما نصُّه: "وله (أي: لابن شاب) كلامٌ حَسَن على ترجمة (عُنوان) الملخّص لأبي الحَسَن عليّ بن أبي بكر محمد بن خَلَف المَعافِريّ القَيْروانيّ المعروف بالقابِسيّ من الاختلاف في كسرِ الخاء، وهو رأي أبي عثمانَ بن سَعيد المقرئ، وفتحِها، وهو رأيُ أبي القاسمَ المُهلَّب بن أبي صُفْرة، وكلاهما حمَل الكتابَ على جامعِه، صرَّح فيه أبو العباس ابن شاب بإبطالِ الفتح وصحَّح الكسرَ وصوَّبه. قال المصنِّف عفا اللهُ عنه: لم يقَعْ إليّ هذا الكلامُ على هذه الترجمة فأعرِفَ مأخَذَه فيه ولا احتجاجَه لِما صوَّبَ وأبطل. وعندي أنّ الوجهَيْن صحيحان، واقتضاب القول في ذلك: أنّ ما اتّصل إن كان مفعولًا به للملخِّص ترجَّح الكسر، وإن كان معمولًا للمتحفِّظينَ تعيَّن الفتح، وقد بسَطتُ الكلامَ في ذلك في مقالة لي على ذلك اشتملت على فوائدَ جليلة، ولكلّ ذي رأي اختيار؛ والله الموفِّق لا ربَّ غيرُه" (١).

стр. 140

وهذا الخلافَ الذي اشترك فيه المؤلف في ضبط عَنوان "الملخص" شبيهٌ بالخلاف الذي وقَع في عنوان "المُسهب" للحِجَاري، وهو خلافٌ رواه المقّري بالتفصيل في "نَفْح الطّيب"، ومثلهما في ذلك عنوان "المُقتبس" لابن حَيّان. فهذه المقالةُ المفقودة هي مقالةٌ في مبحثٍ نَحْويّ، وصَفَها مؤلّفها -مفتخرًا بعلمِه على عادته- بأنها "اشتملت على فوائدَ جليلة". ونقفُ في "الذّيل والتكملة" على ملحوظاتٍ نَحْويّة له، كتعليقِه على قول الأمير تميم بن المعزّ: أُقيمُ وترحَلُ ذا لا يكونُ ... لئن صَحَّ هذا ستَدمَى عيونُ وعلى قول ابن الحَنّاط: لئن كان من قبلِهِ جَدُّه ... علينا الوَصيَّ فهذا الأمينُ بما يلي: "قال المصنِّف عَفا الله عنه: تلقِّي القَسَم بحرف التنفيس كما وقَع في عَجُز البيت الأولى من بيتَيْ تميم لا يجوزُ، كما لا يجوزُ تلقِّيهِ بالفاء كما في عَجُز البيت الآخِر من أبياتِ ابن الحَنّاط، فغلَطُهما من باب واحد، وإنّما غلطُهما مراعاةُ الشرط الذي تقتضيه "إن" التي دخَلت عليها اللام، والعربُ لا تعتبرُه وإنّما تُراعي المقدَّم من القَسَم إذا اجتَمَع معَ الشّرط وإياه تُجيب، قال اللهُ سبحانه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وقال: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ﴾ [الروم: ٥٨] في آيٍ كثيرة، وقد غَفَلا عن هذا القانون أو جَهِلاه، واللهُ أعلم" (١). هـ - مقالة حولَ كتاب الأربعينَ حديثًا للمَلّاحي: ذكَرَها ابنُ عبد الملك في ترجمة المحدِّث المؤرّخ الغَرْناطي أبي القاسم محمد المَلّاحي، قالى في وَصْف كتاب "الأربعين حديثًا" لهذا الأخير: "ومنها:

стр. 141

أربعونَ حديثًا، وترجمته (أي: عنوانُه): كتابُ الأربعينَ حديثًا عن أربعينَ شيخًا من أربعينَ قبيلة في أربعينَ بابًا من العلم من أربعينَ بينَ مُسنَد ومصنّف هم أربعينَ من التابعينَ ﵃ بأربعينَ اسمًا من أربعين قبيلةً عن أربعينَ من الصّحابة ﵃ بأربعينَ اسمًا من أربعينَ قبيلةً معرِّفًا بجميعهم ﵏ من صحيح حديث رسُول الله ﷺ " هكذا ترجمةُ الكتاب، وذَكَرَ في متنِه بدَلَ "عن أربعينَ من التابعين ﵃": "مُسنَدةً إلى أربعينَ رجلًا بين صَحابيّ وتابعيّ بأربعينَ اسمًا من أربعينَ قبيلةً من قبائل العرب" وسائرُ الترجمة وافق لفظًا ومعنى أو معنًى ما في مَتْن الكتاب. قال: "وهذه أعجوبةٌ محجوبة، حجَبَها اللهُ تعالى، فلم يقَعْ أحدٌ في علمي عليها، فله الحمدُ والشكر أنْ هداني ووفَّقني إليها". قال المصنّفُ عَفَا اللهُ عنه: "ما تضمّنتْه هذه الترجمةُ من ذكْرِ أنواع الأربعين لا يصحُّ أكثرُها ولا يَسلَمُ على الانتقاد منها إلا أقلُّها، وقد نبَّهت على ما لحِقَه فيما أخَلّ به من ذلك في مقالة بيّنتُ فيها معتمَدَه ومَنْحاه" (١). وهذه المقالةُ جزءٌ من نشاط ابن عبد الملك في الحديث، ولا شك أنه أبان فيها عن تضلُّعه فيه وتبحُّره في النّقد الإسناديّ الذي شَهِدَ له أئمةُ المحدِّثينَ بالتبريز فيه. و- تقاييدُه: أشار العَبْدَريُّ، في حديثه عن تعريفه بابن عبد الملك الذي أملاه على ابن دقيقِ العيد، إلى تقاييدِ ابن عبد الملك قال: "فعرَّفتُه به، وبما حضرني من تحليتِه، وما أذكُر من تقاييدِه" (٢). وهذا يجعَلُنا نقدِّر أنّ لابن عبد الملك تقاييدَ ورسائل، غيرَ ما ذكَرْنا، في موضوعاتٍ مختلفة لا نعرفُ عنها شيئًا.

стр. 142

وقد وجَدْنا ابنَ عبد الملك في "الذّيل والتكملة" يعبّر عن نيته التفرُّغَ لبعض الموضوعات، قال متحدّثًا عن كتاب "أسانيدِ الموطإ" لأبي محمد القُرطُبي واستدراكِ ابن الأبّار عليه: "وفي أمَلي التفرغُ لالتقاطه إن شاء الله، وأرى أنه محَلُّ استدراك، ومجال اشتراك، فقد وقَفْت على ما لم يَذكُراه، وعثَرتُ فيما طالعتُ على ما لم يَسطُراه، والإحاطةُ لله" (١). هذا، وقد يكونُ ابن عبد الملك أشار إلى شيءٍ من مؤلفاتِه وتقاييدِه في الأسفار المفقودة في "الذّيل والتكملة". ز - شعرُه ونثرُه ونَقْدُه: أشَرْنا، في معرض الحديث عن ثقافة ابن عبد الملك، إلى عنايته بالأدب وأدواته، ويبدو أنه خلف ثروةً أدبيّة ولكنّها ضاعت ولم يبقَ منها إلا نماذجُ محدودة. قال النُّباهي: "وأوقَفَني ولدُه (أي: ولدُ ابن عبد الملك) صاحبُنا الفقيه أبو عبد الله على كثير من المكتوباتِ الصادرة عن أبيه القاضي أبي عبد الله ما بين منظوم ومنثور"، ثم أورَدَ قصيدةً لزوميّةً في الحَنين إلى أحبابِه في سلا. كما أنّ ابنَ الزُّبير وَصَفَ ابن عبد الملك بأنه كان "أديبًا بارعًا شاعرًا مُجيدًا امتدح بعضَ كُبَراءِ وقتِه". وقد عرَفْنا مما مضَى صِلتَه بالمِلْيانيِّ والي أغمات، ومَدْحَه إياه، ونقفُ في السِّفر الثامن على إحدى مدائحِه فيه، وهي قصيدة يغلِبُ عليه التكلُّف، وتلحَقُ بشعر الفقهاء، كما أنّ لزوميّتَه المشارَ إليها لا تقل عنها تكلّفًا وتصنّعًا. ومن مظاهر هذا التكلّف والتصنّع في قريضِه أنه -حسَبَ النماذج القليلة الباقية- عبارةٌ عن تذييلٍ أو تسميط، كما أنه يجيءُ إمّا باقتراح أو إلزام.

стр. 143

ذكر في "الذّيل والتكملة" بيتي الحريريِّ المشهورَيْن: سِمْ سِمَةً تحسُنُ آثارُها ... واشكُرْ لمن أعطى ولو سِمسِمَهْ والمكرُ مهما اسطَعْتَ لا تأتِهِ ... لتقتني السّؤدَد والمَكرُمَهْ وساق تذييلاتِ الأندلسيّين لهما، ثم ختَم بتذييلِه وقال: "وإلى ذلك فقد ألزَمَني قديما بعضُ من يجبُ عليّ إسعافُه، ولا يَسَعُني خلافُه، مجاراة هؤلاء الجِلّة في هذا المضمار، ولم يُصغ إلى ما أتيْتُ به في ذلك من اعتذار، فقلت ممتثلًا تكليفَه، ومتعرِّضًا بما لا يستجيدُ ناقدٌ تأليفَه: ملأمةٌ بالحُرِّ أن لا يُرى ... منه ثَأى جيرانَهُ مَلْأَمَةْ والملءُ مَهْ عن شرِّه إنهُ ... مأتًى إلى الهُجنة والمَلْأَمَةْ غيرَ أنّي وفَيْتُ فيما رأيت بشرط اشتباه الطرفَيْن في كلا البيتَيْن وإن كان طرفا أوّلهُما مشتركَيْن، وجعلتُ طرفَي الأول نَكِرتَيْن وطرفَي الثاني معرفتَيْن على حدّ ما أتي به الحريريُّ في بيته، وأتيتُ بالجميع مجُنَّسًا كما تراه" (١). ولعلّ هذا الذي لم يسَعْه خلافُه هنا هو والي أغمات المِلْيانيّ، الذي أشار على ابن عبد الملك في مناسبةٍ أخرى أن يشتركَ معَ بعض شعراءِ حاشيتِه في مباراة شعريّة، قال ابنُ عبد الملك: "ثم عَطَفَ (أي: الوالي المذكور) عليّ، وطالَبَني بالموافقة لهم في ذلك ولم يكن رأى لي قبلُ بيتًا واحدًا ولا أشعرتُه بأنّي خُضتُ في نظم قطّ، فاستعفَيْتُه من ذلك فلم يُعفِني وقال: وما الذي يمنَعُك وموادُّ النَّظم كلُّها عندَك عتيدة، فلا وجهَ لاستعفائك ولا بدَّ لك من مشاركةِ الأصحاب فيما خاضوا فيه" (٢). وقد رأى ابنُ عُفَيْر يُسمِّطُ قصيدةً لأبي حفص الأغماتيّ ويُغفِلُ بيتًا منها، فانبرى لتسميطِه، إظهارًا لقُدرته على النَّظم في مثل هذا الصِّنف من القريض (٣).

стр. 144

وذيَّل بيتَيْن لبعضِهم في مدح مالَقةَ فقال: لا تنْسَ لا شبيليَةٍ تينَها ... واذكُرْ معَ التينِ زَياتينَها (١) وذيّل قولَ بعضهم في وَصْف كتابِ "المشارق": مشارقُ أنوارٍ تبدَّت بسَبْتةٍ ... وذا عجَبٌ كونُ المشارقِ بالغَرْبِ فقال: تبَدّت بأنوارِ المشارقِ نخوةٌ ... بمطلَعِها في الغربِ يا شرقُ غرّبي (٢) وقد تتفقُ له أبياتٌ على شيءٍ من السلاسة، كقوله في مَدْح بلده مَرَاكُش وأهلِها: لله مَرّاكشُ الحمراءُ من بلدٍ ... وحبَّذا أهلُها الساداتُ من سكنِ إنْ حَلّها نازحُ الأوطانِ مغتربٌ ... أسلَوهُ بالأُنس عن أهلٍ وعن وطنِ بين الحديثِ بها أو العِيانِ لها ... يَنْشَا التحاسُدُ بين العينِ والأذُنِ وقولِه في أوّل قصيدته اللُّزومية المشار إليها سابقًا: يا عاذليّ دعا الملامةَ أو سلا ... عن صادق في الحبِّ مثلي هل سلا كيف السّلوُ ولي بحكم البينِ في ... مَرّاكُشٍ جسمٌ وقلبٌ في سلا هيهات أسلو عهدَ خِلّ لي بها ... أسَلا ابن حُجْر عهدَ جارته سلا وافَى إليّ على البِعادِ كتابُهُ ... فبمهجتي أفدي كتابًا أُرسلا (٣)

стр. 145

ومن نماذج شعرِه الذي يغلِبُ عليه الطابَعُ الفقهيُّ قولُه في المدح: يا مَن يقيسُ به سِواه في النّدى ... ألغَيْتَ في النظرِ اعتبارَ الجامعِ هذا يجودُ وفي الموانع كثرةٌ ... وسواهُ ضَنّ معَ ارتفاعِ المانعِ وفي البيتَيْن -كما هو واضح- ألفاظُ الفقهاء الأصُوليِّينَ وعباراتهم، وفيهما مِصداقٌ لكلام ابن خلدون الذي يقولُ فيه: "ولهذا كان الفقهاءُ وأهلُ العلوم كلُّهم قاصِرينَ في البلاغة وما ذلك إلّا لِما يَسبِقُ إلى محفوظِهم ويمتلئُ به من القوانين العلميّة والعباراتِ الفقهية ... " (١)، وكان ابنُ عبد الملك -فيما يبدو- معجَبَا بهذا اللّون من الشّعر، ويشهَدُ لذلك قولُه في ترجمة ابن عَمِيرة: "وكان يُملِّحُ كلامَه نظمًا ونثرًا بالإشارة إلى التواريخ، ويودعُه إلماعاتٍ بمسائلَ علميّة منوَّعةِ المقاصِد تشهَدُ بتمكُّنه في المعارف على تفاريقها" (٢)، فقد عَدّ حَشْوَ الشّعر بالمسائل العلميّة شيئًا مليحًا، وهذا هو الذوقُ الغالبُ في المشرق والمغرب يومئذٍ. ولابن عبد الملك شعرٌ تعليميٌّ هو من قَبيل النَّظم الذي تُقيَّدُ به القواعد وتُحفَظُ فيه المسائل، كنظمِه تاريخَ مولدِه وقد ذُكر، ونَظْمِه الترتيبَ المَشْرقيَّ للحروف الهجائية: ألمَّ بَرْوضي تَجْنِ ثَمّ جنَى حَيا .... خلا دَرَّ ذي ريٍّ زكا سَقْيُه شُرْبا صَفا ضِمنَ طَلٍّ ظَلّ عندَ غِنًى فَشا ... قِرى كِيلَ لي من نَهْي وَدْقٍ هَمَى سُحْبا وقد عقّب على هذَيْنِ البيتَيْن بقوله: "وعُذر التكلُّف في مثلهما لا يخفَى على مُنصف". وأمّا نثرُه فمنه نثرٌ مرسَل، وهو الذي نجدُه في تراجم "الذّيل والتكملة"، ومنه نثر مسجوع، وبه كان يُحبِّرُ رسائلَه الإخوانيّة في أغلب الظنّ، إذ لم يصلْ
следующие страницы →