← Тараджим

Тараджим · id 17056

الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة

ابن عبد الملك المراكشي

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والتكملة" ومنهم على الخصوص: بلدَيُّه أبو عبد الله اليقوري (٦٤٦ - ٧٠٧ هـ) وصالحٌ الإيلانيُّ نزيلُ نفيس الذي كان حيًّا سنة ٧١٢ هـ، وغيرهما. هؤلاء جملة من أصحاب ابن عبد الملك الذين عَرَفهم في حلقات الشّيوخ بمَرّاكُش وغيرها أو ذاكَرَهم في المسائل العلميّة أو نقَلَ عنهم كما نقَلوا عنه، وسمّاهم في الأسفار الموجودة من كتابه، ولا بدّ أنه عَرَض لغيرهم في الأسفار المفقودة. وقد أشار في ترجمة شيخِه ابن فضيلةَ وغيرِها إلى كثرة أصحابه، قال: "رَوى عنه كثيرٌ من أصحابنا" (١). وممّا ذكَرْناه -وما سنذكُره بعدُ- يتبيَّن لنا أنّ صِلات ابن عبد الملك بمعاصِريه كانت واسعة، وهذا شيءٌ ضروريّ له باعتباره مؤرّخًا يهتمُّ برصد الأحداث ويُعنى بتدوين تواريخ الرجال. تلاميذه: لو عُني الذين ترجموا لابن عبد الملك -وهو ابنُ الزُّبير، والنُّباهي، وابن فَرْحون -عنايتَه هو- في تراجمه- بسَرْد الشيوخ والتلاميذ، في إحصاءٍ دقيق واستيعابٍ شامل؛ لأمْكنَ معرفةُ جانب مهمّ في حياته وهو دورُه في نشر العلم وبثِّه عن طريق التدريس، ولكنّهم لم يَذكروا شيئًا على الإطلاق ولم يَعُدّوا ولو واحدًا من تلاميذه، فهل معنى ذلك أنّ الرجلَ شُغل بالتأليف أو التوظيف عن واجب التعليم والجلوس إلى طلبة العلم والعناية بهم التي هي من أجلّ ما يُعَدّ للشّيوخ في سِجِلّاتهم وأعظم ما يُدّخر لموازين أعمالهم؟ والجوابُ: أنّ ابنَ عبد الملك - برغم أعباء وظيفته أو وظائفه وانصراف جهوده إلى كتابه الكبير الذي عَكَف عليه عمُرَه "ولم يتمَّ له مرامُه منه إلى أن لحِقته وفاتُه"- لم ينسَ نصيبَه من التدريس وحظّه في التحديث، ولكنّنا لم نقفْ إلا على عدد محدود ممن أخَذوا عنه ودرَسوا عليه؛ لضياع تراجم معظم الراوينَ عنه في غالب الظنّ.

стр. 72

نَذكُر في مقدِّمة تلاميذه، ولدَه أَبا عبد الله محمدًا -الذي يبدو أنه كان أكبرَ أولاده- فقد ذَكَر ابنُ حَجَر في "الدُّرر" أنه: "سمع على أَبيه الإِمام العلامة التاريخيِّ وتأدَّب به" (١). وكان ابنُ عبد الملك معنيًّا بتعليم ولده هذا مهتمًّا بتثقيفه، وتوَلّى تنشئتَه العلميّة والأدبية بنفسِه، كما استعان في ذلك ببعض شيوخِه وأصحابه وتلاميذِه؛ كمالك ابن المُرحَّل وأبي عثمانَ سعيد بن عبد الله وغيرهما، وكان يَستجيزُ أو يتلقّى إجازةَ بعض العلماء لولده محمد هذا وكذلك لولده الثاني أبي القاسم أحمدَ وبقيّة أولادِه الخمسة، وقد رأينا إجازة ابن خميس من الجزيرة الخضراء (٢)، وابن الغَمّاز من تونُس (٣)، وابن فَرْح الإشبيلي من دمشق (٤) لمحمدٍ وأخيه أبي القاسم وإخوتهم الثلاثة، ولكنّنا لا نعرفُ شيئًا عن الثلاثة الأخيرِين. وذكر ابنُ حَجَر أنّ محمدًا ولد ابن عبد الملك قرأ "على أبي العبّاس أَحْمد بن عثمان ابن البنّاء التعاليميِّ كثيرًا من تصانيفه في العدَد والنحو -كذا، والصواب: النجوم- والبديع" (٥)؛ ولكننا نجدُ نصًّا آخَرَ مخالفًا -قد يفيدُ العكس- وهو قول ابن القاضي: "وأخَذ ابنُ البنّاء الحديث عن أبي عبد الله وأخيه ولدَيْ محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاريِّ الأوْسيّ الشهير بابن الدَّهّاق، قرأ عليه "الموطأ" روايةَ يحيى وعروض ابن السَّقّاط، وتأدَّب به في عقود الوثائق وانتفع به كثيرًا" (٦). وفي هذا النصّ الذي لا نَعرِف مصدرَ ابن القاضي فيه وَهِم في شُهرة ابن عبد الملك فلم يذكر أحدٌ غيرَه شُهرة ابن عبد الملك بابن الدَّهّاق، ولا نحسَبُ أنّ له صلةَ

стр. 73

قرابة بالمتصوّف المالَقيّ إبراهيم بن يوسُف بن محمد بن دَهّاق الأَوْسيّ المتوفَّى سنة ٦١١ هـ (١) خلا صلةَ النسَب: الأوْسيّ الأَنْصاريّ. وفيه أَيضًا إشكالٌ فيما يتعلّق بمشيخة ابن البنّاء، فالمتبادِرُ إلى الذّهن عند قراءة كلام مؤلِّف "الجذوة" أنّ المعنيَّ به ولد ابن عبد الملك وأخوه لا والدُهما، وهذا يتعارض معَ كلام ابن حجر السالف، وقد يتعارض معَ التاريخ؛ إذ إن ابنَ البنّاء المتوفَّى سنة ٧٢١ هـ قد يكون أسنَّ من محمد ولد ابن عبد الملك المتوفّى سنة ٧٤٣ هـ، إلا أنْ يكونَ ابن البنّاء لم يَشرَعْ في الدراسة إلا بعد البلوغ، أو يكونَ كلُّ واحد منهما قرأ على الآخَر ما يُحسِنه. وقد فهم المرحومُ الأستاذ العابد الفاسيُّ وغيرُه أنّ المقصودَ في كلام ابن القاضي هو ابن عبد الملك الوالد؛ وبناءً على ذلك عَدّ ابنَ البنّاء من تلاميذه (٢)، ولكنّ النصَّ المذكورَ يصرح بولد ابن عبد الملك ويشير إلى أخيه، ولا نَعرِف من أحوال ابن عبد الملك وأخباره وآثاره التي بين أيدينا أنه كان له أخٌ؛ ولذلك ذهبنا فيما سبَق -أخذًا ممّا بين السطور- إلى أنه ربّما كان وحيدَ أَبيه، ثم إنه لو كان له أخٌ موصوفٌ بالعلم لكان ذكَرَه أو ذُكِرَ عندَ غيره، وهذا ما لم نقفْ عليه. ويبقى بعدَ هذا تأويلانِ نفترضُهما لحلِّ الإشكال المذكور: أحدُهما: أن يكونَ ابنُ البنّاء -وكان أبوه محترفا بالبناء- لم يشرَعْ في طلب العلم إلا على كبر، وحينئذ يمكن أن يأخُذ عمّن هو أصغر منه سنًّا, ولكن قد يُضعِف هذا التأويلَ أنّ ابنَ البنّاء أخَذ عن بعض شيوخ ابن عبد الملك الأبِ نفسِه، كأبي عبد الله محمد المدعوِّ الشّريف، وأبي الحَجّاج يوسُف بن حكم.

стр. 74

أمّا التأويل الثاني فهو أن يكونَ كلّ واحد منهما أخَذ عن الآخَر ما يُحسِنه، فقرأ ابنُ عبد الملك الابنُ على ابن البنّاء "تصانيفَه في العدد والنجوم" كما في "الدُّرر الكامنة" وقرأ ابنُ البنّاء على ولد ابن عبد الملك ما ذُكِر في النصّ السابق. ومهما يكنْ من أمر فالذي يبدو من تراجم ولد ابن عبد الملك أنه تأثَّر بوالده في تكوينه الأدبيِّ على الخصُوص وأشبَهَه في بُعد الهمّة والأنفة والوقار، وسنعرِض للحديثِ عن مآلِه فيما بعدُ. ومن تلاميذ ابن عبد الملك المبرِّزين: أبو جعفر أحمدُ بن صَفْوان المالَقيُّ المتوفَّى سنة ٧٦٣ هـ, له ترجمة حافلة في "الإحاطة"، قال ابن الخطيب تحت عنوان: "مشيختُه": "ورحَلَ إلى العُدوة، فلقي جملة، كالقاضي المؤرِّخ أبي عبد الله بن عبد الملك ... وقرأ عليهم بمَرّاكُش" (١). وممّن روى عن ابن عبد الملك: أبو القاسم عبدُ الرّحمن العَزَفيُّ مؤلِّف كتاب "الإشادة"، قال ابن القاضي في ترجمته: "رَوى عن أبي جعفر بن الزُّبير، والقاضي ابن عبد الملك ... " (٢)، وقد ولد سنة ٦٨٥ هـ وتوفّي سنة ٧١٧ هـ، ولا نَعرِف متى لقي ابنَ عبد الملك ولا أين لقيه، وقد عرَفْنا ممّا سبق صلة مؤرِّخنا بالعَزَفيِّينَ بسَبْتة وتعاطفَه معهم. وممّن رَوى عنه أَيضًا الرحّالةُ الرّاوية القاسم بن يوسُف التُّجيبيّ صاحبُ "البرنامَج" ومؤلّف "مستفادِ الرّحلةِ والاغتراب" المتوفّى سنة ٧٣٠ هـ، فقد رَوى عن ابن عبد الملك كتابَه "الذّيل والتكملة" ووصَلَ إلينا من النسخة التي رواها عن مؤلّفه السّفْران: الخامسُ والسادس، ونقرأ على الورقة الأولى من السِّفر السادس المحفوظ في المكتبة الوطنية بباريسَ ما نصُّه: "رواية القاسم بن يوسُف بن محمد بن علي بن القاسم التُّجيبيّ عنه"، أى: عن ابن عبد الملك.

стр. 75

ونرى من هذَيْن السِّفرين كيف وثّق التُّجيبيُّ كتابَ شيخِه وأغناه بالتعليقات والاستدراكات والإلحاقات ممّا سنناقشه عند الحديث على "الذّيل والتكملة". وممّن أخَذَ عن ابن عبد الملك: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يعيشَ، قاطنُ مدينة سلا، حيث كان له حانوتٌ بها للتجارة، لقيه ابنُ الحاجّ النُّمَيْريُّ (ت ٧٤٥ هـ) في المدينة المذكورة سنة ٧٤٥ هـ, وذكر شيوخَه ومقروءاتِه، قال: "ولقي قاضيَ الجماعة أَبا عبد الله بن عبد الملك وسَمع عليه "فِهرِستَ ابن القَطّان" بحقّ حَمْلِه لها عن أبي عبد الله الشريف قاضي الجماعة، وعن أبي عليّ الكفيف، وأجاز له ابن عبد الملك في ... " (١)، ولم ينصَّ على مكان اللقاء، ونَعرِفُ ممّا سبَق أنّ ابن عبد الملك زار سَلا وكان له فيها أحباب، وكان يَعرِفها وأهلَها معرفةً جيدة، ويبدو من أسماء شيوخ ابن يَعِيش أنه قد يكونُ درَس في مَرّاكُش وفاسَ، وكانت له صلةٌ بطلبة سَبْتة، ولم نقفْ على ترجمته في مكان آخر. ويحدّثنا ابنُ الحاجّ النُّمَيْريُّ أَيضًا عن تلميذِ آخَر من تلاميذ ابن عبد الملك هو "الشّيخُ الفقيهُ الجليلُ الأستاذ المقرئ أبو الحَسَنُ عليّ بن موسى بن إسماعيلَ المِطْماطيُّ " درَس على جماعة من الأعلام جمَعَهم في برنامَج مشيختِه، وكان يقرئُ القرآنَ والعربيّة والتفسيرَ بالمدرسة التي بناها أبو عنان بداخل سَلا, وله شعر في مدحِه، وتآليفُ منها: "شَرْح "الجُمَل" في ثلاثة أسفار وسماه: "غايةَ الأمل في شرح الجُمَل"، وبرنامَجُ مشيختِه الذي ضمَّنه ابن الحاجّ في مذكّراته، وقد ذكر أبو الحَسَنُ في هذا البرنامج شيخَه ابن عبد الملك ودوّن تاريخَ ولادته، وأورد ما نظَمَه في ترجيز هذا التاريخ ليَسهُل حفظُه، وقد سُقنا هذا الترجيزَ فيما سبَق، كما قيَّد تاريخَ وفاته ومكانَها ممّا سنَذكرُه فيما بعد، وذكَرَ المطماطيُّ في برنامَجه المذكور أنه قرأ على شيخِه ابن عبد الملك بعضَ كتاب "الموطّإ" وأجاز له سائرَه، وسَرَد من أسانيد ابن عبد الملك في روايتها السّندَ التالي: قال: "قرأت

стр. 76

بعضه (أي: بعضَ "الموطإ") على الفقيه النَّاقد النسّابة قاضي الجماعة بمَرّاكُش أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد الأَنْصاريّ، وذلك برواية أبي محمدٍ يحيى بن يحيى اللَّيثي، وأجاز لي سائرَه، قال: وحدّثني عن الكاتب الأبرع أبي الحَسَنُ عليّ بن محمد بن عليّ بن محمد الرُّعَيْني قراءةً عن الراوية الحَسِيب القاضي أبي القاسم أحمد بن يَزيدَ بن بَقِيّ، عن الراوية أبي عبد الله محمد بن عبد الحقّ بن أحمدَ الخَزْرجيّ القُرطُبي، عن الفقيه أبي عبد الله محمد بن فَرَج مولى الطّلّاع قراءةً عن القاضي أبي الوليد يونُس بن عبد الله بن مُغيث القُرطُبي المعروف بابن الصَّفّار، سماعًا عن أبي مَرْوان عُبَيد الله بن يحيى بن يحيى، سماعًا عن أَبيه يحيى بن يحيى، سماعًا عن أبي عبد الله مالك بن أنس، سماعًا منه بجميعه إلا أبوابًا يسيرةً في كتاب الاعتكاف، شكّ هل سمِعَها من مالكٍ فسمعها من زياد بن عبد الرّحمن بن زياد بن الحاطب بن أبي بَلْتَعةَ عن مالك". وقد أجاز ابن عبد الملك تلميذَه المطماطيَّ، ولعلّه ذَكَرَ نصَّ الإجازة في برنامَج مشيخته المذكور ولم يوردْها ابن الحاجّ النُّميريُّ فيما اختاره من هذا البرنامَج، قال المِطْماطيّ: "وحدّثني فيما أجازني بكتابه الذي ألّفه على "الأحكام الكبرى" لأبي محمد عبد الحقّ بن عبد الرّحمن الأَزْديّ، وذلك أنّ أَبا الحَسَن ابن القَطّان ألّف كتابًا على كتاب "الأحكام" المذكور سمّاه "الوَهْمَ والإيهام"، ثم إنّ الفقيه المحدِّث أَبا عبد الله محمد بن أبي يحيى المَوّاق أكمل ما أغفَله أبو الحَسَن المذكور، ثم إنّ الشّيخ أَبا عبد الله بن عبد الملك تمَّم ما أغفلاه" (١). لا نعرفُ أين لقِي المطماطيُّ هذا شيخَه ابن عبد الملك؛ لأنه لم ينصَّ على مكان اللقاء، ومن المحتمَل أن يكونَ ذلك في سَلا بلدِه التي كان يُلِمُّ بها ابن عبد الملك أو في مَرّاكُش، إذْ نراه يأخُذ عن بعض المَرّاكُشيِّين -غير ابن عبد الملك- كأبي عبد الله محمد ابن قُطرال، وابن البنّاء، وأبي عبد الله محمد اليقوريّ، وقد

стр. 77

روى عن السَّبتيِّينَ: مالك ابن المُرحَّل -وهو آخر من حَمَلَ عنه "الموطّإ" وساق المسَلسَل في ذلك- وابن رُشيد والتُّجيبي. كما أننا لا نعرفُ صِلتَه بمطماطيٍّ آخَرَ عَدّه ابنُ عبد الملك من شيوخِه ولكنْ لم يَذكُر اسمَه كاملًا، وإنّما قال فيه: "وأبو القاسم المِطْماطيّ" كما سبَق. وما كنّا لنعرفَ هذا الرجُل وبرنامَجَ مشيختِه، ومنهم ابن عبد الملك، لولا ما وَصَل إلينا من أوراق ابن الحاجّ النُّميري التي سجّل فيها يوميّاتِه ومذكّراتِه أثناء تنقّله في المغرب مع "محَلّة" السلطان أبي عنان. وقد ترجَم ابن القاضي لواحد من هؤلاء المطماطيِّينَ السّلاوِّيين، وهو أبو الحَسَنُ عليّ بن أحمد بن إبراهيم المطماطيُّ الفقيه الأستاذ الذي كان حيًّا سنة ٧٩٢ هـ (١)، وهو متأخِّر في الطبقة عن صاحبِنا المذكور. وثمة تلميذ آخرُ لابن عبد الملك مجهولُ الاسم معَ الأسف! ولم نستطع التعرفَ عليه الآنَ، ولا نعرفُ من خبره إلا ما جاء في أول النُّسخة المخطوطة من كتاب "المختار الجامع بين المنتقى والاستذكار" لمحمد بن عبد الحق اليَفْرَنيِّ النَّدْروميِّ، المحفوظةِ بخزانة القَرَويِّين، وهذا نصُّ كلامه: "يقول كاتبُ أصله: سألت شيخيَ الفقيهَ الأجلّ قاضيَ الجماعة العَدْل، العالِمَ العَلَم، الفذَّ القُدوةَ المقدَّم، أَبا عبد الله محمدًا ابنَ الشّيخ الأجلّ الفقيه الصالح المقدّس المرحوم محمد ابن عبد الملك الأنصاريِّ بداره من مدينة أغماتِ وريكة في سابع ذي قَعْدةٍ من عام اثنين وسبع ئة عن اسم مؤلّف هذا الكتاب فقال: هو محمد بن عبد الحقّ" (٢)، ثم ذكر الترجمة التي نَجدُها في السِّفر الثامن من "الذّيل والتكملة". ويبدو من هذه الكتابة أنّ صاحبَها يستعمل السَّجعَ ويُعنَى بتسجيل التواريخ مما ينبئ عن ضَبْطه، ويبدو أَيضًا، من صيغة تحليتِه لابن عبد الملك ووالده، أنه كان قريبًا من

стр. 78

شيخِه، وقد يكونُ من طلبةِ مَرّاكُش أو أغمات الذينَ درَسوا على ابن عبد الملك في المدينتينِ المذكورتين. ويمكنُ أن نَعُدَّ من تلاميذه: المؤرِّخَ ابن عِذاري المَرّاكُشيّ، فقد وجدناه في كتابه "البيان المُغرِب" يَروي عن ابن عبد الملك، وسنفصِّل هذا في موضعه. هذا كلُّ ما استطعنا الوقوفَ عليه من تلاميذ ابن عبد الملك، ولا شكّ أنّ عددَهم أكثرُ من هذا. حياته العائليّة: عرَفْنا ممّا سبق أنّ ابنَ عبد الملك ينتمي إلى أُسرة مَرّاكُشية نبيلة، وقد أشار ابنُ الخَطيب في "رَيْحانة الكُتّاب" إلى "بيته النَّبيه"، وعَرَفْنا أَيضًا ممّا قادنا إليه البحثُ في علائقه العائليّة صلةَ هذا البيت -من جهة أُمِّه- بزوجة الخليفة الموحِّد يوسُف بن عبد المؤمن وأولادِها، وما قد يكونُ لذلك من أثر على وضعه العائليِّ ونشأته في ظلّ هذا الوضع الممتاز، وقد استنتَجْنا من بعض القرائن أنه ربّما كان وحيدَ أبوَيْه، وأنّ والدَه ربّما توفِّي وهو لم يشتَدَّ ساعدُه بعدُ. ولكنّنا لا نعرفُ متى تزوَّج ولا من أين، ويبدو أنه تزوَّج في شبابه بعدَ أن قطع شوطًا كبيرًا في دراسته، وقد رأينا أنه طَلبَ الإجازةَ خلال رحلته في شبيبتِه إلى الأندَلس لأولاده من ابن خميس، فأجاز لمن أدرك حياتَه منهم، قال ابنُ عبد الملك: "وأدركها منهم محمدٌ وأحمدُ، كان اللهُ لهما". وقد تُوفِّي الشّيخ المذكور سنة ٦٨٨ هـ، وأدرك محمدٌ، المولود سنة ٦٧٤ هـ، أربعَ عشْرةَ سنة من حياته. وربّما نستفيد من ترتيب ابن عبد الملك أنّ محمدًا هو أكبر أولاده، وأن أحمدَ يليه، وقد صَحِب أحمدُ هذا والدَه في أثناء رحلته إلى تِلِمْسان عبرَ فاس، وهي الرحلةُ التي أرّخها ابن عبد الملك بعام ٦٩٩ هـ، ولا بدّ أنه كان فتًى بلَغَ مبلغَ الشباب وكان معه مدّةَ مقامه بمدينة تِلِمْسانَ بعد التاريخ المذكور، ولعلّه بقي إلى جانبه حتى وفاته بهذه المدينة سنة ٧٠٣ هـ.

стр. 79

ويبدو أنه اصطَحبه معه لمساعدته، أو لأنه ما يزالُ في حاجة إلى التربية والتوجيه، ومهما يكن الأمرُ فقد وجَدْناهما يزورانِ معًا معالمَ تِلِمسان ومزاراتِها الواقعةَ خارج أسوار المدينة المحاصَرة يومئذ، وذلك في مقبُرة العبّاد التي عُني بنو مَرِين بأضرِحتها ومساجدها عنايةً ما تزال ناطقةً بمجدِهم. قال ابن عبد الملك متحدّثًا عن مدفَن أبي مَدْيَن الغَوْث: "ودُفن بمقبُرة العبّاد العُليا قِبلي تِلِمْسينَ إلى جنب الصالح الشهير أبي محمد عبد السّلام التونُسيِّ رحمهما الله، وقبراهما هنالك متبرَّكٌ بهما مَزُورانِ متعرَّفا البركة، نفَعَ الله بهما، وقد زُرتهما أنا وولدي أحمدُ هداه الله" (١). وأمّا محمدٌ فلعلّه في التاريخ المذكور كان قد شَقّ طريقَ حياته العلميّة وبلغ مبلغَ الاعتماد على النفْس. ويبدو أنّ أحمد هو ثاني ولدَي ابن عبد الملك اللّذين ذُكِرا في شيوخ ابن البنّاء حسبما نفهَمُه نحن من قول ابن القاضي ساردًا شيوخَ ابن البنّاء: "وأخَذ ابن البنّاء الحديثَ عن أبي عبد الله وأخيه ولدَيْ محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاريِّ الأوسي ... ". ومعنى هذا -إذا صَحّ القَصْد- أنّ أحمدَ المذكور أصبح من أهل العلم الذين يؤخَذ عنهم، ولكننا لم نقفْ على ترجمةٍ له مثلما وقَفْنا على ترجمة أخيه الأكبر أبي عبد الله محمد عند ابن الخَطيب وابن حَجَر والنُّباهيِّ، ولعل أحمدَ هو أبو القاسم المذكورُ في الاستدعاء الكبير، فهي كُنيةُ منِ اسمُه أحمد في الغالب، ومعنى هذا أنه كان موجودًا وأهلًا للإجازة في سنة ٦٨٤ هـ، وهو تاريخ الاستدعاء الكبير الموجود في رحلة ابن رُشَيْد السَّبتي. وأمّا محمد فقد وَرِث سرَّ أَبيه وأدبَه وإن لم يرثْ مالَه ولا نَشَبَه، وذلك ما سنشيرُ إليه فيما بعدُ، وقد اضطر أبو عبد الله محمدٌ ولدُ ابن عبد الملك إلى مهاجرة مَرّاكُش بلدِ آبائه وأجدادِه ودُفع إلى الرحيل عنها إلى الأندلس، قال النُّباهي:

стр. 80

ولمّا توفِّي (ابن عبد الملك) جَرى على ابنه المسمى تحامُلٌ في متروكه لتبعةٍ تسلَّطت على نَشَبه أدّته إلى الجلاء عن وطنه، فاستقرّ بمالَقة، وأقام بها زمانًا لا يَهتدي لمكان فضلِه إَلّا من عثَر عليه جُزافًا، وأ ينتقل عن حالته من الحِشْمة والانقباض والعكوف على النظر في العلوم إلى أن توفِّي في ذي القَعْدة من عام ٧٤٣" (١). وذَكَرَ ابنُ الخَطيب، الذي ترجَم له في "الإحاطة" -لأنه سَكَن غَرناطة مدّة- و"عائد الصِّلة"، و"ريْحانة الكتّاب" أنه: "جرت عليه جِرايةٌ تبلَّغ بها، وارتفع بسببها، رعيًا لأبيه، وبيتِه النَّبيه"، وأورد له قطعةً "خاطب بها السّلطانَ يستعديه على مَن مَطَله من العمّال، وعَذّر عليه واجبَه من الطعام والمال". وله شعر يمدَحُ فيه ابنَ الخَطيب، وكان هذا يدعوه شيخَه، وقد حدّد هو وابنُ حَجَر كيفيّة وفاته، فذكرا أنه خرَج مجاهدًا متطوّعًا مع المسلمين في جيش مالَقة، ففُقد أو قُتل في وقعة كانت بينَهم وبين النّصارى (٢)، وهكذا أبى هذا المغرِبيُّ إلا أن يموت شهيدًا، وكأنه فاز بالشهادة مرتين. وكان لابن عبد الملك أولادٌ آخَرون غير محمد وأَحمد، وهو يتحدّث عنهم بالجَمْع بدون تحديد أحيانًا والتحديدِ أحيانًا أخرى، فقد ذَكَر في ترجمة ابن الزُّبير أنه بعَث إليه ببرنامَج رواياته محمّلًا له ولبنيه إياه، وقال بعد ذلك في الترجمة نفسها: "وكتب إليّ وإلى بَنيّ بإجازةِ ما رواه وألّفه مطلقًا" (٣). وفي ترجمة ابن الغمّاز يقول: "وكتَبَ إليّ وإلى بَنيَّ الخمسةِ من تونُس" (٤). أمّا أولادُه الثلاثةُ الآخَرون فلا نعرِفُ عنهم شيئًا.

стр. 81

حياتُه الوظيفيّة: عاش ابن عبد الملك في عصرٍ مُضْطرب على العموم تمخَّض عن زوال دولة الموحِّدين وقيام دولة بني مَرِين، فهو من المخضرَمِينَ الذين عاشوا في العهدَين. وحين وُلد ابنُ عبد الملك في سنة ٦٣٤ هـ كان الرشيدُ الموحِّد يحاول رَأْبَ الصَّدع وترقيعَ الخَرْق الذي حدَث ثم اتّسع منذ موتِ الناصر سنة ٦٢٠ هـ وحدوثِ أزمة الخلافة الكبرى المشروحة في كُتب التاريخ, وكان من عواقب هذه الأزمة فقدانُ الاستقرار في مَرّاكُش وغيرها ونشوبُ الفتن في كلِّ جهة، وخروج الأندلس وإفريقيّة من يد الموحِّدين، وظهورُ بني مَرِين وبني عبد الواد، وانحسار نفوذ الموحِّدين واختلالُ أمرِهم الذي آلَ إلى الانقراض في آخر الأمر سنة ٦٦٨ هـ. وقد أدرك ابنُ عبد الملك أربعةً من الموحِّدين هم أصحابُ الألقاب الآتية: الرّشيد، والمُعتضِد أبو السّعيد، والمرتضَى، والواثق وهو الأخير. ونعرف من تاريخ ميلاده (٦٣٤ هـ) وتاريخ وفاته (٧٠٣ هـ) أنّ عمُرَه نحو سبعينَ سنة، عاش منه في عهد الموحِّدين (٤٤) سنة تُمثل الشّطر الأول من حياته، وعاش الشّطرَ الثاني، ومدّته نحو ٣٦ سنة في عهد بني مَرِين. وقد بدَأَ يعي الأحداثَ منذ عهد المعتضد المتلقِّب بالسعيد أَيضًا؛ إذْ نجدُه يصف ترتيبَ الجيش عند "الحركة" لغزوٍ أو سَفَر، معتمدًا على ذاكرة الصِّبا وما سجّلته في صِغره وهو لم يتجاوزْ خمسَ سنوات بكثير، قال: "فهذه هيئة الترتيب، وقد شاهدتُه مرّات في بروز المعتضِد والمرتضَى المذكورين وأبي العلاء إدريسَ بن أبي عبد الله محمد بن أبي حَفْص عُمر بن عبد المؤمن آخِر أمرائهم المعتبَرينَ عندهم، فسبحان من لا يَبيد مُلكه ولا يَفنَى سُلطانه، ﷻ وتعاظَم شأنه" (١).

стр. 82

ومضَى القسمُ الأكبر من هذا الشّطر، وحتى من الشّطر الذي يليه، في الدّرس والتحصيل ولقاءِ الشيوخ في مَرّاكُش وغيرها من حواضر المغرب والأندلس وما يقتضيه ذلك من الرّحلات والأسفار ويُصاحبُه من الرواية والتدوين، وقد رأينا ممّا تقدّم وَلَعَه منذ صِغره بتقييد الفوائد واصطياد الشوارد التي كان ينقلُها عنه أصحابُه في الطّلب وبعضُ شيوخه في العلم، ويبدو أنّ اتجاهَه إلى التاريخ عمومًا وتاريخ الرجال خصوصًا ظهر في وقت مبكّر، ونمّاه لديه الأحداث التاريخيّة المتعاقبة التي شاهَدَها وكان قريبًا من أصحابها وصانعيها والمكلَّفين بتدوينها، وكان بعضُهم من شيوخه أو معارفه كالرُّعيني وابن القَطّان وابن هارونَ السُّماتي وغيرهم، ولكنّ التاريخَ كان له هوايةً لا وظيفة. فما هي الوظيفةُ أو الوظائفُ التي اشتَغل بها، بعدَ أن تعلَّم وتزوَّج ووَلَد، أو في خلال كلِّ هذا؟ لقد عرفنا أنّ ابنَ عبد الملك كان ذا نَشَب، وأنه كان له شيءٌ من الرِّباع والدُّور في مَرّاكُش وأغمات، ويستفادُ من كتابه أنه أنفَقَ ثروةً طائلة في اقتناء نفائس الكُتُب وذخائر المؤلّفات، أمّا الرّباعُ والدّور فإنه يحدّثنا عن داره التي يَسكُنُها ودارٍ أخرى له كان يَسكُنُها قاضي مَرّاكُش ابنُ قُطْرال الأبُ كما يُخبرُنا أحدُ تلاميذه عن دارِه بأغمات. ومن الطبيعيِّ أن يكونَ ابنُ عبد الملك ذا جِدَة ويَسَار بحُكم ما قد يكون آلَ إليه من ميراثِ والديه اللذَيْن عرَفْنا حيثيّتَهما في مَرّاكُش وقد استعان بذلك على ما يُسِّر له من العكوف على طلب العلم والتنقّل في سبيل لقاءِ أهله رغبةً في التفوّق والتبريز ونُشدانًا للشّفوف والتمييز، حتى بَلَغ من كلِّ ذلك ما أراد. كانت الأدواتُ الفقهيّة والأدوات الأدبية من أهمِّ ما يُتوسَّل به إلى نيل الوظائف وإدراك الخُطط، فالأدواتُ الأولى تؤدِّي إلى التوثيق وما فوقه من نيابة وقضاءٍ ونحو ذلك، والثانيةُ تقودُ إلى الكتابة في الدّواوين وما يتّصل بها،

стр. 83

وقد توفّرت هذه الأدواتُ معًا عند ابن عبد الملك، ولذلك عمِل في الخُطط الشّرعية كالتوثيق والقضاء، واشتَغل بالكتابة الدّيوانية فترة فيما نحسَب. ويبدو أنه اشتغل، أولَ ما اشتغل، بكتابة الشّروط وعَقْد الوثائق التي أَخَذَها ومَرِن فيها على يدِ شيوخِه من القضاة والموثِّقين، وأصبح فيها عُمدةً هو وولدُه محمدٌ كما تقدَّم، ولا نستندُ في هذا إلى نصّ صريح، وإنّما نستشفّه من خلال حديثه عن جلوسه الطويل في دكاكين عاقدي الشّروط، ولا يكونُ هذا الجلوسُ في الغالب إلّا لمن يَنتصبُ لهذا العمل الذي كان بدايةً طبيعيّةً لِما بعدَه، ونظُنُّ أنه صَرَفَ في هذا العمل وقتًا من شبابِه وأوّلِ كهولته، أى: في أواخر دولة الموحِّدين، وقد يقوّي هذا الظنَّ ما نعرِفُه عن صِلتِه الوثيقة بشيوخه الذين تعاقبوا على القضاء في هذه الحِقبة ومنهم: ابنُ القَطّان وابن القَشّاس وابن عليّ المدعوُّ بالشّريف وغيرُهم ممن سبَق ذكرهم. ونظنُّ أنه ظَلَّ يشتغلُ بهذا إلى جانب ما كان يُفكِّر فيه أو يقومُ به من مشروعاتٍ علميّة إلى أنِ "انقَرضَت دولةُ بني عبد المؤمن من الأرض وذهبت محاسنُ مَرّاكُش بذهابِ دولتهم". ولا بدّ أنّ في الأسفارِ المفقودة من كتابه ما يُلقي شيئًا من الضّوء على هذه الفترة من حياته. وأولُ ما نقفُ عليه في حياته الأدبية عند بداية الدّولة المَرِينيّة هو صُحبتُه ومخالطتُه لطائفةٍ من الأدباء كان لبعضهم صلة وثيقةٌ بالدولة الجديدة، ومنهم: أبو عِمرانَ التَّميميُّ الإفريقيُّ الذي ذَكَر مؤلّفُ "الذّخيرة السَّنية" أنه كان من جُلَساء الأمير أبي مالك عبد الواحد بن يعقوبَ بن عبد الحقّ، وكان لهذا الأمير مجلسٌ علميٌّ وأدبيٌّ في مَرّاكُش انتعشت به الحياةُ الثقافية في هذه المدينة بعد موتها معَ انقراض دولة الموحِّدين ونَقْل العاصمة إلى فاس، وكان يُشاركُ في هذا زيادةً على الأديب المذكور القاضي أبو الحَجّاج يوسُفُ بن أحمدَ بن حَكم، وهو من شيوخ ابن عبد الملك، والشاعر مالكُ ابن المُرحَّل وهو من شيوخ ابن عبد الملك أَيضًا، وعبد العزيز الملزوزيّ.

стр. 84

وفي "الذّخيرة السَّنية" نماذجُ من المُسامَرات الأدبية التي جَرَت بهذا المجلس في قَصْر الأمير المذكور، وذلك في المدّة التي أعقَبت دخول بني مَرِين إلى مَرّاكُش فيما بين سنة ٦٦٨ هـ وسنة ٦٧٠ هـ. وبعد هذا التاريخ نجدُ ابنَ عبد الملك في مدينة أغمات قريبًا من واليها أبي عليّ عُمرَ ابن الفقيه أبي العبّاس بن عثمانَ بن عبد الجَبّار بن داودَ المتوسيِّ المِلْيانيّ، وأصلُ هذا الوالي من مِلْيانةَ (١): في المغرب الأوسط, وكان قد ثار على الحَفْصيِّين ودعا لنفسه ببلده المذكور سنة ٦٥٧ هـ، ولمّا اقتحم جيشُ الحَفْصيِّين مليانةَ بعد حصارٍ دام مدّة فَرّ أبو علي المذكورُ إلى المغرب، ولجأ إلى السّلطان يعقوبَ بن عبد الحق، فأقطَعَه بلدَ أغمات -أو وَلّاه عليها- وقد اشترك في غزوة جبل تينملَ سنة ٦٧٥ هـ، وكان منه الافتئاتُ المشهور في نَبْش قبور الخلفاء الموحِّدين تزلُّفًا وتشفّيًا، وفي عهد السّلطان يوسُف بن يعقوبَ استُعمل على جِباية المَصامِدة، وسعى به مشيختُهم ورَفَعوا إلى السلطان أنه احتَجن المالَ لنفسِه فحوسب وأقصِي واعتُقل، وهلك سنة ٦٨٦ هـ (٢). ويُستفاد من كلام ابن عبد الملك أنه كان شديدَ الاتّصال به في أغمات على عهد يعقوبَ بن عبد الحقّ، ولكنّنا لا نعرف ما الذي وَصلَ أسبابَه بحَبْل هذا الرَّجل الغريب الذي يُعَدّ هو وابنُ أخيه الكاتبُ من أعجبِ شخصيّات الدولة المَرِينيّة في طَوْرها الأول. وكان هذا الوالي، على بَطْشِه وقسوته، يحبُّ الأدب ويرتاح إلى سماع الشعر، ويدعو الشّعراءَ إلى التّباري في حَلَبته، معَ براعة في نقده وبصَر بتمييز جيِّده من رديئه، وكانت له حاشيةٌ من النّبلاء والأدباء والفقهاء، وقد حفظ لنا ابنُ عبد الملك أسماءَ بعضِهم، وهم: أبو يعقوبَ ابنُ الجَنّان كاتبه، وأبو محمدٍ عبد الله ابن المُعِزّ

стр. 85

القابسيُّ نسيبُه، وأبو محمد عبد الله بن يحيى بن سُليمان التراريُّ الحاجّ المعروفُ بالمَرّاكُشيّ شاعره، والحاجُّ النّبيل أبو إبراهيم بن عبد السّلام بن عُمر القَزُوليُّ صَفِيُّه، وأبو الحَسَنُ عليُّ بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأغماتيّ، وقد ترجَم ابنُ عبد الملك للأوّل من هؤلاءِ ترجمةً موسَّعةً حافلةً بالاستطرادات المفيدة (١)، وهو مَهْريُّ النّسَب، سَلَويُّ الأصل، تنقّل بين القَصْر الكبير ومالَقة وسِجِلْماسة، واشتَغل بالكتابة لدى بعض الأمراءِ والقضاة، واستَوطن في الأخير مدينةَ أغمات حيث عرَفَه ابنُ عبد الملك كاتبًا عند واليها أبي عليّ المِلْيانيّ المذكور. وأمّا الثاني من هؤلاءِ فلم نقفْ له على ترجمة، ويبدو أنه من الحاشية التي قد تكونُ صَحِبت المِلْيانيَّ عند لجوئه إلى المغرِب، ويظهرُ أنّ الثانيَ والثالثَ من أعلام مَرّاكُش، ولكننا لم نجدْ لهما ذكرًا في المصادر التي بين أيدينا. وأمّا الخامسُ فيستفادُ، مما ذَكَرَه ابنُ عبد الملك، أنه أديبٌ شاعرٌ هَوّاريُّ الأصل أغْماتيُّ البلد، ويبدومن سلسلة نسَبِه أنه حفيدُ الوليِّ الصالح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الهَوّاريّ الأغماتيّ المتوفّى عام ٥٨١ هـ, وفي "التشوُّف" ترجمته (رقم ١١٨) وأخبارٌ أخرى تُطلعنا على مكانته العلميّة والروحيّة في أغمات، وحفيدُه المذكور الذي كان من حاشمية المِلْيانيّ وَصَفَه المؤلّف بأنه: "أبرعُ من اشتملت عليه أغماتُ حينَئذٍ وأسرعُهم بديهةً وأشهرُهم إجادةً وتفنُّنًا" (٢)، وأورد له في مكانٍ آخرَ قصيدةً في الإشادة بالخِزانة التي أنشدها أبو الحَسن الشاريّ في سَبْتة، وقال ابنُ عبد الملك في التمهيد لها: "وسمِعتُها من لفظِه ﵀" (٣)، ومعنى ذلك أنه كان متوفًّى عندما كان ابنُ عبد الملك يحرِّر كتابه في نهاية العِقد الأخير من القرن السابع الهجريّ.

стр. 86

ولا نعرفُ "الحَيْثيّةَ" التي كانت لابن عبد الملك ضمنَ هذه المجموعة، ولا الوظيفةَ التي كان يشغَلُها يومئذٍ في أغمات، فهل كان قاضيَ البلد في عهد الوالي المذكور أم أنه كان من كُتّابه؟ لا يذكُر ابن عبد الملك شيئًا من هذا ولم نقفْ على أيّ خبر في الموضوع، وكل ما لدينا الآنَ هو هذا النصّ الطَّويل الذي يتحدّث فيه ابنُ عبد الملك عن الحياة الأدبيّة في أغْمات على عهد واليها المِلْيانيّ، ووصف مجلس من المجالس الأدبيّة في قَصره، قال: "حضرتُ معَه (أى: مع ابن الجَنّان) يومًا قُرَيْبَ الزّوال بمجلس أبي عليّ عُمر ابن الفقيه أبي العبّاس بن عثمان بن عبد الجَبّار بن داودَ المتوسيِّ المِلْيانيّ وهو والٍ بأغماتِ وريكة ... "، ثم ساق حكايةً حكاها ابنُ الجَنّان كاتبُ الوالي المذكور نجدُ نصَّها الكاملَ في آخر السِّفر الثامن من "الذّيل والتكملة"، ومضمَّنُ الحكاية أنّ ابنُ زَنّون أميرَ مالَقة كان له خاتَمٌ يطبع به كُتُبه لا يفارقُه ولا تُطبَع به الكُتُب إلا بحضوره، فأمَرَ ذات يوم كُتّابَه -وكانوا ثلاثة- بإنشاء رسائلَ واستعجَلَهم فيها، ودخَل إلى قصره، فلمّا فَرَغوا منها اتّفقوا على أن يُخبِروه بذلك شعرًا لاستحسانه له، فكتَب كلُّ واحد منهم بيتًا في البطاقة التي سُرَّ بها الأمير المذكور، ثم يقول ابنُ عبد الملك: "وحضَر لإيراد هذه الحكاية بعضُ من يغشَى مجلسَ أبي عليّ أو يتردَّد إليه، وله حَظّ من الأدبِ وقَرْض الشعر"، وسَرَد الأسماءَ التي سبَق ذكْرُها، ثم قال: "فاستَظْرفَها أبو عليّ والحاضرونَ وأُعجِبوا بها وتفاوَضوا في شأنها ساعةً، ثم قال أبو علي: ليت شعري! لو كان معَهم رابعٌ ماذا كان يقول؟ وهل تمُكنُ الزيادةُ على هذه الأبيات؟ فقال الجميع: إنّ المعنى قد كمُل ومَنَعَ الزيادةَ! فقال: من المحال عادةً أن يكونَ معَهم رابعٌ ولا يجري مجراهم في الإتيان بمثل ما آلوْا به، فخُذوا في الزّيادة عليها، وأشار بذلك إلى ابن المُعزِّ وأبي محمد المَرّاكُشيّ وأبي إبراهيمَ القَزُوليّ، وأضاف إليهم ابنَ الجَنّان مُوردَ الحكاية وقال له: هَبْك لستَ أحدَ الناظمينَ المذكورين". ثم يتحدّث ابن عبد الملك عن نفسِه فيقول: "ثم عَطَف (أي: الوالي) عليّ، وطالبني بالموافقة لهم في ذلك، ولم يكنْ رأى لي

стр. 87

قبلُ بيتًا واحدًا ولا أشعرتُه بأني خُضت في نَظْم قطّ، فاستعفيتُه من ذلك فلم يُعفني، وقال: وما الذي يمنَعُك وموادُّ النظم كلُّها عندك عتيدة؟ فلا وجهَ لاستعفائك ولا بدّ لك من مشاركة الأصحاب فيما خاضوا فيه". ونُحسُّ من هذه الفقرة المكانةَ المتميّزة التي كانت لابن عبد الملك على الأصحاب المذكورينَ لدى الوالي، ونكاد نُحسّ من تحرُّجه من قول الشّعر أن وراءه صفةً دينيّةً تجعلُه يَستعفي من المشاركة في مثل هذه المطارحات الإخوانيّة، وما نحسَبُ هذه الصّفة إلا أنها خُطةُ القضاء التي تليقُ بابن عبد الملك أكثرَ من صفة الكتابة الدّيوانية ونحوها, ولهذا نظُنّ أنه كان يومئذ قاضيًا في أغمات، وهذا ما لم يذكره مترجِموه فيما لم يذكروه، وذلك قبلَ أن تُسند إليه خُطة قضاء الجماعة بحضرة مَرّاكُش كما سنَذكرُه فيما بعد، وقد يُقوّي هذا الظنَّ أنّ ابنَ عبد الملك كان يُجالسُ الواليَ المذكور وحدَه دون غيره أحيانًا، قال في خلال استطراده المشار إليه: "فلما كان قُرَيْب المغرب خرَج أبو عليّ (الوالي) إلى مجلسه المُطلّ على الساقية العظمى السّلطانية المشرِف على الممرِّ الأعظم شرقيَّ الجامع، فجالسته هنالك منفردَيْن وكنت مقابلَ الممرّ وأبو عليّ (الوالي) مُقبِل علَيّ وقد استدبره بعضَ الاستدبار". فهذه الحالُ الموصوفة ليست حالَ كاتب لدى الوالي المذكور أو نديم له، وإنّما هي حالُ قاضٍ مثلًا يتمتّع باحترام الوالي، ولا سيّما إذا كانا معًا مشتركَيْنِ في عراقة الأصل والنَّسب، وزَمالة العلم والأدب، ومن يدري؟ فقد تكون بين الرجلين أواصرُ أخرى كالمُصاهرة مثلًا، ثم لا ننسى أنّ ابن عبد الملك يمتُّ من جهة أُمِّه -كما سبَق- بسببٍ إلى المغرب الأوسط بلدِ الوالي المذكور. ومهما يكن الأمرُ فقد شارك ابنُ عبد الملك في الأخير في هذه المطارحة الأدبيّة وصَنَع قصيدةً عصماءَ نظمها في ليلة واحدة، قال: "ولقيتُه بها بعدَ العصر من الغدِ لمّا لم يتأتَّ لقاؤه بها صَدْرَ النهار لخروجه إلى بعض المواضع"، ثم قال: "وتربَّصت بأبي علي خَلْوته بدخوله إلى مجلسه الخاصّ من مجلسِه العامّ، ودفعتُ إليه القصيدة، فلمّا رآها قال لي: لمن هذه؟ فقلت: قفْ عليها، فقال لي: هذا خَطُّك،

стр. 88

فمن ناظمها؟ قلت: كاتبها، فاشتد تعجُّبه من فعلي أولًا وإتياني بها ثانيًا، حتى كان من كلامه: إنّ هذه البلادَ وَلّادة مُنجبة" ثم أورد القصيدة، وهي تقعُ في أكثر من ٧٠ بيتًا مدح فيها الواليَ وأطنب في مدحه وذكر والدَه الفقيهَ المعروف الذي وَصَفَه بأنه "بحرُ العلوم درايةً وروايةً" كما نعَتَه بالدِّين المتين والوَرَع والتّقوى، ثم عطف على غَرَض "التذييل" الذي أشار به الوالي على جماعةِ الشّعراء من حاشيتِه وسَرَدَ قصّته. ويُفهَمُ من الكلام السابق أنّ الواليَ المذكور كان له مجلسان: مجلسٌ عامّ يحضُره عامة حَفَظة الأدب والعلم وحَمَلة السّيف والقلم، ومجلسٌ خاصّ مقصورٌ على الخواصِّ منهم، وكان على رأس هؤلاء ابنُ عبد الملك حسبما يدُلّ عليه كلامُه، فهو يحضُر مجلسَيْه، وينفردُ بمجالستِه أحيانًا، والوالي يعرف خَطَّه، وهذا قد يؤيِّد ما ذهبنا إليه من أنه ربّما كان يتولّى خُطّة القضاء في أغمات يومئذ. وقد أُعجِب الوالي بقصيدة ابن عبد الملك إعجابًا كبيرًا وأمَرَ كاتبَه بمعارضتها، فعارضَها بقصيدة لم تقَعْ منه موقعَ الاستحسان، قال: "فلم يرفَعْ أبو عليّ بها رأسًا، واتّخذ قصيدتي سميرًا ونجِيًّا وأُنسًا، يُوالي مطالعتَها, ولا يسأمُ مراجعتَها، وكلّما رجَعَ بها بصَرَه، وأعاد فيها نظرَه، زاد بها شغَفا، وشاء لها شرَفًا، فنَفِقَ سُوقُها، وشُهر سموُّها على أترابها وبُسوقُها". وفي هذا الكلام ما يزيدُ دلالة على الحُظوة التي كانت لابن عبد الملك عند هذا الوالي، وفيه أَيضًا دلالة على طبيعة ابن عبد الملك المعجَب بآثارِه, المفتون بكلامه، وذلك ما سوف نتحدّث عنه في موضعه. والحقُ أنّ القصيدةَ في جُملتها لاحقة بشعر الفقهاء، وفيها تكلُّفٌ ظاهر، وإشاراتٌ علميّة تُعرب عن ثقافة ناظمها وغلَبة معارفِه على لسانه وعدم قُدرته على التخلُّص منها عند النظم، ولعلّ ذلك كان أَيضًا مجاراة لروح العصر وطبيعة البيئة الأدبيّة السائدة يومئذ.

стр. 89

ويُفهم من كلام ابن عبد الملك أنّ له قصائدَ ومدائحَ في الوالي المِلْيانيِّ، وأنّ القصيدةَ المشار إليها هي أولى قصائده فيه؛ فقد أورد في السِّفر الأول قطعة لابن عَمِيرة المخزوميِّ آخرها: أولئك جادوا والزّمانُ مساعدٌ ... وجُدتَ لَعَمْري وهو غيرُ مُساعدِ وعقَّب على ذلك بقوله: "وقد ألمَمْتُ بمعنى البيت الأخير من هذه الأبيات فقلت من قصيدة طويلة أمدَحُ بها الفقيهَ الرئيس الأطول أَبا عليّ عُمر ابنَ الفقيه الأجلّ العَلَم الشهير أبي العبّاس المِلْيانيَّ وَصَلَ اللهُ أسباب سعادته، وهي أول ما رفعت إليه: يا مَن يقيسُ به سواه في النَّدى ... ألغَيْتَ في النظر اعتبارَ الجامعِ هذا يجودُ وفي الموانع كثرةٌ ... وسواه ضَنّ معَ ارتفاع المانعِ" وهذان البيتان يمثِّلانِ لِما ذكرتُه من استخدام ابن عبد الملك لمصطلحات العلوم في نظمه، وهذا زيادة على استمداده من محفوظه الشعري. ولم نقفْ، فيما بين أيدينا، على غير هذه القصيدة في مدح الرئيس المذكور، ولقد أشار ابنُ الزُّبير في ترجمة ابن عبد الملك إلى أنه كان "شاعرًا مجيدًا امتدح بعضَ كُبراء وقتِه". ولا نعرف الآنَ من هؤلاءِ الكُبراء إلا الرئيسَ المِلْيانيَّ، كما أننا لا ندري أمَدَحَ بعضَ ملوك بني مَرِين الذين عاصرهم أم لا. ومهما يكن الأمرُ فإنّ ابن عبد الملك -على ما يبدو- ظَلَّ على صلة بالوالي المِلْيانيّ إلى حين نكبتِه التي تحدّثَتْ عنها المصادرُ التاريخية (١)، وخلاصتُها ما ذكره الناصِريُّ في "الاستقصا"، قال: "ولمّا هلَكَ السلطان يعقوبُ ووَلِيَ بعدَه ابنُه يوسُف استَعمل أَبا عليّ المِلْيانيَّ على جباية المصامدة، فباشَرَها مدة، ثم سعى به شيوخُ المصامدة عند السلطان بأنه احتَجن المالَ لنفسه، فأمَرَ السلطان بمحاسبته

стр. 90

فحوسب، وظهرت مخايلُ صِدقهم عليه فنَكَبَه السلطانُ يوسُفُ أولًا ثم قتَلَه ثانيًا" (١). وقد كان لنكبة هذا الوالي المِلْيانيِّ ذيولٌ تمثّلت في حادثَيْن بارزَيْن يُعَدّان من أغرب حوادث العصر المَرِينيِّ الأول، أوّلُهما: افتئاتُ أحمدَ المِلْيانيِّ -ابن أخي المِلْيانيِّ المنكوب- على السلطان مخدومه بتزويرِه كتابًا على لسانه يأمُر فيه ولدَه أميرَ مَرّاكُش بقتل شيوخ المصامدة المعتقَلين، وقد فعَلَ هذا انتقامًا لعمِّه وأخذًا بثأره. والحادثةُ الثَّانية هي: فتكُ الخَصِيِّ سعادةَ بالسلطان يوسُف بن يعقوبَ سنة ٧٥٦ هـ، وهذا الخصيُّ كان مملوكًا لأبي عليّ المِلْيانيِّ الذي أهداه إلى السلطان المذكور. ولسنا نعرفُ مدى انعكاسات الأحداث المذكورة والآثار التي يمكنُ أن تكونَ لها على ابن عبد الملك نظرًا لصِلته بالمِلْيانيّ، ولكن تجدُرُ الإشارة إلى أنّ هذه الصّلةَ كما تحدَّث عنها كانت في عهد السلطان يعقوبَ بن عبد الحق. أمّا في عهد ولده السلطان يوسُف (٦٨٥ - ٧٠٦ هـ) فقد شَغَل ابن عبد الملك خُطةَ قضاءِ الجماعة بمَرّاكُش، ولم يحدّد ابن أبي زَرْع تاريخَ ولايته هذه الخُطة، وإنّما عَدّه في جُملة من تولَّوا هذه الخُطةَ على عهد السلطان المذكور، فقال: "وقُضاته بحضرة مَرّاكش: الفقيه أبو فارس العمْرانيّ، والفقيهُ أبو عبد الله السَّقَطي، ثم الفقيهُ أبو عبد الله ابن عبد الملك" (٢). ويستفاد من هذا الترتيب أنّ ولايةَ ابن عبد الملك كانت في العشر الأواخِر من القرن السابع الهجريّ، أى: قبل وفاته بسنوات معدودات، ولا نستطيعُ تحديدَ مدّة قضائه التي أشار إليها ابنُ الزُّبير بقوله: "وَلي أبو عبد الله قضاءَ مَرّاكُش مدّة ثم أُخِّر عنها لعارض سببُه ما كان في خُلُقه من حدّة أثمرت مناقشةَ موتورٍ وَجَدَ سبيلًا فنال منه".

стр. 91

وهذا كلامٌ مجمَل وحديثٌ مبهَم، فمَن هو الموتورُ المشارُ إليه؟ وما هو نوع التِّرة المومَإ إليها؟ وما طبيعة المناقشة المذكورة؟ ليس ثمة من سبيل الآنَ إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، فقد طُويت أخبارُ هذا الحادث، وغُيِّبت عنا أسرارُه. وكلُّ ما لدينا الآنَ أنّ ابن عبد الملك قفَى السنواتِ الأخيرةَ من حياته متنقلًا من أغمات إلى تِلِمسانَ وما بينَهما، أمّا أغمات فقد عرَفْنا ممّا سبَق اجتماع ابن عبد الملك وابن رُشيد فيها خلالَ هذه الفترة على ما يبدو، وعرَفْنا ممّا ذكَرَه أحدُ تلاميذه أنه كان موجودًا بها سنة ٧٠٢ هـ. ويبدو أنه كانت له بها دارٌ وما يتّصل بها من فِلاحة أو نحوها, ولعلّه اكتسب ذلك، إذا كان، في المدة التي قضاها بها على عهد المِلْياني. وأمّا تِلِمْسانُ فقد كان يتردَّد عليها مَدْعوًّا إليها -على ما يظهر- وذلك للالتحاق بمحَلة السلطان يوسُف بن يعقوبَ بن عبد الحقّ خلال ذلك الحصار الطّويل الشهير الذي دام مئة شهر (١)، وإنّما قلنا: إنه كان يتردَّد على تِلِمْسان؛ لأننا وجدناه يذكر سَفْرتَه إلى تِلِمْسان ومرورَه بفاسَ وهو في طريقه إليها "في جمادى الأخرى تسع وتسعين وست مئة"، ثم نجدُه في أغمات سنة ٧٠٢ هـ، وعاد بعد ذلك إلى تِلِمسان حيث "توفِّي ﵀ بتِلِمسانَ الجديدة في أواخِر محرَّم سنة ثلاث وسبع مئة" كما يقول ابنُ الزُّبير شيخُ ابن عبد الملك، وقال تلميذه أبو الحسن المطماطيّ: "وتوفِّي ﵀ سنة ثلاث بعد سبع مئة بظاهر تِلِمسان حين توجَّه إلى المَحلّة الكائنة بها" (٢). ولا خلافَ بين القولَيْن؛ فإنّ تِلِمْسان الجديدةَ تقعُ بظاهر تِلِمسانَ القديمة، ويلِمسان الجديدةُ أو المنصُورة هي المدينة التي أسَّسها في سنة ٧٠٠ هـ السلطان يوسُفُ بن يعقوب بن عبد الحقّ بإزاء تِلِمسان وهو محاصِرٌ لها ذلك الحصارَ الطَّويل المشروحَ في كُتُب التاريخ.

стр. 92

وتاريخُ الوفاة المذكور ورَدَ أَيضًا في "دُرّة الحِجال" (١) و"الدِّيباج المذهب" (٢)، وقيَّدَ هذا التاريخَ بحساب الجُمّل أبو عبد الله محمد بن عليّ الفشتاليُّ في منظومتِه التاريخية فقال: * وقُلْ في ابن عبدِ مالكٍ: "ذابَ" خَشْيةً * ولقد حصل اضطرابٌ لدى بعض المتأخِّرين في تاريخ وفاة ابن عبد الملك وكيفيّتها، فقد جاء في وَفَيات أحمدَ الوَنْشَريسيِّ: "وفي سنة أربع وسبع مئة توفِّي قتيلًا الشّيخُ الشهير أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الأنصاريُّ مؤلّف "الذّيل والتكملة" " (٣). والاضطراب في هذا الكلام واضحٌ من جهة التاريخ "أمّا الاضطرابُ من جهة الكيفيّة فلعلّ سببَه الخَلْطُ بين ابن عبد الملك الوالد وابن عبد الملك الولد، فهذا الأخير هو الذي مات قتيلًا أو شهيدًا كما سَلَف، وأمّا ابنُ عبد الملك الأبُ فيبدو أنه مات موتًا عاديًّا بعدَ أن بلَغَ سبعينَ سنةً تقريبًا، ويبدو أن سببَ وجوده في محَلة السلطان يوسُف المَرِينيّ هو ما جَرَت به عادة ملوكنا من استصحابهم كبارَ العلماء في حركاتهم، واستدعائهم إلى محلاتهم لمُذاكرتهم وشهود مجالسِهم، ونظرًا لأنّ محلّةَ السلطان يوسُف بقِيت مضروبة على تِلِمسان مئةَ شهر كما ذكرنا، فقد كان ابنُ عبد الملك -على ما يبدو- يستأذنُ من حين لآخر في مغادرتها، بقَصد زيارة أهله، ومباشرة أشغاله، وهذا ما يفسِّر تردُّده بين تِلِمسانَ وداره في أغمات، وثمةَ عبارةٌ في "المرقبة العليا" تشير إلى أنه توفِّي عند قفوله -أى: رجوعه- إلى تِلِمسان، ولهذا فلسنا نذهبُ معَ من ذهب إلى أنه ربما كان منفيًّا في أغمات أو مات مغرَّبًا في تِلِمسان (٤)، وما سُقناه من نصوص وذكرناه من تأويل هو الذي يتلاءم مع طبيعة الأحداث وسياق التاريخ.

стр. 93

ثقافته: إنّ الجولةَ التي قُمنا بها عبرَ شيوخ ابن عبد الملك وأصحابِه وتلاميذه ووظائفِه تقودُنا إلى الحديث عن ثقافته ومعارفه وعلومه، لقد عاشَ ابن عبد الملك في قرن يُمكنُ نعْتُه بأنه أكثرُ القرون في المغرب ازدهارًا بالعلوم والآدابِ والفنون، وعاش في مَرّاكُش حاضِرة الغرب الإِسلاميِّ التي تجمّع فيها على عهده تراث المشرق والمغرب، وقصَدَها أهلُ العلم من جميع أرجاءِ العالم الإِسلامي، وتوفرت له وسائلُ الطلب وأدواتُ العلم، وكان بطبعه ومنذ صِغره ذا نَهَم للمعرفة لا يشبع، وصاحبَ طموح إليها لا يقفُ عندَ حدّ من أَجل الوصول فيها إلى أقصى الغايات وأعلى الدرجات، وأعانه على تحقيق أهدافه العلميّة ما كان له من الجِدَة والجاه والشّغَف بالتحصيل، وهكذا أقبَلَ منذ نعومة أظفارِه على ينابيع المعرفة يعُبُّ وينهَلُ، وسعَى إلى كبار الشيوخ وأعلام الأساتيذ، يروي عنهم، ويلزَمُ مجالسَهم ويرحَلُ إليهم، وكان لا يفتَأُ يكتُبُ ويُقيِّد، ويقابلُ ويُعارض ما يقعُ إليه من ذخائر المؤلفات، ونفائس المصنَّفات، حتى استوَتْ له مَلَكةٌ علميّة فذّة، واستقامت عنده مشاركةٌ واسعة في كثير من أصُول العلم وفروعِه، فغدا حُجةً في علوم القرآن، خبيرًا بالقراءات التي تلقّاها عن المَهَرة فيها، محيطًا إحاطةً نادرة بما ألّف فيها، يُبدي فيها رأيه، ويُصدر حولَها حُكمَه، كقوله في ترجمة المقرئ قاسم ابن الحاجِّ الإشبيليّ: "وصنّف في السبع "البديع"، وكان كثير من الشيوخ يؤْثرونَه على معظم ما صنِّف في فنّه، وإنه لكذلك" (١). كما كان مطّلعًا على تفاسير القرآن على اختلاف مناهجها ومذاهب أصحابها يصِفُها وَصْفَ قارئ لها مُمارس لمراجعتها، وهذا رأيه -على سبيل المثال- في "الكشّاف" للزمخشري الذي اختلف فيه أهلُ السُّنة في المغرب والمشرق، قال: "وفي الكتاب المذكور جُملةٌ كبيرة جَليّة وخَفيّة ممّا أشار إليه أبو الحُسَين ﵀،

стр. 94

ولكنّه على ذلك مُترَعٌ فوائد ومشحون غرائبَ علميّة لا توجد مجموعةً في كتابٍ غيرِه ألبتّة، سوى ما اختَصّ به من كثيرِ ما احتوى عليه من التنبيه على حُسن نظم القرآن العظيم والإرشاد إلى بديع رَصْفِه والكشف عن وجوه إعجازه" (١). ولا أكادُ أعرف تقويمًا للكشّاف لأحد من أهل السنة بمثل هذا الإنصافِ والاعتدال والتفطُّن لقيمته وقَدْره إلا ما كان من رأي ابن خلدون في "المقدّمة"، وهو شبيهٌ برأي ابن عبد الملك، ولعلّ ابنَ خلدون وقَفَ عليه وانتفع به في قوله: "ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفنُّ من التفاسير كتابُ "الكشّاف" للزمخشريّ من أهل خُوارزم العراق، إلا أن مؤلفَه من أهل الاعتزال في العقائد، فيأتي بالحِجَاج على مذاهبهم الفاسدة، حيث تعرِضُ له في آي القرآن من طرق البلاغة، فصار بذلك للمحقِّقين من أهل السّنة انحرافٌ عنه وتحذيرٌ للجمهور من مكامنه، معَ إقرارهم برسوخ قدَمِه فيما يتعلَّق باللّسان والبلاغة، وإذا كان الناظرُ فيه واقفًا مع ذلك على المذاهبِ السُّنِّية محُسِنًا للحِجَاج عنها فلا جَرَمَ أنه مأمونٌ من غوائله، فلتغتنمْ مطالعتَه لغرابته في فنون اللّسان" (٢). أمّا علومُ الحديث فكان فيها فارسَ الميدان وكُمَيْتَ الحَلَبة ولا سيّما الأسانيدُ، وقد اعتَرف شيخُه ابنُ الزُّبير -وهو إمامُ المدرسة الحديثيّة في عصره بالغرب الإِسلامي- بعلوِّ كعب ابن عبد الملك في معرفة الأسانيد عندما ذكر أنه كان "نقّادًا لها حسَنَ التّهدِّي جيّد التصرُّف وإن قَلّ سَماعهُ". وفي الجملة الأخيرة نظر؛ فابنُ عبد الملك وإن لم يبلُغْ سماعُه وشيوخه في العدد مبلغَ سماع شيخِه ابن الزُّبير وصاحبه ابن رُشَيْد السَّبْتيِّ مثلًا، إلا أنه يتفوّقُ في النقد الإسناديِّ والزيادات والاستدراكات على مصنَّفات أئمة الحديث من أهل عصره ومَن قبلَهم، ممّا يدُلُّ على تبحُّره وتوسُّعه وإحاطتِه واستيعابِه، وآيةُ ذلك عملُه في الجمع بين كتابَي ابن القَطّان وابن المَوّاق "معَ زياداتٍ نبيلة من قِبَلِه" كما يقول

стр. 95

ابن الزّبير نفسُه. وقد نوَّه بهذا العمل الرّحّالةُ العَبْدَريّ وأبو الحَسَنُ المطماطيُّ، وفَخَر به ابنُ عبد الملك فخْرَ متحدِّث بنعمة الله عليه فقال: "وقد عُنيت بالجمع بين هذين الكتابَيْن مضافَيْن إلى سائر أحاديثِ الأحكام وعلى ترتيبها وتكميل ما نقَصَ منها، فصار كتابي هذا من أنفعِ المصنَّفات وأغزرِها فائدةً، حتى لو قلت: إنه لم يؤلَّفْ مثلُه، لم أُبعد، والله ينفعُ بالنية في ذلك" (١). ومثلُ هذا النصّ في الدّلالة على سَعة اطّلاعه في الحديث وأسانيدِه واعتدادِه بذلك، ما نجدُه في ترجمة أبي محمد ابن القُرطُبي، فقد ذكَرَ كتابَه "تلخيصَ أسانيد الموطّإ" من رواية يحيى بن يحيى وساق كلامًا لابن الأبار حولَه جاء فيه: "وهو ما دَلّ على سَعة حفظِه وحُسن ضبطه .. وقد استدركتُ عليه مثلَه أو قريبًا منه"، ثم عقّب على هذا بقوله: "قال المصنِّفُ عفا اللهُ عنه: أسَرَّ ابنُ الأبّار في هذا الثناء، حَسْوًا في ارتغاء، وأظهر زهدًا في ضمنه أشدُّ ابتغاء، ولم أقفْ على كتاب ابن الأبّار، غيرَ أني وجدتُه يَذكُر بعضَ ذلك في مواضعَ من "تكملتِه"، وفي أملي التفرّغُ لالتقاطه إن شاء الله، وأرى أنه محلّ استدراك، ومجال اشتراك، فقد وقفتُ على ما لم يَذْكراه، وعثرتُ فيما طالعتُ على ما لم يُسطّراه، والإحاطةُ لله وحدَه" (٢). ومن يستدرك على محدِّثينَ حُفّاظ من طبقة ابن القَطّان وابن المَوّاق وابن الرّنْدي وابن الأبّار، لا بدّ أنه بلغ شأوًا بعيدًا في الاطلاع على أُمّهات كُتُب الحديث والوقوف على مختلف معاجمها، وعندما فَخَرَ الملاحيُّ بصنيعِه في الكتاب الذي عنوَنَه: "كتابَ الأربعين حديثًا عن أربعين شيخًا من أربعينَ قبيلةً في أربعينَ بابًا من العلم من أربعينَ بين مسنَد ومصنَّف عن أربعينَ من الصّحابة ﵃ بأربعينَ اسمًا من أربعينَ قبيلة معرِّفا بجميعهم ﵏ من صحيح حديث رسُول الله ﷺ "، وعرَتْه نَشْوةٌ من الزَّهو فقال: "وهذه أعجوبةٌ محجوبة، حجَبَها اللهُ تعالى فلم يقَعْ أحدٌ في علمي عليها، فله الحمدُ والشُّكر أنْ هداني ووفَّقني

стр. 96

إليها"، انبرى له ابنُ عبد الملك قائلا: قال المصنَف عفا الله عنه: "ما تضمَّنته هذه الترجمة (أي: عنوانُ الكتاب المذكور) من ذكْر أنواع الأربعينَ لا يصحُّ أكثرُها ولا يَسلَمُ على الانتقاد منها إلا أقلُّها، وقد نبَّهتُ على ما لحِقَه فيما أخَلَّ به من ذلك في مقالة بيّنتُ فيها معتمدَه ومنحاه" (١). بينما نجدُه يمتدح صنيعَ ابن الأَبَّار من أنواع الأربعينَ الذي عنوانُه: "الأربعونَ حديثًا عن أربعينَ شيخًا من أربعينَ مصنَّفًا، لأربعينَ عالمًا من أربعينَ طريقًا، إلى أربعينَ تابعًا، عن أربعينَ صاحبًا، بأربعينَ اسمًا من أربعينَ قبيلًا في أربعينَ بابًا"، فيقولُ بلهجة المطّلع المُنصِف: إنّ ابنَ الأبّار أَبان في هذا الكتاب عن "اقتداره مع ضِيق مجالِه عما عجَزَ عنه المَلّاحيّ" (٢). وعلى ذكر المَلّاحيِّ نشيرُ إلى أنّ ابن عبد الملك نقَلَ في "الذّيل والتكملة" ما يلي: "وكان أبو محمد ابنُ حَوْط الله يقول: "المحدِّثون بالأندَلس ثلاثة: أبو محمد ابنُ القُرطبي وأبو الرّبيع بن سالم، ويَسكُتُ عن الثالث فيرونَه يعني نفْسَه، قال أبو عبد الله ابنُ الأبّار: ولم يكن أبو القاسم المَلّاحيُّ بدونهم"، وقد عقَّب على هذا الكلام بقولِه: "قال المصنّف عفا الله عنه: أبو القاسم المَلّاحيُّ وإن كان من مشاهير المحدِّثين، وجِلّة الحُفّاظ المؤرِّخين، فإنه ينحَطُّ مهاويَ كثيرةَ عن مَرْقى هؤلاء العِلْية ﵏، ولا يدانيهم في تفنُّنِهم وجلالة معارفِهم، ومن تصفَّح أحوالَهم وتأمّل آثارَهم تبيّن له ما ذكرتُه" (٣). ولا أريد أن أُطيلَ في سرد الدّلائل على ثقافة ابن عبد الملك الحديثيّة، فهي كثيرة. وثمّةَ نماذجُ من أسانيدِه ومَرْويّاتِه الحديثيّة في كتابه "الذّيل والتكملة" (٤)، ومذكّراتِ ابن الحاجِّ البَلَّفيقيّ (٥)، و"استنزالِ السَّكينة" (٦).

стр. 97

وأمّا النقدُ الإسناديّ الذي برَّز فيه فنجدُ منه الشيءَ الكثير في "الذّيل والتكملة"، وسنشيرُ إلى شيء منه فيما بعده وكان ابن عبد الملك متمكّنًا من أصول الكلام وأصول الفقه وفروعه، أَخَذَها عن الفحول من أهلها، وذكَرَ في كتابه عددًا كبيرًا ممّا أَلْف فيها، وأهّله تضَلُّعُه في هذه العلوم لخُطة قضاءِ الجماعة التي لم تكن تُسنَدُ يومئذ إلا للراسخينَ في العلم، ولقد أشار ابنُ الزُّبير إلى مشاركته في الفقه، كما ذكَرَه النُّباهيُّ في رجال القضاء والفُتيا، وحَلّاه ابنُ رُشيد السَّبتيّ بالفقيه الجليل، وهو وإن لم يؤلِّف في الفقه فإنّ في كتابه "الذّيل والتكملة" مظاهرَ من ثقافته الفِقهية ورَدَت عرَضًا وجاءت استطرادًا، وأكتفي هنا بالإحالة على مواضعِها في الكتاب المذكور (١). وكان لهذه الثقافة تأثيرٌ على أدبه وشعره كما سنرى ذلك. وأمّا ما يُدعَى بالعلوم القديمة كالفلسفة وغيرها فإنّ في كتابه "الذّيل" مما يدُلّ على وقوفه على كُتُبها وقراءته لبعضها, ولم تُعرَف القائمةُ الكاملة من مؤلّفات ابن رُشد -مثلًا- إلا بواسطتِه (٢)، إلا أنّ موقفَه من الفلسفة هو موقفُ أهل عصره؛ ولذلك نجدُه يوردُ ما قيل من شعر ونثر في مهاجمتها (٣)، ونحن نأنَس من كتابه ازورارَه عمّن يخرُج عن الخَطّ السُّنِّي المالكيِّ كابن حزم مثلًا (٤). أمّا ثقافةً ابن عبد الملك الأدبيّة فإنَّها على جانب كبير من الاتّساع؛ إذ كان "ذا معرفة بالعربيّة واللّغة والعروض"، وكان"أديبًا بارعًا شاعرًا مجُيدًا" كما يقول ابنُ الزُّبير، ونَعَتَه العَبْدريّ الحِيحيُّ بالأديب الأوحد، وقال فيه ابنُ رُشيد: المتفنِّن الأديب، بينَما وصَفَه ابنُ الخَطيب بالتبحُّر في الآداب، ولنا أن نتصوَّر

стр. 98

مستوى الثقافة الأدبيّة لمن يدرُس في المرحلة الابتدائية من تعلُّمه "حماسةَ أبي تَمّام" والأشعار السِّتة، و"جُمَل" الزجّاجي و"فصيح ثعلب" (١). وقد انتفَع ابن عبد الملك في تكوينه الأدبيِّ بشيوخ الأدب في عصره وأعلام الترسيل والقريض في وقته من طبقة الرُّعَيْنيِّ وغيره. كما قرأ الكثيرَ من أُمّهات الأدب، وكُتُب النّحو، ودواوين الشّعر، ومصنَّفات العروض، ولو شئنا أن نحصي مقروءاتِه ممّا ذكرنا، من خلال كتابه "الذّيل والتكملة"، لكثُر العدّ وعسُر الحَدّ، ويتميّز كتابُه المذكورُ بالتعرُّض للمسائل النّحوية واللّغوية والعَروضية، كما يختلفُ عن غيره من كُتُب التراجم الأندَلسيّة بكثرة الاختيارات الأدبية، فابنُ عبد الملك كما يقولُ أستاذنا المرحوم عبد العزيز الأهوانيّ: "لا يقفُ عند ذكْر الناحية العلميّة -كما فهِمَها أهلُ عصره- من سَرْد أسماءِ الشيوخ والتلاميذ والمؤلَّفات، وإنّما يتجاوزُ ذلك إلى الأدب نثرًا وشعرًا، فيورد القصائدَ الطِّوال والرسائلَ الأدبيّة التي تَدخُلُ في باب الإخوانيّات ممّا يجعلُ بعضَ أجزاءِ كتابه أشبَهَ بكتاب "الذّخيرة" لابن بَسّام منه بكتاب ابن الفَرَضيّ أو ابن بَشْكُوال" (٢). وإنّ إلقاءَ نظرة على فهارس القوافي والرسائل الإخوانيّة والدّواوين الشّعرية والمصنَّفات الأدبيّة في الأسفار الموجودة من الكتاب لَيَدُلُّ على مدى سَعة اطّلاع ابن عبد الملك في الآدابِ وتبحُّره فيها. وأمّا تعرُّضُه للمسائل النّحوية واللّغوية والعَروضيّة والنّقدية فهو مبثوثٌ في ثنايا بعضِ التراجم (٣). وكان للعَروض نصيبٌ كبير من عناية ابن عبد الملك؛ إذ إنه وقَفَ على ما لم يقفْ عليه غيرُه من مصنَّفاته، وألّف فيه، ونافَسَ أقرانَه من أمثال القللوسيِّ

стр. 99

وابن رُشيد في حِذْقِه، إن لم يكنْ بَزَّهم فيه؛ ولذلك نجدُه في كتابه منجذبًا نحوَه، منجرًّا للكلام فيه كلما عنّت مناسبة أو سَنَحت فرصة، بل إنه ضمَّن أحدَ تراجم كتابه مؤلَّفًا كاملًا فيه، وكثيرًا ما يستندُ في نقده الأدبيِّ إلى ثقافته العروضية. ويمكنُ القول على الإجمال بأنّ ثقافةَ ابن عبد الملِك الأدبيّة كانت ثقافةً متينة، وقد بدَت ثمراتُها في شعره ونثره ونقدِه مما سنعرِض له بعد قليل. إنّ المعارفَ التي كانت -حسَبَ ابن الزُّبير- غالبةً على ابن عبد الملك، ومستبدّةً بنشاطِه، ومستغرِقةً لوقتِه وجهده، هي المعارفُ التاريخيّة على العموم وما يرجِعُ منها إلى طبقات الرجال وتراجمهم وأسانيدِهم على الخصوص، قال ابن الزُّبير -وقد ذكَرَ كتابه "الذّيلَ والتكملة"-: "وعلى هذا الكتاب عَكَف عمُرَه، ولم يتمَّ له مَرامُه منه إلى أن لحِقَتْه وفاتُه؛ لأنه ألزم نفسَه فيه ما يعتاصُ الوفاءُ به منَ استيفاءِ ما لم يلتزمْه ابنُ بَشْكُوال ولا الحُمَيْديّ ولا ابنُ الفَرَضيّ ومَن سَلَك مسلكَهم" (١). لقد نهَضَ ابنُ عبد الملك بأعباءٍ مهمةٍ تاريخيّة كان ميسَّرًا لها ومُلهمًا إلى التوجّه نحوها، وقام بها خيرَ قيام، وأدّاها بكل أمانةٍ ونزاهة، ولولاه لنُسي جَمٌّ غفير من الأعلام، ولَضاع عِلمٌ كثير، ولعلّه كان أولَ من نعَى على المغاربة إهمالَهم ذكْرَ محاسن علمائهم وإغفالَهم تخليدَ مفاخرِ فقهائهم. ويا ليتهُ ﵀ عُني بوضع معجَم لأولئك الأعلام من المغاربة الذين لم يَدخلوا الأندلس ولم يكونوا من شرط كتابه ولا كُتُب الأندَلسيِّينَ الذين زاحمهم في مَيْدانهم فسبَقَهم وتفوّق عليهم. لا نعرفُ البواعثَ التي وجَّهت ابنَ عبد الملك نحوَ التاريخ وتراجم الرّجال وطبقاتهم وجعَلَتْه يُقبلُ على ذلك بشَغَف كبير وينصرفُ إليه بنَهَم مُنقطع النّظير، حتى إنه وقَفَ عليه اهتمامَه، وقفَى فيه شهورَ عمُرِه وأعوامَه، وهو لم يُشر إلى هذه البواعث في الموجود في مقدِّمة "الذّيل والتكملة"، ولعله ذكَرَ شيئًا

стр. 100

منها في آخِرها الذي بيّض له في النّسخةِ الوحيدة التي وصَلت إلينا تامّةَ من السِّفر الأول. وإذا كان الولَعُ بعملِ من الأعمال ممّا لا يُعلَّل في بعض الأحيان فإنّ ثمةَ ظاهرةً تستوقفُ النظر، وهي ظهورُ طائفة من المؤرِّخينَ في أوقاتٍ متقاربة ومتسلسِلة بمَرّاكُش، سواء أكانوا من أهلها أم من الطارئينَ عليها، نذكُر منهم: ابنَ الصيْرَفيّ، والبَيْذَق، وابنَ صاحب الصلاة، ويوسُفَ بن عُمر، وعبدَ الواحد المَرّاكُشيَّ، والتادَليَّ، وابن القَطّان، وابن بيرة، وابنَ حمّاد، وابنَ عِذاري، وصالحَ ابن أبي صالح الإيلانيّ. وهؤلاء المؤرِّخونَ الأعلام سواء منهم الرَّسميّون وغيرُهم يؤلّفون ما يُمكنُ أن نُطلقَ عليه المدرسةَ المَرّاكُشيّةَ في التاريخ، وهذه المدرسة بدأت معَ تأسيس مَرّاكُش والمُرابِطين واستمرّت حتى قيام المَرِينيِّين، ولقد نَقَل ابن عبد الملك عن بعض هؤلاء ونقَل بعضُهم عنه، ونرى أنه كان أوسعَهم جميعَا في الاطّلاع على المصادر والوثائق ولا سيّما في التراجم وتاريخ الحياة العلميّة والأدبيّة، وساعَدَه على التوسُّع في الموادِّ التاريخيّة والتضلّع في مختلف جوانبها، والوقوفِ على قضاياها والنفوذِ إلى أسرارها وخفاياها عواملُ متعدِّدة، منها: وجودُه في مركز الأحداث التاريخيّة، وقُربُه من أصحابها أو صانعيها كما يقال، وجمعُه لمكتبةٍ تاريخيّة مشتملة على مصادرَ أخباريّة ووثائقَ رَسْميّة أصليّة بخطوطِ أصحابِها ما نظنُّ أنها تيسَّرت لغيره، وقبلَ ذلك كلِّه شغَفٌ بل غرام بالتواريخ والأخبار سَلَبَ لُبَّه وشغَلَ عقلَه، ولعلّه دَلَفَ إلى التاريخ من بابِه الإسلاميِّ الأصيل، باب الأحاديث والأسانيد، على أنّنا نجدُه منذ صغره متحفّزَ الوعي بالأحداث التاريخيّة قويَّ الملاحظة لمظاهرِها، فقد وَصَف ترتيبَ الجيش ونظامَه عندَ الخروج لغزوِ أو سَفَر في أواخِر الموحِّدين اعتمادًا على ذاكرته (١)، وكان لصِلته -وهو صغير- ببَلاط الموحِّدين، وعلاقته -وهو

стр. 101

طالبٌ شابّ- بقُضاتهم وعُمّالِهم وكُتّابِهم ونقبائهم ومؤرِّخيهم أثرٌ قويٌّ في تكوينه التاريخيِّ، وتكفي الإشارةُ إلى صلتِه الوثيقة بشيوخِه من رجال الدولة وخاصّةً الخلفاءَ أمثالَ الرُّعَيْنيِّ وابن القَطّان والعراقيِّ وغيرهم ممّن ذكَرْنا فيما سبَق، ونحسَبُ أنه انتفَعَ بتقاليدِ بعض التاريخيِّين والأخبارِّيين المنسيِّين مثل: أبي العبّاس أحمد بن هارون السُّماتي نزيل مَرّاكُش المتوفَّى سنة ٦٤٩ هـ، أدركه ابنُ عبد الملك وعايَنَه وذكَرَ أنه اهتمَّ بتخليد التواريخ "وقَطَع في ذلك عمُرَه الممتدّ وتخلَّف من ذلك أحمالًا من التصانيف الكبار والصغار والتعاليق والفوائد شَهِدت بطول إكبابِه على خدمة العلم وإن كانت تشتملُ على أوهام عثَرتُ على كثيرٍ من ذلك فيها"، وقد نقَلَ عنه في "الذّيل والتكملة" مرّاتٍ متعددة (١). يمكنُ أن نميِّز صِنفَيْن من المعارف التاريخيّة لدى ابن عبد الملك، فالصِّنفُ الأول يعتمدُ فيه على المشاهدة والرواية الشّفوية والسَّماع المباشر، وَيندرجُ في هذا النوع "الفَذْلَكاتُ" التاريخيّة الاستطراديّة في كتابِه "الذّيل والتكملة"، وكذلك تراجم من أدرَكَ حياتَهم أو قارَبَ عصرَهم، وهو في هذا النوع مصدرٌ لمن جاء بعدَه من المؤرِّخين كابن عِذاري وابن الخطيب وغيرهما، والصّنفُ الثاني يرجِع فيه إلى المدوَّناتِ التاريخيّة، وما أكثرَ ما وقَفَ عليه منها، وقد ذكَر ما يخُصُّ طبقاتِ الرّجال في مقدّمة "الذّيل والتكملة"، كما أشار إلى كثير منها في أثنائه، ومما يتعلّق بالتاريخ العامّ في الأندَلس والمغرب مؤلّفاتُ: الرازيَّيْنِ، والورّاق، وابن حَيّان، والحكيم، وابن حَزْم، وعَرِيب بن سعيد، والمَلّاحي، وابن صاحب الصّلاة، والسالميّ، وأبي العباس أحمدَ بن علي الإشبيليّ، وأبي القاسم محمد بن حُمَيد البرجانيّ، وأبي عبد الله ابن عَلْقمةَ، وهو يقوِّمُها بكلمات تطُولُ أو تقصُر أحيانًا، فقد نقَل عن الرازيَّيْنِ: أحمدَ وولدِه عيسى ووَصَف تاريخَ هذا الذي ألّفه للمستنصِر بأنه "تاريخٌ مُمتع" وأشار إلى تأليفيه اللذين ألّفهما لابن أبي

стр. 102

عامر في "الوزارة والوزراء" وفي "الحجاب" (١)، ونقل عن ابن حَيان مرّات وعبَّر عن إعجابه به فقال: "التاريخيُّ الحافظُ الحافل" وامتَدح كلامَه ووَصَفَه بالحُسْن والتنميق، وأشار إلى ملحوظة دقيقة تتعلّق بتصرُّفه في كلام أحمدَ الرازيّ الذي ينقُله في "المقتبس" (٢)، وانفرد -فيما نحسَب- بالنقل عن كتاب عبد الله الحكيم في "أنسابِ العرب والبربر الداخلينَ إلى الأندلس" (٣)، كما نقَل عن ابن حَزْم ولا سيّما "الجَمْهرةُ" (٤)، ونجد لديه نقولًا من كتاب عَرِيب في تلخيص الطّبري لا توجَدُ في المطبوع (٥)، ووقَفَ على تاريخ إلبيرةَ للمَلّاحي وعلى "شجرته" في أنساب العرَب والعجَم بخطِّه وأثنى عليهما ووَصَفَهما بالإبداع والإتقان (٦). وابن عبد الملك ينقُل عن "المنِّ بالإمامة" "وثورة المُرِيدينَ" لابن صاحب الصّلاة في بعض المناسبات، ولقد لفَتَ نظرَنا إلى نقطة غَفَل عنها دارسو هذا المؤرِّخ، وهي تتعلّق بمصدره في أخباره، ومستنَده في تاريخه، فقد قال في ترجمة أبي القاسم محمد بن ثَوابةَ الإشبيلي: "وله عناية بالتاريخ، وعنه أخَذَ أبو محمد ابنُ صاحب الصّلاة، وبه انتفَع في تأليفه المشهور" (٧). وإذا كان ابنُ صاحب الصلاة في السِّفر الموجود لم يسمِّ شيخَه الذي اعتمَد عليه فإنّ ابنَ عبد الملك رأى من الإنصاف والأمانة العلميّة الإشارةَ إلى دوره وراء ذلك المؤلّف الممتاز، ولعلّه هو الذي اكتفَى بالإشارة إليه بعبارة: "قال الراوي" عدّة مرات وأبَى ابن عبد الملك إلا أن يُفصحَ عن اسمه.

стр. 103

أمّا السّالميُّ فقد ذكَرَ في ترجمته أنّ كُتبه في التاريخ مفيدة، ووقَفَ على بعضِها بخطِّه، ومنها: "دُرَر القلائد وغُرَر الفوائد في أخبار الأندلس وأمرائها، وطبقات علمائها وشعرائها"، ونَقَل مقدَّمتَه، كما وقَفَ على مختصره الذي سماه: "عبرةَ العِبَر وعجائبَ القَدَر في ذكْر الفتن الأندَلسيّة والعُدْويّة بعد فساد الدولة المُرابِطيّة"، وقال في الكتاب الأول: "وقد وقَفتُ له في هذا الكتاب على أغلاطٍ وأوهام نَحْوية، وضروب من الخَلَل في الهجاءِ الخَطّي، مصدرُ بعضها -فيما أرى- الغفلة، ولا جوابَ عن بعضها إلا الغفلةُ والجَرْيُ على المألوف من عبارة العوامّ". وكتابُ "دُرر القلائد وغُرر الفوائد" المذكورُ، من كُتُب التاريخ التي نقَل منها المؤرِّخ ابن عِذاري وسرَدَها في مصادر كتابه: "البيان المُغرب" (١). ومعَ أنّ ابنَ عبد الملك لم يؤلِّف في التاريخ العامّ ولم يُخلِّف فيه إلا "الفَذْلَكات" التي أشرنا إليها، فقد نقَل عنه أصحابُ المدوَّنات التاريخيّة وفي طليعتهم بلدِيُّه ابنُ عِذاري، وذلك في القسم المتعلّق بتاريخ الموحِّدين من كتاب "البيان". وممّا صرَّح فيه باسمِه والنقل عنه (٢): ١ - نصٌّ يتّصل بفتح الموحِّدينَ لإشبيليَةَ سنة ٥٤١ هـ، ويصوِّر وصُولَ عبد العزيز وعيسى أخوَي المَهْديّ ويصلاتن ابن عمِّهما إلى إشبيلِيَة على رأس جيش من الموحِّدين، ويَنسُبُ إليهم أفعالًا سيّئة، ويبدو أنّ هذا النصَّ من جملة "فَذْلكةٍ" تاريخيّة ساقها ابنُ عبد الملك في ترجمة عبد المؤمن في "الذّيل" وينبغي أن تكون هذه الترجمةُ في السِّفر السابع المفقود. ٢ - نصٌّ طويل (٣) يتعلّق بنكبة الوزير الكاتب أبي جعفر أحمدَ بن عَطِيّة، والظاهرُ أنّ ابنَ عذاري نقَلَه من ترجمة المذكور في السِّفر السابع المفقود أيضًا،

стр. 104

ويفتتح هذا النصَّ بالبداية التالية: "أخبَرنا أبو عبد الله محمدُ بن عبد الملك قال ... "، وصيغةُ الإسناد تقتضي أنّ هذا المؤرِّخَ -الذي لا توجَدُ له ترجمة- عَرَف ابنَ عبد الملك وروى عنه، وهي واضحة الفائدة في تعيين عصر الرجل، وكلُّ ما قيل عنه من قبلُ على سبيل التخمين أنه نَبَغ في أواخر القرن السابع. ٣ - خبَرُ وفاة عبد المؤمن والعُمرِ الذي توفَي عنه، قال: "وكان له من السِّنين على ما رواه أبو عبد الله بن عبد الملك برواية أبي يحيى زكريّا بن يحيى بن سِنان ثلاثٌ وستونَ سنة ... " (١). ٤ - نصّ يبدأ هكذا (٢): "ومن جَدِّه وظهور سَعْدِه (يعني عبد المؤمن الخليفة) ما أخبرني أبو عبد الله بن عبد الملك، قال: حدّثني أحدُ أشياخ الموحِّدينَ بحضرة مَرّاكُش، قال: كان عبد المؤمن في أيام طلبه ... "، وهذا يؤكّد من جهة ما رأينا آنفًا من رواية ابن عذاري عن ابن عبد الملك وسَماعِه منه مباشرة كما يؤكِّد من جهة ثانية ما سبَق أنْ قلناه عن موقع ابن عبد الملك ومكانته، وصِلاته القريبة والوثيقة بكبار الدولة المؤمنيّة، ومن المعروف أنّ الأشياخَ كانوا أهلَ الحلّ والعَقْد في هذه الدولة. ٥ - نصٌّ فيه خبرُ تعريس الخليفة يوسُف بن عبد المؤمن بابنة ابن مردنيش (٣). ٦ - سمَّى ابنُ عذاري ابنَ عبد الملك وكتابَه بمناسبة الإشارة إلى ثورة عبد الرّحيم ابن الفَرَس الغَرناطيّ فقال: "فقيهٌ عالم، ذكَرَه ابن عبد الملك المَرّاكُشيُّ في "التكملة والذّيل" -كذا- له ... " (٤). وقد تساهل أو وَهِم -هو

стр. 105

أو الناسخ- في تسمية الكتاب، أمّا ترجمةُ ابن الفَرَس المشار إليها فلم تصلْ إلينا؛ لأنها تقعُ في الطّرفِ المفقود من السِّفر الرابع. وممّن نقَلَ عنه وذكَرَه من المؤرّخينَ: صاحبُ كتاب "مفاخِر البربر"، الذي نُشِرَتْ قطعةٌ منه، فقد سمِعَه مرّةً ينعَى على المغاربة إهمالَهم تاريخَ أعلامهم ومعالمَهم، وإغفالَهم تخليدَ مفاخِرهم ومآثرِهم، ويقول: "كان بفاسَ من الفقهاء الأعلام، الأجِلّة أعيان الأنام، ما ليس في غيرها من بُلدان الإسلام؛ إذْ هي قاعدةُ المغرب، ودارُ العلم والأدب، لكنّ أهلَها أهمَلوا ذكْرَ محاسن علمائهم، وأغفَلوا تخليدَ مفاخِر فقهائهم" (١). ويبدو من سَبْك هذا الكلام وسَجْعِه أنه ممّا كتبه ابنُ عبد الملك، ولكنّنا لا نَعرف موضعَه ومناسبتَه، ولعلّه وَرَدَ في بعض تراجم الأسفار المفقودة، ومهما يكنْ فإنّ الكلامَ المذكورَ هو أقدمُ ما نقفُ عليه في موضوعه، وهو أصل الشكاوى التي ردّدها المشتغلونَ بتدوين تاريخ المغرب في القرون الأخيرة (٢). ونحسَبُ أنّ من بين المؤرِّخينَ الذين كانوا قريبينَ من ابن عبد الملك في المكان والزمان التاريخيَّ المغمورَ أبا عليّ صالح بن أبي صالح الإيلانيَّ نزيلَ نفيس والمتوفَّى سنة ٦٢٧ هـ (٣)، وقد ضاعت مؤلّفاتُه التاريخيّة ولم يبقَ منها إلا نُقولٌ في "البيان" لابن عذاري ووَرَقاتٌ حول الفتح الإسلاميِّ للمَغرب نشَرَها المؤرِّخ المستعرِب ليفي بروفنسال، ولعلّها من مطلع كتابٍ له في تاريخ المغرب. وقد وجدنا ابنَ أبي زرع في "الأنيس المُطرب" يستمدُّ أحيانًا من الفَذْلَكات التاريخيّة لابن عبد الملك المتعلّقة بالموحِّدين، ولكنّه لا يُسمِّيه، وله

стр. 106

رواياتٌ تخالفُ أحيانًا ما عند ابن عبد الملك، ولعلّ ابنَ أبي زرع كان يرجِعُ إلى "الذّيل والتكملة" في تسجيل وَفَيات الأعلام. أمّا مؤلّفُ "الذّخيرة السَّنية" فقد ضمَّنها بعضَ التراجم الموجودة في "الذّيل والتكملة"، ويبدو من المعارضة أنّ المؤلفَ المذكورَ نقَلَ عن ابن عبد الملك. وبالجملة، فقد كان ابنُ عبد الملك إمامَ المؤرِّخين بالمغرب في زمنه، ويُمكنُ القولُ على العموم بأنّ "الفَذْلَكاتِ" التاريخيّةَ التي اشتمل عليها كتابُه "الذّيل والتكملة" تُعَدّ أوثقَ ما يُعتمَد عليه في تاريخ الموحِّدين وأصحَّ نصوص هذا التاريخ، وذلك لِما عُرف به محرِّرُها من اطّلاع واسع وإكباب طويل على المدوَّنات التاريخية والوثائق الرسميّة، ولما يلتزمُ به من منهجيّة صارمة وموضوعيةٍ عادلة ومجُانبةٍ لأساليبِ المؤرِّخين الرسميِّين المعهودة وطرائقِهم المعروفة، وكلُّ ذلك تشهَدُ به النّصوصُ المبثوثة في ثنايا تراجم "الذّيل والتكملة". وقد انفردَ ابنُ عبد الملك بذكر أشياءَ من تاريخ الموحِّدين لا توجَدُ عند غيره. فمن ذلك: ما يُمكنُ أن نُطلقَ عليه "حساسيّةَ الأسماء" في عهد الموحِّدين، فقد كان اسم "عبد المؤمن" مثلًا مقصورًا عليهم، وعُرف أحمدُ بن عبد المؤمن الشَّريشيُّ شارحُ المقامات في بلده بابن مؤمن بدلًا من ابن عبد المؤمن، وذلك كما يقول ابنُ عبد الملك: "لمكان التّقية من غَيْرةِ آل عبد المؤمن من مشاركتهم في الشّهرة بالانتساب إلى جدهم، فكثيرًا ما كانوا يفعلون ذلك، ويُغيِّرون الأسماءَ والكُنَى والأنسابَ والشُّهَر على الجملة بسببه" (١). وهذه حساسيّةٌ غريبة جدًّا، فالمعروفُ على العموم وفي كلِّ زمان ومكان أَنّ الناس -خاصّتَهم وعامّتَهم على السواء- يُسَمُّوْن بأسماءِ ملوكهم وعظمائهم وزعمابهم وعلمائهم وصُلَحائهم، ولعلّ مصدرَ هذه الحساسيّةِ الغريبة لديهم تخوُّفُهم من استغلال الاسم

стр. 107

والاستفادة منه بشكل ما والتّمويهُ به على العامّة على سبيل الادّعاءِ والتزوير وما يُشبه ذلك. ومن ذلك: "معتقَدُ آل عبد المؤمن وطائفتهم قديمًا وحديثًا أنّ كلَّ من خرج عن قبائلهم المعتقِدة هدايةَ مَهْديِّهم وعصمتَه فهم عَبيدٌ لهم أرِقّاء" (١). ومن ذلك نصٌّ طريف يعكِسُ ضربًا من المعارضةِ السياسيّة يتمثّلُ في الكيفيّة العجيبة التي انتقَد بها أبو العبّاس أحمدُ بن يحيى العَبْدَريُّ نزيلُ مَرّاكُش تعيينَ المنصور "بَنيه وصِغارَ إخوتِه وبني أعمامِه وذوي قرابته وُلاةً في البلاد" (٢). كما سَجَّل بعضَ الدّسائس التي كانت تقعُ في بَلاط الموحِّدين لم يُعرّجْ عليها المؤرِّخون، مثل: تسميم المستنصِر وفساد الحاشية في عهده، ومحاكمة ابن العثمانيّ (٣)، وغير ذلك ممّا سنقفُ عليه في مكانه، وممّا أفادنا به أنّ خُطّة الشورى التي كان العملُ جاريًا بها قبلَ الموحِّدين حُذفت في عهدهم (٤). أمّا كُتُب التراجم فقد وقَفَ منها على عدد كبير، وسمَّى طائفةً منها في مقدّمة "الذّيل والتكملة"، بينَما أشار إلى أخرى في خلال كتابه، كما أنه وقَفَ على كمّ هائل من كُتُب البرامج والمعاجم، ولو تتبّعنا هذه المصادرَ بالإحصاءِ والاستقصاء لطال الموضوع؛ ولذلك فسنكتفي بالإحالة على فهارس الكتاب. ممّا تقدَّم نَعرِفُ ما كانت عليه ثقافةُ ابن عبد الملك من التوسُّع والتنوُّع، ونُدركُ صدقَ النعوت التي أضْفاها عليه مترجِموه، ومنهم ابنُ فَرْحون الذي يقولُ فيه: "الإمامُ العلّامة الأوحَد المصنِّفُ الأديبُ المفتي الفقيهُ المقرئُ المؤرِّخ الحافظ المقيِّد".

стр. 108

شخصيّته: لا نجدُ عند من ترجَموا لابن عبد الملك ما يشيرُ ولو إلى صفة واحدة من صفاته الجسمية، ومن هنا فإننا لا نَعرِفُ شيئًا عن صورته وشكلِه (١)، كما أنّنا لا نجدُ عندَهم ما يُغني في تحليل شخصيّته. وكلُّ ما نقفُ عليه في هذا المعنى ما ذكَرَه ابنُ الزُّبير الذي عَرَف ابن عبد الملك عن بُعد وانتهت إليه أخباره بالسّماع، فقد وَصَفَه بذكاءِ الذّهن الفائق، ونباهة الخاطر الفائقة، وحِدّة الخُلُق، وهذه صفاتٌ متلازمة أحيانًا. ويبدو من هذا، ويشهَدُ له كلامُ ابن عبد الملك، أنّ الحِدّةَ حدّةَ الذّهن والخاطر والخُلُق معًا، كانت الصِّفةَ الغالبةَ عليه، وهي تصلحُ أن تكونَ "مفتاحَ شخصيّته" حسَبَ تعبير المرحوم العقّاد، ومن مظاهر هذه الحِدّة لديه الصّراحةُ في القول، والنّزوعُ إلى النّقد، والطموحُ إلى التفوُّق على الأضراب، والتمدُّح بالعمل المتقَن، وهذه المظاهرُ باديةٌ لمن يقرأُ الأسفار المنشورةَ من "الذّيل والتكملة". فأمّا الصّراحةُ في القول فقد جعَلتْه يدوِّنُ كلَّ ما يعرفُه من أحوال المترجَمين أو يقعُ إليه من أخبارهم، وهو لا يتغاضَى عن نقلِ الروايات التي قد يكونُ فيها مسّ بهم، وهذا منتهى الصّراحة والأمانة، وليس كلُّ المؤرِّخينَ على هذَيْن الوصفَيْن، فمِن صراحتِه وعدم تكتُّمِه: ما نقَلَه من خلافٍ في مخزوميّة أبي المُطرِّف أحمد بن عَمِيرة، وما حكاه عن ابن الحاجِّ الشاطبيّ من تعريض بأصلِه، وتصريح بيهوديّة سَلَفِه. وقد انتقد ابن الخطيب صنيعَ ابن عبد الملك فقال تحت عنوان: أولّيّته -وهو عنوانٌ تقليديٌّ في تراجمه-: "لم يكن من بيتِ

стр. 109

نباهة، ووقَعَ لابن عبد الملك في ذلك نقلٌ كان حقُه التجافيَ عنه لو وُفِّق" (١)، وكلامُ ابن الخطيب أخفُّ وقعًا من نَقْل ابن عبد الملك، ولكنه في الواقع إجمالٌ لِما فصَّله مؤلّفُ "الذّيل والتكملة". ومن ذلك: أنه ذكَرَ بيتَيْن في هجاءِ ابن الأبار فاعتَرضَ عليه راوي كتابه أبو القاسم التُّجِيبيّ بقوله: "لو تركتَ نقْلَ هجاءِ أهل العلم وغيرِهم كان أجملَ بك أيُّها الشيخ" (٢). وقال في ترجمة أبي عليّ الشَّلَوْبِين: "على أنّ كثيرًا من أهل بلده كانوا يرغبونَ بأبنائهم عنه ولا يسمَحونَ لهم بالتتلمذ له والقراءة عليه لقبيح لا يليقُ مثلُه بأهل العلم نسَبوه إليه"، وعقَّب على هذا الكلام أبو القاسم التُّجِيبيُّ أيضًا فقال: "لا أعلمُ من ذَكَرَ أبا عليّ بما عرَّض به المصنِّف، وقد لقيتُ من أصحابِه عددًا كثيرًا، فكان حقُّه أن لا يتعرَّض لمثل هذا الشيخ في شُهرتِه وجلالة معلوماته وكثرة المنتفعينَ به" (٣). وقال في ترجمة محمد بن خَلَف: "قُرطُبيٌّ، أبو بكر ابنُ الحَصّار وابن النَّخّاس، وكان أبوه المقرئ يَكرَهُها"، وعلّق على هذا تلميذُه المذكورُ بقوله: "إذا كان يكرَهُها فلمَ لم تُعرِضْ عنها؟! " (٤). ونقَلَ في ترجمة أبي الحَسَن بن مؤمن محاسنَه ثم نقَضَها بما يُنسَب إليه من مساوئَ ومطاعن، ومنها: أنه كان "يُرمَى في دِينه بالميل إلى الصَّباءِ خاصّة"، ثم قال: "وهذه خُلة إن صَحّت أخَلّت بجميع ما يُعزى إليه من الفضائل التي ذكَرْنا وغيرها" (٥).

стр. 110

وعدَّد في ترجمة ابن القَطّان بعضَ ما كان يُنعَى على هذا العالِم الكبير من أمور، ومنها: استعمالُه المُسكِر وتناولُه إيّاه وتأوُّلُه فيه، وقد ناقش شيخَهُ أبا عبد الله المدعوَّ بالشّريف الذي كان متعصِّبًا لابن القَطّان مبرِّرًا بعضَ تلك الأمور، ولكن ابن عبد الملك رَدّ تبريرَه وأصَرَّ على ما نقَلَه (١). وهكذا منهجُه على الجُملةِ في تراجمه، يَنقُل فيها كلَّ ما وقَعَ إليه وانتهى إلى علمِه حتى ألقابَ المترجَمين المكروهةَ عند أصحابها مثلَ "الوَزَغيّ" و"ابن الرُّوميّة"، والخلافَ في أنسابِهم وما يتّصلُ بالجَرْح والتعديل في رواياتهم وغيرَ ذلك. وليس في نيّتنا هنا تتبُّعُ جميعِ ما جاء في كتابه من صراحةٍ قاسية انتقَدَها عليه بعضُ مُعاصِريه وغيرُهم ومنهم: ابنُ الزُّبير وابنُ رُشَيْد والتُّجِيبيُّ وابنُ الخطيب، وقد رجَعَ ابنُ الزُّبير ذلك إلى حدّة خُلُقِه، وهي حِدّةٌ ذكَرَ أنها كانت سببَ محنتِه. ومهما يكنْ من أمر فالمؤرِّخونَ ومؤلِّفو كُتُب التراجم في هذه النُّقطة فئتان: فئة تتحاشَى ذكْرَ الهفَوات وتتغاضَى على الهَنَات ولا تَعرِضُ لشيء ممّا يمسُّ الأعراض، ومنهم: السُّبكيُّ الذي وقَفَ عندَ هذه النقطة في كتابه "مُعيد النِّعم ومُبيدِ النِّقم". وفئةٌ لم تكنْ ترى هذا الرأي وذهَبَت إلى مخالفتِه وذكَرت الناسَ بما لهم وما عليهم معَ تفاوُت في الحِياد والعدل والإنصاف والبُعد عن الهوى والتعصُّب، ومن هؤلاءِ ابنُ حَيّان وابنُ عبد الملك في المغرب، والذّهبيُّ في المشرِق على سبيل المثال (٢). وأمّا النزوعُ إلى النَّقْد فهو مظهرٌ آخَرُ من مظاهر الحِدّة والتنبُّه والتحفُّز والتيقُّظ عندَ ابن عبد الملك، كما أنه يعكسُ مَيْلَه الواضحَ إلى إظهار تضلُّعِه في المعارف وتمكُّنه من العلوم؛ ولذلك جاء نقدُه متنوِّعًا، فله نقداتٌ أدبيّة ولُغَويّة
следующие страницы →