← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17058

شرح كتاب الحج من بلوغ المرام

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (207 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحديث التاسع حج الصبي والعبد وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، وًالمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ (١).

стр. 37

فأيما صبي حج في صباه ثم بلغ أن يحج حجة الإسلام؛ لأنه حينما حج صغيرًا حج قبل أن يُخَاطب بالحج وحجه صحيح؛ لأنه قال: «أيما صبي حج» فاعتبر له الحج على الحالتين إن قلنا بأنه مرفوع وإن قلنا بأنه موقوف، فعامة علماء الأمصار على معنى هذا الحديث، وأما مسألة الصبي أظنها مسألة إجماع على أن حجه لا يجزئ عن حجة الإسلام. أما في مسألة العبد ففيه خلاف حيث ذهب جماعة من أهل العلم أن العبد إذا حج بإذن سيده قبل أن يُعْتَق فحجه صحيح، والصحيح ما دل عليه ظاهر الحديث. تنبيه: قوله: «أيما إعرابي حج ثم هاجر ...» المراد: ثم أسلم حيث عبر عن الإسلام بالهجرة (١). ومن فوائد هذا الحديث: صحة حج الصبي كما تقدم، وأنه إذا بلغ في عرفات فإن حجه مجزئ عن حج الفرض، ويتصور البلوغ في عرفات بأن يكون نام فاحتلم فيها، أو ضبط بالسن وأتم خمسة عشر سنة في نهار عرفات، أو في ليلة قبل طلوع الفجر، وكان قد

стр. 38

تأخر وكان في تلك الليلة في عرفات فحينئذ يكون حجة فرضًا. فإن بلغ بمزدلفة هل نقول أرجع أو أكمل؟ نقول لابد أن يرجع إذا بلغ في مزدلفة وأمكنه الرجوع إلى عرفات، وسبب الإيجاب أنه - أي: الحج - واجب على الفور، وهو قادر الآن فيلزمه الرجوع إلى عرفات ليقف بها لحظات ويدعو الله ثم يرجع، ويكون قد حج فرضه ولا نقول أن ما مضى نفل وما يأتي فرض بل ينسحب الوجوب على الجميع، وهذا يكون من خصائص الحج فيما هو أوسع من ذلك، فلما أتى الصحابة وطافوا بالبيت طواف قدوم ثم سعوا للحج قال النبي: «اجعلوها عمرة» قالوا: كيف وقد سمينا الحج؟ قال: «افعلوا ما أمرتكم به» (١). فأمرهم أمر إلزامي وإيجابي بأن يجعلوها عمرة، فقصَّروا واعتبر الطواف الذي كان نفلًا والسعي الذي كان للحج على العمرة، وهذا من خصائص الحج والعمرة لا يشركهما غيرهما في كثير من الأحكام من وجوب الإتمام بالشروع ومن الانقلاب بعد فعل العبادة.

стр. 39

الحديث العاشر في النهي عن سفر المرأة بدون محرم وَعَنْ ابن عباس ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). هذه الخطبة التي خطبها النبي ﷺ يحتمل أنها خطبة عامة (جمعة) ويحتمل أنها عارضة وخطب النبي ﷺ قسمين: راتبة، وعارضة. قوله: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ...» هذا نهي مؤكد. وقوله: «رَجُلٌ» أي البالغ. وقوله: «امْرَأَة» الأصل في المرأة في اللغة» البالغة. (المحرم): هو الزوج أو من تحرم عليه المرأة على التأبيد بنسب (كالأخ والعم ...) أو بسبب مباح (كالرضاع) وقولنا: (على التأبيد) يخرج من ذلك ما تحرم عليه المرأة حرمة مؤقتة مثل زوج أخت المرأة، وغيره ممن يمكن أن يتزوجها يومًا ما إذا طلقت أو مات عنها زوجها، فهذا لا يصلح محرم ويعامل معاملة الأجانب. من فوائد الحديث: ١ - حرص النبي ﷺ على إبلاغ الشريعة حتى أنّه خطبهم في مثل هذا الأمر الذي هو حُكم من الأحكام لكن خَطَب فيه. ٢ - تحريم خلوة الرجل بالمرأة إلا مع ذي محرم، ويحرم السفر بدون محرم، والمحرم عند أهل العلم هو: الزوج ومن تحرم عليه المرأة بالتأبيد بسبب مباح أو نسب، ويشترط أن يكون ذكرًا بالغًا عاقلًا.

стр. 40

وقال بعضهم وهو مروي عن أحمد ﵀: ولا بأس أن يكون ابن عشر سنين؛ لأن المراد بالمحرم أن يكون حافظًا للمرأة، ولهذا لو وجد مع المرأة صبي لا يكون محرمًا، وكذا لو وجد معها مجنون، فهذا لا ينفع أن يكون محرمًا، فالمحرم لابد أن يكون بالغًا على القول الراجح ذكرًا عاقلًا، فالمجنون لا خير فيه ولا ينفع بشيء ولو أرادت المرأة أن تفجر ربما أعانها. وهل يشترط أن يكون المحرم للمرأة المسلمة مسلمًا؟ قال بعضهم: نعم؛ لأن محرمها لو كان كافرًا قد لا يغار عليها، والصحيح أنه لا يشترط إسلامه؛ لأن الوازع الطبيعي يقوم مقام الوازع الشرعي لهذا الكافر - في الجملة - يغار على محارمه - زوجته وابنته - كما يغار في القرابة المسلم على محارمه، فهذا مركوز في قلوب العباد من أجل القرابة، وإن كان قد يكون حال الكفار في كثير من أحوالهم على غير هذا، لكنهم إذا عاداهم أحد على محارمهم فإنهم يدافعونه، فالصحيح أنه لا يشترط هذا الشرط. ٣ - عموم هذا النهي لكل رجل ولكل امرأة يعني لا يخلون رجل بامرأة أيًا كان حال هذا الرجل وأيًا كان حال هذه المرأة. وقد قيل: لكل ساقطة في الحي لاقطة ... وكل كاسدة يومًا لها سوقُ وقد تكون المرأة دميمة لكن قد يأتي من يشغلها ويحبها ويريد الفجور بها. وقد ذكر الشيخ حمود التويجري - عليه رحمة الله - في كتابه (الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور) قصصًا كثيرةً في مثل قصص التبرج، فذكر أن رجلًا خلا بامرأة عجوز فقالت - وقد خلا بها شاب يريدها -: إني عجوز: فلم يصرفه ذلك عن مراده الخبيث، فهو لم يترك هذه المرأة رغم أنها كبيرة.

стр. 41

وقد قيل: المرأة لحم على وضم إلا ما ذُبَّ (١) عنه، والوضم هو: خشب يوضع عليه اللحم من أجل تقطيعه فيأتي عليه الذباب، فالغرض مثل اللحم إن لم تَذُّبَ عنه وغفلت تعدو الذئاب عليه. ٤ - وفي الحديث جواز خلوة المرأة بالصغير لأنه لا يسمى رجلًا. وفي قوله: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» فإذا قيل رجلان وامرأة أو امرأتان ورجل فهو يجوز أو لا؟! قال بعضهم: إنه لا يجوز؛ لأن هذا يُمْنَع من باب أولى. والصحيح أنه جائز حيث لا ريبة، كيف ريبة؟ يكون رجلان خيران مع امرأة أو امرأتان مع رجل ودل عليه ما أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بهؤلاء المغيبات إلا ومعه رجل أو رجلان». وفي الحضر يشترط عدم الخلوة امرأتين مع رجل ثلاث مع رجل رجلين أو أكثر مع امرأة لا بأس، أما في السفر فلا بد لكل امرأة من محرم حتى ولو عشر نساء لابد أن يكون لكل امرأة محرم. ٥ - وفي الحديث عناية الشارع بالمرأة. ٦ - وفيه أن الحج لا يجب على المرأة التي لا تجد محرمًا، فإذا وجِدَت امرأة قادرة ببدنها قادرة بمالها لكن لم يتيسر لها محرم، فهل المحرم يكون شرطًا للوجوب أو شرطًا للأداء؟؟! قال بعضهم: إنه شرط للوجوب يعني إذا لم يوجد المحرم لا يجب. وقال بعضهم: شرط للأداء.

стр. 42

وثمرة المسألة من كونه شرطًا للوجوب أو شرطًا للأداء؛ أنه لو كان شرط وجوب وماتت المرأة فلا يؤخذ من مالها بل يجب أن يوفر للورثة؛ لأن الحج لم يجب عليها لعدم وجود المحرم، وإذا قلنا أن المحرم شرط أداء ولم تؤده بنفسها فإنه يؤديه عنها غيرها، فإذا ماتت يؤخذ من تركتها ما يحج به عنها، والصحيح أنه شرط وجوب. سؤال: مسألة تكرار الحج خلال خمس سنوات؟ الجواب: ما في بأس لقول النبي ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والحديد والفضة ...» (١). وقد جاء حديث فيه ذكر الخمس سنين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ وهو حديث قدسي ولفظه: «إن عبدًا أصححت له جسمه وأوسعت عليه في المعيشة فأتى عليه خمسة أعوام لم يفد إلىّ لمحروم» (٢). وولاة الأمر في عصرنا رأوا تنظيم الحج بهذه المدة، فلا يكرر الحج إلا من أتى عليه خمس سنين مراعاة لما صار عليه عدد الناس في الأزمنة المتأخرة من الكثرة والزحام الشديد. سؤال: هل هناك وقت بين العمرتين؟ الجواب: للعلماء كلام كثير لكن جاء عن بعض السلف كأنس ﵁ وغيره قولهم: إذا حتم (٣) رأسه.

стр. 43

فقال بعضهم: يجب أن يكون بينهما وقت يتسع لنبات الشعر، واستحسنها الإمام أحمد ﵀ وأخذ بعضهم بأثر أنس ﵁، والمقصود أنه لا يأت بعمرة مكية أي: تكرار العمرة المكية، مثل أن يذهب إلى التنعيم (١) ويأت بعمرة فهذه التي أنكرها السلف وشيخ الإسلام ﵀ لكن لو اعتمر الإنسان ثم ذهب إلى بلده ثم عَنَّت له حاجة في مكة وكان بينهما أسبوع أو أيام ينبت فيها الشعر فهذا لا إشكال فيه. وبعضهم كره أن تكون في السنة أكثر من مرة وهذا ضعيف. وتكرار العمرة المكية ليس بمشروع فهذا ما فعله إلا عائشة مع النبي ﷺ عندما أخبرها أن طوافها وسعيها بين الصفا والمروة ... الخ. فقالت: إني أجد في نفسي أني لم أطف حينما قدمت بعدما راجعته قال لعبد الرحمن أخيها: أذهب بأختك فأعمرها من التنعيم. ولم يعتمر عبد الرحمن كما هو الظاهر. أما ما وقع في صحيح البخاري: هل فرغتما من طوافكما؟ فهذه اللفظة عند البخاري من طريق أبي نعيم عن أفلج بن حميد عن القاسم عن عائشة. وقد خالف أبا نعيم أبو بكر الحنفي عند البخاري فرواه عن أفلج مطولًا دون هذه اللفظة برقم (١٥٦٠) والذي يظهر لي أن الحمل فيها ليس على أبي نعيم فإنه حافظ بل على أفلج بن حميد فإنه مختلف فيه. وأيضًا الحديث يروى عن عائشة من غير وجه دون هذا اللفظ، وهذه اللفظة وإن صحت فهذا من باب التغليب، ويحتمل أنه طافا بالبيت فالطواف عبادة منفردة عن الحج والعمرة، لكن لم يُنْقل أن عبد الرحمن حينما ذهب إلى التنعيم ثم أحرمت عائشة ﵂ أنه أحرم معها ولا قصر ولا سعى إنَّما نُقِل أنه أعمرها هي.

стр. 44

ونقل عن ابن الزبير أنه لما فرغ من بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ذهب إلى التنعيم فأحرم، فهذه عمرة عارضة شكرًا لله وهذا الذي بلغنا في العمرة المكية، لكن أنكرها طاوس وجماعة من أصحاب ابن عباس أنكروا على من يفعل هذا. سؤال: بالنسبة لمن جاء من بعيد قد لا يتيسر له الحضور مرة أخرى؟ الجواب: من بعيد يلتزم بما شرعه رب العبيد ويكثر من الطواف وقراءة القرآن والصدقة في مكة، هذا الذي يظهر لكن لو أن إنسانًا حج من بعيد ومعه شخص قال: أنا من بعيد وأجد في نفسي أني ما أفردت بعمرة - هذا في الحج - أو امرأة حجت متمتعة فحاضت قبل الشروع في العمرة ووجدت في نفسها، فنقول: إذا كانت الحال مثل الحال فلا بأس. سؤال من الشيخ: ما هي العبادة التي لا يفعلها إلا عبد واحد في الدنيا كلها في وقت واحد؟ تقبيل الحجر ومسّ الركن وكان ابن عمر يزاحم على الحجر حتى يدمي (١)، فقال له رجل ذات يوم أرأيت إن زاحمت؟ أرأيت أرأيت ... فقال: اجعل أرأيت باليمن (٢) فكان ابن عمر يأخذ الأمور بقوة فربما اجتهد وشدد على نفسه فربما زاحم حتى يُدمى.

стр. 45

الحديث الحادي عشر الحج عن الغير وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةَ؟» قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي، فَقَالَ: «حَجَجْت عَنْ نَفْسِك؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِك ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ]، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ (١). هذا الحديث من الأحاديث المشهورة في الحج وأيضًا في سنده كلام كثير في الاحتجاج به. فهذا الحديث يرويه أبو داود وابن ماجة والبيهقي عن طريق عبده بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه غندر (محمد بن جعفر) عن سعيد بن أبي عروبة فوقفه. واختلف في رفع الحديث ووقفه والصحيح أنه موقوف كما رجحه أحمد والطحاوي وابن المنذر.

стр. 46

وبناءً على الاختلاف في هذا الحديث نشأ الخلاف في الحج عن الغير فيمن لم يحج عن نفسه، فعلى قول جمهور أهل العلم سواءً صح الحديث مرفوعًا أو قالوا بأنه موقوف له حكم المرفوع، يقولون: من حج عن غيره بأجره ولم يكن حج عن نفسه فإنه يكون عن نفسه، ويلزمه إرجاع المال الذي أخذه إلى الذي استنابه. وهذه المسألة يدخلها الاجتهاد، فهناك قول آخر بناءً على ضعف الحديث، وهو رواية عن أحمد ﵀ وهو إذا حج عن غيره ولم يكن قد حج من قبل عن نفسه فإنه يقع عن المستنيب، ولكنه يأثم هو لعدم البدار إلى الحج. وشيخنا ابن عيثمين ﵀ يميل إلى هذا القول ويقول: عندنا حديث «إنما الأعمال بالنيات ...» في الصحيحين فكيف نقدم حديث ابن عباس المضطرب على حديث من أصول الإسلام، ويقول: إنه إذا نوى عن غيره فإن النية تكون عن الغير والحج يكون عن الغير. وستأتي صورة - إن شاء الله - ينبغي ألا يختلف فيها، وهي صورة (إذا كان الإنسان فقيرًا والحج يشترط له الاستطاعة كما ثبت في الكتاب والسنة، ويحتاج في أداء الحج إلى زاد وراحلة وأموال، فأتاه شخص قادر بماله وعاجز ببدنه فاستنابه) هنا نقول: هذا الفقير لا يجب عليه الحج لعدم القدرة المالية فحينئذ يجوز أن يحج عن ذلك القادر بماله العاجز بدنه، وهذا القول صححه الجمهور في مثل هذه الصورة، أو أن يستنيبه شخص ولي لميت في الحج عن الميت فلا نزاع في المسألة؛ لأنه لا يجب على هذا الفقير أصلًا أن يحج فهو نائب عن الميت، أو نائب عن الحي أما إذا كان قادرًا فسيأتي في شرح الحديث. والذي أرى في هذه المسألة أن مذهب الجمهور أحوط إلا في صورة الفقير التي ذكرنا، فإن الحج يكون عن المستنيب لدلالة الحديث «إنما الأعمال بالنيات ...» وينبغي ألا يختلف في ذلك.

стр. 47

أما إذا كان في غير هذه الصورة فالأحوط ألا يفعل الإنسان إذا لم يكن قد حج الإنسان عن نفسه، بل إذا كان قادرًا نقول يجب عليه أن يحج عن نفسه ولا تقبل النيابة عن غيرك لا مجانًا وبلا مال. ولهذا الحديث مسائل ملحقة به مثل: (من حج نفلًا ولم يحج الفرض لكنه حج يريد النفل، أو نذر الحج ولم يكن قد حج الفرض)، في هذه شبه اتفاق بين أهل العلم أن هذه الحجة تقع عن الفرض، وهذا قد أفتى به ابن عمر كما عند البيهقي وغيره بسند صحيح، أن رجلًا نذر أن يحج ولم يحج حجة الإسلام فقال: اجعل هذه عن نفسك ثم حج عن النذر (١). وكذلك إذا حج إنسان بنية النفل ولم يحج الفرض فإن هذه الحجة تقع عن الفرض، أما إذا حج الإنسان عن غيره ولم يكن حج عن نفسه فعندنا هذا الحديث، وشيخنا ابن باز ﵀ يصحح هذا الحديث ويقول هذا الحج ينقلب عن النفس، وانقلاب الحج سواءً عن الغير أو كونه يخالف كثير من الأحكام هذا يخص الحج، ولهذا نقول: من حج عن غيره ولم يحج عن نفسه فالأحوط أن المستنيب لا يعتد بهذه الحجة؛ لأنه قول الجمهور أنها تكون عن النائب إذا لم يكن حج عن نفسه، ويلزمه إعادة مال المستنيب إن كان أخذ مالًا. وفي الحديث من الفوائد: ١ - الجهر بالتلبية، لأن النبي ﷺ سمعه وهذه سُنَّة ويأتي حديث يخصه. ٢ - وفيه تسمية الإنسان من يحج عنه فيقول: (لبيك عن فلان) والظاهر أنه لا يكررها بل يكتفي بها عند الميقات وسيأتي مواضع التلبية. وعلى القول بصحة الحديث أنه لا يجوز أن يحج الإنسان عن غيره ولم يكن حج غير نفسه. ٣ - وفيه أن الحج يمتاز عن غيره بجواز قلب النية.

стр. 48

الحديث الثاني عشر الحج الواجب في العمر مرة وَعْنَهُ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ» فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ، الحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» [رَوَاهُ الخَمْسَةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ] (١). - وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٢). الحديث يروى من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان الدؤلي عن ابن عباس، وسفيان روايته عن الزهري مضعفه، وقد روي من وجه آخر عن الزهري. وأصله في مسلم من طريق الربيع بن مسلم القرشي عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ بنحوه. فالحج الواجب مرة واحدة في العمر؛ لأن النبي خطب الصحابة وقال لهم: «إنَّ اللهَ كَتَب عَلَيْكُمُ الحَجَّ ...» والمؤلف عدل عن حديث أبي هريرة ﵁ والمخرج في الصحيح على حديث ابن عباس هذا، والنبي خطب فقال: «إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ ...» لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...﴾ فقام الأقرع بن حابس فقال: ..... الحديث. وفي الحديث: ١ - أن الحج لا يجب إلا مرة في العمر وكذا العمرة على القول بوجوبها. ٢ - وفيه: إن الإنسان إذا حج أو اعتمر ثم جاوز الميقات لا يلزمه الإحرام.

стр. 49

وكثير من أهل العلم قال: إنه لا يجاوز الميقات إلا بإحرام عمرة واستثنوا من تكرر دخوله كالحطابين والحشاشين وما أشبه ذلك، ولكن القول الصحيح أنه لا يلزم الإحرام بعمرة إذا مر الإنسان بالميقات. واختار الشيخان ابن باز وابن عثيمين - رحمها الله - أن من مر بالميقات ولم يكن قد اعتمر فإنه يلزمه العمرة إذا استطاع. وإذا قلنا بوجوب العمرة فإذا مر قاصدًا المسجد الحرام ومستطيعًا للعمرة فإنه لا يحل له مجاوزة الميقات إلا بإحرام؛ لأن هذا يؤدي فرضًا وهو قادر عليه، وإذا اعتمر عمرة الإسلام فلا يلزمه بعد ذلك الإحرام. ٣ - وفيه: إعلان الأحكام الشرعية عن طريق الخطابة. ٤ - وفيه: ترك الاختلاف والسؤال وأن الإنسان يقبل ما أُمر به ولا يزيد ولا يقول كما قال هنا: (أفي كل عام؟) إنما الواجب مرة واحدة هذا هو الأصل لهذا قال النبي: «اتركوني ما تركتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم» (١). وفي الحديث الآخر حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» (٢).

стр. 50

الحديث الثالث عشر، والرابع عشر بَابُ المَوَاقِيتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ: ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّام الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، «هُنَّ لَهُنَّ وَلَمِنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ أَوِ العُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ (٢). وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁، إِلَّا أَنَّ رَواِيهِ شَكَّ فِي رَفْعِهِ (٣). وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ (٤).

стр. 51

وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَشْرِقِ العَقِيقَ (١). هذا باب المواقيت يتحدث عن مواقيت الحج المكانية، والحج له مواقيت مكانية ومواقيت زمانية: أما المكانية: فهي في حديث ابن عباس ذكر أربعًا، وفي ما بعده من الأحاديث ذكر الخامس حديث عائشة، وحديث جابر، وحديث ابن عباس في السنن. والزمانية: شوال وذو القعدة وذو الحجة، واخْتُلِفَ هل هو العاشر من ذي الحجة أو ذي الحجة كاملًا؟ والصحيح أنه كاملًا فيكون ثلاثة أشهر؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، ولهذا قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وفي الحديث من الفوائد: ١ - توقيت المواقيت، وبضم ما سيأتي من أحاديث إلى حديث ابن عباس ستكون المواقيت المكانية خمسة، وهي محيطة بالبيت الحرام - الكعبة - من جهات الشرق والغرب والشمال والجنوب، والمار لا يخلو أن يكون يمر بالميقات نفسه أو ميقات غيره أو أن يمر بينهما، وقد جاء تفصيل هذه الأحكام في أحاديث المواقيت. فرتب المواقيت على النحو التالي: ١ - (... لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذي الحُلَيْفَةِ ...) هذا الميقات قريب من المدينة وهو أبعد المواقيت عن مكة، وهو الذي أهل منه النبي (٢) ﷺ ويسمى الآن أبيار علي.

стр. 52

٢ - (... وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ ...) والآن يهل الناس من رابغ وكانت الجحفة قديمًا قرية ثم خربت ثم صار الميقات الآن قبلها بقليل من جهة الساحل (رابغ). ٣ - (وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ) وهذه المناطق معروفة والآن يسمونه السيل وله طرفان، طرف شمالي يسمى (السيل الكبير)، وطرف جنوبي يسمى (وادي محرم) فهو وادي طويل له طرفان يمتد من الشمال إلى الجنوب وليس بميقاتين بل هو ميقات واحد. ٤ - (وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ) وهو معروف الآن (بالسعدية) وهو معروف لمن يقصد مكة من جهة الجنوب. وهذه المواقيت الأربعة المذكورة هنا اتُّفِقَ على أنها مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وهي مختلفة في البعد والقرب، واختلف في الميقات الخامس، وهو ميقات أهل العراق أو المشرق وسيأتي الكلام عليه أن شاء الله. ثم قال ﷺ : «هُنَّ لهُنَّ ...»، وفي لفظ: «هن لهم ...»، وفي لفظ: «هن لأهلهن ....» أي: هذه المواقيت لأهل هذه الجهات. وقوله: «... وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ ...» أي: لمن أتى على هذه المواقيت ممن هو ليس من أهلها فإنه يحرم منه. وقوله: «... مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ أَوِ العُمْرَةَ ...» فيه دلالة على أنه لا يلزم من لم يرد الحج والعمرة أن يحرم وتقدم الكلام على هذا. ٢ - وفيه: أن الإنسان لا يجاوز المواقيت وهو مريد للحج أو العمرة إلا بإحرام. ٣ - وفيه: أن من كان مكانه دون المواقيت أي: بين الميقات وبين المشاعر (مكة) فإنه يكون ميقاته من مكانه هو، فإذا أراد العمرة أو الحج فإنه يحرم من مكانه ولا يتجاوزه، وعند أهل العلم أنه إذا تجاوز مكانه وهو مريد للنسك

стр. 53

ومشى فحكمه حكم من تجاوز الميقات وهو مريد للنسك. مسألة: وهنا هل لهؤلاء إن مروا بالمواقيت وهم يريدون نسكًا أن يؤخروا الإحرام إلى منازلهم التي في مكة، أو دون المواقيت أم يلزمهم الإحرام من الميقات؟ فيه خلاف بين أهل العلم: - فمنهم من قال: إن شاء أحرم من الميقات الذي مر عليه أو من منزله. - ومنهم من قال: يلزمه الإحرام من الميقات. والأول أصح وهو اختيار شيخنا ابن باز وشيخنا ابن عثيمين - رحمهما الله -. وهذا معنى «... وَمَنْ كَانَ دُون ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ ...». وقال: «... حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» هذا الأصل حيث ينتظم الحج والعمرة، لقوله قبل ذلك: «... مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ أَوِ العُمْرَةَ ....» غير أن جمهور أهل العلم يرون أن الحج يُحَرْم به من (مكة) وأما العمرة فلابد من الخروج إلى الحل واحتجوا بالأثر والنظر. أما الأثر: فإن النبي ﷺ أمر عائشة أن تعتمر من التنعيم (١). وأما النظر: أن العمرة زيارة فيكون قدوم من الحل إلى الحرم. فلابد أن يقدم على الحرم من غيره وإلا لم يكن زائرًا. وقالوا: إن هاذ موجود في الحج ففيه الذهاب إلى عرفة وكل نسك من حج أو عمرة، قالوا: يجمع فيه بين الحل والحرم، وهو كذلك في الحج فالناس يذهبون إلى عرفات وهي من الحل، ثم يقدمون فيطوفون ويسعون بعد ذلك فيكونون قد وفدوا إلى البيت بعد أن خرجوا إلى الحل.

стр. 54

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان إذا كان في مكة سواءً آفاقيًّا (١)، أو من أهل مكة أن له أن يحرم بالعمرة من مكة ولا شيء عليه، ولكن الصحيح أن عمرته صحيحة ليست باطلة، ولكن يكون كمن ترك الإحرام من الميقات لا يعني أنه لابد يحرم من الميقات، لكن يذهب إلى أدنى الحل سواءً التنعيم أو عرفات أو طرف الحديبية الذي في الحل، فمن أي مكان في الحل يحرم منه. وأما عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ. وحديث جابر في توقيت المواقيت الخمسة فيه: «... ولِأَهْلِ العِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ ....» لكن الراوي شك في رفعه قال: (أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ ) ومن هنا اختلف أهل العلم في هل توقيت ذات عرق مسند إلى النبي ﷺ ؟! أم من توقيت عُمَر؟!. أما حديث عائشة ﵂ فهنا ضَعَّفَه الإمام أحمد وغيره؛ لأنه يرويه أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن عائشة و (أفلح) هذا لا بأس به ولكن له بعض المناكير، ونقل ابن عدي في الكامل أن هذا الحديث أنكره عليه الإمام أحمد وأنكر قوله: لأهل العراق ذات عرق، فهذا اللفظ منكر. وكذلك من الأحاديث التي فيها أن توقيت ذات عرق من النبي ﷺ حديث أبي الزبير عن جابر ولكن هذا وقع فيه الشك ولم يجزم به راويه. وكذلك حديث ابن عباس الذي عند أحمد وأبي داود، وهذا الحديث ضعيف كذلك فيه يزيد بن أبي زياد يرويه عن محمد بن علي عن ابن عباس، ويزيد هذا ضعف وفيه انقطاع كذلك، وأيضًا في متنه نكاره لقوله العقيق، وأيضًا في الصحيح من حديث ابن عباس نفسه وليس فيه ذات عرق.

стр. 55

وقال بعضهم: لا منافاة فإن العقيق هذا وادي كبير فيسمى بعض أطرافه العقيق ويسمى ذات عرق. وجاء أحاديث أخرى مرفوعة أن النبي ﷺ هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق لكن كلها ضعيفة فبذلك لا يثبت في توقيت ذات عرق حديث مرفوع. والصحيح هو ما أخرجه الشيخان: أن عمر هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق لما فتح البصرة والكوفة وأتاه أهلهما فقالوا: إن النبي ﷺ لم يحد لنا حدًّا فحد لهم ذات عرق. وهذا هو المحفوظ ولم يختلف في إسناده وهو مخرج في الصحيحين. وعلى القول بأن ذات عرق مرفوع للنبي يكون هذا مما وافق فيه اجتهاد عمر الوحي، ولكن المحفوظ أن توقيت ذات عرق من حد عمر ﵁. وقد يأتي إنسان من ناحية البحر الأحمر، فإن كان يأتي من جهة اليمن، فإنه سيحاذي (يلملم) ولابد، حينئذ نقول عليه إذا حاذى الميقات (يلملم) أن يحرم بالحج والعمرة حسب نسكه. وإن أتى من ناحية مصر فإنه يحاذي الجحفة (رابغ) فإنه يحرم من هناك. وإن أتى من الغرب مباشرة بشكل عمودي فحينئذ هذا يحرم من جدة، كما قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ قال: ولهذا أهل سواكن في السودان وهي تحاذي جدة على الساحل فهي غرب جدة فحينئذ يحرمون من الساحل؛ لأنهم لا يحاذون أيًّا من المواقيت، وقول الشيخ محمد قوي في النظر، وبعضهم قال: يحرم من البحر قبل الرسو على الساحل.

стр. 56

وأما جعل جدة ميقاتًا لكل من يأتي بالطائرة، فهو قول واهٍ مصادم للنصوص، ينبغي هجره والرد على قائله فالسنة واضحة في هذا الأمر، والأحكام لا تختلف بالطيران والارتفاع عن الأرض عن القرار عليها في مثل هذا. هنا مسألة: لو أن إنسانًا أتى من غير ميقاته ولكن سيمر بميقاته، كما لو أتى الشامي من طريق المدينة وهو يريد الحج والعمرة، فهل يلزمه الإحرام من ذي الحليفة أم له تأخير الإحرام إلى أن يأتي (رابغ) الآن؟! جمهور أهل العلم على أنه لابد من الإحرام من الميقات الذي حاذاه لقوله ﷺ : «... هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهنَّ ...» وهذا أتى الميقات وهو من غير أهله فيلزمه الإحرام. وذهب مالك، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمها الله - إلى أن للشامي تأخير الإحرام إذا مر بميقات المدينة إلى ميقاته، والشيخان ابن باز وابن عثيمين - رحمها الله - على أنه ليس له ذلك، وهذا من باب الاحتياط من ناحية، وللأخذ بظاهر النص «... هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهنَّ ...» لكن لو أن إنسانًا أحرم وأخذ بقول شيخ الإسلام ﵀ ثم جاءنا يسأل: نقول لا شيء عليك؛ لأن المسألة خلافية والأمر فيها سهل. مسألة: وإذا مر الإنسان بالهواء على المواقيت، هل يلزمه الإحرام أن ينتظر حتى يهبط في مطار جدة؟! بعضهم يقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إذا كان الإنسان يطير وحاذى الميقات يلزمه الإحرام.

стр. 57

وتفسير قول شيخ الإسلام: ما ذكره ﵀ في معرض كلامه عن هؤلاء الذين يحضرون إلى عرفات أو مزدلفة قال: فنرى أحدهم يأتي وتطير به الجن فلا يحرم كما ينبغي ويمر بالميقات ولا يحرم (١). يقول الشيخ محمد بن عثيمين: استفدنا من هذا أن الإنسان إذا كان في طائرة وحاذى الميقات يحرم، وهذا معلوم بالأدلة وشيخ الإسلام أومأ إليه. مسألة: ولو أن إنسانًا لبس ملابس الإحرام (الإزار والرداء) وهو الآن مريد للنسك ولكنه ما دخل في النسك، فبعض الناس يغلط ويظن أن مجرد اللبس هو الإحرام؟ هذه المسألة مثل كون الإنسان خرج من بيته يريد المسجد فهو مريد للصلاة فإذا كبر دخل في الصلاة، وكذلك لابس الإزار والرداء مريد للنسك فإذا لبى دخل في النسك.

стр. 58

الحديث الخامس عشر بَابُ وُجُوهِ الإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ أنواع الأنساك عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مِنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ عِنْدَ قُدُومِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). هذا الحديث يتكلم عن أنواع الأنساك وهي ثلاثة: ١ - حج مفرد. ٢ - حج وعمرة فعلهما واحد وهو: قران. ٣ - حج وعمرة منفصلان وهو: التمتع. وهما باقيان إلى قيام الساعة، وقد أخرج مسلم وأحمد وغيرهما من طرق عن الزهري عن حنظله الأسلمي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء، حاجًا أو معتمرًا أو ليثنيهما» (٢). واختلف في الأفضل، فقال بعضهم: الإفراد. وقال بعضهم: التمتع. وقال بعضهم: القران. والخلاف في هذه المسألة طويل، ولكن الذي يظهر أن التمتع أفضل، لكن إن ساق الهدي فينبغي أن يكون قارنًا. مسألة: وقد يقول قائل: إذا ساق الهدي ما يمكن إلا أن يكون قارنًا؟

стр. 59

نقول: لا. يمكن أن يكون مفردًا ويسوق الهدي حينئذ وليس بواجب، لكنه يمكن أن يسوق الهدي وليس بقارن، فإذا ساق الهدي يستحب أن يكون قارنًا تأسيًا بالنبي ﷺ . وقول عائشة ﵂: (وأهل النبي ﷺ بالحج) هذا في ظنها وعلمها؛ لأنه لما جمع بين الحج والعمرة وكان فعلهما واحدًا ظنت أنه أهل بالحج، وإلا قد جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين (١) وحديث ابن عباس أنه قال سمعت عمر يقول: لما أتى النبي ﷺ وادي العقيق (٢) أتاه جبريل في هذا الوادي وقال: «صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة» (٣) وجاء تأييد ذلك في حديث أنس (٤) أيضًا، وغير ذلك الكثير مما يدل جزمًا على أن النبي ﷺ إنما كان قارنًا. ففي هذا الحديث التخيير بين الأنساك الثلاثة التي لا رابع لها. وفيه أن المتمتع إذا قدم يبدأ بالعمرة مباشرة لا يتشاغل بغيرها، وأما قولها (أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) هذا مخصوص بمن ساق الهدي ليس عامًّا. وفيه أن الإنسان يسمي نسكه، وتسمية النسك ليس جهرًا بالنية كما في الإفراد يقول: (لبيك حجًا)، والتمتع يقول: (لبيك عمرة)، والقارن يقول: (لبيك عمرة وحجًا)، وأما قول بعضهم في التمتع: (لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج) فهذا لم يثبت ولا نعلم له أصلًا.

стр. 60

وفي حديث ابن عمر في الصحيحين قال: (لما أراد النبي ﷺ أن يهل سبح الله وحمده وكبَّره بعد أن قامت به راحلته استقبل القبلة ثم أهل بالحج، وقال: هكذا رأيت النبي يفعل) (١) وهذا في البخاري وغيره ومثله حديث أنس وبوب عليه البخاري: باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال ... قال ابن حجر: (وَقَلَّ من تعرض لها مع أنها في الصحيح) أي: قول: (سبحان الله والحمد لله والله أكبر) وما أشبه ذلك قبل أن يحرم، فَقَلَّ من تعرض لها من الفقهاء مع أنها ثابتة في التصحيح. والإهلال هو رفع الصوت بالتلبية وهو سنة في حق الرجال، وأما المرأة لا ترفع صوتها إنما تهل بقدر ما تسمع نفسها، أو تسمع صاحبتها، والتلبية قيل إنها واجبة وقيل إنها ركن وقيل إنها سنة، والصحيح أنها سنة، وإنما النية هي التي ركن وهي التي فرض، والتلبية تكون دائمًا وتتأكد في مواضع منها عند التقاء الرِّفاق ودبر الصلاة ... وأحسن ما روي فيها أثر عند ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سابط قال: «كان السلف يستحبون التلبية في أربعة مواضع في دبر الصلاة وإذا هبطوا واديًا أو علوا وعند التقاء الرفاق» (٢) وهو تابعي أدرك قلة من الصحابة ونقل أكثر رواياته عن التابعين وإسناده صحيح إليه. وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس وفيه «وأما موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأني انظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي» (٣) وبوب البخاري: باب التلبية إذا انحدر في الوادي.

стр. 61

وشيخ الإسلام يرى أن التلبية إنما تكون في التنقل أما إذا قَرَّ في المكان لا يلبي، فيرى أن التلبية تكون إذا شخصت من منى إلى عرفات فإذا قرَّت بعرفات لا تلبي. فإن قيل فقد أخرجه مسلم (١) والنسائي (٢) من طريق أبي الأحوص عن حصين عن كثير بن مدرك عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله ونحن بجمع: سمعت الذي أُنزلت عليه سورة البقرة يقول في المقام «لبيك اللهم لبيك» ومثله من طريق زياد البكائي عن حصين، فهذا ظاهره التلبية وهو قار بمزدلفة. لكن أخرجه مسلم عن طريق هشيم عن أبي الأحوص به، ولفظه أن عبد الله لبّى حين أفاض من جمع فقيل: أعرابي هذا؟ فقال: عبد الله أنسى الناس أم ضلوا؟ سمعت الذي أُنزلت عليه سورة البقرة يقول: في هذا المكان: «لبيك اللهم لبيك» (٣) ورواه أيضًا من حديث سفيان عن حصين ولم يسق لفظه وهذا اللفظ مقيد لما أطلق قبله فصح ما قال شيخ الإسلام. لكن أخرج النسائي (٤) من طريق علي بن صالح - وهو أخو الحسن بن صالح بن حي - عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عباس بعرفات فقال: مالي لا أسمع الناس يلبون؟ قلت: يخافون من معاوية. فخرج من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي. وإسناده لا بأس به. وعلق عليه شيخنا ابن باز ﵀ في شرح النسائي: معاوية لم يكن يمنع ذلك ولعل بعض الناس ممن لا بصيرة عنده ترك التلبية في ذلك المحل حول ابن عباس. اهـ.

стр. 62

قلت: ظاهره التلبية في عرفات، وبوب عليه النسائي فقال: (التلبية في بعرفة) فإذا تحركت من عرفات إلى مزدلفة تلبي، فإذا استقريت بمزدلفة وأنت قار (بائت) تلبي، فإذا أفضت من مزدلفة إلى منى فإنك تلبي هكذا. وسألت شيخنا ابن باز ﵀ عن قول شيخ الإسلام فقال: ضعيف والصحيح أنه يستديم التلبية. قلت: ما صححه شيخنا هو ما دلت عليه السنة، وبالنسبة لصيغة التلبية، وهل كان النبي يلبي غيرها ستأتي - إن شاء الله تعالى -.

стр. 63

الحديث السادس عشر مكان إهلال النبي ﷺ - بَابُ الإِحْرَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). هذا حديث ابن عمر وفيه إثبات أن النبي ﷺ أهَلَّ من عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة. ولا يفهم من قوله: (مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ)؛ أنه يعني بعد الصلاة؛ لأنه ﷺ صلى الظهر في المدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات تلك الليلة، ثم أحرم، فإنه أحرم عندما انبعثت به راحلته (٢) هذا هو الصحيح. وفي لفظٍ عن ابن عمر كذلك: (ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمًا أحرم) (٣) وفي حديث جابر: (حتى إذا استوت به على البيداء) (٤) وهذا لا ينافي أن يكون أحرم أول ما ركبها، فإما أن يكون استوى عليها وهي على البيداء - فالمكان هناك كله صحراء -، أو يكون مشى شيئًا ثم رفع صوته فسمعه جابر ﵁. وهذا هو الصحيح أنه لم يحرم ﷺ بعد الصلاة ولم يشرع في التلبية وعقد الإحرام حتى مشى، بل منذ أن ركب راحلته واستوت به أهَلَّ ﷺ . وبعضهم رام جمع الآثار في هذا وقال بالحديث الذي رواه أبو داود (٥) من طريق خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير قال: (عجبت لاختلاف أصحاب النبي ﷺ في نسكه) قال ابن عباس

стр. 64

- ﵁: (إنه أهَلَّ بعد الصلاة فسمعه قوم فنقلوا عنه، ثم أهل بعد ما ركب دابته فأدركه قوم فأخذوا عنه، ثم أهل بعدما علت به على البيداء فأدركه قوم فأخذوا عنه) فهذا لا يثبت؛ لأن خصيف ضعيفًا، ولو صح لكان فيصلًا في المسألة ولكان الصواب أنه أهل ﷺ حينما استوت به الناقة وكان عند المسجد. ويأخذ من الحديث أن الإنسان يؤخر التلبية حتى يركب السيارة ويستقبل القبلة ثم يحرم؛ لأنه قد يكون نسي شيئًا. وهنا قد يسأل سائل هل للإحرام صلاة تخصه؟ نقول: الجمهور على أن للإحرام صلاة تخصه، والقول الثاني ليس له وهذا هو الصحيح. لكن إن صلى عند الميقات فرضًا فالأفضل أن يحرم عقيب الفرض على الوجه الذي ذكرنا هنا، ولكن كونه يمشي ويريد أن يميل إلى مسجد الميقات ثم يصلي ركعتين ثم يهل بعدهما فهذا لا أصل له، أما حديث ابن عباس (صل في هذا الوادي المبارك ثم قل: عمرة في حجة) (١) فهو ﷺ صلى أي: وافق صلاة الفرض فصلاها ﷺ . فإن رَتَّب الإنسان أنه يمر بالميقات فرضًا من الفروض ثم يحرم عقبه فلا بأس. ومما في الحديث من الفوائد رفع الصوت بالتلبية؛ لأنهم سمعوه.

стр. 65

الحديث السابع عشر رفع الصوت بالإهلال وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ» [رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ] (١). هذا الحديث يروى من طريق: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب عن أبيه، وقد اختلف في صحابيه والمحفوظ أن صحابيه السائب والد خلاد كما قال مالك والبخاري والترمذي وغيرهم، وله شواهد منها حديث أنس عند البخاري وفيه قوله: (وسمعتهم يصرخون بها جميعًا) (٢) أي: التلبية. وهي تدل على أن رفع الصوت من المسنون في حدود الاستطاعة.

стр. 66

الحديث الثامن عشر الاغتسال قبل الإهلال وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّد لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ] (١). هذا الحديث يروى من طريق عبد الله بن يعقوب المدني عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن طارق بن زيد عن أبيه، وعبد الله بن يعقوب فيه جهالة وعبد الرحمن ضعيف، وابن يعقوب قد توبع لكن مدار الحديث على أبي الزناد، فالحديث لا يثبت. وفي صحيح مسلم حديث جابر - وسيأتي - أن أسماء بنت عميس لما ولدت محمد بن أبي بكر قال لها النبي ﷺ : «اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» (٢). وهذا الاغتسال عند الميقات للدخول في النسك حجًّا كان أو عمرة هل هو لأجل النظافة أو هو عبادة محضة؟ قال بعضهم: إن هذا معقول لأجل النظافة وحصول النشاط، فعلى هذا لو عُدِمَ الماء فإنه لا يتيمم؛ لأن المقصود التنظيف لا رفع الحدث، وهذا اختيار شيخ الإسلام، والدليل معه حديث أسماء بنت عميس أمرها النبي ﷺ وهي نفساء أن تغتسل، والمعلوم أن النفساء لو اغتسلت ما ينفعها الغسل، فلا يرتفع حدثها لتجدده ولكن المقصود النظافة، وهذا هو الصحيح. وصح عن ابن عمر قوله: «إن من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم ...» (٣) فهذا الاغتسال سببه عقد الإحرام فهو عام لكل محرم.

стр. 67

الحديث التاسع عشر ما لا يصح للمحرم لبسه وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: مَا يَلْبَسُ الُمحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافِ، إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). هذا الحديث فيه بيان ما لا يَلْبَس المُحْرِم، حيث سَأَلَ الرجل عن بيان ما يُلْبَس، فأجابه النبي ﷺ عمَّا لا يُلْبَس؛ لأن الذي يُلْبَس كثير فقال له: لا تَلْبَس كذا وكذا. أي: والباقي مباح. وهذا الحديث كان بالمدينة عندما خطب الناس وعلمهم، وأمر فيه بقطع الخفين. وأما في عرفات في حديث ابن عباس أنه قال: «ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين» (٢) فدل على أن قطع الخفاف إذا لم يجد النعال منسوخ، وقطع الخفاف إفساد لها، وجاء نحو حديث ابن عباس حديث جابر أخرجه مسلم في صحيحه (٣) في أول كتاب الحج. والقميص مثل الثياب والعمائم معروفة، والسراويلات هي التي تلبس على العورة والرِّجْلَيْن، وكذلك إذا كانت قصيرة يسمونها (التبان)، والبرانس هي ثياب رءوسها منها، والخفاف تكون من الجلود وغيرها وتلبس على الأرجل.

стр. 68

فما شابه هذه الملابس مما يكون في معناها فإن حكمه حكمها، والتعبير النبوي واضح في عدم لبس كذا وكذا، ولا شك أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلين، فإذا وجد لباس (الفانيلة) مثل القميص، والطاقية مثل العمامة، والسراويل الصغيرة مثل السراويل الكبيرة، والمشلح مثل البرنس (١) أو قريبًا منه، والشرابات مثل الخفاف ... وهكذا، وعلى ذلك فَقِس. فلا تلبس هذه الملابس وما في معناها مما يُحْدَث عند الناس، فإذا لم يجد الإنسان النعلين يلبس الخفين بلا قطع، وكذلك إذا لم يجد الإزار يلبس السراويل. وهل عليه فدية أم لا؟ كثير من أهل العلم يقول: عليه فدية ولكن النبي ﷺ لم يذكر الفدية. وقوله: «.. وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ» هل نهى النبي ﷺ عن لبس الثياب التي مسها الزعفران والورس لأجل اللون أو الريح؟ الصواب: أنه نهى عنهما جميعًا؛ لأن الزعفران ليس من طيب الرجال بل من طيب النساء، لهذا في حديث أنس عند مسلم: «نهى النبي ﷺ أن يتزعفر الرجل» (٢)، ولما رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، قال «ما هذا؟» قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. قال: «فبارك الله لك، أولم ولو بشاة» (٣). لأنه أصابه من مخالطة المرأة فلا يجوز للرجل أن يلبس ثوبًا مسه زعفران سواءً كان محرمًا أو غير محرم.

стр. 69

فالصفرة هذه صفرة الزعفران ليس من طيب الرجال، وكذلك المحرم لا يلبس ثوبًا مسه الطيب؛ لأن الزعفران طيب والورس كذلك نبت طيب الرائح. - وفيه من الفوائد: حرص الصحابة على التعليم حيث سألوه عما يلبس. - وفيه: حسن تعليم النبي ﷺ . - وفيه: تحريم لبس المذكورات. وهنا مسألة الإزار: (ما يغطي الشق التحتي من البدن) لو أن إنسانًا خاطه مثل (الوزرة) التي يلبسها الناس الآن، وجعل له مغّاط بحيث يستقر على الحقو، يكون شادًّا عليه لكنه مخيوط خاطه من فوق وخاطه بالطول، فلا يحتاج إلى مسك ولا ربط يخلعه إن شاء ويلبسه إن شاء، هل يجوز لبسه؟ يقول الشيخ محمد بن عثيمين: هذا إزار ويسمونه العامة (وزرة) ولم يرتكب المحرم شيئًا منهيًّا. وسُئِل شيخنا ابن باز ﵀ فقال: هذا ما يجوز هذا مثل السراويل ما بقى إلا خياطته في الوسط فيصير مثل السراويل. فالمسألة محل خلاف بين الشيخين والأحوط ألا يلبس، وإن كان فيه راحة في اللبس ولكن قد لا تكون راحة في الشرع فالأحوط تركه. وعائشة ﵂ علق لها البخاري أنها كانت لا ترى بأسًا بلبس التُّبَّان لمن يرحلون هودجها أي: (يحملونه) إذا لبس الإزار يمكن أن تنكشف عورتهم، فكانت تفتى بلبس التبان للحاجة فهذا قوي لمن يتعاطى مثل هذا. ولكن الأصول تمنع هذا والشيخان على أنه لا يجوز لبس هذا التُّبَّان، والتبان السراويل القصير.

стр. 70

ومما يكمل هذا الحديث حديث الذي مات ووقصته الدابة قال: «لا تخمروا رأسه ولا وجهه» فهل تثبت هذه الزيادة؟ أصل هذا الحديث ما رواه الستة وأحمد وغيرهم من طرق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قصة الرجل الذي كان واقفًا مع النبي ﷺ بعرفة فوقع من راحلته فمات فقال رسول الله ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا». وهذا الحديث له ألفاظ متقاربة ويرويه عن سعيد بن جبير اثنا عشر راويًا وهذا تفصيل رواياتهم: ١ - أبو الزبير: أخرجه مسلم (٢٩٠٠) عن هارون بن عبد الله عن أسود بن عامر عن زهير عنه وفيه ذكر الوجه ولفظه «وأن يكشفوا وجهه حسبته قال: ورأسه» قال البيهقي: «ذكر الوجه على شك فيه في متنه ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى أن تكون محفوظة» انتهى كلام البيهقي ويأتي مزيد بيان إن شاء الله. ٢ - إبراهيم بن أبي حرة: أخرجه أحمد عن سفيان بن عيينة عنه بدون ذكر الوجه. ٣ - عمرو بن دينار: واختلف عليه في ذكرها كثيرًا فالحديث يرويه عن عمر وأكثر من أربع عشرة نفسًا. أ - الثوري: أخرجه مسلم (١٢٠٦) عن أبي كريب عن وكيع ح وأخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي كلاهما (الطنافسي وأبو كريب) عن وكيع عن الثوري عن عمرو بذكر الوجه، وتابع وكيعًا أبو داود الحفري: أخرجه النسائي (٢٧١٤) عن

стр. 71

عبدة بن عبد الله الصفار وعن الحفري عن سفيان وفيها ذكر الوجه، ورواه محمد بن كثير عند أبي داود (٣٢٣٨) والبيهقي (٣/ ٣٩١) عن الثوري بدون ذكر الوجه. ومن طريق مسلم المذكور أخرجه البيهقي (٥/ ٥٣) وابن حزم (٧/ ٩٢) وقال ابن حزم: خبر ثابت، وقال البيهقي: ورواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع دون ذكر الوجه فيه، وكذا رواه محمد بن كثير وعبد الله بن الوليد العدني عن سفيان دون ذكر الوجه. اهـ. ب - ابن عيينة: روى الحديث عنه أربعة أحمد في المسند (١٩١٤) والحميدي في مسنده (٤٦٦) وابن أبي شيبة عند مسلم (٢٨٩١) وابن أبي عمر عند الترمذي (٩٥١) وليس في شيء من ذلك ذكر الوجه. جـ - يونس بن نافع: أخرجه النسائي (١٩٠٤) أخبرنا عتبة بن عبد الله حدثنا يونس وليس فيها ذكر الوجه. د - ابن جريح: أخرجه أحمد (٣٢٣) عن يحيى عنه وليس فيها ذكر الوجه وكذلك أخرجه النسائي (٢٨٥٨) أخبرنا عمران بن يزيد حدثنا شعيب بن إسحاق أخبرنا ابن جريج وليس فيها ذكر الوجه. هـ - عمرو بن الحارث: أخرجه ابن حبان (٣٩٢٨) أخبرنا ابن سلم عن حرملة عن ابن وهب عن عمرو وليس فيها ذكر الوجه.

стр. 72

و - حماد بن زيد: أخرجه مسلم (٢٨٩٢) حدثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدثنا حماد ليس فيها ذكر الوجه، وأخرجه البخاري (١٨٤٩) حدثنا سليمان بن حرب ح وحدثنا مسدد (١٢٦٨) كلاهما (سليمان ومسدد) عن حماد عن عمرو وليس فيها ذكر الوجه. ز - سَليم بن حيان (بفتح السين): أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٨٨) برقم (١٠٠٤) وليس فيها ذكر الوجه. ورواها - أعني بذكر الوجه - عن عمرو كلًا من: عبد الله بن علي الأزرق، وأبان العطار، وأشعث بن سوار، وأبان بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبو مريم، وعمر بن عامر. وكل رواياتهم عنه عند الطبراني (١٢/ ٧٦ فما بعدها)، ورواية عمر بن عامر أخرجها كذلك الدارقطني (٢/ ٢٩٥). ٤ - رواية أيوب السختياني: أخرجها البخاري (١٢٦٥) حدثنا أبو النعمان عن حماد عن أيوب وليس فيها ذكر الوجه، وأخرجه النسائي عن قتيبة عن حماد وليس فيها ذكر الوجه، وبمثل طريق النسائي أخرجها البخاري بسنده ومتنه سواء (١٢٦٦) وأخرجها أحمد (٣٠٧٦) عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وليس فيها ذكر الوجه، وكذلك أخرجها أحمد (٢٥٩١) عن محمد بن جعفر عن سعيد بن أبي عروبه عن أيوب وليس فيها ذكر الوجه. ٥ - رواية الحكم بن عتية: أخرجه البخاري (١٨٣٩) عن قتيبة عن جرير عن منصور عن الحكم ورواها النسائي (٢٨٥٦) أخبرنا محمد بن قدامة عن جرير به وليس فيها ذكر الوجه، وكذا رواها أبو داود (٣٢٤١) عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير دون ذكر الوجه.

стр. 73

ورواها أحمد عن حسين عن شيبان عن منصور عن الحكم وليس فيها ذكر الوجه، ثم أردفه أحمد برواية أسود حدثنا إسرائيل بإسناده إلا أنه قال: «ولا تغطوا وجهه» ورواه مسلم في الصحيح (٢٩٠١) عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور عن سعيد وفيها ذكر الوجه، فأسقط إسرائيل الحكم وقد خالفه عمرو بن أبي قيس عند أبي عوانة برقم (٢/ ٢٧٣) وعبيدة بن حميد عن الدارقطني (٢/ ٢٩٥) فهؤلاء أربعة: جرير، وشيبان، وعمرو بن أبي قيس، وعبيدة بن حميد كلهم يذكرون الحكم ولا يذكرون الوجه، إلا في رواية عبيدة قال البيهقي (٣/ ٣٩٣): هذا هو الصحيح منصور عن الحكم عن سعيد وفي متنه ولا تغطوا رأسه ورواية الجماعة في الرأس وحده وذكر الوجه غريب اهـ. وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي بقوله: (قد صح النهي عن تغطيتهما فجمعها بعضهم وأفرد بعضهم الرأس وبعضهم الوجه والكل صحيح ولا وهم في شيء منه وهذا أولى من تغليط مسلم). ٦ - عبد الكريم الجزري: أخرجها أحمد (٣٠٧٧) حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري وليس فيها ذكر الوجه، وكذا رواية عبيد الله بن عمرو عن الجزري عند الطبراني (١٢/ ٨٠) وليس فيها ذكر الوجه. وروى الطبراني (١٢/ ٨٠) من طريق قيس بن الربيع عنه وبها ذكر الوجه وقيس ضعيف وقد خولف. ٧ - طريق أبي بشر واختلف عليه في ذكر الوجه فيرويه عن أبي بشر:

стр. 74

أ - شعبة: أخرجه مسلم (٢٨٩٩) عن محمد بن بشار وأبو بكر بن نافع كلاهما عن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي بشر بذكر الوجه، وعن محمد بن جعفر أخرجه أحمد (٢٦٠٠) بذكر الوجه، وأخرجه النسائي (٢٨٥٤) (٥/ ٦٩٦) عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد الحذاء عن شعبة بذكر الوجه، وأخرجه ابن ماجة (٣٠٨٤) حدثنا علي بن محمد عن وكيع عن شعبة بذكر الوجه، ورواه ابن حبان (٣٩٦٠) من طريق أبي أسامة عن شعبة بذكر الوجه. فهؤلاء أربعة يروونه عنه شعبة بذكر الوجه: محمد بن جعفر - وهو من أثبت الناس فيه - ووكيع، وخالد الحذاء، وأبو أسامة. ب - هشيم: أخرجه النسائي (٢٨٥٣) والبخاري (١٨٥١) كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به دون ذكر الوجه، وأخرجه مسلم (٢٨٩٧) عن محمد بن الصباح ويحيى بن يحيى كلاهما عن هشيم به دون ذكر الوجه، وأخرجه أحمد (١٨٥٠) عن هشيم به دون ذكر الوجه. جـ - خلف بن خليفة: أخرجه النسائي (٢٨٥٧) حدثنا محمد بن معاوية عن خلف بن خليفة عن أبي بشر وفيه ذكر الوجه. د - أبو عوانه: أخرجه مسلم (٢٨٩٨) حدثنا أبو كامل الجحدري عن أبي عوانة به دون ذكر الوجه، وأخرجه (٣٠٣١) عن عفان حدثنا أبو عوانة به دون ذكر الوجه، وأخرجه البخاري (١٢٦٧) حدثنا أبو النعمان أخبرنا أبو عوانة به دون ذكر الوجه.

стр. 75

٨ - قتادة بن دعامة: أخرجه أحمد (٢٥٩١) عن محمد بن جعفر عن سعيد عن قتادة وأيوب عن سعيد بن جبير به دون ذكر الوجه، وقتادة لم يسمع من سعيد في قول يحي بن معين وأحمد لكنه هنا مقرون فرجع الحديث إلى أيوب. ٩ - عطاء بن السائب: أخرجه الطبراني (١٢/ ٧٩) من طريقه عنه عن سعيد ليس فيها ذكر الوجه. ١٠ - فضيل بن عمرو: أخرجها الطبراني (١٢/ ٧٣) من طريق شريك عن سعيد بن صالح عنه دون ذكر الوجه وفيه شريك. ١١ - مطر الوراق: أخرجها الطبراني (١٢/ ٨١) من طريق فضيل بن عياض عن هشام بن حسان عنه وفيها ذكر الوجه، وكذا أخرجها أبو عوانة (٢/ ٢٧٢) ومطر ضعيف. ١٢ - سالم الأفطس: أخرجها الطبراني (١١/ ٤٣٦) عن سعيد دون ذكر الوجه وبها قيس بن الربيع وفيه كلام. خلاصة ما مضى: أولاً: طريق أبي الزبير عن سعيد وقد وقع فيها الشك أخرجها مسلم وتقدم كلام البيهقي، وقد اضطرب حفظ أبي الزبير لها فحفظ الوجه وشك في الرأس مع أن الرأس لا خلاف في ذكره، فهذا مما يدل على أنه لم يحفظ كما ينبغي.
следующие страницы →