← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهذه وقعت في شبيبته كما نصّ على ذلك ولدُه أبو عبد الله، وفي هذه المرحلة على العموم كان تنقُّله لطلب العلم. ٢٩ - وقد أخَذ عن جماعة من شيوخ العلم في سَبْتة أوّلهم: أبو القاسم العَزَفيُّ رئيسُها (من ٦٤٧ هـ إلى ٦٧٧ هـ)، وكان هذا الرئيسُ الفقيه عالمًا بالفقه والأصول والنّحو واللّغة والحديث، كما كان شاعرًا مُجِيدًا، سمّاه المؤلِّف في شيوخه الآخِذينَ عن أبي الحَسَن ابن القَطّان، وتحدَّث عنه في ترجمة شيخ الصُّوفية في عصره أبي العباس القنجايريِّ دَفِين سَبْتة، فقال: "وتخلّف بنتًا تزوَّجَها شيخُنا الفقيه الأجَلّ الرئيسُ الأوحد المرحوم أبو القاسم ابنُ الفقيه الأجلّ المحدِّث الراوية السَّنِيّ الأفضل أبي العبّاس أحمدَ ابن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد اللَّخمي، عُرِف بابن أبي عَزَفةَ ويُنسَب لذلك: العَزَفيَّ، أنكَحَه إياها أبوه المذكورُ؛ إذ كان أبوها قد عَهِد إليه بالإيصاء عليها والنظر لها، فأداه اجتهاده إلى إنكاحها من ابنه المذكور، فكان في ذلك اليُمنُ والخيرُ والبركة، فهي أُمُّ أولاد السّراةِ الأماجد الخمسة الأكابر، أبقى اللهُ عليهم وعلى أعقابهم بركة أسلافهم" (١). وفي النصِّ دلالاتٌ واضحة على روابطِ الوفاء والولاء نحوَ شيخِه المذكور وأُسرته، ولا بدّ أنّ ابنَ عبد الملك لقِيَ عندهم أثناء مقامه بسَبْتةَ عنايةً ورعاية وبرورًا وتكريمًا، وقد عُرفوا بذلك مع أهل العلم في سَبْتة كافّة، وثمّةَ إشارةٌ لابن عبد الملك في كتابه تدُلّ على مكاتبته شيخَه هذا (٢). ٣٠ - ومنهم: الشاعرُ المُكثر مالكُ ابن المُرحَّل، وهو أشهر من أن يُعرَّف، روى عنه بعضَ الفوائد وقدرًا صالحًا من شعره، وأورد منه في السِّفر الأول من "الذّيل والتكملة" قصيدتَيْن طويلتَيْنِ في مثال النَّعل النبويِّ الكريم مَهّد للأولى

стр. 37

بقوله: "أنشَدني شيخُنا أبو الحَكَم مالك بن عبد الرّحمن المالَقيُّ، عَفَا اللهُ عنه، بسَبْتةَ، حرَسَها الله، لنفسه وكتب لي بخطه في هذا المعنى (ما قيل في مثال النَّعل) ووَطّأ له بمَدْحِه ﷺ ، ثم ساقها وهي من خمسة وثلاثين بيتًا، ومهّد للثانية بقوله: "وأنشدني أَيضًا بسَبْتةَ حرسها اللهُ تعالى لنفسه في المعنى، وكتبه لي بخطه"، ثم سرَدَها، وهي من خمسة عشر بيتًا (١)، وقد استجادهما جُملةً، وتعقّب بالانتقاد بعضَ ما فيهما من عيوب القافية واللغة حسَبَ رأيه، ورَدَّ عليه في هذا معاصرُه وصاحبه ابن رشيد السَّبْتيُّ كما سنعرضُ لذلك فيما بعد، وقد نقفُ عند قول ابن عبد الملك في نسبته شيخَه هذا مالَقيًّا لا سَبْتيًّا، وهذا من تحرّيه وإنصافه، وخضوعه التامِّ لشرْط كتابه، وتطبيقه المنهجيِّ للمصطلح الذي سار عليه مؤلفو "الصِّلات" من ابن الفَرَضيّ ومَن تبِعَه، حيث إنهم ينسُبُون الشخصَ إلى البلد الذي وُلد فيه لا إلى مُهاجَرِه ومستقَرِّه، كما تستوقفُنا عبارة "عَفَا اللهُ عنه"، فهي -زيادةً على دلالتها أنه كان حيًّا وقتَ تحرير ما كتبه المؤلّف- قد تشيرُ بطرف خفيٍّ إلى مُهاتراته معَ بعض معاصريه، ومهما يكنْ فإنّ شاختَه لابن عبد الملك لم تمنَعْه من مراجعته ومناقشته، وقد رَوى عنه توجيهًا دقيقًا وغريبًا في اسم "حَوْط الله" ثم عقَّب عليه بقوله: "هذا ما تلقّيتُه من شيخنا أبي الحَكم في أصل هذا الاسم، ويأباه كَتْبُ هؤلاءِ إياه: حَوْطَ الله، ونَقْلُهم ذلك خَلَفًا عن سَلَف" (٢). وقد وَصَف إكثارَه في النظم وانشغالَه به فقال: "كان مكثرًا من النظم مجيدًا سريعَ البديهة، مستغرقَ الفكرة في قَرْضِه، لا يفتُرُ عنه حينًا من ليل أو نهار. شاهدت ذلك وأخبرني أنه داءٌ به، وأنه لا يقدر على صَرْفه عن خاطره، وإخلاء بالِه من الخوض فيه، حتى كان من كلامه في ذلك أنه مرضٌ من الأمراض المزمنة"، ثم تحدّث عن ذُيوع شعره وسَيْرورةِ نظمِه قائلًا: "واشتُهر نظمُه وذاع شعره، فكَلِفَت

стр. 38

به ألسِنةُ الخاصّة والعامة وصار رأسَ مال المسمِّعينَ والمغنِّين، وهِجِّير الصادرينَ والواردين ووسيلةَ المُكدِّين، وطرازَ أورادِ المؤذِّنين، ومَطْلبةَ البَطّالين" (١). وهذا كما ترى حديثُ عارف بالرجل خبير بأدبه دارس لشعره، وما نحسَبُ إلا أنه صَحِبه طويلًا في سَبْتة، وربّما في مَرّاكُشَ أَيضًا حينما كان ابن المُرحَّل في حاشية الأمير أبي مالك المَرِيني. هذا وقد ذكر ابن الخَطيب أنّ ابن عبد الملك ذكر شيخَه هذا -ولعله يقصدُ أنه ترجَم له في "الذّيل والتكملة"- ثم قال -وكأنه ينتقدُه-: "فأمّا ابنُ عبد الملك فلم يستوفِ له ما استوفى لغيره" (٢). ونقَل بعضَ كلامه من الترجمة المذكورة (٣)، وكما أخَذ ابن عبد الملك عن ابن المُرحَّل أخَذ عنه ولدُه أبو عبد الله (٤). ٣١ - ومن شيوخ ابن عبد الملك السَّبْتيِّينَ: ابنُ أبي الرّبيع إمامُ النَّحْويين في وقته، ذكَرَه في ترجمة أبي عَمْرو محمد بن زغلل، فقال: "رَوى عنه شيخُنا أبو الحُسَين عُبَيد الله بن أبي الربيع" (٥)، ولا بدّ أنه أخذ عنه النّحو الذي كان يدرِّسه -كما كان يدرّس غيرَه- في سَبْتة، ولعله تحدّث بشيء من التفصيل عن لقائه إيّاه في سَبْتةَ خلال ترجمته التي لم تصلْ إلينا في "الذّيل والتكملة". ٣٢ - ومنهم: أبو إسحاق التِّلِمسانيُّ المتوفَّى بسَبْتة عام ٦٩٥ هـ، ترجم له ابن عبد الملك في السِّفر السابع المفقودِ الآنَ، ونقَل من هذه الترجمة ابنُ الخَطيب في "الإحاطة" بالحرف تارَةً وبالتصرّف تارَةً أخرى، قال المؤلّف متحدِّثًا عن علمه وخُلقه وحاله معتمدًا على ما لَمَسَه ورآه: "وخبِرت منه في تَكراري عليه تيقّظًا وحضورَ ذهن، وتواضعًا وحسن إقبال وبِرّ، وجميل لقاءٍ ومعاشرة، وتوسطًا صالحًا

стр. 39

فيما يناظرُ فيه من التواليف، واشتغالًا بما يَعْنيه من أمر معاشِه، وتخاملًا في هيئته ولباسه، يكاد ينحَطّ عن الاقتصاد حسَب المألوف والمعروف في سَبْتة" (١). وأشار إليه في ترجمة أخيه محمد المعروف بأبي عبد الله البَرِّي، فقال: "وهو أخو شيخنا أبي إسحاق التِّلِمْسانيّ وكبيرُه" (٢)، ولم يسَمِّ ابنُ الخَطيب من تلاميذه إلا ابنَ عبد الملك، قال: "رَوى عنه الكثيرَ ممن عاصره، كأبي عبد الله ابن عبد الملك وغيره". أمّا ما رواه عنه فهو أُرجوزتُه في الفرائض، وهي مشهورةٌ ومترجمة إلى اللغة الفرنسية، ومنظوماتُه في سِيَرِ المصطفى وأمداحُه، ومقالتُه في علم العَروض الدُّوبِيتي. ٣٣ - وقرأ ابنُ عبد الملك في سَبْتةَ أَيضًا على القاضي ابن القارئ الإشبيليّ، وهو أبو الحُسَين عُبَيد الله بن عبد العزيز المشهورُ بابن القارئ، وسمّاه في شيوخه الآخذين عن أبي العباس أَحْمد بن منذر الإشبيلي وأبي الحَسَن الدّبّاج (٣)، وكانت له حلقات يدرّس فيها بعض كتب القراءات والحديث، ولم تصل إلينا ترجمته في "الذّيل" حتى نعرفَ بالضّبط ما رواه عنه ابنُ عبد الملك. ٣٤ - وذكَرَ ابنُ عبد الملك كثيرًا شيخَه نزيلَ سَبْتة ومِكْناس: أَبا محمد عبدَ الله، وهو مملوكٌ روميّ كان مَوْلًى لرئيس جزيرة مَنُرقة أبي عثمانَ سعيد بن حكم ثم لولده الرئيس من بعده أبي عُمرَ حَكَم، ومعه لجأ إلى سَبْتة بعد استيلاء الأرغُونيِّين على مَنُرقة سنةَ ٦٨٦ هـ, ولم يصحَبْه عند توجهه في مركَب إلى تونُس مع أهله وحاشيته فغرقَ الجميعُ بأحواز مدينة الجزائر، وبذلك كُتِب له أن يعيشَ حتى آخر سنة ٦٩٧ هـ أو أول السنة التي تليها، ووَلي خلال المدّة المذكورة الخَطابة في سَبْتة، كما كان مقصِدًا لأهل الطلب والرواية. وذكر ابنُ عبد الملك أنه حدَّثه عن أبي العبّاس بن عَجْلان، وابن عَمِيرة المخزوميِّ، وأبي القاسم بن يامِن، وأبي عثمانَ سعيد بن حَكَم سَيّدِه، وأبي عَمْرو عثمان ابن الحاجّ، وأبي

стр. 40

الحَسَن ابن الغَزَال، وأبي القاسم ابن الأصفر، وأبي عبد الله ابن الجَلّاب، وأبي عبد الله المَنُرْقيّ، وأبي عبد الله البرِّي، وأبي عبد الله الأَزْديِّ السَّبْتيّ وغيرِهم (١)، وربّما كنّا نعرف أكثر ممّا ذكَرَ لو وصَلت إلينا ترجمةُ المؤلّف له. ٣٥ - وممّن حضَر إقراءهم وجالَسَهم في سَبْتة: أبو القاسم ابنُ الطيِّب الخَضْراوي نزيلُ سَبْتة المتوفَّى بها سنةَ ٧٠١ هـ، وقد ترجَمَ له ترجمة جيّدة، قال فيها: "روى عنه غيرُ واحد من طلبة سَبْتة، ولقيتُه بها وجالسته مرّات، وحضرت إقراءة، وكان مجوِّدًا للقرآن العظيم من أحسَن الناس صوتًا به وأطيبِهم نَغَمة في إيراده ذا حظّ صالح من رواية الحديث وعلم الفقه والعربية، شديد القوّة الحافظة، استَظهرَ في صِغره أوانَ طلبِه جُملة وافرة من دواوين العلم" (٢)، ثم سَرَدَ حوالي ٣٥ مؤلَّفًا مما كان يَستظهرُه في القراءات والسِّير والحديث والنّحو والفقه والأدب واللغة، وهو شيءٌ يجعلُنا اليوم نقفُ متعجِّبينَ معجبين بالِهمم الكبار التي كانت لأسلافنا. وقد ذكَرَه المؤلّفُ أَيضًا في ترجمة ابن خميس، وأشار إلى غلطِه في نسَبِه فقال: "ونسَبَه أبو القاسم محمدُ بن عبد الرحيم بن الطيّب فقال فيه: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن يحيى بن يوسُف بن يحيى بن خميس، وهو غلَط" (٣)، كما ذكره في ترجمة سَلَفِه أبي العبّاس المُرسيِّ المقرئ (٤). ٣٦ - ولقيَ ابنُ عبد الملك في سَبْتةَ: أَبا عبد الله ابنَ الخَضّار، وهو شيخٌ أكمَهُ عُني برواية الحديث وعلومه ورجاله في المغرب والأندلس والمشرق، قال ابن عبد الملك في ترجمته: "رَوى عنه غيرُ واحد من أصحابنا, ولقيته بسَبْتة وحاضرته كثيرًا، وبايَتُّه، وشاهدتُ من ذكائه وحضور ذكره ما يُقضى منه العجَب، وكان

стр. 41

تأريخيًّا حافظًا" (١). وذكَرَ أنه -وهو الأكمَهُ- كان يخترقُ أزِقّةَ سَبْتة وشوارعَها ورَبَضها وحدَه ويستطيع بحَدْسِه فقط تمييزَ معالمها وخططها، قال: "وأُخبرت عنه بعجائبَ أغربَ من هذا النّمط". ولا بدّ أنّ المؤلّف استفاد منه على الخصوص ما يتعلّق بالتاريخ الذي كان ابنُ عبد الملك لا يفتُرُ عن التنقيب فيه، وهو يتّفق مع ابن الزُّبير والتُّجِيبيِّ (٢) في وَصْف هذا الشيخ بالتأريخيّ، ولم يكن التاريخُ هو كلَّ بضاعته، فقد كان يدرِّس الحديثَ والفقه والأصول والنّحو والصّرف والعَروض، واشتُهر بتدريسه كتابَ "علوم الحديث" لابن الصّلاح الذي رواه عن مؤلّفه في دمشق سنة ٦٣٤ هـ صُحبةَ أبي مَرْوان الباجِيّ، وقد صار الأصلُ الذي سَمِعا فيه على المحدِّث الدِّمشقيِّ الكبير إلى مُلكيّة ابن عبد الملك. قال: "هذا الأصلُ الذي سمع فيه قد صار إليّ والحمدُ لله وفيه خطُّ ابن الصّلاح بتصحيح التَّسْميع، وقد تضمَّن إذْنَه في روايته عنه لكلِّ من حصّل منه نُسخة، فانتَسَخ منه جماعةٌ من جِلة أهل العلم ونُبلائهم، منهم: أبو الحَسَن الشارِّيُّ، وأبو عَمْرو عثمانُ ابن الحاجّ وأبو القاسم أحمدُ بن نبيل وغيرُهم، ونسخت منه نسخة لبعض الأصحاب لأمرٍ اقتضى ذلك لم يسَعْ خلافه" (٣). ٣٧ - وثمّة سَبْتيٌّ يبدو أنّ ابن عبد الملك أخَذ عنه في سَبْتة وهو: محمد بن إبراهيمَ بن يَرْبوع السَّبْتي المتوفَّى في سنة ٦٩٤ هـ، وقد عَدّه من شيوخه في ترجمة عِمران بن موسى الهوّاريِّ السَّلويّ، كان طلبةُ العلم يرحَلون رغبةً في الاستزادة منه إلى الأندَلس والمشرق. وجَرْيًا على التقليد المألوف رحَل ابن عبد الملك إلى الأندلس، ويُخبرنا النباهيُّ عن هذه الرحلة حكايةً عن محمد ولد ابن عبد الملك، قال: "وحَكَى ولدُه المذكورُ أنه قصدَ أيام شبيبتِه عبورَ البحر برَسْم الجواز إلى الأندلس، فبلغ منها

стр. 42

الجزيرةَ الخضراء، وحضر بها صلاةَ جُمُعةٍ واحدة وأقام بها ثلاثةَ أيام جائلًا في نواحيها آخذًا عن أهلها، ثم قال: حصَلَ لنا الغرَضُ من مشاهدة بعض البلاد الأندلسيّة والكونِ بها، والحمدُ لله على ذلك، وعاد قافلًا إلى أرضه" (١). وكأنّي بابن عبد الملك وهو الناعي على المغاربة إهمالهَم وتقصيرَهم في تاريخ أعلامهم، والعارفُ باصطلاح مؤلفي "الصِّلات" الأندَلُسيِّين ومقلِّديهم من المغاربة، كابن فَرْتُون، أراد بهذه الرحلة الخاطفة المحدودة أن "يَحجُزَ" مكانه و"يضمِّن" ترجمته في "صِلة" من"الصِّلات" التي تؤلَّفُ في الأندلس، فلو لم يقمْ بهذه الرحلة القصيرة لما ظفِر وظفِرنا بهذه الترجمة الجيِّدة التي أثبتَها له شيخُه ابن الزُّبير معَ "الغُرباء" في "صلتِه" حسبما اقتضاه الاصطلاحُ المشار إليه. واكتفى بزيارة الجزيرة الخَضْراء لقُربها، فيما نظُنُّ؛ لأنّ أُمّهات المدن الأندلسية التي يؤخَذ فيها العلمُ، مثلَ قُرطُبة وإشبيلِيَةَ وبَلَنْسِيَة ومُرْسِيَةَ وغيرِها، كانت قد خرجت من يد المسلمين، وارتحل جُلُّ علمائها إلى المغرب، ولم يزُرْ مالَقةَ وغَرناطة، لحصول غرَضه في الكون ببعض البلاد الأندَلُسية، أو لسببٍ أو أسباب أخرى. واقتَصَر على استجازةِ بعض شيوخ العلم فيهما كما سنبيِّن ذلك. ٣٨ - نجد بعضَ أصداء هذه الرّحلة في الأسفار التي بين أيدينا من "الذّيل والتكملة"، وتسميةً لبعض الشيوخ الذين لقِيَهم في الجزيرة الخضراء وزيارة لخزائن خاصّة فيها، وتبركًا بمن يوصَف بالخير والصّلاح من أهلها، قال في ترجمة ابن خَميس المتوفَّى سنة ٦٨٨ هـ: "رَوى عنه ابنُه أبو جعفرٍ وأصحابُنا: قريبُه أبو بكر بن محمد القللوسيُّ وأبو إسحاق بن أحمدَ بن عليّ التُّجِيبيّ وأبو عبد الله بن عُمر بن رَشِيد ولقِيتُه بالجزيرة الخَضْراء وسمِعت منه بعضَ كلامِه، وأجاز لي ولمن أدرَك حياتَه من ولدي، وأدركها منهم: محمدٌ وأحمدُ، كان اللهُ لهما" (٢). ويُفهَم

стр. 43

من هذا النصِّ أنّ ابنَ عبد الملك كان متزوِّجًا في ذلك التاريخ, كما أنه سمع خُطبة هذا الشّيخ وصَلّى وراءه يومَ الجُمُعة؛ إذ كان الإمامَ الخَطيب بالجامع الأعظم في الجزيرة الخضراء. ويَنقُل ابن عبد الملك عن كتاب "أعلام مالَقة" لابن عَسْكر، الذي أكمله ابن أخته ابن خميس بعد وفاته. وقد يكون تناوَلَه منه، وأتيح له أن يَطّلعَ على مكتبة آلِ عظيمةَ وهم "بيتُ علم بالقراءات واشتغال بها وانقطاع إليها، وإقراء وتجويد"، قال: "وقد وقفتُ بالجزيرة الخضراء عند صاحبنا الوَرِع الفاضل أبي عَمْرو عَيّاش بن الطُّفَيْل هذا المترجَم به على جُملةٍ وافرة من كتب سَلَفِه مما تملّكوه أو كتبوه أو ألّفه مؤلِّفوه ... " (١). كان ابنُ عبد الملك من كبار هُواة الكُتب والحصُول على نفائسها بالخصوص؛ ولهذا نجدُه يسعى عند دخول بلد من البلدان إلى البحث عما فيه من مكتبات، ومن هنا تيسَّر له الوقوفُ على كمّ هائل من الكتب ما نظُنُّ أحدًا من معاصريه يُضاهيه فيه، ولقد وجدناه يشُدُّ الرِّحال للتنقيب عنها في حواضر المغرب وبَواديه، فقد زار حاحةَ بلدَ صاحبه العَبْدَريّ مؤلّف الرحلة المعروفة، كما زار بلد درعةَ فيما يبدو، جاء في ترجمة أبي الحَسَن ابن النّعمة عند ذكر تفسيره الضخم "ريِّ الظّمآن في تفسير القرآن" ما يأتي: "وكان كاملًا عند بعض الطلبة بدرعةَ في سبعةٍ وخمسينَ مجلّدًا متوسطة، بعضها -وفيه: أولُها- بخطّ تلميذه الأخصّ به أبي جعفر بن عَوْن الله، وأكثرها -ومنه آخِرُها- بخطّ أبي عبد الله محمد بن أبي الحَسَنُ محمد بن عبد العزيز بن واجب، وتاريخُ فراغِه من نَسْخه مُنسَلَخ جُمادى الآخِرة سنة سبع وستينَ وخمس مئة" (٢). وممّا يتّصلُ بمقامه القصير في الجزيرة الخضراء الذي لم يتجاوزْ ثلاثةَ أيام حسَبَ الرواية السابقة ما ذكَرَه في ترجمة أبي الحَسَن السُّماتيّ الشَّرِيشيّ،

стр. 44

قال: "وقد لقيتُ بالجزيرة الخضراء بعضَ عَقِبِه شيخًا موصُوفًا بالخير والصّلاح يؤدِّب بمسجد الرّمّانة منها ويُعرَف بالشّريشي" (١). هؤلاء -فيما وقَفْنا عليه- هم شيوخُ ابن عبد الملك الذين اتّصل بهم مباشرةً وروى عنهم مشافهةً، وثمّةَ شيوخٌ آخَرون أندَلُسيّونَ ومشارقة حدّث عنهم بالإجازة. ٣٩ - ومن هؤلاء: ابنُ الزُّبير الغَرْناطيُّ إمامُ المسنِدين والمقرئين في وقته، ومؤلِّف كتاب "صِلة الصِّلة" المعروف، وقد تحدّث عن ابن عبد الملك في ترجمته له من حيث استجازةُ هذا إيّاه وطلبُه الروايةَ عنه فقال: "واستجازني قبلَ سنة ثمانينَ وبعدَ ذلك، فكتبتُ له مرارًا، واستوفى جملة من تواليفي استنساخًا، وتكرَّر عليّ سؤالُه فيما يرجع إلى باب الرواية" (٢). ونجد مِصداق هذا في ترجمة المؤلّف لابن الزُّبير، قال: "وكتَبَ إليّ وإلى بنيّ بإجازة ما رواه وما ألّفه مطلقًا" (٣). وسرَدَ أسماءَ مؤلّفاتِه، ثم قال: "وقد وقفت على فِهرِسة رواياته، وكتاب "رَدْع الجاهل"، وبعض تاريخه في علماء الأندَلس، وأُرجوزته المذكورة ... " (٤)، وأشار إلى جُزء مشيختِه، وقال: "ولم أقفْ عليه وإنّما استخرجت هؤلاء المذكورينَ هنا -يقصِدُ شيوخَه- من برنامَج رواياته التي بعَثَ إليّ محمِّلًا لي ولبنيَّ إياه" (٥). كُتِبتْ ترجمةُ ابن الزُّبير في "الذَّيل والتكملة" في حياته؛ ولذلك نقرأُ فيها قولَ ابن عبد الملك: "وهو الآنَ متصدِّرٌ لإقراء كتاب الله وإسماع الحديث وتعليم العربية وتدريس الفقه، عامرًا بذلك عامّةَ نهاره عاكفًا عليه مثابرًا على إفادة العلم

стр. 45

ونشرِه، انفرَدَ بذلك في بلده قاعدةِ جزيرة الأندلس وصارت الرحلة إليه" (١). ويتابع ابن عبد الملك حديثَه عنه مسجّلًا رأيه فيه فيقول: "وهو من أهل التجويد والإتقان، عارفٌ بالقراءات حافظٌ للحديث مميّز لصحيحِه من سقيمِه، ذاكرٌ لرجاله وتواريخهم متّسع الرواية عُنِيَ بها كثيرًا، ورَحلَ بسببِها إلى سَبْتةَ وإلى كثير من بلاد الأندَلس وصنَّف في كثير من المعارف التي عُني بها" (٢). وقد ذكَرَ انتقادَ بعض أهل مصره لمصنَّفاته ولا سيّما أُرجوزتُه في المذهب الشّوذي الصُّوفي الحَلّاجيِّ المنزع، ووافقهم على انتقاد الأُرجوزة لرداءة نظمها وخلوّها من المعنى، وقال: "ولقد كان الأولى به أن لا يتعرَّض لنظمها، فإنه منحَطّ الطبقة في النظم". وكرَّر هذا الكلامَ بعبارة أقوى لَذْعًا ممّا هنا، وذلك بمناسبة إشارته إلى رَجَزه المذكور فقال: "ولقد كان في غنًى عن التعرُّض لنظمه وأولى الناس بسَتْر عاره منه، والله يُبقي علينا عقولَنا، ويرشدُنا إلى ما يُرضيه عنّا بفضله وكرمه" (٣). وانتقد كذلك كتابَه "رَدْعَ الجاهل" في الردّ على المذهب المذكور أَيضًا قائلَا: إنه "أقلُّ شيء فائدةً وأبعدُه عن النفْع بعلم"، وانصَبّ انتقاده لهذا الكتاب على الشكل والمضمون معًا، حيث واخَذَ ابنَ الزُّبير بالتساهل في الاستعمال وقال: إنه -حسَبَ قولِ أصحاب ذلك المذهب- لم يَفهَم منه شيئًا, ولا يتلاقى كلامُه فيه معَ كلامِهم في وِرْد ولا صَدَر. ولا نتّهمُ ابنَ عبد الملك هنا بالتحامل، إذ رأيُه في الشّيخ ما سُقناه، ورَعْيُه له -على البُعد- تشهدُ به هذه الكلمات: "وانجرَّت إليه مُطالَباتٌ أصلُها الحسَد الذي لا يكاد يسلَمُ منه إلا من عَصَمَه الله من غائلتِه وسُوء مغَبّته أدّته إلى التحوّل عن وطنِه تارات، أو إلى التخامل والانقباض به مرّات، والله ينفعُه ويدافعُ عنه ويُجملُ خلاصَه ويعجِّلُ إنصافَه ممن كاده، ويصرفُ عنه

стр. 46

مَن بسوءٍ أراده" (١). على أنّنا لا ننفي أن مِزاجَ ابن عبد الملك الحادَّ يدفعُه إلى شيء من الغلوّ في الانتقاد، فالأثران المذكوران لابن الزُّبير في الشوذية على الرغم مما قيل فيهما كانا يؤلِّفانِ -لو وَصَلا إلينا- وثيقتينِ تاريخيّتينِ مهما تكنْ طبيعتُهما - حول هذه النّزعة الصُّوفية القائمة على مبدإ وحدة الوجود، والتي وصلَ بعضُ أصحابها إلى الحُكم وأثّر أحدُ أقطابها على ذوي السّلطان وانتشر أتباعُها في المغربِ والمشرق، وخَلّفوا تراثًا كثُر حوله الجدال. وقد خالَفَ ابنُ الخَطيب ابنَ عبد الملك في رأيه وتقويمه لكتاب "رَدْع الجاهل"؛ إذْ وَصَفَه بأنه: "كتابٌ جليل ينبئُ عن التفنُّن والاطّلاع" (٢)، ولكنه ذكَرَ من كُتُبِه التي لم تصلْ إلى ابن عبد الملك "كتاب الزّمان والمكان" ثم قال: "وهو وَصْمة، تجاوَزَ اللهُ عنه" (٣). وأوجَزَ ابن عبد الملك رأيَه في بقيّة ما سمّاه من مؤلَّفات ابن الزُّبير فقال: "فأما سائرُ ما اطّلعتُ عليه من تصانيفه ففيها ما في كلام الناس من مقبولٍ ومردود"، وله تعقيبات عليه في "الصِّلة" منثورةٌ في "الذّيل والتكملة" سنعرِض لها فيما بعد. نقَلْنا في أول هذه الدراسة بعضَ كلام ابن الزُّبير في ابن عبد الملك ممّا يشهَدُ بنجابتِه وفائق نباهتِه وذكائه، ونسوقُ هنا رأيه في معارفه: قال: "كان، ﵀، نبيلَ الأغراض عارفًا بالتاريخ والأسانيد، نَقّادًا لها، حسَنَ التهَدِّي، جيّد التصرُّف وإن قَلَّ سماعُه، أديبًا بارعًا شاعرًا مجُيدًا؛ امتَدح بعض كُبراءِ وقته وكان معَ نقده الإسنادي ذا معرفة بالعربية واللغة والعروض ومشاركة في الفقه. وما تقدمت الإشارةُ إليه من معارفه أغلبُ عليه" (٤).

стр. 47

وينطوي هذا الكلامُ على أمرين، أوّلهُما: الإشادة بتضلُّع ابن عبد الملك في التاريخ والأسانيد والنقد التاريخيِّ والإسنادي، ونكاد نلمَسُ شعورَ ابن الزُّبير بتفوّق ابن عبد الملك عليه في هذا كله. والأمر الثاني يُشبهُ أن يكونَ غمزًا خفيًّا بقلّة السماع وعَدَم الاتّساع في رواية الحديث، والحقُّ أنّ ابن عبد الملك يعترف بإمامة شيخه في باب الرواية, ومع ذلك فإنّ ابن الزُّبير وَصَف زياداتِ ابن عبد الملك في الكتاب الجليل الذي جمع فيه بين كتابَي ابن القَطّان وابن المَوّاق بأنها: "زياداتٌ نبيلة" كما اعترف بتفوّقه على من تقدَّمه ومن عاصره في كتابه "الذّيل والتكملة"، ولم ينسَ ابنُ الزُّبير في آخِر ترجمته لصاحبنا أن يشيرَ إلى "ما كان في خُلُقه من حدّة أثمرت مناقشة موتور وجَد سبيلًا إليه فنال منه". وسنشرح هذا فيما بعد. ٤٠ - ومن شيوخ الأندلس الكبار الذين استجازهم ابنُ عبد الملك وذكَرَهم ذكرًا كثيرًا في كتابه: القاضي أبو عليّ الحُسَين بن عبد العزيز المعروفُ بابن الناظر الغَرْناطيّ، المتوفّى سنة ٦٩٩ هـ. روى عنه جَمّ غفير، وله تصانيفُ في الحديث والقراءات، منها: "المسَلسَلات" و"الأربعون حديثًا" و"الترشيد في صناعة التجويد" و"برنامَج رواياته"، وقد عدّه المؤلف من شيوخه في تراجم أبي العبّاس القنجايريِّ، وأبي جعفر ابن الفَحّام، وأبي الحَسَنُ سَهْل بن مالك، وأبي الحَسَنُ بن خِيَرة، وأبي الحَسَنُ بن جَبَلة، وأبي عليّ الرُّنْدي، وأبي الوليد ابن الحاجّ، وأبي عبد الرّحمن بن غالب، وأبي عبد الله بن خَلفون، وأبي بكر القُرطُبيّ، ومحمَّد بن عبد الكريم الجُرَشي (١). وقد يكونُ ذكَرَه في تراجمِ غيرهم في الأسفار المفقودة في ترجمته له. ٤١ - ومنهم: أبو جعفرٍ الطّباعُ الغَرْناطيّ، المتوفَّى سنة ٦٨٠ هـ. ترجم له المؤلّفُ وقال فيه: "كان من أهل التفنُّن في المعارف، والحِذْق فيما ينتحلُه من

стр. 48

العلوم، حسَنَ الخُلق قديمَ النَّجابة، برَّز في حداثة سنِّه على أقرانه، واشتُهر بالذكاء وتوقُّد الخاطر، وشُغِفَ بالعلم كثيرًا وانقطعَ إلى خدمته طويلًا". وهذه الصِّفات التي ذكَرَها رغّبتهُ في الأخْذ عنه بالإجازة فطلبها منه، وأجابه الشّيخُ إلى ذلك، قال ابنُ عبد الملك: "وكتَبَ إليّ بالإجازة مطلقًا في كلِّ ما يصحّ إسنادُه إليه" (١). وقد حدّث عنه بهذه الإجازة في تراجم ابن الفَحّام المالَقيّ، وسهل بن مالك، وأبي الحسن الدَّبّاج، وأبي عبد الله بن خَلفون، وأبي عبد الله الطّرّاز، وأبي بكرٍ القُرطُبي، وأبي عبد الله بن عِيَاض الحَفِيد (٢). وقد يكون له ذكرٌ في الأسفار المفقودة من الكتاب. ٤٢ - ومنهم: أبو جعفرٍ أحمدُ بن يوسُف الطَّنْجاليُّ المالَقيّ. ذكَرَه في ترجمة أبي العبّاس بن ماتِع، وأبي الرّبيع الكَلاعي، وأبي الوليد ابن الحاجّ، ومحمد بن عبد النور الإشبيليّ (٣). ٤٣ - وكذلك: أخوه أبو عبد الله محمدُ بن يوسُف. عَدَّه من شيوخه في ترجمة أبي العبّاس ابن ماتِع (٤). ولم يصل إلينا معَ الأسف ما كتبَه عنهما ابنُ عبد الملك في "الذّيل والتكملة"، وهما من أُسرة علميّة مالَقيّة تنتمي إلى بني هاشم من قُريش. ٤٤ - ومنهم: أبو الحُسَين اليُسْرُ بن عبد الله بن اليُسْر الغَرْناطيّ، كان هو وأبوه من قبلِه من شيوخ الإقراء وغيره في غَرناطة. وقد ذكره المؤلّف من شيوخِه في تراجم أبي العبّاس القنجايريّ، وأبي العبّاس ابن الرُّوميّة، وأبي محمد

стр. 49

عبد الله بن اليُسْر والده، وأبي بكر ابن اليابُريّ (١)، وقد يكون ذكَرَه في الأسفار المفقودة، وربّما كنا نعرفُ ما يرويه عنه بالإجازة لو وصلت إلينا ترجمته (٢). ٤٥ - ومنهم: أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أُبيّ، سمّاه من شيوخِه في تراجم ابن عَمِيرة المخزومي، وأبي جعفر ابن الفَحّام، وأبي الحَسَن الدّبّاج، وأبي الحَسَنُ بن عُصفور، وأبي الحَسَنُ بن قُطْرال، وأبي عبد الله بن عِيَاض الحَفِيد (٣). ٤٦ - ومنهم: أبو الطيِّب صالحُ بن شَريف الرُّنْديّ، وقد ترجم له المؤلّف ترجمةً جيّدة ولكنّها لم تصلْ إلينا كاملة، وفيها يشيرُ إلى إجازته إياه فيقول: "رَوى عنه جماعة من أصحابنا، وكتب إليّ بإجازةِ ما رواه وألفه وأنشأه نظمًا ونثرًا"، ويُجمِل ما عرَفَه عنه في هذه الكلمات الجامعة: "وكان خاتمةَ أدباءِ الأندلس بارعَ التصرُّف في منظوم الكلام ومنثوره، فقيهًا حافظًا فَرَضيًّا متفنِّنًا في معارفَ جليلة نبيلَ المَنازع متواضعًا مقتصدًا في أحواله"، ويُلمُّ بمؤلّفاتِه التي وقَفَ عليها فيقول: "وله "مقامات" بديعة في أغراضٍ شتى، وكلامه نظمًا ونثرًا مدوّن، وله تأليفٌ في العَروض وتأليفٌ في صنعة الشّعر سمّاه "الكافي في علم القوافي"، وأودعه جملةً وافرة من نظمه" (٤). ٤٧ - ومنهم: أبو الحَسَنُ عليُّ بن محمد الكُتَاميّ الإشبيليّ مُستوطن غَرناطة، المعروفُ بابن الضائع المتوفّى سنة ٦٨٠ هـ. قال في ترجمته: "رَوى عنه طائفة من أهل غَرناطة، وكتَبَ إليّ بإجازةِ ما كان عنده مطلقًا"، وذكر معارفَه وبعضَ مؤلّفاته التي أباح له أن يحدّث عنه بها فقال: "وكان نَحْويًّا ماهرًا حسَنَ التصرّف في

стр. 50

علم الكلام وأصُول الفقه وافرَ الحَظّ من الفقه، وله جمْعٌ حَسَن بين شرحَي السِّيرافي وابن خَروف "كتابَ سيبويه"، إلى غير ذلك من مصنَّفاته في العربية وما كان ينتحله من العلوم" (١). ٤٨ - ومنهم: أبو الحَسَنُ فضل بن فضيلةَ، المتوفَّى بغَرناطة سنة ٦٩٦ هـ، وهو متصوِّف وله في التصَوُّف رسائلُ بارعة ومقالاتٌ نافعة. قال ابنُ عبد الملك في ترجمته: "رَوى عنه كثيرٌ من أصحابنا، وكتَبَ إليّ بإجازةِ ما كان عنده مطلقًا" (٢). وذَكره في ترجمة الصّوفيّ أبي تَمّام غالب ابن سيّد بُونُه فقال: "روى عنه أبو الحَسَنُ فضل بن فضيلة، وحدّثنا عنه مكاتبةَ" (٣). ٤٩ - ومنهم: قاسمُ بن أَحْمد أبو محمد السّكوت المالَقيُّ المتوفَّى بمالَقةَ عام ٦٩٠ هـ قال ابن عبد الملك في ترجمته: "رَوى عنه غير واحد من أهل بلده وكتب إليّ بإجازةِ ما كان عنده، وكان نبيهًا حافظًا ذا حظّ صالح من علوم اللّسان، واستُقضيَ بمالَقةَ وحُمِدت سيرتُه" (٤). ٥٠ - ومنهم: أبو محمد جابرُ بن جبيرةَ الإشبيليّ -فيما يبدو- سمّاه شيخًا له وقال: أنه حدّثه عن المقرئ المحدّث أبي القاسم القَرَمونيّ (٥). ونلاحظُ أنّ ابنَ عبد الملك ينُصُّ على أنّ معظم هؤلاء الشيوخ الأندلسيِّين كتَبوا إليه بالإجازةِ المطلقة، وهي لا تكون إلا لمن هو أهلٌ لها مثل صاحبنا. ٥١ - وفي هذا السّياق تَلقَّى إجازاتِ أخرى من إفريقيّةَ والقاهرة ودمشق، فقد ذكَرَ في ترجمته الحافلة لأبي العبّاس ابن الغَمّاز البَلَنْسيِّ نزيل تونُس وقاضيها المتوفّى بها سنة ٦٩٣ هـ ما يلي: "رَوى عنه أصحابنا آباءُ عبد الله: ابن رشيد،

стр. 51

وابن مَسْعود، والصّبيحيُّ، وكتَبَ إليّ وإلى بنيَّ الخمسة من تونُس" (١). وابن رُشَيْدٍ هو مؤلّف "مِلْءِ العَيْبة" المشهورة، وابن مَسْعود هو العَبْدَريُّ الحاحيُّ صاحبُ الرّحلة المعروفة، وأما الصّبيحي فلم نهتدِ إليه، ونحسَبُ أنّ كتاب ابن الغَمّاز، الذي وَصَل إلى صاحبنا مشتملًا على الإجازة له ولأبنائه، قد وَصَل إليه صُحبةَ أحد المذكورين وإن لم ينصَّ على ذلك. ٥٢ - ويعتزُّ ابن عبد الملك بمشيخة ابن دقيقِ العيد شيخ الجماعة بالدّيار المِصريّة في وقته، ويحدِّث عنه بكلِّ تجِلّة واحترام؛ قال في ترجمة الشاطبيِّ إمام القراءات بعد أن ساق حكايةً غريبة في حفظِه العجيب وقعَتْ في مصر: "حدّثنا بهذه الحكاية شيخُنا الإِمام تقيُّ الدين أبو الفتح محمد بن عليّ بن وَهْب بن مُطيع ابن أبي الطاعة القُشَيْريّ ابنُ دَقيق العيد ﵁ إجازة، وحدّثنا أَيضًا إجازة، قال: وقال لي صِهرُه (أي: صهرُ الشاطبيّ) أبو الحَسَنُ عليُّ بن سالم بن شُجاع، وكان أَيضًا ضريرًا وأخَذ القراءاتِ عنه: أردتُ مرة أن أقرأ شيئًا من الأصُول على ابن الوَرّاق، فسمع بذلك فاستدعاني فحضرتُ بين يديه، فأخَذ بأُذُني، ثم قال لي: أتقرأُ الأصول؟ فقلت: نعم، فمَدَّ بأُذني، ثم قال لي: من الفضول، أعمى يقرأُ الأصول" (٢). ونقَل عنه في موضع آخَرَ من كتابه قائلًا: "وأخبرني الإِمام الأوحَدُ تقيُّ الدين أبو الفتح محمدٌ ابن الإِمام مَجْد الدين أبي الحُسَين عليّ بن وَهْب بن مُطيع بن أبي الطاعة القُشَيري ابن دقيق العيد مكاتبةً (٣) من مصر، قال: أنشَدَني الفقيه المفتي هارونُ بن عبد الله بن هارون بن الحُسَين بن أَحْمد المَهْرانيُّ قديمًا، قال: أنشَدني الفقيه الإِمام العالِم أبو الحَسَنُ عليّ بن المفضّل المقدِسيّ لنفسه" (٤)، ثم ساق نظمًا له من اثني عشر بيتًا في حكم تارك

стр. 52

الصلاة حسَبَ الأئمة الأربعة وغيرهم، ويبدو أنّ المكاتبةَ بين ابن عبد الملك وشيخه ابن دقيق العيد كانت متواصلةً بواسطة أصحاب الرّحلات العلميّة كابن رُشَيْد السَّبْتي والعَبْدَريّ الحاحيّ وغيرِهما، ونذكُرُ هنا أنّ الأخيرَ هو الذي أجرى ذكْرَ صاحبِه ابن عبد الملك في مجلس ابن دقيق العيد عند أول لقائه إياه، قال في رحلته: "وفي أول ما رأيته قال لي: كان عندَكم بمَرّاكُش رجلٌ فاضل، فقلت له: من هو؟ فقال: أبو الحَسَن ابن القَطّان، وذكر كتابه "الوَهْم والإيهام" وأثنى عليه، وذكرت له تعقيبَ ابن المَوّاق عليه وأنه تَرَكَه في مسَوَّدتِه، فعانى إخراجَه صاحبُنا الفقيهُ الأديب الأوحَد أبو عبد الله ابن عبد الملك حفظه اللهُ تعالى، فقال لي: ومَن هذا الرَّجل؟ فعرَّفته به وبما حضَرني من تحليته، وما أذكُرُ من تقاييدِه ومن جملتها "تذييلُه على كتاب الصِّلة لابن بَشْكُوال" وأنه كتابٌ متقَن مفيد، فعجِبَ من ذلك، وكتب ما أمليتُه عليه منه" (١). كان هذا الكلامُ عند زيارة العَبْدريِّ للقاهرة سنة ٦٨٨ هـ، ويستفاد من هذا أنّ ابنَ عبد الملك كان قد أخرَجَ كتابَيْه الكبيرَيْن وهما: "الجَمْع بين كتابَي ابن القَطّان وابن المَوّاق" في الحديث و"الذّيل والتكملة"، وأنّ العَبْدريَّ كان قد اطّلع قبل التاريخ المذكور على ما أخرَجَه ابن عبد الملك من هذا الكتاب الأخير؛ لأنّنا نجد في بعض التراجم ما يشيرُ إلى تواريخَ متأخِّرة عن التاريخ المذكور، ونعرف من كلام ابن الزُّبير وإشاراتٍ للمؤلّف في كتابه قُبَيْل وفاته أنه بقِيَ عاكفًا على تنقيحه وتكميله حتى وفاته كما سنبيّنُه فيما بعدُ، ونستفيدُ من كلام العَبْدريّ أَيضًا أنّ "الذّيل والتكملة" لم يُعرَفْ في مصر قبلَ زيارة العَبْدريّ، وأنه أولُ من عرَّف بهذا الكتاب الجليل الذي كان له فيما بعدُ شأنٌ كبير عند المؤرِّخين المِصريِّين والمَشارقة عمومًا حيث اعتمدوا عليه في كتابة التراجم، ولعلّ أوّلَهم ابن فَرْحون، ثم السَّخاويُّ، والسُّيوطي وسواهم.

стр. 53

وكما كان العَبْدريُّ أولَ مَن عرَّف ابن دقيق العيد بابن عبد الملك -وهو التعريف الذي قيّده ابن دقيق العيد على عادتِه في تقييد ما يسمعُه أو يُمليه- كان أَيضًا -فيما نُرجِّح- أولَ من حَمَلَ إليه إجازته له ولبعض أماليه إليه، وقد يدُلّنا على ذلك اشتراكُ الرجلينِ: العَبْدريِّ وابن عبد الملك في التحديث ببعض هذه الأمالي عن ابن دقيق العيد. ولا نعرفُ الآنَ هل كانت الإجازةُ ابتداءً أم بسؤال من ابن عبد الملك مباشرةً أو بواسطة العَبْدريّ. أمّا ابنُ رشيد فقد ذَكَرَ اسمَ ابن عبد الملك وابنِه أبي القاسم في الاستدعاء الكبير المؤرَّخ في رجب عام ٦٨٤ هـ، وهو الذي استدعَى فيه الإجازةَ من علماء الشرق، لنفسِه ولأولاده وأقاربه وطائفةٍ كبيرة من أهل المغرب والأندلس وإفريقيّةَ ومن غيرهم، ويبلغ عدَدُهم ما يقرُبُ من ١٢٠ عَلَمًا، واستجاب لهذا الاستدعاء بكتابة الإجازة للمذكورينَ: عبدُ العزيز الحَرّاني، وأحمدُ بن عبد الله الجزائري، وخليلٌ المراغي، وأبو بكر بن عُمر القُسَنْطيني، وعبدُ المؤمن بن خَلف الدِّمياطي، وابنُ الخِيَمي، وعبدُ الوليّ بن بحتر البَعْلَبَكِّي، وعمادُ الدين الصّفّار، ومحمدُ بن يحيى القُرَشَي، وعبد الله الإسعردي، والفضلُ بن رَواحة، وعبدُ الرحيم بن يوسُف الدّمشقي، وابنُ الأنماطي، وأبو البدر بنُ أبي الزَّين المِصري، وعبد الرحيم بن عبد المُنعم الدَّمِيريّ، وشعبانُ الخِلاطي، وأُمُّ الفضل زينبُ بنت عبد اللطيف البغداديّ، ومحمدٌ ابن الخُراسانيِّ التِّلِمْسانيُّ، ومحمد بن يحيى الشَّيباني، وأحمدُ بن عيسى البُلْبيسيّ، وعليُّ بن عبد الكريم الدِّمشقي، وغازي الحلاويّ، وعليّ بن محمد المعروفُ بالبديع، والملك نجمُ الدِّين الأيوبيّ، وعبدُ المُنعم بن يحيى الخَطيب ابن بَدْران، وعليُّ بن عبد الرّحمن النابُلُسيّ، وأبو عبد الله جمالُ الدِّين قاضي نابُلُس، وإبراهيمُ بن عبد العزيز اللّوري، وعبد الرّحمن بن يوسُفَ البَعْلَبَكّي، وعُمرُ بن يحيى الكَرَجي، ومحمَّد بن خالد بن حَمْدون، وعليّ بن أحمدَ المقدِسيّ (١).

стр. 54

ولكنّنا لم نقفْ في الأسفار الموجودة من "الذّيل والتكملة" على عمل ابن عبد الملك بهذه الإجازة. ووَصَل إلى المؤلف وإلى ولده محمد كتابٌ من دمشقَ من صاحبه وزميله القديم أَحْمد بن فَرْح صاحب القصيدة الغَزَليّة المورِّية بألقاب الحديث والمعروفة بعنوانها: "غرامي صحيح"، قال في ترجمته: "كتَبَ إليّ وإلى ولدي محمد من ظاهر دمشق" (١). وقد يكون في هذا الكتاب إجازةٌ أو استجازةٌ من بعض من أخَذ عنهم في المشرق، وسماهم المؤلّف في ترجمته. وهكذا نرى أنّ ابن عبد الملك، الذي لم تُكتَبْ له الرحلةُ إلى الديار المشرقية (٢)، قد بلغ إليه علم المشرق سواءٌ من الوافدينَ منه على المغرب والأندلس مثلُ ابن رَشِيد البغداديِّ وابن الحَنْبلي الدِّمشقي وغيرهما، أو بواسطة أصحابِه الراحلينَ إلى المشرق كالعَبْدريّ وابن رُشَيْد السَّبْتي وغيرهما. وبعدُ، فهؤلاء هم شيوخُ ابن عبد الملك -فيما وقَفْنا عليه- وقد بذَلْنا جهدنا في تتبُّعهم وتجريدهم من الأسفار الموجودة من "الذّيل والتكملة" الذي يعتبر مصدرَنا الأول في معرفة ابن عبد الملك. أصحابُه: أشار ابن عبد الملك، في معرِض الحديث عن بعض شيوخه وغيرهم، على عدد من أصحابه، ويقصِد بهم: أقرانه الذين اشتركوا معه في الأخْذِ والرواية عن أولئك الشيوخ.

стр. 55

فمنهم: العَبْدَريُّ محمد بن محمد بن سُعود الحِيحي صاحبُ الرحلة المعروفة، ذكَرَه ابن عبد الملك في الآخِذين عن بعض الشيوخ الذين ترجم بهم، وعدّه من أصحابه، ويبدو أنه جَمَعت بينَهما بعضُ حلقات الدّرس في مَرّاكش، ولا سيّما حلقةُ شيخِهما قاضي الجماعة بمَرّاكُش أبي عبد الله محمد بن عليّ بن يحيى المدعو بالشريف، ونُقدِّر أن يكونَ ابن عبد الملك ذكَرَ صاحبه عَرَضًا في أحد الأسفار المفقودة بما يفيدُ في تصوير صلتِه به. وقد وجَدْناه يَذكُر عَرَضًا زيارته حاحةَ، ولكننا لا نعرف مناسبتَها وهل لها علاقةٌ بصاحبه. ونتساءل: هل كتَبَ ترجمته في "الذّيل والتكملة" أم لا؟ فهو من حيث دخولُه الأندلس على شرط الكتاب، ولكننا لا نجدها في مظِنّتها مع المحمّدينَ في النسخة التي وصلت إلينا من سِفر الغُرباء، ويبدو من تتابُع الأسماء أنه لا سقط فيها، وكذلك الشأنُ في ترجمة ابن رُشَيْد السَّبْتي، وقد نفسِّر هذا بأنّ ابن عبد الملك لا يترجم لمن هم -من حيث السنُّ- في منزلة أقرانِه أو دونَهم. رأينا فيما تقدَّم آنفًا حديثَ العَبْدَريّ عن ابن عبد الملك وتوشيحَه صاحبه بالنّعوت الآتية: "صاحبنا الفقيه الأديب الأوحد"، ووَصْفَه كتابَه بالإتقان والإفادة، ومن يعرِفْ طبيعة العَبْدَري الصارمةَ واقتصادَه في ألفاظ الثناء، وقَصْرَه إياها على مستحقيها وبُخلَه بها عن غيرهم، يلمَسْ منزلةَ صاحبه عنده، ومكانتَه من نفسه. ولا بدّ أنّ الرجلينِ كانا يتبادلانِ الودّ والتقدير، وهما يجتمعانِ في النسبة الإقليمية، ويتشابهان في حِدّة المِزاج وصراحة القول وإبداء الانتقاد والتشدد في النهج. ومن أصحاب ابن عبد الملك: ابن رُشَيْدٍ السَّبْتي مؤلِّفُ الرحلة الجامعة المستوعِبة للفوائد، ذَكَرا معًا هذه الصحبةَ واشتركا في الأخذ عن بعض الشيوخ، وكان بينَهما ما يكونُ بين صاحبينِ متعاصرَيْن مشتركين في الصّناعة، متواردَيْن على الرواية" طموحَيْنِ إلى التفوُّق العلمي. أمّا ابن عبد الملك فقد سمّى صاحبَه خلال بعض التراجم، وقال فيه في إحدى المناسبات، وهو ينشد تذييلاتِ الأندَلسيِّين

стр. 56

وغيرهم على بيتى الحريري الواقعَيْن أثناء المَقامة السادسة والأربعينَ اللذين قال فيهما: "أسكَتا كُلُّ نافث، وأمِنَا أن يُعزَّزا بثالث": "ومثلها ما أنشَدني الصاحب الأكرم الحاجّ المبرور الراوية أبو عبد الله بن رُشَيْد، قال: أنشدني أبو محمد عبدُ الواحد بن محمد بن مبارَك التونُسيُّ لنفسه" (١). ثم أنشَدَ له بيتًا يعزِّز بيتي الحريريِّ المذكورين، وما كتبه ابن عبد الملك عن صاحبه هنا كان، كما هو واضح، بعد رجوعه من رحلته وحَجِّه، وهو يشهَدُ له كما ترى بالرواية التي عُرف بشَغَفها وسَعته فيها, ولا بدّ أنّ ابنَ عبد الملك وقَفَ على رحلة صاحبه كلِّها أو بعضِها، وإن لم نقفْ على ذكرِه لها في الأسفار الموجودة من"الذّيل والتكملة"، وما أنشَده هنا واردٌ فيها, ولكنّ عبارته تقضي سماعَه منه مباشرة إلا إذا كان ابنُ رُشَيْد ناوَلَه رحلتَه وتدبّجا، أى: روى كلُّ واحد منهما عن صاحبِه. ويبدو أنّ أولَ لقاء بين الرجليْنِ تم في سَبْتة. وقد صرّح ابن رُشيد في رحلتهْ على أنه اجتمع بابن عبد الملك قبلَ رحلتِه التي بدأها سنة ٦٨٣ هـ, فقد حَكى فيها أنه عرَفَ بظهر المركَب الذي سافَرَ فيه من الإسكندَريّة عند العودة أديبًا مَرّاكُشيًّا هو أبو عثمان سعيدُ بن جون، وجرى بينَهما حديث جَرّ إلى ذكر ابن عبد الملك، وهذا نصُّه: "وكانت له (أى: للمَرّاكشيِّ المذكور) مشاركةٌ في علمَي العَروض والقافية، فتذاكرنا على مَتْن البحر شيئًا من أمر العَروض، فقلت له: إنّ صاحبَنا الفقيهَ الجليل المتفنِّن الأديبَ المحدِّث المتقنَ الضابط الناقدَ أَبا عبد الله بن عبد الملك المَرّاكُشيّ ذكَرَ لي يومًا بسَبْتة أنّ بعضَ الأدباء صنَع نظمًا عجيبًا في العَروض يتضمَّنُ جميعَ أعاريضه وضروبه، وأنه ذكَرَ لي صَدْره من حفظه ولم يُمكِّنِّي منه، فقال: القصيدُ عندي حاضر كنتُ قيَّدتُه عنه، فسُررت بذلك واغتنمتُها إفادةً جَرَت إليها المذاكرةُ واستخرجَتْها المحاضرة وكتبتُها عنه" (٢)، ثم ساق مقدّمة القصيدة المذكورة وأنشَدها في موضع آخَر، وهي قصيدةٌ لأبي الحَبْش البَسْطي،

стр. 57

ونَستشعرُ من قول ابن رُشَيد: "ولم يمكِّنّي منه" كأنّ ابنَ عبد الملك تمنَّعَ من إفادته بذلك النظم، معَ أنه ربّما لم يكن تحتَ يده وقتئذٍ؛ لبُعده عن مكتبته في مَرّاكُش، وعلى كلٍّ فقد صار إليه النظم نقلًا عن ابن عبد الملك بواسطة ابن جونٍ المَرّاكُشيِّ صاحبِه وبلَديِّه، وقدِ استفاد ابنُ رشيد من ابن عبد الملك فوائدَ ذكَرَها حينًا وسكَت عنها أحيانًا أخرى، فمن ذلك: أنّ ابنَ رشيد قرأَ على ابن عبد الملك بأغمات برنامَج شيخِه الرُّعيني ووَهَبه ابنُ عبد الملك نُسخةً من هذا البرنامَج، وقد وَصَل إلينا نصّ سماع ابن رُشيد في النسخة التي اشتراها المرحومُ الزِّرِكْليُّ من مدينة مَرّاكُش، وهذا نصُّه: "الحمدُ لله، أكملتُه قراءةً على صاحبنا الأديب الحافل المتقِن الضابط، المتفضِّل بهبة هذه النُّسخة لي أبي عبد الله ابن عبد الملك حفظه الله وتولّاه، [وكان يُمسِكُ] أصلَ سماعِه [وأنا] أصحِّح هذه النُّسخة عليه، وكتَبَ محمد بن رُشَيْد الفِهرِيُّ أرشده الله، وكان [ذلك] بمدينة أغمات في عاشرِ شوّال عام .... وست مئة. والحمد لله" (١). ويتبيّنُ من هذا النصِّ أنّ الصاحبَيْن التقيا في مناسباتٍ متعدِّدة في سَبْتة وأغمات ومَرّاكش وربما في فاسَ وغيرها، وقد جمعتهما خدمةُ الدولة المَرِينية الجديدة حيث أُسندت إليهما خُططٌ تناسبُهما، وفي النصِّ المذكور نرى ابن رُشَيْد يُحلِّي صاحبَه بحُلى رفيعة ويدعو له بما اقتضاه مقامُ الرّواية وأوجَبَه حقُّها عليه، ورأينا فيما سبَق كيف حَلّاه ابن عبد الملك. ومن التّحليتَيْن يؤخَذ رأي كلٍّ منهما في الآخَر. ومعَ أنّ ابنَ رُشَيْد يعترفُ بطول باع صاحبِه في الأدب وتمكُّنِه من الضبط والنّقد، فقد وجدناه يبدو وكأنه يخالفُ رأيه هنا؛ إذ ينعَتُ صاحبَه ابنَ عبد الملك في موضع آخَرَ بالتجَنِّي في النّقد والتعسُّف فيه، ويرميه بانتقاص الأفاضل وتمكُّن هذه العادة منه حتى صارت له طبعًا، فقد وقَفَ ابن رشيد على ما كتبَه ابنُ عبد الملك في

стр. 58

ترجمة الشَّاعر ابن المُرحَّل وما أورده من شعره، وما تعقَّبه عليه فيه، فدفعته حَمِيّةُ البلديّة إلى الردِّ العنيف عليه والانتصار لابن المُرحَّل الذي كان شيخًا لكليهما معَ أنّ ابنَ عبد الملك ناقَشَ شعرَ شيخه بأدب وذكَرَ له محاسنَه وسمَحَ لنفسه بمراجعته حسَب اجتهاده، ولا عيبَ في هذا ولا عَتْبَ على ابن عبد الملك فيما نرى، ولا داعيَ لأنْ تَثُورَ ثائرةُ ابن رشيد على صاحبِه ويفورَ غضَبُه فيَخرُجَ عن حدِّ التعقيب الرَّزين الرَّصين إلى حدّ التعريض المَعِيب والتصريح المَشِين، ولكنّها المعاصرةُ ومنافساتُها الخفِيّة وخَلفيّاتُها المحجوبة وحساسيّاتُها المستورة. وقد يَحسُنُ بنا أن نوردَ نصُوصَ الموضوع؛ لنُشرك القارئَ فيه ولتتضّحَ له معالمُه: أنشَد ابن عبد الملك قصيدةً لابن المُرحَّل مطلَعُها [من الطويل]: بوَصْفِ حبيبي طرَّزَ الشّعرَ ناظمُهْ ... ونَمْنَم خدَّ الطِّرس بالنَّقْش راقمُهْ واستجادها في الجُملة ثم تعقَّبها، قال: "وفي هذه القصيدة -على ما بها من إجادة- تعقُّبٌ من وجوه، منها: التضمينُ وهو من عيوبِ النظم، وذلك في قوله: وممّا دعاني ... ، والبيتِ الذي بعده، ومنها: الإيطاء في "صوارمُهْ" في بيتين بينهما بيتان، ومنها: إعادةُ ضمير "نواسمُهْ" وهو مذكَّر على الأرض وهي مؤنثة على إرادة التذكير بتأويل المكان أو المحلّ أو شبههما أو إعادته على النبيِّ ﷺ بأدنى نسبة، كلُّ ذلك تكلّف بعيدُ المتناول ... ". وقد نقَلَ ابن رُشَيْد في رحلته هذا التعقيبَ ورَدّ عليه بما يلي: "هذا ما قاله صاحبنا جَرْيًا على عادته -عفا الله عنه- من انتقاصِ الأفاضل، واعتساف المجاهل، وتَرْك الصافي الزُّلال وورود الكدَر والعَكَر من المناهل، وكل ما قاله فاسد، والنقد عليه عائد. أما هذا التضمين الذي ادّعى أنه عيب فليس بهذا، وإنّما العيبُ الذي ترجَمَ له أهلُ القوافي هو ما كان بين القافية وصَدْر البيت الذي يليها، كقوله: ........................... ... وهم أصحابُ يوم عكاظَ إنّي شهدت لهم مواطنَ صادقاتٍ ... .......................

стр. 59

وأما هذا التضمينُ الذي فعله الشِيخ فسبيلٌ جيّدة وطريقٌ مستحسَنة عند العرب والمولَّدين المتقدِّمين منهم والمتأخِّرين، وإنّما أوقعه في ذلك عَدَمُ معرفته باللفظ المشترَك، وأمّا ما ادّعاه من الإيطاء فغلطٌ وَقَرَ في سمعِه أو في خطِّه عند كَتْبه ووَضْعِه، وإنّما قال الناظمُ في البيت السادس: * فما أسلمته بِيضُه ولهازمُهْ * وإنما وقع: صَوارمُهْ، في البيت التاسع، وهو الذي ألزم به النقد هذا الناقد المتعسّف، وأمّا ما قاله في عَوْد الضّمير فممّا تُصانُ عنه المسامع، ويالله ويالله ويا للمسلمين! ما الذي يمنَعُ من إعادة الضمير على النبيِّ ﷺ ؟! وأيُّ تكلّف فيه أو أيّ نسبة أو بُعد تناول معَ أنّ إعادته على الضمير المخفوض في قوله: أرضه، وهو ضميرُ المثال أو ضميره ﷺ وشرّف وكرم - صحيح حسن؟ ولكنّها عادةٌ تعوَّدَها، ووسادةٌ اعتمدها وتوسَّدها، وما نعلم في هذه القصيدة شيئًا يُنقَد إلا ثِقَل لفظ: أصكّ به خَدّي. واللهُ المرشد، والإنصاف أحقُّ ما اعتُمد، وأوْلى ما اعتُضِد" (١). كما أورد ابن عبد الملك قصيدةَ ابن المُرَحَّل الطائيّةَ التي مطلعُها: أدمعُك أم سِمطٌ وقلبُك أم قُرطُ ... وشوقُك أم سَقْطٌ وجسمُك أم خَطُّ؟ وعقَّب عليها قائلًا: "وفي هذه القصيدة أَيضًا تعقُّبٌ من وجوه، منها: استعمالُ "أم" مكان "أو" في قوله: أم خَطّ، وفي حَمْلها على الانقطاع بعدٌ لا يَحسُن فيه المعنى إلا على التكلّف، ومنها: تكريرُ المعنى في قوله: "بقلبي لها سَقْطُ" و"في مدمَعي سِمْطُ"، فيه افتَتَح القصيدة، وذلك ضِيقُ عَطَن. ومنها: استعمالُ البَسْط في قافية البيت الذي قبلَ الأخير منها مكان التبسُّط، ومنها، وهو أقبحُها: التضمينُ المَنْعيُّ عليه في القصيدة التي قبلَ هذه، وذلك بين البيتين: رأيت مثالًا، والذي بعده يليه" (٢).

стр. 60

ولمّا قرأ ابنُ رُشيد هذا الكلامَ عقب عليه بقوله: "ولمّا أنشَد القاضي محمد بن عبد الملك المَرّاكُشيُّ هذه القصيدةَ الطائيّةَ بعدَ قوله: أنشَدنيها ناظمُها، أتبَعَ ذلك بالاعتراض جَرْيًا على عادته التي وافقَها، وأبي أن يُفارقَها، حتى عادت له طبعًا، وقَرَع بجِوار غَرْبِه من صليبِ عودِها نبعًا، فقال عفا اللهُ عنه"، ثم نقَل ما انتقدَ به ابنُ عبد الملك قصيدةَ ابن المُرحَّل هنا، وقال: "وهذه الاعتراضاتُ كلُّها ساقطة، ولكنْ ليس لها لاقطة، فأمّا الأول، وهو قوله: منها: استعمالُ "أم" مكان "أو" في قوله: "أم خَطُّ"؛ فتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عوارُها، وعليه عارُها، فإنّ ناظمَه إنّما قاله بأو وكذلك أنشَده لنا، وإنما ابن عبد الملك كتبَه بأمْ بخطِّه. وأمّا الثاني، وهو قوله: إنه كرَّر سِمطُ وسَقطُ وذلك ضِيقُ عَطَن؛ فهذا لا دَرْك فيه، بل هي طريقة مسلوكةٌ مألوفة، وسبيل في الفصاحة معروفة، وإنّما يُكره ذلك إذا تكرَّر في القافية ولا سيّما وأنّ تكريرَه لسِمْطُ إنّما هو بعد تسعة أبيات، وإذا وقَع مثلُ هذا وبينَهما هذا العددُ لم يكنْ إيطاءً، معَ أنه في الصّدر اشتمل فيه مع سَقْطُ الترصيع دون أن يكون واحدٌ منهما في مِصراع، فيقال: المِصراعُ قد يُشبِهُ العَجُز، وهذا شيءٌ ما تحاماه متّسعُ عَطَن، ولا قدحَ فيه ولا طَعَن، ممّن ظَعَن أو قَطَن، ومع هذا فاستعمالُها في البيت الأول المصرَّع، وفي الثاني المعترَض عنده ليس على حدّ واحد، بل هما مُصَرَّعان في مَهْيَعينِ من الكلام مختلفين، ومما يُعَدُّ من الفاضل لا من المفضول، فإنه استُعمل في البيت الأول من باب تجاهل العارف، وفي البيت المعترَض عند هذا المعترِض من تحقق الواصف، فاستيقِظْ أيها النائمُ إن وافقتَ المعترِض، فقد أدلَجَ الناس. وأمّا الثالثُ، وهو استعمالُ البَسْط في القافية مكان التبسُّط الذي في صَدْر البيت؛ فهذا أَيضًا واهٍ، في حضيض الخمول واهٍ؛ وهل يُنكِرُ عربيٌّ وضعَ المصادر بعضِها في مواضع بعض؟ وأين أَنْتَ عن قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]؟ ثم مع ذلك إذا اعتُبر معنى البيت اتّجَه فيه مقصِدٌ آخَر؛ وهو أنه لمّا انبسَط في لَذّاته

стр. 61

وذنوبه صَحّ له بحبِّ رسول الله ﷺ أنْ لقِيَ البَسْط ولم يلقَ القَبْضَ إنعامًا عليه من الله تعالى، وهذا كما قال بعضُ الراجينَ المعترِفينَ من المذنبين: تبَسَّطنا على اللّذاتِ حتى ... رأينا العفوَ من ثمرِ الذنوبِ وهذا معنًى حسَن يُسقطُ اعتراضَ هذا المعترِض، وأمّا الرابع، وهو الذي قال فيه: إنه أقبحُها، وهو التضمين، فقد وقع الجوابُ عنه: وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا ... وآفتُه من الفهم السقيمِ" (١) وفي هذا الردِّ كما نرى تحامَلَ على ابن عبد الملك الذي له فضلٌ سابق على ابن رُشَيْد اعتَرفَ ببعضه في بعض المناسبات وسَكَت عن بعضِه الآخر، ووراءَ هذا الردِّ إمّا عصبيّةٌ بلَديّة وانتصارُ ناقدٍ سَبْتيّ لشيخِه وشاعرِ بلدتِه، أو خصومةٌ نشِبَت بين الرجلَيْن لسبب من الأسباب. ومن أصحابه: أبو بكر محمدُ بن محمد القللوسي (٢)، ذكَرَه في ترجمة شيخِهما ابن خَميس، ورتّبه في طبقة ابن رُشَيْد، فقال معدِّدًا الرواةَ عن الشّيخ المذكور: "رَوى عنه ابنُه أبو جعفر، وأصحابُنا: قريبُه أبو بكر بن محمد القللوسي، وأبو إسحاقَ بن أَحْمد بن عليّ التُّجِيبي، وأبو عبد الله بن عُمرَ بن رُشَيْد" (٣)، وقد اشتُهر القللوسيُّ الملقَّبُ بالفار بمؤلّفاتِه في العَروض والفرائض، وكان إمامًا في النّحو واللغة، شديدَ التعصُّب لسيبويه، ووضع مؤلّفًا في تاريخ بلده سماه: "الدُّرةَ المكنونة في محاسنِ إسطبونة" (٤). ولا نعرفُ أين صَحِبه، وقد يكون لقِيَه أولَ مرة في الجزيرة الخضراء ثم صَحِبَه أثناءَ مقامِه بمَرّاكُش حيث لقِيَه ابنُ رُشَيْد السَّبتي ودرَس عليه ابن البناء العدَدي.

стр. 62

أمّا ثاني المذكورَيْن في النص فلم نقفْ على ترجمته ولا على ما يدُلّنا على تفصيل صحبتِه لابن عبد الملك. وثمّةَ سَبْتيٌّ آخَر ذكَرَه ابن عبد الملك في كتابِه مرّات، وعَدَّه من أصحابه، وهو أبو عليّ الحُسَين بن عَتِيق المشهورُ بابق رَشِيق التغلبيِّ المتوفَّى بتازَى سنة ٦٩٦ هـ، وهو مُرْسيّ أوى إلى سَبْتة ووَلي قضاءها في عهد أبي القاسم العَزَفي، كما وَلي الكتابةَ في دواوين ملوك بني مَرِين وبني الأحمر، وقد أشار إليه المؤلّفُ في ترجمة والده عتيق بن الحُسَين وقال: "وحدّثنا عنه ابنُه صاحبُنا أبو علي" (١). كما ذكَرَه فيمن حدّثه عن أبي الخَطّاب محمد بن خليل فقال: "وحدّثنا عنه أبو جعفر بن الزُّبير وأبو عليّ بن رَشِيق صاحبُنا" (٢)، وفي الرواية عن أبي عبد الله القارجيّ، قال: " ... وأبو عليّ بن رَشِيق صاحبُنا" (٣)، ولا نتحقّق هل ترجم له أم لا؟ وأغلب الظنّ أنه عامَلَه معاملةَ أصحابه الآخرين، كالعَبْدَري وابن رُشَيْد وغيرهما؛ إذ لو كان مترجمَا في "الذّيل والتكملة" لوجَدْنا النقلَ عنه في "الإحاطة" لابن الخَطيب (٤)، ولا نعرف ماهيّة الصحبة بين الرجلَيْن، ولا بدّ أنهما التقيا في سَبْتة، وقد جمع بينَهما الاهتمامُ المشترك بالتاريخ العام وتاريخ الرجال؛ إذ إن ابن رَشِيق اختصر"مداركَ "القاضي عِيَاض وألّف" ميزانَ العمل في أيام الدول"، وهو تلخيصٌ لكتاب كبير له في التاريخ. وهناك عَلَمٌ تردَّد ذكْرُه مرّات متعدِّدة في "الذّيل" وهو: أبو عبد الله محمد بن عَيّاش الخَزْرجي، انتقل والده من قُرطُبة إلى مالَقة، وانتقل هو من مالَقةَ إلى مَرّاكُش حيث كان له كُتّابٌ للإقراءِ والتعليم، وكان ابن عبد الملك يُجالسُه في كُتّابه أحيانًا، قال في ترجمة والد المذكور عَيّاش: "رَوى عنه ابنه أبو عبد الله، وحدّثنا عنه في كُتّابِه

стр. 63

غيرَ مرة" (١)، وأشار إليه أثناء تراجم: أبي بكر حُمَيد المالَقيّ، وأَحمد بن مكنونٍ المَرَوي، وأبي بكر عتيق بن أَحْمد المالَقيّ، ونقل عنه الحكاية الآتية: "أخبرني صاحبُنا الفاضلُ أبو عبد الله بن عَيّاش عن أبي بكرِ بن حبيب المالَقيّ، قال: كان أبو بكرٍ هذا قاعدًا في ظِلّ شجرة بصَحْن جامع مالَقة وقارئ يقرأ كتابَ "الحِلية" لأبي نُعيم على الناس يُسمِعُهمٍ إيّاه، فجرى ذكرُ أحد الفُضلاء المذكورين فيه وذى مناقبه وكراماتِه، فصاح صَيْحةً ثم سكَتَ وسكن فحُرِّك فأُلفي ميّتًا، ﵀" (٢)، كما ذكره في الآخِذين عن أبي عبد الله محمد بن عِيَاض الحفيد، وفي جميع هذه المرّات قال فيه: "صاحبُنا". ووجدناه في ترجمة أبي الحَسَن العَشّاب الرُّندي نزيل مالَقة يقول: "حدّثنا عنه شيخانا: أبو الحَسَن الرّعيني وأبو عبد الله بن عَيّاش الخَزْرجي"، وكذلك يقول في ترجمة أبي القاسم القاسم ابن الطَّيْلَسان القُرطُبي نزيل مالَقة: "رَوى عنه غيرُ واحد، وحدّثنا عنه من شيوخنا: صِهرُه أبو عبد الله بن عَيّاش" (٣). ويدفعُنا صنيعُ ابن عبد الملك هنا إلى التساؤل عن سببِه، والسرِّ فيه، فهل هو يتحدّث عن شيخ واحد ترَقّى من رتبة الأصحاب إلى رتبة الأشياخ؟ أم أنّ الثانيَ غيرُ الأول؟ وقد ترجم الوادي آشي في "برنامجَه" لاثنينِ، أحدهما: "محمد بن عَيّاش بن محمد بن عَيّاش القرطبي نزيلُ مالَقة، أخَذ عن أَبيه وصِهرَيْه أبي جعفرٍ وأبي القاسم ابنَي الطَّيْلَسان وأبي عبد الله اللّوشيِّ، وأجازه سهل بن مالك وابنُ بَقِيّ وغيرهما"، وثانيهُما: "محمد بن محمد بن عَيّاش المالَقيُّ المَرّاكُشي، يَروي عن إبراهيم بن محمد بن عُبَيد الله، وعن أبي القاسم ابن الطَّيْلسان" (٤)؛ ومن الواضح أنّ الثانيَ ولدُ الأول، والذي يبدو أنّ الأولَ منهما هو الذي يصحُّ أن يُعَدَّ في شيوخ ابن عبد الملك، وهو الذي ذكَرَه في ترجمة والده عَيّاش وسمّاه من

стр. 64

شيوخه في المرتين الآنفتَي الذكر، أمّا الذي صَرَّح أنه من أصحابِه فقد يكون ولدَه المذكورَ المسمّى باسمه الناشئَ في مَرّاكُش. ومن أصحاب ابن عبد الملك الذين انتفَع بصحبتهم العلميّة وأثنى عليهم وتبادل وإياهم الفوائد: أبو جعفرٍ أحمدُ بن محمد بن سُليمان بن شُنيف العُقَيْليّ البَلَنْسيّ الأصل، وذكَرَه فيمن حدّثه عن ابن عَمِيرة المخزوميِّ فقال: " ... وصاحبنا أبو العبّاس بن محمد بن شُنَيْف"، وقد ترجَم له، وبعد أن عَدّ شيوخَه قال: "وقَدِم مَرّاكُش دَفَعات، أُخراها سنةَ ثمان وخمسينَ وست مئة، وخَلّف فوائدَ جمة وتعاليقَ أدبيّةً كثيرة، وجُملةً وافرة من كلام أبي المُطرِّف بن عَمِيرة نثرًا ونظمًا، وكان نبيلَ الخطّ متقِن التقييد، كتَبَ الكثير وعُني بالآداب كثيرًا"، ثم قال: "جالستُه طويلًا وانتفعت من قِبَلِه ببعض ما أوصَلَه مما ذكر، وصارت إليه من قبلي فوائدُ أدبية قد كان شديدَ الطلب لها، كثيرَ الحرص عليها، باحثًا عنها بالأندَلُس وإفريقيّة فلم يُلفِها". وتحدّث عن تحفُّظه الشديد فقال: "وكان قبل خبرته باديَ الجفاء ظاهرَ النُّفور، حتى إذا أَلِف وتُؤلِّف انبسَط واسترسَل وأمتَعَ مجُالسَه من الأنس بما شاء"، ثم ذكر أنه توفِّي ببلد حاحةَ سنة ٦٤٤ هـ حيث كان مكلَّفًا ببعض مَجابيها السّلطانية، ولم يفُتِ ابنَ عبد الملك أن يُشيرَ إلى ما قيل عند وفاتِه من أنه اغتيل بأمرِ عامل حاحةَ حسبما نفَذَت به الإشارةُ إليه من قِبَل المرتضى؛ لأن ابن شُنَيْف كان من مُداخلي إدريسَ المتلقّب فيما بعدُ بالواثق، ويشير إلى صدى هذا الحادث فيقول: "وشاع الشَّنيع بذلك على المرتضَى وقَبَّح النَّاسُ ما أتى من ذلك، واللهُ بالمرصاد وإليه المصير". ذكر ابنُ عبد الملك أنّ صاحبَه هذا "خَلّف فوائدَ جمة وتعاليقَ أدبيّة كثيرة وجُملةً وافرة من كلام شيخِه أبي المُطرِّف بن عَمِيرة نثرًا ونظمًا"، ثم قال بعدَ هذا: "وصار إليّ معظمُ ما قَدِم به بعدَ وفاته، ﵀" (١)، ولم يبيِّنْ كيف دخَلت

стр. 65

في مُلكه مكتبةُ صاحبه أو معظمُها، وقد يكون ذلك تَمّ بالشراء الصحيح، وقد عرَفْنا أنّ ابنَ عبد الملك زارَ حاحةَ، وقد تكون لزيارته علاقةٌ بهذا الموضوع، وعلى كلِّ حال فقد انتفَعَ ابنُ عبد الملك بمخلَّفات صاحبه الأدبية، ولا سيّما في الترجمة الحافلة لابن عَمِيرة المخزوميِّ التي تُعَدُّ من أوسع تراجم "الذّيل والتكملة"، وكذلك، على ما نظُنّ، الفوائد الأدبية الواردة في ترجمة ابن الأَبّار بما فيها القصيدة السِّينية ومعارضاتها. ومن أصحاب ابن عبد الملك في مَرّاكُش: أبو محمد عبدُ الله بن أبي الحَسَنُ محمد ابن الحاجّ القُرطُبيّ، "استُقضيَ (أى: والدُ صاحبه) بغَرناطةَ والجزيرة الخضراء فشُكرت سِيرتُه وشُهر بالنّزاهة والعدالة، واستدعاهُ الرّشيد من بني عبد المؤمن إلى تعليم ولده وتأديبه لمتَاتٍ كان إليه، فقَدِم مَرّاكُش وتلبَّس بما دُعي إليه مدّة يسيرة، وتوفِّي بمَرّاكُش عام أحد وأربعينَ وست مئة" (١). أما عبدُ الله ولدُ مؤدِّب أولادِ الخليفة هذا فيبدو أنه صَحِب ابن عبد الملك في حلقات الدّروس بمَرّاكُش، وقد ذكره في أثناء ترجمة والده وترحَّم عليه فقال: "وهو والدُ صاحبنا الفقيه الفاضل الورع أبي محمد عبد الله، ﵀" (٢)، ولم نقفْ على ترجمة هذا الصاحِبِ الورع فيما بين أيدينا من مصادر. ومن معارفه من أولاد الشُّيوخ الأندَلسيِّينَ الوافدينَ على مَرّاكُش: أبو الحَكَم أَحْمد بن محمد بن أَحْمد بن خليل السَّكُونيّ، قال في ترجمة والده: "وورَدَ مَرّاكُش ورأيتُه بها وأقام فيها مدّة ليست بالطويلة متلبِّسًا بعَقْد الشروط، ثم عاد إلى الأندَلُس فاستوطنَ لَبْلةَ بلدَ سَلَفِه إلى أن عَرَضَ له توجُّه إلى إشبيلِيَةَ زائرًا بعضَ ذوي قرابةٍ بها ففُقد في وجهته تلك فلم يُعثَرْ له على خبر. كذلك أخبرني ابنه أبو الحكم أحمد، وقال ابن الزُّبير: إنه فُقد في طريق لَبْلة عند خروج

стр. 66

أهل إشبيلِيَةَ منها سنة ستّ وأربعين وست مئة. وخبر ابنه أَوْلى بالاعتماد عليه. والله أعلم" (١). ومن هؤلاء أَيضًا: أبو العبّاس أَحْمد بن أبي جعفر أَحْمد بن مُنعم العَبْدَريّ الدّانيّ نزيلُ مَرّاكش، ترجَم ابن عبد الملك لوالده المسَمَّى وذكَرَ أنه كان بارعًا في العدد والهندسة والطِّبّ، ونقَل بعضَ ما في هذه الترجمة عن صاحبه المذكور فقال: "فمن مشهور تصانيفه: "فقهُ الحساب" كتابٌ جليل الفائدة، و"مقالةٌ في استنباط أعداد الوفق"، و"تجريدُ أخيار كتب الهندسة على اختلاف مقاصدها"، ويُذكر من شَغَفه بهذا الفنّ أنه كان لا ينامُ من الليالي حتى يَعرِض على خاطره "كتابَ الأركان" لأوقليدس بادئًا من آخِر شكل فيه متقهقرًا إلى ما قبلَه وصاعدًا إلى أول شكل منه؛ إذ كان فهْمُ كلِّ شكل ينبني على فهم ما قبلَه من الأشكال، شُهِر ذلك عنه وعُرف منه، وأخبرني به صاحبُنا أبو العبّاس ابنه ﵀، وعَرَضَ عليّ تصانيفَه هذه التي سمِّيت وغيرها، وكانت جملة وافرة" (٢). ومنهم كذلك: أبو القاسم هبةُ الله ولدُ أبي عبد الله الحَرّار القُرطُبي نزيل مَرّاكُش. ذكَرَه في ترجمة والده هذا الذي كان حَرّارًا في قُرطبة ثم أصبح عَدْلًا عاقدًا للشّروط في مَرّاكُش، وقد جالسَ ابنُ عبد الملك الوالدَ كثيرًا وكان صاحبًا لابنه، قال في ترجمة أبي عبد الله الحَرّار: "وهو أبو صاحبنا أبي القاسم هبة الله" (٣). ومما يجمَعُ بين الصاحبَيْن أنهما يشتركان في النّسَب الأَنْصاريّ الأوْسيّ، وكانا يلتقيانِ في حلقات الدّرس ومجالس الوعظ، وقد ذكَرَه فيمن رَوى عن الواعظ البغداديِّ محمد بن عبد الوهّاب ابن الحَنْبلي فقال: "رَوى عنه أبو جعفر بن الزُّبير، وأبو

стр. 67

عبد الله بن أبي بكر بن رشيد البغداديُّ الواعظ، وصاحبُنا أبو القاسم هبةُ الله بن محمد بن أبي بكر بن سعيد بن عبد الغفور الأوْسيّ" (١). ونذكر من هذه الطَّبقة أَيضًا، أَبا محمد عبدَ الله ابن قُطرال، وهو ولدُ قاضي مَرّاكُش أبي الحَسَن ابن قُطرالَ الذي ذكَرْنا فيما سبَق أنه كان يسكُن دارًا في مُلك ابن عبد الملك بجوار داره، ولئن فاتته الروايةُ عن ابن قُطرالَ الوالدِ حسبما رأينا من تحسُّره على ذلك، فقد كان له صلة بولده هذا الذي وَلي القضاء هو وأخوه أبو عبد الله محمدٌ، وممّا نقَلَه ابنُ عبد الملك عن أبي محمد ابن قُطرال المذكور هذا النصُّ المتعلِّق بلهجة أهل شرق الأندلس، قال: "وقد أذكرَتْني حكايةُ شيخنا أبي الحَكَم هذا ما ذكَرَ ليَ الفقيهُ القاضي أبو محمد بن أبي الحَسَن ابن قُطْرال ﵀ أنه رأى مكتوبًا بنقْش في جِصّ على باب حمّام أو فندق -الشكُّ منّي-: رحم الله عبدًا صنَع شيئًا فأطقنه، بالطاء، يريدُ: فأتقنَه" (٢). وفي "الذّيل والتكملة" نُقولٌ أخرى تتّصل بأبي الحَسَن ابن قُطرال لعلّ ابن عبد الملك يستندُ فيها إلى ولدِه أبي عبد الله هذا. ومن هؤلاءِ أَيضًا: أبو الحُسَين محمد بن عبد الواحد ابن تقيّ المالَقيُّ الأصل المَرّاكُشيُّ الدار، ترجَمَ ابن عبد الملك لأبيه وأمِّه وجَدِّه لأمِّه، وقال في ترجمة أُمِّه فاطمة بنتِ عتيق ابن قَنْتَرال: "وكانت زَوْجَ الفاضل أبي عُمر عبد الواحد ابن تقيّ وأُمَّ صاحبِنا أبي الحَسَن محمد ابنه". ومن أصحاب ابن عبد الملك المَرّاكُشيِّين: أبو عثمان سعيد بن جون المَرّاكُشيّ، وهذا هو الذي مكّن ابنَ رُشَيْد السَّبتي من نظم أبي الحَسَنُ البَسْطيّ في العَروض نقلًا عن ابن عبد الملك، وقد أثنَى عليه ابنُ رُشَيْد في رحلته، وذكَرَ أنه اغتَبطَ بمعرفتِه وتأنَّس بصُحبتِه وقال فيه: "الأديب المقرئ الأستاذ"، وزاد في وصفه قائلًا: "أحدُ الأدباء الفُضَلاء، محبٌّ في السَّماع والغناء، وشأنُه عجيب، وتكوينُه غريب، وله مشاركة في القراءات والعربيّة والأدب والعدد والفرائض

стр. 68

[والعَروض] , وينظمُ وينشئُ، معَ ذاتٍ فاضلة وعَقْل جيّد وعِفّة ظاهرة" (١). لم يذكُر ابن عبد الملك صاحبَه هذا؛ إذْ لم تكن مناسبةٌ لذكرِه في الأسفار الموجودة من "الذّيل والتكملة"، وإنّما أشار إلى علاقته به ابنُ رشيد، ويستفادُ من كلام هذا أنّ ابن عبد الملك وابنَ جون اشتَركا في الأخْذ عن عالِم مَرّاكُش وقاضي جماعتها وإمامِها أبي عبد الله المدعوّ بالشريف. وفي ترجمة ولدِ ابن عبد الملك أنه درَسَ العربيّة على أبي عثمان سعيد بن عبد الله (٢)، ويبدو أنه هو صاحبُ ابن عبد الملك هذا. ومن أصحابه: أبو محمد عبد الله بن عليّ بن أبي خُرْص الضّرير، أشار إليه في السِّفر السادس عندَ ترجمة شيخِهما أبي عبد الله ابن عَسْكر فقال وهو يَسرُد مؤلفاتِه: "ومنها: "الجزءُ المختصَر في السُّلوِّ عن ذهابِ البصَر" ألّفه لصاحبِنا أبي محمد بن أبي خُرص الضّرير الواعظ، ﵀" (٣). وقد استفاد ابنُ عبد الملك من صاحبه الضّرير هذا بعضَ الفوائد ومنها المجالسُ الوَعْظيّة التي ألّفها أبو المطرف أحمدُ بن عَمِيرة المخزوميّ، قال في ترجمته: "وله مجالسُ وَعْظيّة كان يصنَعُها للواعظِ الفاضل الصّالح أبي محمد بن عليّ بن أبي خُرص ﵀، ومن قِبَلِه استفدناها" (٤). ويبدو أنّ ابنَ عبد الملك عَرَف صاحبَه هذا في مدينة مَرّاكُش، ولكنّنا لا نعرفُ هل هو من أهلِها أم من الطارئينَ عليها، كما أنّنا لا نعرفُ أين التقَى بابن عَسْكر المالَقيّ الذي ألّف له الكتابَ المذكورَ تأنيسًا للوَحْشة التي كان يُحِسُّ بها من عَمَاه وتَسْليةً له عن فُقدان بصَرِه، ويمكنُ أن يكَونَ لقاؤه إيّاه إمّا بمالَقة بلدِ ابن عسكر أو بمَرّاكُش التي ربّما زارها هذا الأخيرُ بمناسبة بَيْعة المأمون الموحِّدي (٥).

стр. 69

وممن سمّاهم في عِداد أصحابِه بمدينة فاسَ: أبو الحُسَين يحيى بن أبي القاسم عبد الرّحمن بن أبي عبد الله المَزْدغيّ، وقد وَصَفَه بالخطيب الفاضل ونقَل عنه ما ذكَرْناه قبلُ، وَلِي الخَطابة بالقَرَويّين سنة ٦٩٤ هـ، وجمع بينَها وبين الإمامة بعد هذا التاريخ بقليل، وظلّ على ذلك إلى وفاته سنة ٧٢٦ هـ (١). ومن أصحابه الفاسيِّين: أبو سعيد محمدٌ المومنانيُّ الحفيد، ذكره في ترجمة محمد المومنانيِّ الجَدّ، وكتَبَ من إملائه نَسَبَ المومنانيِّين مرفوعًا إلى الحَسَنُ بن عليّ بن أبي طالب، وكأنه لم يكنْ مطمئنًّا إلى ما أملاه على صاحبه المؤرِّخ المعنيِّ برفع الإنساب وتحقيقها، قال ابن عبد الملك: "ووَعَدني بتحقيقه ولم يُقضَ بذلك حتى فَصَلتُ عن فاس". ولعلّ هذا الأمرَ كان خلال مرورِه بفاسَ سنة ٦٩٩ هـ في وِجهته إلى تِلِمْسانَ قاصدًا محلّةَ السلطان (٢). وفي الأخير نجدُه ينقُل عن شخص لعلّه من أهل تِلِمْسانَ، هذه المدينة التي زارها ابن عبد الملك أكثَر من مرّة على ما يبدو وكانت منيّتُه في أرضها، فقد ذكَرَ في ترجمة أبي بكر بن عُفَير الإشبيليِّ النَّبِيل الذي احتَرف الوعظَ وسلَكَ فيه طريقة شيخه ابن الجوزيّ ما نصّه: "أخبرني التأريخيُّ أبو سعيد عثمانُ بن ... المعروف بابن خرزوزة، قال: حضَرتُ بعضَ مجالسِه الوعظية بتِلِمْسينَ وقد ذكر للحاضرينَ أنه يريدُ التزوّج أو التّسرّي، والتمَسَ منهم كفايتَهم إياه النظرَ في ذلك، ثم أنشد: وقلتَ يا ربّ: حمَلْناكمُ ... لمّا طغى الماءُ على الجاريهْ عبدُك هذا قد طَغَى ماؤهُ ... فاحمِلْه يا ربِّ على الجاريهْ! " (٣)

стр. 70

ويبدو أنه لقي هذا التأريخي الأخباري في تِلِمْسان وإن لم يصرح بذلك، ولم نقفْ نحن على ترجمة المذكور حتى نتأكّد من هذا (١). ومن أصحابِه: أبو مَرْوانَ بن موسى ابن الكَمّاد السَّبتي، ويبدو أنه عرَفَه في سَبْتة، وقد ذكَرَه في ترجمة سِبْط أبي عَمْر وابن الجُمَيِّل، قال: "حدّث عنه بالإجازة صاحبُنا أبو مَرْوان بن موسى ابن الكَمّاد" (٢). ونصَّ في ترجمة أحمد ابن السَّراج على أنّ صاحبَه هذا كان مُكتِبًا (٣). وقال في ترجمة محمد بن صَالح الشاطبيّ نزيل بِجَايةَ: "رَوى عنه أصحابنا أبو عبد الله بن مَسْعود، وأبو محمد عبدُ الوهاب بن عليّ بن الحَسَن المليانيّ، وأبو جعفرٍ أحمدُ بن محمد بن محمد بن محمد الأنصاريُّ الوادي آشيُّ ابن الخَشّاب" (٤). فالأولُ هو العَبْدريُّ الحِيحيُّ الذي سبَق ذكْرُه، أمّا الآخَرانِ فلم نقف لهما على ترجمة. ومن أصحابِه: الفقيهُ الصاحبُ الأوَدّ في الله الأفضَل أبو عبد الله بن عيسى الماقَريّ مُستوطِن ثَغْر آسفي حماه الله وكافأ فضلَه وشكرَ إفادتَه، عرَفَه المؤلّف في البلد المذكور حينما كان يتردَّد على شيخِه أبي عليّ الماقَري، ولم نقفْ له على ترجمة. ثمةَ معاصِرونَ آخَرون لابن عبد الملك من مَرّاكُش وغيرِها لا نعرفُ شيئًا عن صِلتِه بهم، ونقدّر أنه اتّصل بهم وتحدّث عنهم في الأسفار المفقودة من "الذّيل

стр. 71

والتكملة" ومنهم على الخصوص: بلدَيُّه أبو عبد الله اليقوري (٦٤٦ - ٧٠٧ هـ) وصالحٌ الإيلانيُّ نزيلُ نفيس الذي كان حيًّا سنة ٧١٢ هـ، وغيرهما. هؤلاء جملة من أصحاب ابن عبد الملك الذين عَرَفهم في حلقات الشّيوخ بمَرّاكُش وغيرها أو ذاكَرَهم في المسائل العلميّة أو نقَلَ عنهم كما نقَلوا عنه، وسمّاهم في الأسفار الموجودة من كتابه، ولا بدّ أنه عَرَض لغيرهم في الأسفار المفقودة. وقد أشار في ترجمة شيخِه ابن فضيلةَ وغيرِها إلى كثرة أصحابه، قال: "رَوى عنه كثيرٌ من أصحابنا" (١). وممّا ذكَرْناه -وما سنذكُره بعدُ- يتبيَّن لنا أنّ صِلات ابن عبد الملك بمعاصِريه كانت واسعة، وهذا شيءٌ ضروريّ له باعتباره مؤرّخًا يهتمُّ برصد الأحداث ويُعنى بتدوين تواريخ الرجال. تلاميذه: لو عُني الذين ترجموا لابن عبد الملك -وهو ابنُ الزُّبير، والنُّباهي، وابن فَرْحون -عنايتَه هو- في تراجمه- بسَرْد الشيوخ والتلاميذ، في إحصاءٍ دقيق واستيعابٍ شامل؛ لأمْكنَ معرفةُ جانب مهمّ في حياته وهو دورُه في نشر العلم وبثِّه عن طريق التدريس، ولكنّهم لم يَذكروا شيئًا على الإطلاق ولم يَعُدّوا ولو واحدًا من تلاميذه، فهل معنى ذلك أنّ الرجلَ شُغل بالتأليف أو التوظيف عن واجب التعليم والجلوس إلى طلبة العلم والعناية بهم التي هي من أجلّ ما يُعَدّ للشّيوخ في سِجِلّاتهم وأعظم ما يُدّخر لموازين أعمالهم؟ والجوابُ: أنّ ابنَ عبد الملك - برغم أعباء وظيفته أو وظائفه وانصراف جهوده إلى كتابه الكبير الذي عَكَف عليه عمُرَه "ولم يتمَّ له مرامُه منه إلى أن لحِقته وفاتُه"- لم ينسَ نصيبَه من التدريس وحظّه في التحديث، ولكنّنا لم نقفْ إلا على عدد محدود ممن أخَذوا عنه ودرَسوا عليه؛ لضياع تراجم معظم الراوينَ عنه في غالب الظنّ.

стр. 72

نَذكُر في مقدِّمة تلاميذه، ولدَه أَبا عبد الله محمدًا -الذي يبدو أنه كان أكبرَ أولاده- فقد ذَكَر ابنُ حَجَر في "الدُّرر" أنه: "سمع على أَبيه الإِمام العلامة التاريخيِّ وتأدَّب به" (١). وكان ابنُ عبد الملك معنيًّا بتعليم ولده هذا مهتمًّا بتثقيفه، وتوَلّى تنشئتَه العلميّة والأدبية بنفسِه، كما استعان في ذلك ببعض شيوخِه وأصحابه وتلاميذِه؛ كمالك ابن المُرحَّل وأبي عثمانَ سعيد بن عبد الله وغيرهما، وكان يَستجيزُ أو يتلقّى إجازةَ بعض العلماء لولده محمد هذا وكذلك لولده الثاني أبي القاسم أحمدَ وبقيّة أولادِه الخمسة، وقد رأينا إجازة ابن خميس من الجزيرة الخضراء (٢)، وابن الغَمّاز من تونُس (٣)، وابن فَرْح الإشبيلي من دمشق (٤) لمحمدٍ وأخيه أبي القاسم وإخوتهم الثلاثة، ولكنّنا لا نعرفُ شيئًا عن الثلاثة الأخيرِين. وذكر ابنُ حَجَر أنّ محمدًا ولد ابن عبد الملك قرأ "على أبي العبّاس أَحْمد بن عثمان ابن البنّاء التعاليميِّ كثيرًا من تصانيفه في العدَد والنحو -كذا، والصواب: النجوم- والبديع" (٥)؛ ولكننا نجدُ نصًّا آخَرَ مخالفًا -قد يفيدُ العكس- وهو قول ابن القاضي: "وأخَذ ابنُ البنّاء الحديث عن أبي عبد الله وأخيه ولدَيْ محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاريِّ الأوْسيّ الشهير بابن الدَّهّاق، قرأ عليه "الموطأ" روايةَ يحيى وعروض ابن السَّقّاط، وتأدَّب به في عقود الوثائق وانتفع به كثيرًا" (٦). وفي هذا النصّ الذي لا نَعرِف مصدرَ ابن القاضي فيه وَهِم في شُهرة ابن عبد الملك فلم يذكر أحدٌ غيرَه شُهرة ابن عبد الملك بابن الدَّهّاق، ولا نحسَبُ أنّ له صلةَ

стр. 73

قرابة بالمتصوّف المالَقيّ إبراهيم بن يوسُف بن محمد بن دَهّاق الأَوْسيّ المتوفَّى سنة ٦١١ هـ (١) خلا صلةَ النسَب: الأوْسيّ الأَنْصاريّ. وفيه أَيضًا إشكالٌ فيما يتعلّق بمشيخة ابن البنّاء، فالمتبادِرُ إلى الذّهن عند قراءة كلام مؤلِّف "الجذوة" أنّ المعنيَّ به ولد ابن عبد الملك وأخوه لا والدُهما، وهذا يتعارض معَ كلام ابن حجر السالف، وقد يتعارض معَ التاريخ؛ إذ إن ابنَ البنّاء المتوفَّى سنة ٧٢١ هـ قد يكون أسنَّ من محمد ولد ابن عبد الملك المتوفّى سنة ٧٤٣ هـ، إلا أنْ يكونَ ابن البنّاء لم يَشرَعْ في الدراسة إلا بعد البلوغ، أو يكونَ كلُّ واحد منهما قرأ على الآخَر ما يُحسِنه. وقد فهم المرحومُ الأستاذ العابد الفاسيُّ وغيرُه أنّ المقصودَ في كلام ابن القاضي هو ابن عبد الملك الوالد؛ وبناءً على ذلك عَدّ ابنَ البنّاء من تلاميذه (٢)، ولكنّ النصَّ المذكورَ يصرح بولد ابن عبد الملك ويشير إلى أخيه، ولا نَعرِف من أحوال ابن عبد الملك وأخباره وآثاره التي بين أيدينا أنه كان له أخٌ؛ ولذلك ذهبنا فيما سبَق -أخذًا ممّا بين السطور- إلى أنه ربّما كان وحيدَ أَبيه، ثم إنه لو كان له أخٌ موصوفٌ بالعلم لكان ذكَرَه أو ذُكِرَ عندَ غيره، وهذا ما لم نقفْ عليه. ويبقى بعدَ هذا تأويلانِ نفترضُهما لحلِّ الإشكال المذكور: أحدُهما: أن يكونَ ابنُ البنّاء -وكان أبوه محترفا بالبناء- لم يشرَعْ في طلب العلم إلا على كبر، وحينئذ يمكن أن يأخُذ عمّن هو أصغر منه سنًّا, ولكن قد يُضعِف هذا التأويلَ أنّ ابنَ البنّاء أخَذ عن بعض شيوخ ابن عبد الملك الأبِ نفسِه، كأبي عبد الله محمد المدعوِّ الشّريف، وأبي الحَجّاج يوسُف بن حكم.

стр. 74

أمّا التأويل الثاني فهو أن يكونَ كلّ واحد منهما أخَذ عن الآخَر ما يُحسِنه، فقرأ ابنُ عبد الملك الابنُ على ابن البنّاء "تصانيفَه في العدد والنجوم" كما في "الدُّرر الكامنة" وقرأ ابنُ البنّاء على ولد ابن عبد الملك ما ذُكِر في النصّ السابق. ومهما يكنْ من أمر فالذي يبدو من تراجم ولد ابن عبد الملك أنه تأثَّر بوالده في تكوينه الأدبيِّ على الخصُوص وأشبَهَه في بُعد الهمّة والأنفة والوقار، وسنعرِض للحديثِ عن مآلِه فيما بعدُ. ومن تلاميذ ابن عبد الملك المبرِّزين: أبو جعفر أحمدُ بن صَفْوان المالَقيُّ المتوفَّى سنة ٧٦٣ هـ, له ترجمة حافلة في "الإحاطة"، قال ابن الخطيب تحت عنوان: "مشيختُه": "ورحَلَ إلى العُدوة، فلقي جملة، كالقاضي المؤرِّخ أبي عبد الله بن عبد الملك ... وقرأ عليهم بمَرّاكُش" (١). وممّن روى عن ابن عبد الملك: أبو القاسم عبدُ الرّحمن العَزَفيُّ مؤلِّف كتاب "الإشادة"، قال ابن القاضي في ترجمته: "رَوى عن أبي جعفر بن الزُّبير، والقاضي ابن عبد الملك ... " (٢)، وقد ولد سنة ٦٨٥ هـ وتوفّي سنة ٧١٧ هـ، ولا نَعرِف متى لقي ابنَ عبد الملك ولا أين لقيه، وقد عرَفْنا ممّا سبق صلة مؤرِّخنا بالعَزَفيِّينَ بسَبْتة وتعاطفَه معهم. وممّن رَوى عنه أَيضًا الرحّالةُ الرّاوية القاسم بن يوسُف التُّجيبيّ صاحبُ "البرنامَج" ومؤلّف "مستفادِ الرّحلةِ والاغتراب" المتوفّى سنة ٧٣٠ هـ، فقد رَوى عن ابن عبد الملك كتابَه "الذّيل والتكملة" ووصَلَ إلينا من النسخة التي رواها عن مؤلّفه السّفْران: الخامسُ والسادس، ونقرأ على الورقة الأولى من السِّفر السادس المحفوظ في المكتبة الوطنية بباريسَ ما نصُّه: "رواية القاسم بن يوسُف بن محمد بن علي بن القاسم التُّجيبيّ عنه"، أى: عن ابن عبد الملك.

стр. 75

ونرى من هذَيْن السِّفرين كيف وثّق التُّجيبيُّ كتابَ شيخِه وأغناه بالتعليقات والاستدراكات والإلحاقات ممّا سنناقشه عند الحديث على "الذّيل والتكملة". وممّن أخَذَ عن ابن عبد الملك: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يعيشَ، قاطنُ مدينة سلا، حيث كان له حانوتٌ بها للتجارة، لقيه ابنُ الحاجّ النُّمَيْريُّ (ت ٧٤٥ هـ) في المدينة المذكورة سنة ٧٤٥ هـ, وذكر شيوخَه ومقروءاتِه، قال: "ولقي قاضيَ الجماعة أَبا عبد الله بن عبد الملك وسَمع عليه "فِهرِستَ ابن القَطّان" بحقّ حَمْلِه لها عن أبي عبد الله الشريف قاضي الجماعة، وعن أبي عليّ الكفيف، وأجاز له ابن عبد الملك في ... " (١)، ولم ينصَّ على مكان اللقاء، ونَعرِفُ ممّا سبَق أنّ ابن عبد الملك زار سَلا وكان له فيها أحباب، وكان يَعرِفها وأهلَها معرفةً جيدة، ويبدو من أسماء شيوخ ابن يَعِيش أنه قد يكونُ درَس في مَرّاكُش وفاسَ، وكانت له صلةٌ بطلبة سَبْتة، ولم نقفْ على ترجمته في مكان آخر. ويحدّثنا ابنُ الحاجّ النُّمَيْريُّ أَيضًا عن تلميذِ آخَر من تلاميذ ابن عبد الملك هو "الشّيخُ الفقيهُ الجليلُ الأستاذ المقرئ أبو الحَسَنُ عليّ بن موسى بن إسماعيلَ المِطْماطيُّ " درَس على جماعة من الأعلام جمَعَهم في برنامَج مشيختِه، وكان يقرئُ القرآنَ والعربيّة والتفسيرَ بالمدرسة التي بناها أبو عنان بداخل سَلا, وله شعر في مدحِه، وتآليفُ منها: "شَرْح "الجُمَل" في ثلاثة أسفار وسماه: "غايةَ الأمل في شرح الجُمَل"، وبرنامَجُ مشيختِه الذي ضمَّنه ابن الحاجّ في مذكّراته، وقد ذكر أبو الحَسَنُ في هذا البرنامج شيخَه ابن عبد الملك ودوّن تاريخَ ولادته، وأورد ما نظَمَه في ترجيز هذا التاريخ ليَسهُل حفظُه، وقد سُقنا هذا الترجيزَ فيما سبَق، كما قيَّد تاريخَ وفاته ومكانَها ممّا سنَذكرُه فيما بعد، وذكَرَ المطماطيُّ في برنامَجه المذكور أنه قرأ على شيخِه ابن عبد الملك بعضَ كتاب "الموطّإ" وأجاز له سائرَه، وسَرَد من أسانيد ابن عبد الملك في روايتها السّندَ التالي: قال: "قرأت
следующие страницы →