← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17058

شرح كتاب الحج من بلوغ المرام

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (207 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقالوا أيضًا: إن نزول المسافر في مصر ومكثه مدة لا تمنع القصر، فما الذي يخرجه من عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وهو من الذين آمنوا وهو شاهد يسمع النداء معافى، فما الذي يحجزه عن شهود هذا الخير وامتناعه من السعي إلى ذكر الله؟. قالوا: وقد أمر رسول الله ﷺ في صلاة العيد بخروج العواتق وذوات الخدور والحيض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، وأيضًا والجمعة عيد المسلمين في الأسبوع، وهي عيد بالنص والإجماع، فلابد أن يخرج لها من كان بالمصر من الذكور البالغين غير المعذورين والمسافر المستقر غير معذور، وكيف يأمر النساء بالخروج من خدورهن والحيض ليشهدن العيد ويدع المسافرين فلا يأمرهم بشهود الجمعة؟ بل أمرهم بشهود الجمعة أولى، وأيضًا: لم نعلم أن الصحابة الذين كانوا يفدون على النبي ﷺ كانوا يتخلفون عن الجمعة معه، وقد أخرج مسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: «انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل على رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدًا قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم أخرها» ومسلم أخرجه في أبواب الجمعة (١) وهذا هدى محمدٍ ﷺ وهدي أصحابه، وقالوا: إن من القواعد المقررة عند علماء الملة «أنه يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالًا»، وهذه قاعدة صحيحة عند جماهير علماء الأمة على اختلاف مذاهبهم وقد اختلفت تعبيراتهم عنها، فعند الحنابلة ما قدمناه من لفظ القاعدة وعند الشافعية يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها، وعند الأحناف الأصل أنه قد يثبت الشيء تبعًا وحكمًا وإن كان قد يبطل قصدًا، وقد ضرب العلماء لهذه القاعدة أمثلة كثيرة في العبادات والمعاملات، وقد دلت عليها الأدلة الشرعية وجاءت

стр. 142

بتقريرها ومسألتنا فرد من أفراد تلك القاعدة: فلما كان المسافر قارًّا في البلد، كان حكمه في إجابة نداء الجمعة حكم المقيمين كما لو صلى المسافر خلف من يُتِم كان عليه أن يُتِم تبعًا للإمام، كذلك يجب عليهم الجمعة تبعًا للمقيمين، بل شهودهم الجمعة أولى من إتمامهم الصلاة خلف المقيم (١). قال المسقطون: مهلًا فقد أجلبتم علينا بخيلكم ورجلكم، وقد قلتم فأكثرتم وأحسنتم، فأنصفونا فإنا نقول إن الله قد علَّق أحكامًا كثيرة بمسمى السفر من القصر والفطر والمسح ثلاثًا عن الخفين، والعفو عن الجمعة والاستعاضة عنها بالظهر مقصورة رحمة من الله وتخفيفًا، وكل ذلك صدقة من الله على عباده فاقبلوا صدقته واكلفوا من الأعمال ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا ... وهذه المسامحة والعفو والتخفيف لا يحل رفعها عن عباد الله والاشتقاق عليهم إلا بحجه بينه من كتاب الله وسنة نبيه أو إجماع متيقن أو قياس صحيح يجب المصير إليه، وأين هذا في مسألتنا؟ فأما قولكم: عموم الآية وشمولها للمسافر القار فنحن نمنع ذلك. فكما لم يجب عليه الصوم ولم يدخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، كذلك لم يدخل في عموم آية الجمعة، وسبب سقوط الصوم عنه السفر بنص الآية قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فكذا في مسألتنا ونحن معنا فهم السلف وجمهورهم، فهذا ابن عمر يقول: «لا جمعة على مسافر» فهذا عذرهم الذي عذرهم به السلف، وأنتم أبيتم ذلك .. !! وأما قولكم: إن المسافر إن مكث بمكان لا يقطع حكم السفر فإنه لا ينتفل على الدابة ما دام نازلًا، وتتوصلون بهذا إلى أن أحكام المسافر القار تتعبض! فنعم. فلا حاجة له إلى ركوب دابته والتنقل عليها ما دام نازلًا، وإنما رخص له في حال السير وهكذا ثبتت به السنة. فكان ماذا؟!!

стр. 143

وأما قولكم: فكيف يأمر الحيض وذوات الخدور بالخروج للعيد ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، فكيف لا يشهد المسافر القار الخير في الجمعة ودعوة المسلمين وذكر الله؟ فالجواب: أننا نحاكمكم إلى أنفسكم فالعيد إنما هو مرتان في السنة ومجمعه أكبر مجامع المسلمين بعد مشهد عرفة، فشرع لعامة المسلمين شهوده ومنهم المذكورات لقلة دورانه في الحول، أما الجمعة فإنها تتكرر في السنة نحوًا من خمسين مرة، وأيضًا العيد لو لم تشهد المرأة فإنه لا بدل له، والجمعة لها بدل مفروض فلم يستويا. وأما قولكم: لم نعلم أن الصحابة الذين كانوا يقصدون النبي ﷺ ويفدون إليه أنهم كانوا يتخلفون عن التجميع معه، فنعم فلعمر والله لقد كانوا يشهدونها ويحرصون عليها، فلقد كان نظرهم إليه وسماع كلامه أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم والناس أجمعين، ونحن نشهد الله على ذلك فإنه أحب إلينا من آبائنا وأمهاتنا وأولادنا والناس أجمعين، ولو خيرنا بين لقياه ﷺ مع ذهاب الأهل والأولاد والأموال وأهل الأرض كلهم لاخترنا لقياه ﷺ على ذلك بأبي هو وأمي، على أن الصحابة ﵃ كان لزامًا عليهم إذا كانوا معه ﷺ أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]. وقد فسر الأمر الجامع بشهود الجمعة أو كانوا في زحف، صح التفسير بذلك عن الزهري وابن جريج كما رواه ابن جرير عنهما واختاره، وهذا يعلم أصحابه المقيمين والوافدين إليه وقد التزم نظير ذلك بعض أهل العلم في مسألتنا فقالوا: إذا حضر المسافر المسجد الجامع لزمته صلاة الجمعة.

стр. 144

وقد لام النبي ﷺ من دخل المسجد ولم يصل، وقال: «ما منعكما أن تصليا معنا» (١). مع أنهما قد صليا في رحالهما ... وهذه المسألة أخص من المسألة المتنازع فيها. وأما قولكم: «إنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا»، وأن المسافر يأخذ حكم المقيم إن كان ماكثًا نازلًا في وجوب إجابة النداء، فنحن نسلم بصحة هذه القاعدة، ولكننا نقول: إن محلها ما لم يكن استقل التبع بحكم آخر يمنع إلحاقه بالمتبوع، واعتبر هذا بالبهيمة المذكاة إن وجد جنين في بطنها أنه إذا خرج ميتًا فهو كجزء من أجزائها، وإن خرج حيًّا فلا بد من تذكيته ولا يتبع أمه، وفي مسألتنا فإن المسافر مستقل بأحكام خاصة تناسب حاله فلا يخرج عنها إلا بدليل، وإنما يثبت تبعًا هنا أهل مصر ممن لا يسمع النداء ومن كان حوله وحده كثير منهم بفرسخ. فهذا نهاية إقدام الفرقين وغاية سجال الطائفتين. وأنا على مذهب جماهير الأمة (٢) من عدم الوجوب والإلزام، نعم يستحب شهودها من غير حرج وانحتام. قال الشاطبي في الموافقات (١/ ٤٤٣): وأما الرابع فكأسباب الرخص هي موانع من الانحتام بمعنى: أنه لا حرج على من ترك العزيمة ميلًا إلى جهة الرخصة كقصر المسافر وفطره وتركه الجمعة وما أشبه ذلك. وبهذا ننهي هذا البحث في مسألة صلاة المسافر. وقوله: (.. ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَافَتِهِ القَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ،

стр. 145

وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ»، وَكُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ ...) ومما ينبغي أنْ يعلم أنَّ النبي ﷺ وقف ذلك اليوم مفطرًا كما ثبت عنه في الصحيح أنه شرب شيئًا من اللبن (١)، وجاء عنه في السنن «أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» (٢) لكن في إسناده إبراهيم بن مهدي الهجري وضعفه غير واحد وذكر العقيلي هذا في منكراته، فالحديث لا يثبت لكن الصيام مكروه. وروى مالك في موطئه عن عائشة ﵂ بإسناد صحيح (أنها كانت تصوم يوم عرفة بعرفة) (٣) والسنة خلاف هذا، فهذا من اجتهادها. وهذا اليوم هو أعظم الأيام وينبغي للإنسان أن يهتبل (٤) هذه الفرصة العظيمة وهذا اليوم وهذه العشية فلا تذهب عليه سُدى.

стр. 146

قوله: (.. حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ...) فيه ثلاث مباحث: الأول: في قوله: (بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ) وهذا هو السنة، وهو أصح ما جاء في صفة الأذان والإقامة يعني: في عدد الأذان، فالأذان لا يؤذن مرتين، إنما يؤذن أذانًا واحدًا ويقيم أقامتين، وما سوى ذلك فهو وهم، وإن وقع في الصحيح شيء منه عن ابن مسعود (١) فهو من اجتهاده، وأما عن ابن عمر فوقع اضطراب كثير. فالسنة للمسافر أنه إذا صلى صلاة مجموعة يؤذن للأولى ويقيم للأولى والثانية. وهو ما جاء في حديث جابر؛ لأن الأذان دعوة غائبين وقد حضروا به، فلم يحتج إلى تكراره، وأما الإقامة تأهب للدخول في الصلاة، فهو دعوة حاضرين فاحتيج إلى ذلك. فافهم. الثاني: في قوله: (فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ) وفيه أنه ﷺ لما أتى مزدلفة جمع بين المغرب والعشاء، فبادر بصلاة المغرب ثم بعد ذلك صلى العشاء ﷺ . الثالث: في قوله: (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) وفيه أنه لم ينتقل لمغرب ولا لعشاء، وثبت في الصحيح أنهم أناخوا دوابهم بين المغرب والعشاء (ولم يسبح بينهما) (٢) يعني: لم يصل بينهما صلاة النافلة (فالسبحة) هنا النافلة. وفي البخاري عن ابن مسعود أنه صلى بعد المغرب ركعتين، وكذلك أذن للعشاء (٣)، وهذا من اجتهاده والسنة خلافه.

стр. 147

وجاء عن ابن عمر عند البخاري (ولا على إثر كل واحده منهما) (١). فلم يصلي بعد المغرب ولا بعد العشاء شيء، لكنه أوتر ﷺ لعمومات الأحاديث؛ ولأنه الأصل. وقوله: (ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ) هذا ليس معناه أنه لم يستيقظ ﷺ حتى الفجر، فكيف وقد أَذِنَ ﷺ للظعن أن يسيروا، فالظاهر أنه استيقظ ﷺ في آخر الليل بعض الوقت، وَأَذِنَ لبعض أزواجه كسودة (٢) وأم حبيبه (٣)، وكذلك بعث ابن عباس في ضعفة أهله (٤)، فليس فيه دليل على ترك صلاة الوتر في تلك الليلة، لكنه يأتي بأصل الوتر ولا يطيل حتى يرتاح، ويستعد لأعمال يوم العاشر يوم العيد يوم الحج الأكبر يوم النحر.

стр. 148

وهو أفضل الأيام كما في حديث عبد الله بن قرط: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر» (١) يعني يوم الحادي عشر يوم الاستقرار بمني. والخلاصة: أن الوتر مشروع في كل السَنَة ومن خالف ذلك فإنما هو شيء زاده من عنده. قوله: (.. ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ (٢)، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا ...). هذا هو السنة أنه يدفع قبل طلوع الشمس، كما أن السُّنَّة أنه يدفع في عرفة بعد غروب الشمس واختفاء القرص، فلا يدفع قبل غروب الشمس فيشابه بالمشركين، ولا يدفع من مزدلفة بعد طلوع الشمس فيتشبه بالمشركين، فالنبي ﷺ خالفهم في هذين الموقفين. وهكذا استقر الحج على مخالفة المشركين؛ لأن المشركون كانوا لا يخرجون إلى عرفة وهو خَرَجَ ﷺ ، ودفع بعد ما غربت الشمس وكانوا يدفعون قبل ذلك، وأفاض من مزدلفة قبل طلوع الشمس وكانوا يفيضون بعد طلوع الشمس. وقوله: (حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ) ومحسر من مني كما ثبت في حديث الفضل بن عباس عند مسلم قوله: «ومحسر من منى» (٣).

стр. 149

وقال ابن القيم في الهدي: ومحسر حرم وليس بمشعر وهو برزخ بين مزدلفة ومنى. ورحم الله الإمام ابن القيم فليس هذا بصواب فهو من منى، وإذا قلنا هو من منى فهو مشعر يعني: مكان للنسك، فالمشعر هو المكان للنسك. قوله: (.. ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الوَادِي ...) فيه: أن النبي ﷺ انطلق من مزدلفة إلى منى راكبًا. وفي حديث كريب أنه سأل أسامة بن زيد كيف صنعتم حين ردف رسول الله؟ فذكر الحديث، فكيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل بن عباس، وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي (١). وبعض أصحابه رموا راكبين وبعضهم رموا على أقدامهم. والحصيات أخذها ﷺ من الطريق، فلم يثبت أنه أخذها من مزدلفة، فالظاهر أنه أخذها قُبَيْل رمي الجمرة، ولكن إن أخذها الحاج من مزدلفة على وجهٍ لا يقصد به التسنين بل يقصد التهيؤ، حتى يكون مستعد فأول ما يأتي منى يرمي؛ ولأنه قد لا يجد مكانًا يأخذ منه فلا يأس. أما جمع السبعين حصاة لمن يتأخر فيمكث ثلاثة أيام وَصرُّها معه هذا كله خلاف السنة. قوله: (.. ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى المَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إلَى البَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا).

стр. 150

لما أتى منى ﷺ كانت تحية منى رمي الجمار وكان يبلي حتى شرع في رمي الحصاة الأولى. وجاء عند ابن خزيمة: فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة ولم يقطع التلبية حتى آخر حصاه (١). ولكن هذه الرواية شاذة، والصحيح أنه قطع التلبية مع أول جمرة فكان يكبر وقطع التلبية؛ لأنه شرع في أسباب التحلل، ولما رمى ﷺ ذهب ونحر ثلاثًا وستين بدنه، وكان قد أهدي مائة بدنه فنحر ثلاثًا وستين بيده ﷺ . قال ابن حبان: وفيه إشارة إلى سني عمره (٢). وكمل الباقي علي ﵁. ثم بعد ذلك حلق رأسه، ثم طيبته عائشة ﵂، ثم ذهب إلى البيت فطاف ﷺ ولم يَسْعَ؛ لأنه قد تقدم سعيه بعد طواف القدوم. وفي حديث جابر هنا (فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّة). وحديث ابن عمر في مسلم من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى» (٣).

стр. 151

ولم يروه البخاري وإنما علقه عن ابن عمر موقوفًا فقال: وقال لنا أبو نعيم: حدثنا سفيان (وهو الثوري) عن عبد الله به موقوفًا، وليس فيه ذكر الصلاة، ثم قال البخاري: ورفعه عبد الرزاق عن عبيد الله (١). مشيرًا إلى رواية مسلم فلا يصح أن يقال عن الحديث متفق عليه. وطريق الجمع على كل حال ممكن لعل أصحابه ﵃ انتظروه ﷺ فجاء فصلى بهم، وإلا بعض أهل العلم رجح لفظ حديث جابر؛ لأنه ضبط الحج وحفظه. وكل يوم من أيام الحج له اسم: - فاليوم العاشر يسمى يوم النحر. - والحادي عشر يوم القر. - والثاني عشر يسمى يوم النفر الأول عند أهل العلم. - والثالث عشر يسمى يوم النفر الثاني. - ويوم الثامن يسمى يوم التروية. - ويوم التاسع يسمى يوم عرفة. والفوائد في هذا الحديث كثيرة، ولكن سياقه وما تقدم من فوائد فيها الكفاية إن شاء الله.

стр. 152

الحديث الثلاثون الذكر بعد التلبية وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). هذا الحديث ضعيف وليس بشيء ففي إسناده شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد الأسلمي (تالف) (٢) كذلك فيه (صالح بن محمد بن زائدة) منكر الحديث، وهو يرويه عن عمارة عن خزيمة بن ثابت عن أبيه عن النبي ﷺ فلا يشرع هذا الذكر بعد التلبية. والمؤلف ذكره لأنه ورد في الباب ولم يرد أن هذا صحيح ولذلك قد نص على ضعفه.

стр. 153

الحديث الحادي والثلاثون وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَحَرْت هَاهُنَا، وَمِني كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْت هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١). هذا السياق مقطع من الحديث أجزاء مجموعة، وإلا هذا التركيب لم يقله النبي ﷺ بهذا النسق. فقوله: «نَحَرْت هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ»، وجاء في لفظ: «وفجاج مكة طريق منحر» وهذا من تيسير الله ؛ أن ينحر الإنسان بمنى وينحر بمزدلفة وينحر بمكة في حدود الأميال في الحرم، فذبح الهدي لا بد أن يكون في الحرم، ولا يجزئ عند أهل العلم أن يُذْبَح في الحل كأن يُذْبَح في عرفة أو التنعيم فلابد أن يذبح في الحرم، والمشهور عند أهل العلم أنه إذا ذبح في الحل أن هذا لا يجزئ ولابد من الإعادة. وقوله: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» هذا يعني أن الإنسان يقف في أي مكان إن تيسر له المكان الذي وقف فيه النبي ﷺ وإلا ففي أي مكان من عرفة وكذلك في (جمع) وهي مزدلفة.

стр. 154

الحديث الثاني والثلاثون مكان دخول النبي ﷺ مكة وخروجه وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاء إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). أعلاها يسمى الحجون ويسمى الآن (آبار الزاهر) وأسفلها يسمى (المسفلة) لكن هل هذا على سبيل السُّنِّيَّة أو فعله لأنه أسمح لدخوله وخروجه؟ فيه خلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: إن هذا من جنس الدخول من طريق والرجوع من آخر، نظير ما يُفْعَل في العيد، والأقرب والله أعلم أنه سُنَّة، ثم إن في سهولة أيضًا فإنه يأتي من شرق الكعبة من وجهها من جهة الباب ويخرج من دبر الكعبة.

стр. 155

الحديث الثالث والثلاثون المبيت بذي طوى وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). (ذِي طُوًى) يسمى الآن آبار الزاهر. والنبي ﷺ بات بذي طوى وهو (الأبطح)، وهو الدخول من الحجون الذي ذكرناه فيما تقدم ويسمى (كداء)، ويسمى الخروج من أسفلها من مكان يقال له: (كُدي). قال بعضهم: (افتح وادخل واضمم واخرج). وفي الحديث: شرعية الاغتسال لدخول مكة. وفيه: جواز غسل المحرم ولو من غير جنابة.

стр. 156

الحديث الرابع والثلاثون وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ مَرْفُوعًا، وَالبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا (٢). هذا الحديث يرويه الحاكم من طريق جعفر بن عبد الله، عن محمد بن عباس ابن جعفر بن عباس، وجعفر بن عبد الله ظن الحاكم أنه ابن عبد الله بن الحكم الثقة، والصحيح أنه جعفر بن عبد الله بن عثمان كما في سنن الدارمي، نص عليه غير واحد كالبيهقي والحافظ وغيرهم. والحديث هذا لا يثبت؛ لأن فيه أكثر من علة: ١ - فيه: جعفر هذا في حديثه وهم واضطراب كما قال العقيلي وذكر هذا الحديث في ترجمته. ٢ - وأيضًا: الصحيح عن ابن عباس الوقف كما رواه عبد الرزاق عن ابن جريح قال: أخبرنا محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس، ووقفه وهذا إسناد صحيح، فالصحيح وقفه على ابن عباس. ٣ - ويمكن أيضًا يضاف علة ثالثة: أن المحفوظ في الأحاديث الصحيحة التقبيل فقط، وليس في الدنيا شيء يُقَبَّل على وجه التعبد إلا الحجر الأسود، وليس في الدنيا شيء يستلم ويمسح على وجه التعبد إلا الحجر الأسود والركن اليماني. وبهذا يعلم أن ما يفعله الآن كثير من العوام من تقبيل المصحف ووضعه على الجبهة، أو وضعه على الوجه، أو السجود عليه كله من البدع ليس له أصل. وقد روى الدارمي في «سننه»: عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن عكرمة بن أبي جهل كان يضع المصحف على وجهه يقول: كلام ربي،

стр. 157

كلام ربي، لكن هذا لا يثبت؛ لأن ابن أبي مليكة لم يدرك عكرمة بن أبي جهل، فالانقطاع بينهما ظاهر، فعلى هذا لا يجوز تقبيل المصحف ولا وضعه على الوجه لضعف هذا الأثر ثم هو عن صحابي والأصل أن العبادات توقيفيه. وحديث الباب فيه تقبيل الحجر الأسود، وأما السجود عليه فهو مروي عن ابن عباس موقوفًا كما تقدم لكن لا يقال إنه بدعة؛ لأنه جاء عن صحابة. ومن فضائل الحجر الأسود ما رواه أحمد (١/ ٣٠٧) والنسائي من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة». وهذا إسناد صحيح.

стр. 158

الحديث الخامس والثلاثون، والسادس والثلائون صفة الطواف بالبيت وَعَن ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا. وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ إذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوَّلُ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (٢). تركيب الحديث هذا فيه شيء من النظر؛ لأنه قال: (أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) فيوهم أنه يمشي أربعًا بين الركنين، ولكن السياق الصحيح بإسقاط لفظة: (أَرْبَعًا) (٣) فيكون (أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ)، وهذا كان في عمرة القضية كانوا يمشون بين الركنين، ولكن استقرت السُّنَّة في حجة الوداع عنه ﷺ أنه رمل في الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر ومشى في الأربعة الباقية. وعندنا زيادة عن ابن عمر ﵄ (أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ أي: (طواف القدوم) خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا. وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ إذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوَّلُ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالبَيْتِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً). فيه: شرعية الرمل في طواف القدوم خاصة في الثلاث الأشواط الأولى.

стр. 159

وأما إذا كان الإنسان أتى البيت بعد أن أتاه أول مرة في طواف القدوم كما يفعل الآن الحجاج في طواف الإفاضة أو طواف الوداع؛ فإنهم لا يرملون في الثلاثة الأشواط الأولى؛ لأن الرمل إنما هو مشروع في طواف القدوم خاصة.

стр. 160

الحديث السابع والثلاثون وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). هذا هو السنة استلام الركنين اليمانيين بتخفيف الياء الأولى؛ لأنها لا تشدد وإنما استلمهما النبي ﷺ ؛ لأنهما على القواعد على قواعد إبراهيم، وَقَبَّل الركن الذي فيه الحجر لوجود الحجر، واستلم الركن اليماني؛ لأنه على قواعد إبراهيم فاستقرت السُّنَّة على هذا. فالخلاصة: فالحجر الأسود يُقِّبل ويُستلم فإن لم يستطيع تقبيله مسحه بيده وقبل يده. فإن لم يستطع مسحه بيده وكان بيده آله كـ: محجن أو عصا استلمه بالعصا أو بالمحجن وقبل المحجن. فإن تعسر أو تعذر ذلك فإنه يشير إليه ويكبر. فهذا كله اختص به الحجر وليس للركن اليماني من هذا سوى المسح فقط فإنه يُمسح، فإذا تعسر عليه فلا يشير إليه ولا يكبر وليس له إلا المسح فقط. وما ذكره ابن القيم في الهدي من قوله: وذكر الطبراني عنه - أي: النبي ﷺ بإسناد جيد أنه كان إذا استلم الركن اليماني قال: «بسم الله والله أكبر ...».

стр. 161

ففي هذا نظر فالصحيح أن هذا الأثر موقوف على ابن عمر ﵄ كما رواه أحمد والطبراني في كتاب الدعاء له (٢/ ١٢٠١) والبيهقي (٩/ ٧٩). وثانيًا: أن هذا عند الحجر الأسود، ففيه عند من أخرجه: (فيأتي البيت ويستلم الحجر ويقول: «بسم الله والله أكبر»، وليس في الخبر زيادة اليماني، والإمام ابن القيم ﵀ ساقه من حفظه، وشيخنا ابن باز ﵀ ذكر نحو كلام ابن القيم في منسكه فالقول فيه كما تقدم، وزيادة البسملة قبل التكبير من اجتهاد ابن عمر ﵁. أما الأركان الشامية والعراقية فإنها لا يشار إليها ولا يُكبَّر عندها ولا يلتفت إليها في أثناء الطواف؛ ولهذا أنكر ابن عباس على معاوية لما قال: ليس شيء من البيت مهجورًا. قال: صدقت ولكن ما كنا نفعل هذا مع النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فرجع معاوية ﵁. ثم هل معنى هذا أن الكعبة لو كانت على قواعد إبراهيم أنها تستلم؟ نقول: هذا هو الأصل، ولكن هذه المسألة الآن غير متصورة؛ لأن الكعبة على ما تعلمون الآن ناقصة البناء فهذا هو البناء هو الذي كان على عهده ﷺ . ولما مات النبي ﷺ حدّثت عائشة ﵂ ابن الزبير بعدما ولي خلافة الحجاز وما والاه فمدها على الأركان الأربعة، ثم بعد ذلك لما صار بينه وبين عبد الملك ما صار وانتهى بقتله ردها عبد الملك بن مروان على ما كانت عليه، وزعم أن ابن الزبير كذب في خبره عن عائشة في بناء الكعبة، ثم ندم على ما وقع منه لما حدثه الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أنه سمع عائشة ﵂ تذكر عن النبي ﷺ تمنيه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم (١)، وخبر ندم عبد الملك بن مروان عند مسلم (٢).

стр. 162

ثم لما جاء بعض خلفاء بني العباس استفتى مالكًا في ذلك فقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركها فكانت على ما هي عليه إلى الساعة. قال الحافظ: ولم أقف في شيء في التواريخ على أن أحد من الخلفاء ولا من دونهم غير من الكعبة شيئًا مما صنعه الحجاج إلى الآن ... اهـ. ولعل في ذلك حكمة حتى يكون الإنسان يدخل الإنسان ويخرج من باب هذا الذي تمناه النبي ﷺ قال: «لولا أن قومك حُدثاء عهد بكفر لنقضت الكعبة ولألصقت بابها بالأرض ولجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه» (١). فهم الآن يدخلون ويخرجون من الفتحات التي عند الحِجر - هكذا يقال (الحِجر) ولا يقال: (حِجر إسماعيل)؛ لأن إسماعيل ليس مدفونًا هناك، ولم يصح هذا وكيف يصح هذا فيكون المسجد الحرام مبنيًا على قبر؟! إنما يقال له: الحِجر يعني: المحجور، ويقال له: (الحطيم) أي: المحطوم.

стр. 163

الحديث الثامن والثلاثون الاعتقاد في الله وحده وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). ما يقبل إلا الحجر الأسود كما تقدم، ولا يُمْسَح إلا هو والركن اليماني، وهذا التقبيل تأسيًا بالنبي ﷺ وعبادة لرب العالمين، وأما ما بين الحجر الأسود والركن اليماني وحيطان الكعبة فإنها لا تستلم ولا تُقَبَّل، غاية ما فيه جاء في الملتزم أن الصحابة فعلوه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو ﵃ (٢) في بعضها التقييد بطواف الوداع، وفي بعضها الإطلاق في الملتزم ما بين الباب وما بين الحجَر، وجاء التزام الكعبة في الخارج في غير الملتزم من جماعة من السلف ﵃ والاقتصار على ما ورد عن الصحابة وهو المتعين. وروي كذلك أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة التزم جدارها من الداخل. والالتزام: أن يضع اليدين والصدر والخدين. وهذا جاء عند أحمد (٥/ ٢٠٩) والنسائي (٥/ ٢٢٠) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أسامة. وبعضهم أجاز الاستلام من الخارج قياسًا على هذا الحديث من الداخل قالوا: لما استلمها من الداخل جاز استلامها من الخارج! ولكن نقول الحديث أصلًا لا يثبت ولو ثبت فهو من الداخل والحديث فيه انقطاع بين عطاء وأسامة.

стр. 164

الحديث التاسع والثلاثون، والأربعون وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ المِحْجَنَ. [رَوَاهُ مُسْلِمٍ] (١). وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذيُّ (٢). حديث يعلى يرويه هؤلاء من طريق سفيان عن ابن جريج عن عبد الحميد وهو ابن جبير عن ابن يعلى عن أبيه وابن يعلى هذا هو صفوان لا بأس به فالحديث صحيح. والاضطباع هو: أن الإنسان يجعل الرداء وسطه تحت يده اليمنى وطرفاه على عاتقه الأيسر. وهذا يكون في طواف القدوم في الأشواط السبعة كلها وأما الرمل في الثلاثة الأولى. وفيه أيضًا: لبس الأخضر فلا بأس.

стр. 165

الحديث الحادي والأربعون صفة العودة من منى إلى عرفات وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). هذا الحديث جاء في صفة غدوه من منى إلى عرفات، وفيه: مشروعية التكبير ومشروعية التلبية للحاج، أما التلبية؛ فلأنه حاج، وأما التكبير؛ فلأنها من أيام التكبير. والتكبير المطلق يبدأ عند جماهير أهل العلم من دخول ذي الحجة حتى نهاية اليوم الثالث عشر من ذي الحجة تكبير مطلق في كل وقت، ولكن ليس في هذا التكبير المقيد في أدبار الصلاة فإنه يبدأ من فجر يوم عرفة كما صح ذلك عن ابن مسعود وعن جماعة من السلف ﵃ يبدأ من فجر عرفة، يكبر دبر كل صلاة (٢) بعد الاستغفار ثلاثًا، واللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ويكبر ويستمر التكبير المطلق فيجتمعان يجتمع التكبير المطلق والمقيد من فجر يوم عرفة، وقال بعضهم: إن كان الإنسان حاجًّا من ظهر يوم النحر؛ لأنه قبله مشتغل بالتلبية، ولكن الصحيح أن الحاج يخلط التلبية بالتكبير كما دل عليه الحديث. وصفة التكبير كما روى ابن مسعود ﵁ عند عبد الرزاق وعن سلمان «الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد» (٣). ومن أحسن من تكلم على مسألة التكبير الحافظ ابن رجب ﵀ في «فتح الباري» وقال: إن هذا العمل الذي ينقل عن السلف جيلًا بعد جيل يجري مجرى الخبر المسند، وان لم يكن فيه حديث مرفوع فالصحابة أسوة، ونقل إجماع الصحابة على هذا بل نقل الإجماع عن غير واحد كأحمد ﵀ في التكبير المقيد.

стр. 166

الحديث الثاني والأربعون إذن النبي ﷺ للضعفاء وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ، أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). هذا فيه إذن النبي ﷺ للضعفاء. وقوله: (الثَّقَلِ) المتاع والنساء وما أشبه ذلك إذا كُنَّ ضيفات. وجاء كذلك في حديث أسماء ﵂ عند البخاري (أن النبي ﷺ أذن للظعن) (٢). وظاهر الحديث هذا أنه إذا أذِن لمن تعجل في آخر الليل أنه يقدم فيرمي حتى لا يدركهم الأقوياء؛ ولأن الرمي تحية منى فلا ينبغي أن يبدأ بغيره فهذا هو الأقرب بل هو ظاهر السنة. وفي حديث أسماء ﵂ أنها رمت ثم أتت إلى مكانها ثم قال لها مولاها عبد الله - وهو ابن كيسان -: (وما أرانا إلا قد غلّسنا) قالت: إن النبي ﷺ قد أذن للظعن. فلا إشكال عندي في جواز الرمي لمن تعجل وذهب أخر الليل حتى لا يدركه الأقوياء، وأما أحاديث النهي عن الرمي قبل طلوع الشمس يأتي الكلام عنها.

стр. 167

الحديث الثالث والأربعون إذن النبي ﷺ للسودة أن تسبق إلى الرمي وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ: أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبِطَةً - تَعْنِي ثَقِيلَةً - فَأَذِنَ لَهَا. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). وعند مشايخنا أن من كان مع الضعيف من الأقوياء فإن حكمه كحكمه؛ لأنه قد يشق عليه الانفصال عنه فيرمي الضعيف ولا يرمي القوي فالأشبه أن هذا من باب «يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا»، والأفضل للقادر أن يؤخر لكن إن كان مع ضعفاء وشق عليه التأخير كما في مثل هذه الأزمنة من الزحام الشديد فلا بأس.

стр. 168

الحديث الرابع والأربعون النهي عن الرمي قبل طلوع الشمس وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» [رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ] (١). لا داعي لاستثناء النسائي، الحديث أخرجه النسائي وهذا سبق قلم من الحافظ فالصحيح رواه الخمسة فقد أخرجه في سننه والحديث منقطع لأنه من طريق الحسن العرني عن ابن عباس كما قال أحمد إنه منقطع. والحديث هذا ضَعَّفَه البخاري في «التاريخ الأوسط» المسمى بـ «التاريخ الصغير» غلطًا - مطبوع في مجلدين - وصوابه «التاريخ الأوسط». وهذا الحديث جاء من طرق عن ابن عباس، ولكن كلها معلولة وكلها لا تسلم من مقال، وقول الحافظ: (وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا) فيه نظر، حتى لو سلم ذلك ففيها مخالفة لما في الصحيح!! والصحيح أن من تعجل من الضَّعفة إنه يجوز له أن يرمي قبل طلوع الشمس. وشيخنا ابن باز ﵀ يحمل هذا الحديث لو صح على أنه على الاستحباب. فالخلاصة: أن الأفضل ترك الرمي حتى تطلع الشمس، ولو رمى قبل ذلك لا بأس.

стр. 169

الحديث الخامس والأربعون وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (١). حديث عائشة ﵂ رواه أبو داود والبيهقي من طريق الضحاك بن عثمان عن عائشة ﵂ ووقع في هذا الحديث اضطراب في السند والمتن. جاء في بعض ألفاظ الحديث (أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه في صلاة الصبح بمكة) وهذه اللفظة منكرة استنكرها الإمام أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهم. والنبي ﷺ كان يصلي الفجر بمزدلفة فكيف يأمرها أن توافيه بمكة؟ وكذلك أعل الحديث بالإرسال. وعلى كل حال فمسألة تعجل النساء إن كُنَّ ضعيفات في آخر الليل إلى مزدلفة هذا جاء في أحاديث صحاح. كما في حديث أسماء ﵂ تقدم ذكره. وفي الصحيحين عن ابن عمر بأنه كان يقدم ضعفة أهله إلى منى (٢).

стр. 170

وفي صحيح مسلم من حديث أم حبيبة ﵂ قالت: كنا نغلس من جمع إلى منى في عهد رسول الله ﷺ (١). ومن لازم التعجيل - كما تقدم - أنهم يرمون الجمار، ومن أحب أن يطوف بعد ذلك ولو قبل طلوع الشمس فلا بأس على القول الراجح، والحديث على ما فيه شواهده في الصحيح والمحفوظ أنه من مسند أم سلمة.

стр. 171

الحديث السادس والأربعون وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ - يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ - فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». [رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ] (١). الحديث رواه أهل السنن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عروة ابن مضرس وقد صححه ابن خزيمة والدارقطني والترمذي وغيرهم. سبب هذا الحديث أن عروة بن مضرس قدم من حائل من جبال طيء فجاء إلى النبي ﷺ في مزدلفة وقال له: أتعبت نفسي وأكللت راحلتي وما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج. فقال النبي ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ (صلاة الفجر في مزدلفة) فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». وقوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» استدل به الحنابلة على أن الوقوف بعرفة قبل الزوال مجزيء. وأخذوا بعموم هذا الحديث وقالوا: إن «نَهَارًا» تشمل من طلوع الشمس إلى الزوال إلى الغروب. وخالفهم الجمهور وقالوا: إن هذا الحديث بينه ﷺ بفعله وأن قوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» أي: في وقت وقوفه وهو لم يقف إلا بعد الزوال.

стр. 172

وثمرة المسألة: أنه لو وقف إنسان قبل الزوال ودفع قبل الزوال إلى مزدلفة فحجه على قول الحنابلة صحيح وعليه دم، وعلى قول الجمهور غير صحيح، وقول الجمهور أحوط. وفيه الحديث من الفوائد: امتداد وقت الوقوف حتى طلوع الفجر، فمن وافى عرفة قبل طلوع الفجر وهو من أهل الوقوف فقد تم حجه وقضى تفثه. وفيه من الفوائد: أن من تأخر عن مزدلفة بسبب أو عذر فلم يوافها حتى طلع الفجر فإنه ليس عليه شيء، فالنبي قال: «تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». فلو أن إنسانًا حُبِسَ في الناقلات أو الطرق أو تأخر ما عقد النية إلا قبل طلوع الفجر فوقف بعرفات لحظات ثم أتى مزدلفة والناس يصلون أو بعد الصلاة؛ فإنه يقف ما تيسر حتى يسفر جدًّا ثم يذهب إلى منى.

стр. 173

الحديث السابع والأربعون وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: إنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (١). سبق بيان هذا في حديث جابر وأن المشركين كانوا ينتظرون طلوع الشمس. وقولهم: (أَشْرِقْ ثَبِيرُ) هذا خطاب لجماد، ولكن هذا عند أهل اللغة إذا طلب من الجماد شيء فهو من باب التمني كقولك: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما إلا صباح منك بأمثل والنبي خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس. ومن فوائد الحديث: المنع من التأخر وأن الإنسان يفيض إلى منى قبل طلوع الشمس إلا إذا تأخر بسبب زحام مثلًا فلا بأس.

стр. 174

الحديث الثامن والأربعون وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (١). هذا السياق الصحيح، وقوله: (حَتَّى رَمَى) هل هو حتى شرع أو حتى أتم؟ الصواب: حتى شرع؛ لأنه جاء في حديث جابر ﵁ كما تقدم: (يكبر مع كل حصاة) فانقطعت التلبية بالتكبير، فانقطعت مع أول حصاة وشرح بالتكبير وهذا ظاهر سياق الصحيح. ورواه النسائي وابن خزيمة بلفظ: (فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة حتى قطر التلبية مع أخر حصاة) (٢) ولكن لفظ الصحيح أصح وأن التلبية تنقطع بمجرد الشروع في الرمي، ولأنه شرع في أسباب التحلل.

стр. 175

الحديث التاسع والأربعون وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى الجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). هذه السنة عند رمي جمرة العقبة يجعل مكة البيت عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبل الجمرة. والأصحاب يقولون: يجعل الجمرة عن يمينه ويستقبل البيت فيصبح يرمي عن يمين ولكن هذا ضعيف. وهذا هو صفة رمي جمرة العقبة في يوم العيد والأيام بعده، وقول ابن مسعود هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة خصها بالذكر؛ لأن أحكام الحج وآيات الحج نزلت في سورة البقرة.

стр. 176

الحديث الخمسون وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١). في هذا تحديد الرمي أما رمي جمرة العقبة فقد رماها ﷺ ضحى ووقع في صحيح البخاري «رميت بعدما أمسيت» (٢) في حديث ابن عباس كأنه بعد الزوال، فلا بأس في ذلك اليوم حتى ولو في ليلة الحادي عشر إن تأخر، وأما الأيام الأخرى يرمي بعد زوال الشمس يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر، ولا يرمي قبل الزوال في أيام التشريق، ولو كان الرمي في هذه الأيام قبل الزوال سائغًا لبينه النبي ﷺ ولما ترك الأمة تنتظر في وقت الضحى، وهو وقت البراد والسعة إلى زوال الشمس وتكون الهاجرة، فلما عدل عن هذا الوقت علم أنه غير مشروع وإثم، وكان النبي ﷺ إذا خُيِّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (٣). فعلم أن وقت الرمي في وقت الضحى إثم وإذا عُلِمَ أنه إثم وغير طاعة فتعين أنه معصية وغير مجزئ، واستثنى بعضهم يوم النفر من تعجل يوم الثاني عشر، ولكن الصحيح أنه لا استثناء في ذلك ولا ينبغي أن تُطَوِّع الفتيا لأفعال الناس، فإن الناس لا يقفون عند شيء، ولهذا في حديث ابن عمر ﵄ قال: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا) (٤) أي: نتحرى ونبحث عن هذا الوقت وننتظر فكيف يدع النبي ﷺ هذا الوقت مع سعته فيجعل الوقت بعد الزوال، ومعلوم أن وقت ما بعد الزوال فيه شيء من التضييق في الوقت، فَعُلِمَ أن الرمي قبل الزوال لا يصح.

стр. 177

والخلاصة: أنه لا يجوز ولا يجزئ الرمي قبل الزوال وقد بالغ شيخ شيوخنا محمد بن إبراهيم ﵀ في الرد على قول من أجاز الرمي قبل زوال الشمس في رده على الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، وأصاب. ولنا كتابة مفردة في هذا الموضوع يسر الله إتمامها، وقد كان الصحابة ﵃ ينهون عن الرمي قبل الزوال، وقد صح عن ابن عمر في الموطأ (١). أما الرمي بالليل يوم الحادي عشر يرمي ليلة الثاني عشر أو يوم الثاني عشر يرمي ليلة الثالث عشر إن تأخر لا بأس به؛ لأن العبادة لا تجوز قبل وقتها كما قال شيخ الإسلام في الفتاوى (٢٦/ ٢٠٣): «إن المناسك لا تجزيء قبل وقتها» اهـ. وتجوز بعد وقتها في الجملة، فلا يمكن أن تصح صلاة الظهر قبل وقتها ولكن قد تؤخر للعصر للعذر. وفي الباب حديث ابن عباس في البخاري (رميت بعدما أمسيت) (٢) والمساء يطلق على آخر النهار وأول الليل. وكذلك أثر عبد الرحمن بن سابط أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح قال (كان أصحاب النبي ﷺ يدعون ظهرهم ويرمون بالليل) (٣). وإن كان هذا احتمال أنهم متعجلين؛ لأنهم كانوا على ظهور يركبونها - على دواب - وأما إذا قروا بمنى فالغالب أنهم يمشون. وقد صح أن صفية زوج ابن عمر رمت جمرة العقبة ليلة الحادي عشر (٤).

стр. 178

فظاهر هذا اتساع وقت رمي يوم الحادي عشر إلى ليلة الثاني عشر والثاني عشر إلى ليلة الثالث عشر، وأما الثالث عشر فلا يجوز أن يرمي بعد غروب شمسه؛ لأن أيام الرمي انتهت بعد الغروب.

стр. 179

الحديث الحادي والخمسون صفة الرمي وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يَسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (١). هذا السياق ظاهر في صفة الرمي، وقوله: (يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ) في حديث جابر ﵁ (مَعَ كُلِّ حَصَاة) والأمر سهل إما يُكَبِّر مع الرمي أو إثر الرمي - بُعيده - فالخطب يسير. وفيه: أن الجمرة الأولى والثانية يدعى بعدهما أما الثالثة الكبرى فيرميها وينصرف. وفيه: أنه يتقدم لقوله: (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) أي: يبتعد عن مكان الرمي وحطمة الناس، وكذلك في الجمرة الوسطى غير أنه يأخذ ذات الشمال، ولم يقع التحديد بعد الجمرة الأولى هل يأخذ ذات الشمال أم ذات اليمين، المقصود: أن يتعدى إلى مكان لا يشق فيه على الناس، وأما الثانية إذا رماها يأخذ ذات الشمال حتى يتهيأ له أن يرمي الجمرة الكبرى وتكون قبالته ومنى عن يمينه والبيت عن يساره.

стр. 180

الحديث الثاني والخمسون في أن الحلق أفضل من التقصير وَعَنْ ابن عمر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللهُمَّ ارْحَمُ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). فيه: أن الحلق أفضل من التقصير، وقد وقع في مسند أحمد وغيره من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه في صلح الحديبية دعا للملحقين ثلاثًا والمقصرين واحدة. قالوا: لم ظاهرت للمحلقين؟ قال: «أنهم لم يشكوا» (٢). فقد يقول قائل: تفضيل الحلق على التقصير من وجوه: - أنه فعل النبي ﷺ . - أنه فعل الصحابة الذي لم يشكو مع نبيهم في صلح الحديبية. - أن فيه المبالغة في الأداء. فهذا وجه ترتيب الدعوات الثلاث للمحلقين، وأما المقصرين فأتوا بأصل الأخذ من الرأس فكانت لهم دعوة واحدة.
следующие страницы →