← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17058

شرح كتاب الحج من بلوغ المرام

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (207 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فهذا شرح متوسط لكتاب الحج من بلوغ المرام عقدناه في ست مجالس في أحد مجالس الرياض وقد ضمنته كثيرًا من فوائد شرح شيخنا ابن باز وشيخنا ابن عثيمين رحمهما الله وأضفت فوائد حديثية وفقهيه كثيرة نسأل الله أن ينفع به ولا يفوتني أن أشكر الأخوة الذين قاموا بتفريغ الأشرطة وطباعتها فجراهم الله خيرًا وأجزل مثوبتهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عبد الله بن مانع الروقي

стр. 2

نصيحة عامة وفائدة مهمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد: فما أحب أن أنصح به إخواني قبل الولوج في الشرح هو: أن طالب العلم عندما يدرس في العبادات يقرأ في كتب الأثر - الحديث -، وهي تكاد تكون مشروحة بذاتها، فلو اعتمد الإنسان على الآثار النبوية الصحيحة لم يحتج إلى شرح في الغالب إن استقام فهمه، ثم لا بأس من فهم كلام أهل العلم والاستفادة منهم. وأحاديث العبادات كثيرة جدًّا في كتب السنة وفيها تفصيل كل شيء؛ لأن العبد في العبادات ما يتحرك إلا بأثر - حديث - صحيح؛ لأنه يتعبد الله بقيامه وقعوده وكلامه وسكوته ... وما أشبه ذلك. فمثلاً: (الصلاة) أحاديثها في كتب الفقه كثيرة جدًّا. وأيضًا: (الحج) ففي صفة الحج حديث جابر منسك لو أن الإنسان فقهه وزاد عليه بعض الأحاديث اليسيرة فقط في تكميل النسك لاكتفى بهذا. أما في المعاملات فيضم إلى كتب الأثر كتب الفقه؛ لأن الأحاديث في المعاملات قليلة؛ لأن الأصل في المعاملات والحل وإنما جاءت الشرائع بوضع ضوابط للعباد مثل: «البيِّعان بالخيار ...» (١) و «لا تبع ما ليس عندك» (٢). فالأحاديث في البيوع مثلًا قليلة فربما لا تكون بقدر ما جاء في بعض أبواب العبادات ولا أقول كتب بل أبواب!.

стр. 3

فإن شئت أن تستوفي صحتها وشرائطها؛ فهذا يحتاج لتجميعها من كتب الفقه المعتمدة على النصوص، ويحتاج إلى فهم كلام أهل العلم وقياساتهم واستنباطهم. فلهذا أهل العلم في المعاملات يشققون في المسائل ويقعدونها، لذلك الإنسان إذا درس المعاملات من كتب الحديث فقط قد يفوته بعض الأشياء المهمة في البيوع أو الأنكحة أو غيره؛ لأنها تحتاج إلى فهم وشرح وتأصيل وتقعيد.

стр. 4

قال المؤلف ﵀ -: كتاب الحج بَابُ فَضْلِهِ وَبَيَانِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لَمِا بَيْنَهُمَا، وَالَحجُّ المَبْرورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الَجَنَّةَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ، وَالعُمْرَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ]. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا «الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ». وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ والرَّاحِلَةُ». رَوَاهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقَى رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» (قَالُوا: المُسْلِمُونَ)، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: «رَسُولُ اللهِ» فَرَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

стр. 5

يقول المؤلف ﵀: (كتاب الحج) أي: هذا كتاب الحج، ثم بدأ بفضله وبيان من فرضه عليه، والحج لا شك أنه ركن من أركان الإسلام فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس ...» وذكر الصيام الركن الرابع ثم ذكر الحج (١)، وفي رواية أنه ذكر الحج ثم ذكر بعده الصيام (٢)، وهذه رواية البخاري فيها تقديم الحج وتأخير الصيام، ولكن المشهور في الأحاديث في ترتيب أركان الإسلام أن الحج هو آخرها، وهذه رواية مسلم في صحيحه وأصحاب السنن وغيرهم ففيها تقديم الصيام على الحج. ولن نطيل الكلام في مسألة فرضية الحج، إنما الكلام في المسائل التي تحتاج بحث ونظر. ومن المسائل المهمة: متى فرض الحج؟ وعلى هذا ينبني الخلاف في مسألة وجوب الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟. الصحيح أن الحج فرض في العام التاسع من الهجرة، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فهذه الآية نزلت في صلح الحديبية في العام السادس، وهذه الآية ليس فيها إلا إتمام فرائض الحج والعمرة وسننهما كما فسرها جماعة من السلف من الصحابة والتابعين. وأما فرض الحج فهو في آية آل عمران ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ (٣) الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. فمن باب الاستطراد النافع نقول:

стр. 6

هل يدل هذا على أن من لم يحج كافر؟ الأمر كما روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿.. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ ..﴾ [النمل: ٤٠]، قال: «من كفر بالحج فلم ير حجه برًا ولا تركه مأثمًا» (١). وإن كان هذا الخبر به ضعفًا لكن معناه صحيح فعلى معناه يدل مفهوم كتاب الله وسنة النبي ﷺ وآثار الصحابة ﵃ وإجماع الأمة. فمما لا شك فيه أن الذي لا يرى الحج برًّا ولا يرى تركه إثمًا كافر (٢). وقد نزلت آية آل عمران: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ في العام التاسع من الهجرة في عام الوفود باتفاق أهل السير. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فنزلت في العام السادس من الهجرة، وكانت مكة في قبضة المشركين حيث أنها ظلت في أيديهم إلى العام السابع، وفي هذا العام أتى النبي ﷺ بعمرة القضية (٣). وفي العام الثامن من الهجرة كان فتح مكة وفي التاسع كان عام الوفود (٤) وكان النبي ﷺ ماكثًا في المدينة مشتغلًا باستقبال الناس لدخولهم في الإسلام زرافات ووحدانا، وكان هذا أنفع.

стр. 7

وأيضًا هناك مانع آخر منعه ﷺ من الحج في العام التاسع؛ أن المشركين كانوا يحجون، ولهذا بعث النبي ﷺ بأبي بكر وأتبعه بعلي بن أبي طالب، فكانوا يُعْلِنُون أنه لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عُريان ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (١). فكان هذا إعلانًا من الله ورسوله أن الحج في السنة القادمة لا يحج إلا المسلمون، وهذان مانعان مشهوران عند أهل العلم من عدم حج النبي ﷺ سنة تسع للهجرة. فالخلاصة موانع حج النبي ﷺ في العام التاسع: أولاً: أن الحج كان فيه مشركون كثير سنة تسع. الأمر الثاني: أن النبي اشتغل في العام التاسع بالوفود، وعدد الوفود الذين قدموا على النبي ﷺ أفاد الحافظ أنهم بلغوا ستين وفدًا كما ذكره في فتح الباري في باب حج أبي بكر بالناس من كتاب المغازي (٨/ ٨٣). وهناك أمر ثالث ذكره شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر وغيرهم: وهو أن الزمان لم يكن قد استدار، وكانت قريش وغيرها من مشركي العرب يعبثون في الزمان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧]. فكانوا يؤخرون الشهور، فكانت الأيام لم تقع على هيئتها كما خلقها الله ، لهذا لما خطب النبي ﷺ سنة عشر من الهجرة في حجة الوداع قال: «إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض» (٢). أي: وقعت الأيام موقعها، وكان شهر ذي الحجة موافق لأول ابتداء الخلق، فكان الحج حقيقيًّا، وإن كان هذا في كونه مانع نظرًا من حيث إن الناس - كما أجمع أهل العلم - لو وقفوا في اليوم الثامن أو اليوم العاشر بعرفة لصح حجهم باتفاق.

стр. 8

فهذا الوجه فيه ضعف من هذه الحيثية، ويمكن أن يقال بالفرق فإنما صح حج الناس في مثل هذه الصورة لعدم العلم. فالصحيح أن الحج فرض في العام التاسع من الهجرة، وعلى هذا ما يكون النبي تركه إلا بأعذار فيكون الأصل الحج على الفور. وقد حكى شيخ الإسلام اتفاق الصحابة والسلف أنه على الفور كما في شرح العمدة (٢/ ٢١٥). ويدل عليه أثر عمر ﵁، وقد روي عنه من غير وجه وهو ثابت عن قوله: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا» (١). وفي لفظ عنه: «ولقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل رجل ذا جِدة لم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين» (٢). قال شيخ الإسلام في شرح العمدة: وهذا قول عمر ولم يخالفه مخالف من الصحابة اهـ. والمشهور عند الشافعية أن الحج فرض في العام السادس من الهجرة، وعلى هذا جرى قولهم واشتهر عنهم أن الحج ليس بواجب على الفور، وإنما على التراخي، والعجيب أنهم يقولون: الحج ليس بواجب على الفور، ولكن من مات علمنا أنه واجب عليه، فيلزمه إن كان ترك مالًا أن يخرج من تركته من يحج عنه. واحتج بعض الشافعية وغيرهم بأنه في قراءة بعض أصحاب ابن مسعود كعلقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود، وصح عن إبراهيم النخعي أنه قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ بلفظ: (وأقيموا).

стр. 9

ولكن هذه القراءة ضعيفة من وجهين: الأول: أنها تخالف الرسم العثماني فتكون شاذة. الثاني: أنها تفسيرية (أقيموا) و (أتموا) متقاربان. والصحيح أنها تفسيرية للآية بالرسم المشهور ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ .. الآية﴾. وعلى هذا لا حجة لمن قال أن الحج واجب على التراخي، فالصحيح أن الإنسان إذا بلغ سن البلوغ، كما لو بلغ في شوال أو في ذي القعدة، وكان موسرًا تلك السنة فيجب عليه أن يحج في أول سنة يأتي عليه فيها الحج، ومن مات وقد فرَّط في أداء الحج بعد القدرة عليه فَيُخْشَى ألا ينفعه تأديته عنه بعد موته (١). وهل الحج عبادة بدنية أو مالية؟ الأصل فيه أنه عبادة بدنية ولكن قد يحتاج الإنسان فيه إلى المال، ولكن المال ليس فيها على وجه اللزوم مثل الجهاد، فالجهاد عبادة مالية وبدنية لما يحتاج إليه من المركوب والسلاح وما أشبه ذلك، وأما الحج فبإمكان الحاج أن يحج ولا ينفق شيئًا. هذا هو الأصل ولكن الغالب على أهل الآفاق أنهم يحتاجون إلى مال فهذا لا يخرجه عن الأصل. فشروط الحج: ١ - الإسلام. ٢ - البلوغ. ٣ - العقل. ٤ - الحرية. ٥ - القدرة. ونظمها بعضهم في بيتين قال: الحج والعمر ة واجبان ... في العمر مرة بلا تواني شرط إسلام كذا حرية ... عقل بلوغ قدرة جلية

стр. 10

الحديث الأول فضل العمرة والحج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ (١) لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (٢). في هذا الحديث من الفوائد: أن فضل العمرة دون فضل الحج، ولهذا عبَّر بأن العمرة تكفر ما بينها وبين العمرة التي تليها، وأما الحج المبرور فليس له جزاء إلا الجنة، وهذا لا شك فيه فالحج والعمرة لا يستويان لا في الأجر ولا في الوجوب، فالحج واجب بالنص والإجماع والعمرة فيها خلاف يأتي ذكره إن شاء الله، والعمرة أقل أعمالًا ولهذا كانت العمرة كفارة لما بينها وبين العمرة التي تليها. قوله: «الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةَ» يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: (والحج المبرور ما اجتمع فيه أمور: أولاً: أن يكون خالصًا لله وهذا شرط في كل عبادة. ثانيًا: أن يكون بمال حلالٍ، فإذا كان بمال حرام فليس بمبرور. بل قال بعض أهل العلم: إن الحج بمال حرام لا يُقْبل، والصحيح أنه صحيح مع الإثم، لأن الجهة منفكة؛ لأن المال الحرام لا يطرأ على شرائط الحج، ولا على أركانه ولا على واجباته، أشبه بالصلاة في الدار المغصوبة على القول الراجح بل هو أولى من ذلك. ثالثًا: أن يقوم بفعل ما يجب وأن يترك ويجتنب كل ما يحرم لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ...﴾ الآية [البقرة: ١٩٧].

стр. 11

فإذا اجتمعت هذه الأشياء في الحج يرجى للإنسان أن يكون حجه مبرورًا). هل الحج يكفر السيئات الصغائر فقط دون الكبائر؟ اشتهر عند أكثر أهل العلم أن الحج يكفر الصغائر فقط، وذهب بعضهم أن الحج يكفر حتى الكبائر، واحتجوا بما أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (١). ولا شك أن الإنسان تلده أمه ليس عليه من الذنوب لا صغائر ولا كبائر. واحتجوا أيضًا بما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص في الوفاة فَحوَّل وجهه تجاه الجدار، فأخذ يبكي ثم قال: إني كنت على أطباق ثلاثة، ثم ذكر أنه أتى النبي ﷺ يريد أن يبايعه فقال: يا رسول الله أبسط يدك لأبايعك! فبسط النبي ﷺ يده فقبض عمرو يده فقال ﷺ : «مالك يا عمرو؟» قال: أردت أن أشترط! قال: «تشترط بماذا؟» قال: اشترط أن يغفر الله لي. فقال: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الحج يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها» (٢). وليس في هذا الحديث أن التوبة تهدم ما قبلها بل لا يصح بهذا اللفظ حديث (٣). والشاهد أن الحج يهدم ما كان قبله ولا شك أن الصغائر تمحوها الصلاة والوضوء وما أشبه ذلك، فلا يُعَبَّر بشيء أنه يُهْدَم إلا بشيء قائم وهو الذنوب الكبار، والاستدلال بهذا ظاهر على أن الحج يكفر الذنوب الكبار. وهذا مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في الجملة، فشيخ الإسلام يرى أن من الأعمال الصالحة ما يكفر حتى الكبائر.

стр. 12

قالوا: لهذا غزوة بدر - كما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١) - كَفَّرت عمن شهدها ما عمل بعد ذلك، على أحد التفاسير المشهورة للخبر وهو الصحيح. فالحسنات العظام تُكَفَّر ما تصادف من السيئات، فقد تمحو كل السيئات وقد تمحوا أكثرها دون كونها مختصة بالصغائر، وهذا هو القول الراجح في الغزو، وفي بر الوالدين، وفي الحج، وفي العمرة، إذا كانت خالصة لله، وقد يكون هذا حتى في الصلوات التي يكون فيها خشوع واستحضار لعظمة الله . لكن قال أهل العلم: إنه لا يُكَفِّر من السيئات إلا المقبول من العمل الصالح، فلو أن إنسانًا قام يصلي وقلبه ليس بخاشع بل في أودية الدنيا، فحسب هذه أن يسقط بها الفرض فضلًا عن أن تكفر شيئًا من السيئات، كما قال شيخ الإسلام وابن القيم والحافظ ابن حجر: (وإنما يكفر من الذنوب ما استجيب وما قبل من الأعمال الصالحة) وهذا ينبغي أن يكون معلومًا.

стр. 13

الحديث الثاني ما على النساء من جهاد وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُّ، وَالعُمْرَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيح (١). هذا الحديث: أصله في صحيح البخاري؛ «أن عائشة ﵂ قالت: نرى الجهاد أفضل الأعمال أفنجاهد؟ فقال ﷺ : «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» (٢). وقد احتج بهذا اللفظ الذي في السنن وفي مسند الإمام أحمد وابن ماجة على أن العمرة واجبة؛ لأن النبي ﷺ قال: «عليهن» وهذه الصيغة عند أهل العلم ليست صريحة في الوجوب ولكنها ظاهرة فيه. ففي حديث: «يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة» (٣) ليس كل الخصال المذكورة واجبة. فهذا الحديث أحد الأحاديث التي استدل بها من قال بأن العمرة واجبة كالحج، وهذا اختيار شيخنا ابن باز ﵀، واختيار الشيخ ابن عثيمين، وهو مذهب البخاري كذلك في صحيحه، قال: باب وجوب العمرة وفضلها، واحتج بحديث الترجمة حديث الباب الأول «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما».

стр. 14

ولما لم يصح على شرط البخاري حديث في وجوب العمرة وإنما اكتفى بالترجمة، وهذه عادته ﵀؛ أنه إذا لم يصح الحديث على شرطه إما أن يذكر اختياره في الترجمة، أو يسند إلى بعض الصحابة والتابعين اختياره هذا، ومن درس البخاري علم هذا. فائدة: إن الحديث بهذا اللفظ غير محفوظ، فإن هذا اللفظ جاء من طريق محمد بن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة زوج النبي ﷺ به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة، ولكن ذِكْر الحديث بلفظ الأمر تفرد به محمد بن فضيل، فقد روى الحديث عن حبيب بن أبي عمرة بلفظ الخبر والفضيلة، وليس بلفظ الأمر، جماعة من الرواة منهم: ١ - عبد الواحد بن زياد (١). ٢ - خالد بن عبد الله الطحان (٢). ٣ - سفيان الثوري (٣). ٤ - جرير بن عبد الحميد (٤). ٥ - يزيد بن عطاء اليشكري (٥). هؤلاء يروونه بلفظ البخاري، فالصحيح أن هذا اللفظ - لفظ الأمر - غير محفوظ فلم يتم الاستدلال به على وجوب العمرة. هذا أحد الأدلة التي استدل بها من قال إن العمرة واجبة.

стр. 15

وكذلك استدلوا بحديث عمر الذي أصله في مسلم في سياق أركان الإسلام قال: «وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة» (١). ولكنه بهذا اللفظ «تحج وتعتمر» تفرد به سليمان التيمي، ومسلم ﵀ رواه بدون هذه اللفظة، وساق إسناده من طريق سليمان التيمي نفسه لكن لم يسق لفظه فقال: بنحوه. أي: كما تقدم بلفظه الأول الذي ليس فيه زيادة «وتعتمر» فمسلم عَدَل عن هذه اللفظة، وهذا هو الحديث الثاني الذي استدل به من قال بوجوب العمرة، وهو معلول بتفرد سليمان التيمي فقد خالفه جماعة من الحفاظ. وكذلك استدلوا بحديث الصُّبي ابن معبد عند أبي داود وغيره أنه أتى عمر فقال: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ في كتاب الله! فقال: (هديت لسنة نبيك) (٢). فهذا مع كونه غير صريح إلا إنه اختلف في لفظة بهذا السياق (إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ) فهو بهذا الحرف فيه نظر، ثم إنه لو كان محفوظًا (إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ) ليس المراد بالكتابة: الفرض فهو قابل للتأويل بمعنى أنها مشروعة، ثم إنه أحال على كتاب الله، وليس في كتاب الله وجوب العمرة كما هو معلوم!. وإن أُريد به في حكم الله وأقره عمر، فيكون قولًا له ﵁. وأصح ما استدل به على وجوب العمرة ما أخرجه أصحاب السنن من حديث أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع: الحج، ولا العمرة، ولا الظعن؟ فقال له النبي ﷺ : «حج عن أبيك واعتمر» (٣).

стр. 16

وقد أخرج البيهقي بسنده من طريق مسلم قال: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: (لا أعلم حديثًا أصح وأجود إسنادًا في إيجاب العمرة من هذا). هكذا قال الإمام أحمد وقد روُي عنه بالإسناد الصحيح، ولكن نازع الإمام أحمد جماعة من الحفاظ المتأخرين كابن دقيق العيد، وقالوا: لمن هذا فيه مشروعية العمرة عن الأموات ليس فيه أنها واجبة ابتداءً، وإنما فيه الإذن بالحج عنه والاعتمار هذا مجمل الأدلة على وجوب العمرة. وشيخنا ابن باز ﵀ يحتج بزيادة: «تحج وتعتمر» وبهذا اللفظ: «عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة». والبخاري كما ذكر قال: باب وجوب العمرة وفضلها. ومسألة وجوب العمرة تكاد تكون مناصفة بين أهل العلم ليس فيها جمهور. هذه الأدلة، وفيما تقدم كنا نميل إلى الوجوب لكن الآن أقل ما يقال: (وفي الوجوب نظر). فالأحوط ألا يدع الإنسان العمرة، ولكن مع القول بأنها واجبة فهي ليست ركنًا من أركان الإسلام باتفاق العلماء، فقد يكون الشيء واجبًا وليس ركنًا، وهذا يكون في كثير من التكاليف الشرعية، تكون واجبة ولكنها ليست من الأركان، فالواجبات في العبادات غير الأركان كثيرة، فهذه زكاة الفطر ليست ركن من أركان الإسلام وهي واجبة بالنص والإجماع.

стр. 17

الحديث الثالث، والرابع هل العمرة واجبة كالحج وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِر خَيْرٌ لَك» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ]. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ (١). وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» (٢). أما الحديث الأول في نفي وجوب العمرة، ولا يصح في نفي وجوب العمرة حديث كما قال الشافعي وغيره. وتقدم أن الأحاديث التي فيها وجوب العمرة فيها مقال على ما تقدم وأما الحديث الآخر «الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» فلا يثبت ولا يصح. والعلماء في العمرة على ثلاثة أقوال: ١ - منهم من يرى أنها سنة. ٢ - ومنهم من يرى أنها واجبة مطلقًا. ٣ - ومنهم من يرى أنها واجبة على غير أهل مكة وإنما هي مستحبة لهم؛ لأنهم أهل البيت ويطوفون، وهذا أعظم أركان العمرة والبيت عندهم فالعمرة ليست واجبة عليهم.

стр. 18

والصحيح: أن العمرة إما يقال أنها واجبة مطلقًا أو ليست واجبة، أما التفريق بين أهل مكة وغيرهم ففيه نظر، وقد اختلف الصحابة في العمرة فعلَّق البخاري في صحيحه ما يدل على وجوبها عن ابن عمر وابن عباس وصح عن جابر عدم الوجوب.

стр. 19

الحديث الخامس في تفسير الزاد وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إرْسَالُهُ (١). وَأَخْرَجَهُ التَّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (أَيْضًا)، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ (٢). هذا الحديث وما جاء في معناه جاء من طرق لا يثبت فيها شيء يعني: لا يثبت فيها أن تفسير السبيل: الزاد والراحلة، فهذا حديث أنس لا يثبت وكذلك حديث ابن عمر. وما جاء عن الحسن مرسلًا فيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، ولا يصح في هذا الباب حديث. ولكن عند أهل العلم أن الحج يحتاج إلى الاستطاعة، ولهذا نص الله عليها، وإن كانت الاستطاعة واجبة في كل عبادة، ولكن إنما نص الله على الاستطاعة في الحج؛ لأنها تحتاج إلى الشخوص إلى البيت؛ ولأن هذه العبادة لا تصح إلا بمكان واحد في الدنيا بخلاف الصلاة والصيام والعبادات الأخرى، فالإنسان يعبد الله في أي مكان فجاء النص عليها في كتاب الله تعالى، ولأن قاصد بيت الله الحرام يحتاج غالبًا مالًا ومركوبًا، فهنّ على الاستطاعة؛ لأنها لا تنفك غالبًا عن قاصد البيت الحرام.

стр. 20

الحديث السادس في حج الصبي الذي لم يبلغ وَعَنٍ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقَى رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟» قَالُوا: المُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: «رَسُولُ اللهِ» فَرَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١). فائدة حديثية: هذا الحديث يروى من طرق عن إبراهيم ومحمد وموسى بني عقبة ثلاثتهم عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس مرفوعًا: فرواه عن إبراهيم: مالك، والثوري، وابن المبارك، وابن عيينة، وزهير بن معاوية، ومعمر ابن الماجشون، وابن إسحاق كلهم متصلًا سوى رواية مالك، والثوري، وزهير بن معاوية؛ فمالك اختلف عليه في وصل هذا الحديث، فرواه جماعًة مرسلًا وآخرون متصلًا، وممن وصله عن مالك ابن وهب في الرواية المحفوظة عنه، وأبو مصعب، والشافعي، وابن عثمة، وعبد الله بن يونس. وأما الثوري فوصله عنه أبو نعيم الفضل بن دكين، وأرسله وكيع والقطان وابن مهدي. وأما رواية محمد بن عقبة فرواه عن الثوري واختلف عليه، فرواه محمد بن كثير العبدي ويحيى القطان وابن مهدي موصولًا، وأرسله وكيع، فرواية القطان وابن مهدي عن الثوري موصولة بطريق محمد ومرسلة بطريقة إبراهيم، وطريقا ابن مهدي كلاهما عند مسلم، ورواية الثوري في مسلم الغالب أن مسلمًا بينه وبين الثوري واسطتان وابن عيينه واسطة واحدة, وكذا كتب السنن.

стр. 21

وأما رواية موسى بن عقبة فقد رواه عنه ابن جريح مرسلًا. وأما رواية حاتم بن إسماعيل عنه عن أخيه إبراهيم متصلًا. وقد سأل الأثرم أحمد ﵀ عن هذا الحديث هل هذا عن كريب مرسلًا أم متصلًا عن ابن عباس فقال: هو عن ابن عباس صحيح. قيل لأبي عبد الله أن الثوري ومالكًا يرسلانه، فقال: معمر وابن عيينة وغيرهما قد أسندوه. وقال البخاري في تاريخه: (١/ ١٩٨ - ١٩٩) بعدما تطرقه إلى من أرسله ومن أسنده قال: أخشى أن يكون مرسلًا في الأصل. وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١٣/ ٣٢٩): هو حديث مسند صحيح؛ لأنه حديث قد أسنده ثقات ليسوا بدون من قطعه. وقال في التمهيد (١/ ١٠٠): والحديث مسند ثابت الاتصال لا يضره تقصير من قصر به؛ لأن الذين أسندوه حفاظا ثقات. قلت: لا ريب في أن الحديث محفوظًا مسندًا والبخاري شك فيه، فأعرض عن إخراجه في صحيحه فكان ماذا؟. شرح الحديث: الروحاء اسم محل بين مكة والمدينة، والركب جمع راكب وأقله ثلاثة، وقال النبي ﷺ : «مَنِ القَوْمُ؟» يعني حتى يتبين أمرهم خشية أن يكونوا من العدو. (قَالوا: المُسْلِمُونَ) فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: «رَسُولُ اللهِ»

стр. 22

لما أخبرهم أنه هو الرسول رَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ». وفي الحديث من الفوائد: ١ - أن صوت المرأة ليس بعورة، فإن هذه المرأة قد حادثت النبي ﷺ ، وقد جاءت أحاديث كثيرة جدًّا فيها محادثة النسوة للنبي ﷺ وللصحابة، وهذا أمر مشهور في السنة يخلص الإنسان ببضع مئات من الأحاديث فيها ذكر النساء وأنهن يتكلمن بحضرة الرجال. ولكن إنما نُهِيَت عن الخضوع بالقول: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] والأصل جواز محادثة الرجال للنساء إذا دعت الحاجة. وقد روى أحمد (٣٤/ ٣٩٥) من حديث أم عطية: «أنه أخذ عليهن في البيعة وألا يحادثن من الرجال إلا من كان محرمًا». ولكن هذا الحديث لا يصح؛ لأن في إسناده غسان بن الربيع، والحديث جاء من مراسيل الحسن أيضًا ولا يصح. ٢ - أن الصبي يصح إحرامه ولو في المهد، ويُحرم به وليه ويلزمه ما يلزم البالغ وينهاه عن ما يُنْهى عنه البالغون. ولكن هناك مسألة شهيرة وهي مهمة جدًّا في حج الصبي. هل إذا دخل في النسك - حجًّا كان أو عمرة - يُلزم التكميل أم لا؟ الجمهور على أنه يلزم ولابد من إتمام النسك، وقالوا: يجب إتمام الحج من البالغين وغير البالغين، وذهب بعض أهل العلم - وهو مشهور عن أبي حنيفة ﵀ أن النسك لا يلزم الصبي إكماله؛ لأنه نفل في حقه، وإتمامه واجبًا

стр. 23

على البالغ سواء أكان فرضًا أو نفلًا لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وأما الصبي فلمَّا لم يجب عليه أصلًا لم يجب عليه تكميله. والعجيب أن جمهور أهل العلم يقولون أن الصبي لو نذر لا يلزمه أن يفي بالنذر، وإن دخل في النذر لا يلزمه تكميله. فيلزمهم أن يقولوا هنا كما قالوا هناك هذا هو القول الصحيح، وهو أن الحج لا يجب تكميله على الصبي؛ ولأن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة ...» (١) وذكر منهم الصبي، فإنه أحيانًا قد يتعسر عليه إكمال النسك فقد يتضايق، ثم كذلك لو وقع في محذورات فليس على وليِّه فدية يخرجها سوى إتلاف الصيد، فإن هذا يستوي فيه الكبير والصغير؛ لأنه من باب الضمان، وقد أفتى ابن عباس في غلام ذبح حمامة في الحرم أن عليه شاة (٢). فينبغي إفتاء الناس بمثل هذا القول الذي فيه سهولة للناس. أفعال الصبي تنقسم إلى أقسام: ١ - شيء يفعله بنفسه كالوقوف والمبيت. ٢ - شيء يفعله وليُّه وله كعقد الإحرام. ٣ - شيء يفعله وليُّه به مثل حمله أثناء الطواف. وقوله في الحديث: «نَعَمْ ...» أي: له حج «... وَلَك أَجْرٌ». وله حج مثل صلاة، وذلك إذا كان مميزًا وليست الصلاة واجبًا عليه، فإذا بلغ خوطب به.

стр. 24

ولهذا عامة أهل العلم على أن الصبي لا يجزئ أن يحج عن ميت حجة الإسلام. وقد ذكر الطحاوي (٢/ ٢٥٧) أن حج الصبي قبل بلوغه مثل صلاته ثم بلوغه في الوقت بعد ذلك، وأن عليه أن يعيدها، وأنه في حكم من لم يصليها، ونقل الإجماع على هذه الصور الأخيرة، وهذا غريب فخلاف الشافعي في المسألة مشهور وأنه يجزيه، ولا يلزمه الإعادة؛ لأن الصلاة وظيفة الوقت وقد أداها، ومذهب الجمهور (١) في هذه المسألة وجوب الإعادة، والصبي يكتب له حسنات ولا يكتب عليه سيئات حتى يبلغ ولهذا أمر بالصلاة لسبع (٢)، فوضوءه إذا ميّز وصلاته صحيحة، وقبل التمييز لا يصح. سؤال: (إذا كان الحج فرض في العام التاسع من الهجرة ألا يكون هذا قولًا بكونه على التراخي)؟ جواب: قد ذكرنا أنه كان في العام التاسع وذكرنا عن تأخير النبي ﷺ ثلاثة أجوبة، وقد كان هناك أناس يحجون بإذن النبي ﷺ ففي الصحيحين عن ابن عباس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي انطلقت حاجة وإني اكُتتبت في غزوة كذا وكذا! قال: «ارجع فحج مع امرأتك» (٣). وهذا في حياة النبي ﷺ وهذا قطعًا ليس في السنة العاشرة إذْ لم يكن فيها غزو فقد دانت له الجزيرة ﷺ فهذا كان قبل السنة العاشرة في التاسعة ومحتمل قبل ذلك: وفي العام الثامن لما فتح النبي ﷺ مكة لم يكن يستطيع أن يحج، لأنه قد فتح مكة في رمضان ومكث أشهرًا بعده يوطئ الأمن لدولة الإسلام الجديدة - أو المتوسعة حتى افتُتِحت مكة، لذلك ذكر أهل السيرة أنه استعمل عتاب بن أسيد على الحج.

стр. 25

وكان يُحَج في العام الثامن من الهجرة فحج المسلمون والمشركون فاستعمل على الحج واحدًا من أصحابه ﷺ ؛ لأنه ﷺ كان ولي المسلمين فحينئذ أخذ يولي على الحج لكنه ما بادر ﷺ ؛ لأن الحج ما فُرض إلا في العام التاسع في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. الأمر الثاني: أن في سنة ثماني للهجرة كان هناك مشركون كثير يحجون وكانت الأمور فيها شيء من الاختلاط بالكفار، وفي سنة تسع للهجرة دانت الجزيرة ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فلما جاءت سنة عشر للهجرة علم الناس أنه سيحج ﷺ هذه السنة، حتى وافى المدينة خلق كثير كما في حديث جابر - وسيأتي إن شاء الله -، ثم بعد ذلك حج حجة الوداع السنة التي ودع فيها الناس ﷺ ، وإلا فالحج كان سنة ست وسبع وثمان، وقبل ذلك كان هناك من يحج بعضه بإذن النبي ﷺ كما في سنة ثمان وتسع، وبعضه لم يكن بإذن النبي ﷺ لكنه إن وافق الحق فهو مقبول وإلا فهو مردود. وأما العمرة فكان مأذونًا لهم قديمًا فيها، ففي صحيح البخاري في باب ذكر النبي ﷺ من يُقتل في بدر، من أبواب كتاب المغازي، أن سعد بن معاذ اعتمر قبل غزوة بدر وأخبر بمقتل أمية بن خلف ... الخ. سؤال: (ما الحكمة من إرسال معاذ إلى اليمن وعدم إيراد الصوم والحج مع أنهما من أركان الإسلام)؟ الجواب: هذا الحديث (١) اقتصر على جزء من أركان الإسلام، والمشهور أن بَعْث معاذ إلى اليمن كان متأخرًا سنة عشر قبل حجة الوداع، ونحن نعلم أن السُّنَّة ما جاءت في حديثين أو ثلاثة، وإنما يؤخذ الدين من مجموع الأحاديث، فقد يذكر بعض الأحاديث الصلاة والصيام، ولا يذكر مثلًا الحج،

стр. 26

كما في حديث ابن عباس في إرسال معاذ إلى اليمن، فذكر الصلاة والزكاة ولم يذكر الصوم والحج، على أن بعض أهل العلم قال: إن عدم ذكر الصوم والحج من تقصير بعض الرواة واختصاره وهذا ضعيف. وقال آخرون: إن عادة الشارع ذكر التوجيه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاقتصار على ذلك، ففي سورة التوبة ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ...﴾ [التوبة: ٥]، في موضعين من السورة والسورة قد نزلت بعض فرض الصوم والحج على خلاف في الثاني. وفي حديث ابن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك ...» (١)، والصلاة عمل بدني والزكاة عمل مالي ومن أذعن لهذين أذعن لما سواها. ذكره الحافظ في شرح البخاري وهو قوي (٢).

стр. 27

الحديث السابع الحج عن الغير وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إلىَ الشِّقِّ الآخَرِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ فَرِيضَةَ الله عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). في هذا الحديث فوائد منها: ١ - أن النبي ﷺ أردف الفضل بن عباس وهو أكبر من أخيه عبد الله. فائدة: وإذا أطلق ابن عباس فالمراد به عبد الله، وإذا أطلق ابن عمر فالمراد به عبد الله، وإذا أطلق ابن الزبير فالمراد به عبد الله، وإذا أطلق ابن عمرو فالمراد به عبد الله، وهؤلاء هم العبادلة، وابن مسعود ليس منهم فالعبادلة في الصحابة كثير لكن المصطلح عليهم أربع: أبناء عباسٍ وعمروٍ وعمر ... وابن الزبير هم العبادلة الغررَ وقد نُقِلَت عنهم سنن كثيرة من ضمنها الإقعاء بين السجدتين رواه البيهقي (٢) عن العبادلة فهي من السنن التي تثبتت عن الصحابة، وأصله في صحيح مسلم عن ابن عباس في رواية طاوس عن ابن عباس قال إننا نراه جفاءًا بالرجل؟ قال: تلك سنة نبيك (٣). ٢ - أردف النبي ﷺ الفضل، وكان إردافه من مزدلفة إلى منى، وإردافه لأسامة كان من عرفات إلى مزدلفة.

стр. 28

٣ - المرأة هنا أبهمت ولا يضر ذلك؛ لأن الأحكام لا ينفيها تعيين الأشخاص إنما الأحكام العامة. ٤ - قوله: (فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ) يعني: أدام النظر؛ لأن (جَعَلَ) من ألفاظ الشروع. ٥ - قولها (فَرِيضَةَ الله): يعني: وجوب الحج وكان أبوها شيخًا كبيرًا والنبي ﷺ أقرها على هذه اللفظة. ٦ - وقوله (نَعَمْ) أي: حجي عنه، وحجة الوداع لم يحج قبلها بعد هجرته. وهل حج قبل الهجرة؟ فيها حديث ظاهرة نعم حج؛ لأنه كان في بعض المواسم يدعوهم، والصحيح أنه حج ﷺ قبل الهجرة حتى رآه بعض الصحابة فقالوا: ما لهذا واقفًا هنا، هم الحمس، والحمس هم قريش كانوا يقفون ولا يجاوزون الحرم وكانوا يقفون بمزدلفة ويقولن: نحن أهل الحرم وكان النبي ﷺ يخالفهم. ومن فوائد الحديث: ١ - جواز الإرداف على الدابة إن كانت مطيقة وقوية. ٢ - حرص النبي ﷺ على تبليغ العلم وإيصاله إلى الرجال والنساء. ٣ - عدم جواز نظر الرجل إلى المرأة - كما هو مقرر في كتاب الله -. وكشف المرأة هنا يحتمل؛ لأنها يشرع لها الكشف؛ لأنها محرمة وقد جاء في حديث عائشة (كُنَا إذا حاذانا الرجال سدلنا وإذا جاوزونا كشفنا) (١). وجاء من حديث فاطمة بنت المنذر مع أسماء بنت أبي بكر فهو حديث موقوف على أسماء وهو صحيح.

стр. 29

قالت فاطمة: (كنا نكون مع أسماء بنت أبي بكر فإذا حاذانا الركبان سدلت إحدانا خمارها على وجهها). أما حديث عائشة في ستر الوجه فيه (يزيد بن أبي زياد) ضعيف. وأقل ما يقال في هذا الحديث في كشف المرأة الخثعمية أنه مجمل، وكم من حديث في السنة بل كم من آية من الكتاب فيجئ بيانها في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، والقاعدة عند أهل العلم أن المجمل يُرَد إلى المبين والمتشابه يُرَد إلى المحكم؛ لأن الحكم هو أم الكتاب وأم الشيء هو المرجع وهو الأصل، فكلما تعسر كَشْفه يرد إلى أم الكتاب وهي الآيات الموضحة. وقد روى أبو يعلي من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «كنت ردف النبي ﷺ وأعرابي معه بنت له حسنًا فجعل الإعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها وجعلت ألتفت إليها ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه ...» (١). ٤ - في الحديث أنه لا يشترط في وجوب الحج القدرة البدنية إذا كان هذا الإنسان معضوبًا غير قادر بدنيًا وعنده مال، فإذا كان عنده مال لزمه إذا كان عجزه مستمرًا إما معضوبًا أو مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه ولا يستطيع معه

стр. 30

الشخوص إلى المسجد الحرام أن يلزمه أن يقيم من يحج عنه إذا كان قادرًا بماله وعاجزًا ببدنه. أما إن كان عاجزًا بماله وقادرًا ببدنه فينظر فإن كان يستطيع الحج ببدنه كما لو كان في مكة أو قريبًا منها فهذا يستطيع المشي بين المشاعر فيلزمه الحج أما إذا كان بعيدًا لا يستطيع فهذا لا حج عليه. فالحج يشترط له الاستطاعة المالية والبدنية. والاستنابة فِي الحج فِي حق النائب تنقسم إلى أقسام: الأول: «أن يحج مجانًا» وهذا فعل السلف كما قال شيخ الإسلام وهذا مشهور عن السلف أنهم كانوا يحجون عن موتاهم مجانًا. الثاني: «من أخذ المال لأجل الحج»؛ لأنه ليس عنده مال ليحج به فهذا مأجور وغير مأزور؛ لأنه يستعين بالمال لشهود الحج وشهود المشاعر ويستفيد هناك إيمان وخير. الثالث: «من حج ليأخذ» (عكس الثاني) قال شيخ الإسلام: (والأشبه في هذا أنه ليس له في الآخر من خلاق). فإذا كان قصده المال فإن حجه غير صحيح. وفي هذه الحالة نقول هل من حَجَ لأجل المال عليه أن يرد المال لمن استنابه؟ نعم، إذا حج لا يريد وجه الله ولا الدار الآخرة لكنه يريد المال، فهذا حجه غير صحيح ويلزمه أن يعيد المال؛ لأن ذمة أخيه لن تبرأ بهذا الحج ويلزمه أن يعيد المال لمن استنابه. وقد تساهل الناس الآن في مسألة الاستنابة فبعضهم الآن يعطى مبلغًا يكفيه، وقد يفضل له فضل ومع ذلك يطلب زيادة، ووجد في بعض السنين إنسان أخذ عشرة أو خمسة عشر حجة، فأخذ من هذا ومن هذا، فربما حج بمائة ألف عن عشرة أشخاص أو أكثر.

стр. 31

في هذه الحالة نقول: الحج يقع عن نفسه هو وعليه أن يعيد المال لكل من أخذ منه المال، فإن كان حج للمال فالحج لا يجزئ عنه ولا عن غيره من باب أولى. ٥ - ومن الفوائد أيضًا: جواز حج المرأة عن الرجل، ومن باب أولى حج الرجل عن المرأة، فحج المرأة عن أحد من أقاربها مجزئ، والرجل عن المرأة من باب أولى.

стр. 32

الحديث الثامن من نذر أن يحج ومات ولم يفعل وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ فاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (١). هذا الحديث فيه أن امرأة جاءت النبي ﷺ وأخبرته أن أمها نذرت أي: ألزمت نفسها عبادة الحج التي لم تجب عليها بأصل الشرع ولكنها لم تحج؛ لأنها ماتت فقالت الإبنة: أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قال: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟!» هذا استفهام تقريري. يعني نعم. «اقْضُوا اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ». وفيه أن من نذر الحج يلزمه، فمن نذر أن يطيع الله فليطعه. وحكم النذر في الأصل: قال بعضهم: «مستحب» - وعندي - أن هذا القول شاذ. وقال بعضهم: «مكروه» وهذا هو الصحيح. فالأصل في النذر أنه مكروه؛ لأنه تكليف للعبد فوق ما كلفه الشارع، وحسب العبد أن يقيم ما لزمه من الواجبات الشرعية، وإذا أراد بعد ذلك فليأت بالنوافل، أما كونه يأتي بشيء يفرضه على نفسه فهذا أقل ما يقال فيه: الكراهة. لهذا في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ : نهى عن النذر وقال: «إن النذر لا يأت بخير وإنما يستخرج به من البخيل»

стр. 33

(١). وقال بعضهم: أن النذر المكروه هو الذي جاء في الحديث (٢)، وهو أنه ينذر ويظن أن النذر له سبب في القدر. ولهذا قال ﷺ : «إن النذر لا يأت بخير وإنما يستخرج به من البخيل». والغالب أن الذين ينذرون يعلقونه على شفاء مرضاهم وعودة غائبهم وما أشبه ذلك، والصحيح أن النذر في الأصل مكروه لما تقدم، والمذكور في الحديث أشد كراهيه. وقد قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣]، فمن تأمل قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ بإزاء قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ علم أن إقسامهم جهد إيمانهم - بالمفهوم - ليست طاعة معروفة، وأقل ما يقال في الطاعة التي غير المعروفة في الشرع، ولم يذكرها الشارع من المعروف أن تكون مكروهة، وقد استدل غير واحد من أهل العلم بهذه الآية على أن النذر مكروه. - ومن الفوائد فيه: حرص الصحابة ﵃ على السؤال عن أحكام الدين المتعلقة بهم وبأقاربهم. - وفيه: إثبات القياس فالنبي ﷺ شبَّه الواجب الشرعي بالدين المالي. - وفيه: حسن تعليم النبي ﷺ . سؤال: هل يقاس على الحج عن الميت الأجر في الصيام والصلاة ... الخ؟ الجواب: نعم، كما في حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٣) لكن المشهور في المذهب حمل هذا على النذر، وهذا اختيار شيخ الإسلام وابن القيم.

стр. 34

ولكن أيهم أكثر موتًا من يموت وعليه صيام رمضان أم من يموت وعليه نذر؟ الجواب: من يموت عليه فرض الله الصيام بل النذر مكروه، والعجب من شيخ الإسلام والأصحاب كيف يحملون هذا الحديث على النذر - طبعًا لهم أدلة لكن لا تقوى - لهذا لما سألت الشيخ محمد قال: (كما قلت لكم): الآن يعمدون إلى حمل الحديث على حالة صغيرة بل ومكروهة ونادرة، ويتركون بابًا واسعًا من الأبواب التي يقع فيها الناس وهي أن الناس يموتون وعليهم فرض الصيام. وعندهم: (أن العِلَّة المستنبطة إذا عادت على النص بالإبطال فإنها تبطل) مثل قول بعضهم في حديث: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده» (١). قالوا: الحبل هذا حبل السفن الكبار يبلغ النصاب وزيادة ولا يحملونه على مطلق الحبل. يريدون أن يقولوا كيف تقطع يده وهذا أقل من ثلاث دراهم؟! نقول: يتوصل بسرقة هذا الحقير إلى سرقة الكثير فتقطع يده، وهذا مهم في فهم النصوص. سؤال: النيابة للقادر أن ينيب وهو قادر جائزة؟ جواب: النيابة جاءت في الحي العاجز ببدنه القادر بماله، وجاءت عن الأموات، واختلف في النيابة في الحج عن القادر إذا حج فرضه. فقال بعض أهل العلم: يجوز فإنه إذا جاز في الفرض جاز في النفل. وقال بعضهم: لا يجوز وهذا هو الصحيح. والعبادات توقيفية فالحي القادر ليس له أن يستنيب من يحج عنه إذا كان قد حج.

стр. 35

سؤال: لو حج عن متوفي خمس من أبنائه؟! جواب: يكتب لهم مثل لو صام عنه عشرة أو عشرين في يوم واحد، إلا إذا كان الصوم هذا مما يطلب فيه التتابع؛ مثل كفارة الجماع في نهار رمضان، أو القتل الخطأ؛ فإن هذا ينبري له واحد من الورثة ثم يصوم متتابعًا ولا يجزئ أن يصوم (زيد) عشرة أيام، ثم (عمرو) عشرة؛ لأن هذه صورة ملفقة فالذمة مختلفة هنا، فلابد أن يكون شخصًا واحدًا ثم هذا ما يصير فيه التتابع شهرين يصير فيه التتابع عشرة ثم تتابع عشرة ثم تتابع عشرة، ومن أفتى بمثل هذا فقد غلط فلا بد أن يشرع في الصيام واحد ويصوم شهرين متتاليين فإذا لم يصوموا عنه يطعموا.

стр. 36

الحديث التاسع حج الصبي والعبد وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، وًالمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ (١).

стр. 37

فأيما صبي حج في صباه ثم بلغ أن يحج حجة الإسلام؛ لأنه حينما حج صغيرًا حج قبل أن يُخَاطب بالحج وحجه صحيح؛ لأنه قال: «أيما صبي حج» فاعتبر له الحج على الحالتين إن قلنا بأنه مرفوع وإن قلنا بأنه موقوف، فعامة علماء الأمصار على معنى هذا الحديث، وأما مسألة الصبي أظنها مسألة إجماع على أن حجه لا يجزئ عن حجة الإسلام. أما في مسألة العبد ففيه خلاف حيث ذهب جماعة من أهل العلم أن العبد إذا حج بإذن سيده قبل أن يُعْتَق فحجه صحيح، والصحيح ما دل عليه ظاهر الحديث. تنبيه: قوله: «أيما إعرابي حج ثم هاجر ...» المراد: ثم أسلم حيث عبر عن الإسلام بالهجرة (١). ومن فوائد هذا الحديث: صحة حج الصبي كما تقدم، وأنه إذا بلغ في عرفات فإن حجه مجزئ عن حج الفرض، ويتصور البلوغ في عرفات بأن يكون نام فاحتلم فيها، أو ضبط بالسن وأتم خمسة عشر سنة في نهار عرفات، أو في ليلة قبل طلوع الفجر، وكان قد

стр. 38

تأخر وكان في تلك الليلة في عرفات فحينئذ يكون حجة فرضًا. فإن بلغ بمزدلفة هل نقول أرجع أو أكمل؟ نقول لابد أن يرجع إذا بلغ في مزدلفة وأمكنه الرجوع إلى عرفات، وسبب الإيجاب أنه - أي: الحج - واجب على الفور، وهو قادر الآن فيلزمه الرجوع إلى عرفات ليقف بها لحظات ويدعو الله ثم يرجع، ويكون قد حج فرضه ولا نقول أن ما مضى نفل وما يأتي فرض بل ينسحب الوجوب على الجميع، وهذا يكون من خصائص الحج فيما هو أوسع من ذلك، فلما أتى الصحابة وطافوا بالبيت طواف قدوم ثم سعوا للحج قال النبي: «اجعلوها عمرة» قالوا: كيف وقد سمينا الحج؟ قال: «افعلوا ما أمرتكم به» (١). فأمرهم أمر إلزامي وإيجابي بأن يجعلوها عمرة، فقصَّروا واعتبر الطواف الذي كان نفلًا والسعي الذي كان للحج على العمرة، وهذا من خصائص الحج والعمرة لا يشركهما غيرهما في كثير من الأحكام من وجوب الإتمام بالشروع ومن الانقلاب بعد فعل العبادة.

стр. 39

الحديث العاشر في النهي عن سفر المرأة بدون محرم وَعَنْ ابن عباس ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). هذه الخطبة التي خطبها النبي ﷺ يحتمل أنها خطبة عامة (جمعة) ويحتمل أنها عارضة وخطب النبي ﷺ قسمين: راتبة، وعارضة. قوله: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ...» هذا نهي مؤكد. وقوله: «رَجُلٌ» أي البالغ. وقوله: «امْرَأَة» الأصل في المرأة في اللغة» البالغة. (المحرم): هو الزوج أو من تحرم عليه المرأة على التأبيد بنسب (كالأخ والعم ...) أو بسبب مباح (كالرضاع) وقولنا: (على التأبيد) يخرج من ذلك ما تحرم عليه المرأة حرمة مؤقتة مثل زوج أخت المرأة، وغيره ممن يمكن أن يتزوجها يومًا ما إذا طلقت أو مات عنها زوجها، فهذا لا يصلح محرم ويعامل معاملة الأجانب. من فوائد الحديث: ١ - حرص النبي ﷺ على إبلاغ الشريعة حتى أنّه خطبهم في مثل هذا الأمر الذي هو حُكم من الأحكام لكن خَطَب فيه. ٢ - تحريم خلوة الرجل بالمرأة إلا مع ذي محرم، ويحرم السفر بدون محرم، والمحرم عند أهل العلم هو: الزوج ومن تحرم عليه المرأة بالتأبيد بسبب مباح أو نسب، ويشترط أن يكون ذكرًا بالغًا عاقلًا.

стр. 40

وقال بعضهم وهو مروي عن أحمد ﵀: ولا بأس أن يكون ابن عشر سنين؛ لأن المراد بالمحرم أن يكون حافظًا للمرأة، ولهذا لو وجد مع المرأة صبي لا يكون محرمًا، وكذا لو وجد معها مجنون، فهذا لا ينفع أن يكون محرمًا، فالمحرم لابد أن يكون بالغًا على القول الراجح ذكرًا عاقلًا، فالمجنون لا خير فيه ولا ينفع بشيء ولو أرادت المرأة أن تفجر ربما أعانها. وهل يشترط أن يكون المحرم للمرأة المسلمة مسلمًا؟ قال بعضهم: نعم؛ لأن محرمها لو كان كافرًا قد لا يغار عليها، والصحيح أنه لا يشترط إسلامه؛ لأن الوازع الطبيعي يقوم مقام الوازع الشرعي لهذا الكافر - في الجملة - يغار على محارمه - زوجته وابنته - كما يغار في القرابة المسلم على محارمه، فهذا مركوز في قلوب العباد من أجل القرابة، وإن كان قد يكون حال الكفار في كثير من أحوالهم على غير هذا، لكنهم إذا عاداهم أحد على محارمهم فإنهم يدافعونه، فالصحيح أنه لا يشترط هذا الشرط. ٣ - عموم هذا النهي لكل رجل ولكل امرأة يعني لا يخلون رجل بامرأة أيًا كان حال هذا الرجل وأيًا كان حال هذه المرأة. وقد قيل: لكل ساقطة في الحي لاقطة ... وكل كاسدة يومًا لها سوقُ وقد تكون المرأة دميمة لكن قد يأتي من يشغلها ويحبها ويريد الفجور بها. وقد ذكر الشيخ حمود التويجري - عليه رحمة الله - في كتابه (الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور) قصصًا كثيرةً في مثل قصص التبرج، فذكر أن رجلًا خلا بامرأة عجوز فقالت - وقد خلا بها شاب يريدها -: إني عجوز: فلم يصرفه ذلك عن مراده الخبيث، فهو لم يترك هذه المرأة رغم أنها كبيرة.
следующие страницы →