الحديث الخمسون
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١).
في هذا تحديد الرمي أما رمي جمرة العقبة فقد رماها ﷺ ضحى ووقع في صحيح البخاري «رميت بعدما أمسيت» (٢) في حديث ابن عباس كأنه بعد الزوال، فلا بأس في ذلك اليوم حتى ولو في ليلة الحادي عشر إن تأخر، وأما الأيام الأخرى يرمي بعد زوال الشمس يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر، ولا يرمي قبل الزوال في أيام التشريق، ولو كان الرمي في هذه الأيام قبل الزوال سائغًا لبينه النبي ﷺ ولما ترك الأمة تنتظر في وقت الضحى، وهو وقت البراد والسعة إلى زوال الشمس وتكون الهاجرة، فلما عدل عن هذا الوقت علم أنه غير مشروع وإثم، وكان النبي ﷺ إذا خُيِّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (٣).
فعلم أن وقت الرمي في وقت الضحى إثم وإذا عُلِمَ أنه إثم وغير طاعة فتعين أنه معصية وغير مجزئ، واستثنى بعضهم يوم النفر من تعجل يوم الثاني عشر، ولكن الصحيح أنه لا استثناء في ذلك ولا ينبغي أن تُطَوِّع الفتيا لأفعال الناس، فإن الناس لا يقفون عند شيء، ولهذا في حديث ابن عمر ﵄ قال: (كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا) (٤) أي: نتحرى ونبحث عن هذا الوقت وننتظر فكيف يدع النبي ﷺ هذا الوقت مع سعته فيجعل الوقت بعد الزوال، ومعلوم أن وقت ما بعد الزوال فيه شيء من التضييق في الوقت، فَعُلِمَ أن الرمي قبل الزوال لا يصح.
стр. 177
والخلاصة: أنه لا يجوز ولا يجزئ الرمي قبل الزوال وقد بالغ شيخ شيوخنا محمد بن إبراهيم ﵀ في الرد على قول من أجاز الرمي قبل زوال الشمس في رده على الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، وأصاب.
ولنا كتابة مفردة في هذا الموضوع يسر الله إتمامها، وقد كان الصحابة ﵃ ينهون عن الرمي قبل الزوال، وقد صح عن ابن عمر في الموطأ (١).
أما الرمي بالليل يوم الحادي عشر يرمي ليلة الثاني عشر أو يوم الثاني عشر يرمي ليلة الثالث عشر إن تأخر لا بأس به؛ لأن العبادة لا تجوز قبل وقتها كما قال شيخ الإسلام في الفتاوى (٢٦/ ٢٠٣): «إن المناسك لا تجزيء قبل وقتها» اهـ.
وتجوز بعد وقتها في الجملة، فلا يمكن أن تصح صلاة الظهر قبل وقتها ولكن قد تؤخر للعصر للعذر.
وفي الباب حديث ابن عباس في البخاري (رميت بعدما أمسيت) (٢) والمساء يطلق على آخر النهار وأول الليل.
وكذلك أثر عبد الرحمن بن سابط أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح قال (كان أصحاب النبي ﷺ يدعون ظهرهم ويرمون بالليل) (٣).
وإن كان هذا احتمال أنهم متعجلين؛ لأنهم كانوا على ظهور يركبونها - على دواب - وأما إذا قروا بمنى فالغالب أنهم يمشون.
وقد صح أن صفية زوج ابن عمر رمت جمرة العقبة ليلة الحادي عشر (٤).
стр. 178
فظاهر هذا اتساع وقت رمي يوم الحادي عشر إلى ليلة الثاني عشر والثاني عشر إلى ليلة الثالث عشر، وأما الثالث عشر فلا يجوز أن يرمي بعد غروب شمسه؛ لأن أيام الرمي انتهت بعد الغروب.
стр. 179
الحديث الحادي والخمسون
صفة الرمي
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يَسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (١).
هذا السياق ظاهر في صفة الرمي، وقوله: (يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ) في حديث جابر ﵁ (مَعَ كُلِّ حَصَاة) والأمر سهل إما يُكَبِّر مع الرمي أو إثر الرمي - بُعيده - فالخطب يسير.
وفيه: أن الجمرة الأولى والثانية يدعى بعدهما أما الثالثة الكبرى فيرميها وينصرف.
وفيه: أنه يتقدم لقوله: (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) أي: يبتعد عن مكان الرمي وحطمة الناس، وكذلك في الجمرة الوسطى غير أنه يأخذ ذات الشمال، ولم يقع التحديد بعد الجمرة الأولى هل يأخذ ذات الشمال أم ذات اليمين، المقصود: أن يتعدى إلى مكان لا يشق فيه على الناس، وأما الثانية إذا رماها يأخذ ذات الشمال حتى يتهيأ له أن يرمي الجمرة الكبرى وتكون قبالته ومنى عن يمينه والبيت عن يساره.
стр. 180
الحديث الثاني والخمسون
في أن الحلق أفضل من التقصير
وَعَنْ ابن عمر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللهُمَّ ارْحَمُ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١).
فيه: أن الحلق أفضل من التقصير، وقد وقع في مسند أحمد وغيره من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه في صلح الحديبية دعا للملحقين ثلاثًا والمقصرين واحدة. قالوا: لم ظاهرت للمحلقين؟ قال: «أنهم لم يشكوا» (٢).
فقد يقول قائل: تفضيل الحلق على التقصير من وجوه:
- أنه فعل النبي ﷺ .
- أنه فعل الصحابة الذي لم يشكو مع نبيهم في صلح الحديبية.
- أن فيه المبالغة في الأداء.
فهذا وجه ترتيب الدعوات الثلاث للمحلقين، وأما المقصرين فأتوا بأصل الأخذ من الرأس فكانت لهم دعوة واحدة.
стр. 181
الحديث الثالث والخمسون
تيسير النبي ﷺ على الأمة في الحج
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١).
أما أفعاله ﷺ يوم العيد فإنه كان رمى ثم نحر ثم حلق ثم طاف، ومن كان عليه سعي فليسع فالنبي ﷺ سعى بعد طواف القدوم.
فالترتيب هو:
أن يرمي، ثم يذبح إن كان متمتعًا أو قارنًا، ثم يحلق، ثم يطوف، ثم يسعى إن كان متمتعًا أو كان قارنًا أو مفردًا، ولم يسع بعد طواف القدوم، وان قَدَّم هذه الأفعال بعضها على بعض فلا حرج.
وهذا الحديث حديث ابن عمرو ﵄ يرويه الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو ﵄.
وجاء كذلك نحوه من حديث ابن عباس ﵄.
وجاء في سنن أبي داود وغيره حديث أسامة بن شريك (سعيت قبل أن أطوف) (٢) ولكن هذه اللفظة شاذة والمحفوظ في حديث أسامة في سنن أبي داود عدم هذه الزيادة، وعلى كل حال فإنه لو قدم السعي على الطواف فإنه داخل تحت عموم هذا الحديث (فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ») وسواء وقع في ذلك اليوم أو في الأيام بعده الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
стр. 182
وهل ينجر هذا الحكم في هذه العمرة إذا قدم السعي على الطواف جاهلًا؟
محتمل وأفتى به الشيخ ابن عثيمين مرة وقد يقال: لو أن إنسانًا جاهلًا سعى ثم طاف ثم قصر وقال: ما كنت أظن إلا أن السعي قبل، وكنت أظن أن الأمر واسع فنقول: لا بأس، وفتوى الشيخ محمد موجودة في كتابه فرائد الفوائد.
стр. 183
الحديث الرابع والخمسون
ماذا على من أُحْصِر ؟
وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. [رَوَاهُ البًخَارِيُّ] (١).
هذا الحديث في صلح الحديبية، والنبي ﷺ لما أُحْصِر نحر ﷺ ثم حلق وأمر أصحابه بذلك، وَذِكْر المؤلف له هنا فيه شيء من الإيهام فمن قرأ ظن أن هذا في حجة الوداع، وعلى كل حال إن كان الإنسان قد أُحْصِر عن البيت فإنه ينحر إن كان معه شيء قد أهداه، وإن لم يكن معه يلزمه عند أهل العلم أن يشتري هديًا - شاة - فإن لم يكن معه مال، لفقره فإنه يصوم عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع، وهذا ذهب إليه الأصحاب، ولكن الصحيح إن المحصر إذا لم يكن عنده شيء يشتري به الهدي فإنه يكتفي بحلق رأسه، ولو كان الصوم واجبًا لأمر به النبي ﷺ وَبَيَّنَه، ثم إن أكثر الصحابة ﵃ الذين حجوا مع النبي ﷺ كانوا فقراء، وَفَرَّقَ بين الهدي في الإحصار والهدي في التمتع، فدم التمتع دم شكران على إتمام النسك وأما دم الإحصار فهو هدي عن الحصر في النسك فلا يمكن القياس، وهنا نحب أن نبين أقسام الدماء:
- فقسم يذبح في الحرم ويجوز أن يوزع خارج الحرم كهدايا التمتع والقران ففي حديث جابر ﵁ «كلوا وتزودوا» (٢).
- وقسم يذبح داخل الحرم ويوزع داخل الحرم كالدماء التي لترك واجب.
- وقسم يسوغ ذبحه خارج الحرم، كهدي الإحصار حينما يذبح في محل الحصر، وكفدية الجزاء فهذا يوزع حيث يذبح، ولا مانع من نقله إلى مكان آخر.
стр. 184
الحديث الخامس والخمسون
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاء». [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ] (١).
هذا الحديث جاء عن طريق الحجاج بن أرطأة عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة ﵂ واضطرب فيه الحجاج اضطرابًا كثيرًا والحجاج ضعيف.
وجاء من طريق الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂ وفيه انقطاع فالحجاج لم يسمع من الزهري.
وجاء في بعض ألفاظه: «إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء» (٢) أي: من اللباس الصيد والطيب والحلق والخطبة والنكاح والمباشرة وجماع النساء ثم جاء الاستثناء «إلَّا النِّسَاءَ» وهذا يشمل الجماع، فإن هذا لا يحل إلا إذا طاف وسعى.
واختلف فيما فوق ذلك من عقد النكاح والمباشرة.
واختلف أهل العلم فيما يحل به الإنسان؟
قال بعضهم: يحل بالرمي وحده واحتجوا ببعض ألفاظ هذا الحديث «إذا رميتم ... الحديث».
وكذلك روى الحسن العرني عن ابن عباس ﵁ قال: «إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء» ولكن هذا منقطع ولا يصح.
стр. 185
واحتجوا بحديث أم سلمة ﵂ عند أبي داود من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ﵂ وفيه: «إن هذا يوم رخص لكم فيه إذا أنتم رميتم جمرة العقبة أن تحلوا من كل ما حرمتم منه» ولكن هذا الحديث فيه أبو عبيدة (فيه جهالة).
وهذا الحديث هو الذي فيه: «فإذا لم تطوفوا قبل أن تمسوا عدتم حرمًا كهيئتكم قبل أن ترموا جمرة العقبة» وهذا فيه نكارة كبيرة جدًا.
واحتج بعض المتأخرين بما رواه أحمد وغيره من حديث عروة والقاسم عن عائشة ﵂ قالت: (طيبت النبي ﷺ حين أحرم وحين رمى جمرة العقبة) احتج بهذا الشيخ الألباني قال: حين رمى جمرة العقبة صريح أنه تطيب وهذا يدل على أن الإحلال يحصل بالرمي وحده!.
ونقول: لكن هذا الحديث أصله في الصحيحين (طيبت النبي ﷺ لإحرامه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) وفرق بين السياقين! ولفظ أحمد شاذ والمحفوظ ما في الصحيحين.
ثم نقول: كيف يتطيب النبي ﷺ ويذهب إلى بدنه ويذبح ثلاثًا وستين بدنة، وما فيها من الدماء والتعرض للروائح ومخالطة الدواب؛ لا يمكن أن يكون.
ولذا قال البخاري في صحيحه: «باب الطيب بعد الحلق قبل الإفاضة» وذكر حديث عائشة ﵂ الذي ذكرته قريبًا هذا.
وكذلك احتج من قال بأنه يتحلل بالرمي وحده بأثر عمر ﵁ عند مالك والبيهقي: «إذا رمى الرجل الجمرة فقد حل له كل شيء» ولكن هذا الحديث رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر ﵁: (إذا رميتم وحلقتم) ففيه إضافة وحلقتم فيحمل اللفظ الأول على هذا.
стр. 186
وجاء عن عائشة ﵂ وابن الزبير: (إذا رمى الجمرة فقد حل له كل شيء).
والخلاصة: أنه ليس هناك حديث قائم صريح في الاكتفاء بالحل برمي الجمرة وحدها - أي: الحل الأول - والأحوط أن الإنسان لا يحل إلا بالرمي ثم الحلق.
والأحاديث الآنف ذكرها فيها كلها مقال والمشهور عند أهل العلم أنه يحل بفعل اثنين من ثلاثة الرمي والحلق والطواف، وهذا على بابه ليس فيه كبير إشكال فإذا رمى وحلق حل التحلل الأول أو رمى وطاف أو حلق وطاف فلا بأس.
وقال بعضهم: يجوز بفعل واحد من اثنين كما ذكر صاحب الفروع وغيره يحل بفعل واحد من اثنين على القول بأن الرمي وحده يكفي، فيحل بالرمي وحده وبالطواف وحده، قالوا: لما كان الطواف يحصل به التحلل الثاني كان له علاقة وتأثير في التحلل الأول، فإذا طاف جاز له التحلل الأول، وإذا رمى حل التحلل الأول، وهذا على القول بتصحيح ما جاء في الحل بالرمي وحده، وفيه ما فيه! والأحوط ألا يتحلل إلا الذي رمى ثم حلق، وأما الذبح فلا علاقة له في حصول التحلل الأول.
وشيخنا ابن باز ﵀ يرى أن التحلل بالرمي وحده جائز، لكن الأفضل أن يرمي ثم يحلق، وحديث أم سلمة ﵂ كنت كتبت فيه بحثًا (إن هذا يوم رخص لكم فيه إذا أنتم رميتم جمرة العقبة أن تحلوا) هذا السياق قد يقال أنه محفوظ، وأما زيادة الإحرام فهو منكر، والحديث قد يكون جزء منه محفوظ والآخر غير محفوظ، فهذا يمكن ولكن أنا أقول من باب الاحتياط.
стр. 187
الحديث السادس والخمسون
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ». [رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ] (١).
الحديث هذا قواه أبو حاتم والبخاري في التاريخ، ونقل الحافظ هذا في التخليص.
ومفهومه: أنهن لا يحلقن وأن الحلق إنما هو على الرجال.
وقدر تقصيرهن تأخذ قدر أنملة من رأسها من كل خصلة أو ضفيرة تقصها، وحلق النساء شعور رءوسهن فيه تشبه بالرجال.
стр. 188
الحديث السابع والخمسون
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ العَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١).
العباس ﵁ كان يتولى السقاية لأهل مكة يسقيهم من زمزم؛ لأن النبي ﷺ وكل ذلك إليهم فأستأذن العباس أن يبيت بمكة لأجل السقاية ليلًا ونهارًا.
وفيه: مشروعة المبيت بمنى ليالي أيام التشريق بل هو واجب؛ لأن النبي ﷺ رخص له، ومفهوم الترخيص المنع لولا هذا العذر.
ومن هذا استنبط أهل العلم وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق وهذا هو الصحيح.
وفيه: أن المبيت يسقط بالأعذار ومن ذلك سقاية الحجيج، وهذا قد رخص فيه النبي ﷺ وكذلك لو أن إنسانًا احتاج لحراسة مال أو لمرافقة مريض في المستشفى فإنه يسقط عنه المبيت لعذره ولا يلزم بدم.
الواجب عند أهل العلم معظم الليل والليالي كلها واجب واحد عند جمهور القائلين بأن ترك النسك فيه دم وهم جماهير أهل العلم، واحتجوا بما أخرجه مالك عن أيوب السختياني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ موقوفًا عليه: (ومن ترك نسكًا أو نسيه فليهرق دمًا) وهذا الحديث موقوف وأخذ به جماهير أهل العلم ورواه ابن حزم مسندًا إلى النبي ﷺ ولكن فيه مجهولان فهو لا يثبت مرفوعًا.
стр. 189
فمن ترك المبيت بمنى لعذر فيرخص له، وإلا لا يرخص له وإن ترك الليالي كلها أو ليلتين من ثلاثة فعليه دم، وإن كان تعجل يلزمه مبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر فإن ترك ليلة فعليه دم، وإن بات ليلة وأكثر الليلة الأخرى فلا بأس.
المقصود: إن ترك الأكثر فعليه دم وإلا فلا.
وبهذا لو بات أكثر الليل وخرج فليس عليه شيء هكذا قالوا.
стр. 190
الحديث الثامن والخمسون
وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي البَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدَ، لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (١).
في الحديث: أن النبي ﷺ رخص في ترك المبيت بمنى للرعاة، وهم الذين يرعون إبل الحجاج، والحجاج وهم نازلون بمنى لا يحتاجون إلى إبلهم.
والإبل تحتاج إلى الرعي وتحتاج إلى أكل النبات فيذهبون إلى مواقع الكلأ القريبة فترعى منها.
وقوله: (عَنْ مِنًى) هنا تتضمن معنى الخروج وترك منى فالنبي ﷺ أذن لهم في ترك المبيت ويبيتون مع الإبل يحرسونها.
وقوله: (يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ)؛ لأن الحجاج يأتون على رواحلهم يحتاجون للرواحل، فهم لا حاجة لهم في تركها؛ لأنهم قدموا عليها من عرفات لمزدلفة، فيرمون - أي: الرعاة - مع الناس يوم العاشر، فالرعاة لم يستلموا الإبل بعد ثم يرمون يوم الغد ومن بعد الغد ليومين أي: يجمعون رمي يوم الحادي عشر والثاني عشر فيرمونه يوم الثاني عشر، فسيتركون المبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر، والترك يفوت لا يمكن قضاؤه، أما الرمي فيمكن قضاؤه ولهذا رخص لهم النبي ﷺ في البيتوتة، ولم يأمرهم بها لأنها تفوت، وأما الرمي فأذن لهم فإنه لا يفوت فيرمونه يوم الثاني عشر عن يوم الحادي عشر والثاني عشر لمن تعجل، ويرخص لهم كذلك وإذا تأخروا يرمون يوم الحادي عشر والثاني عشر في يوم الثالث عشر لمن تأخر.
стр. 191
وفيه: أن المشتغل بمصالح عامة - كما قال شيوخنا - للمسلمين فإنه يرخص له في ترك المبيت، ولكن لا يرخص له بترك الرمي وله أن يؤجل الرمي.
ومن هنا قال بعض مشايخنا في إن الإنسان إذا كان الرمي بعيدًا عليه كمن يكون في أطراف مزدلفة، أو في أطراف منى يشق عليه التردد إلى الجمرات؛ فإنه له أن يؤخر إلى اليوم الأخر إن كان تأخر، وإن كان تعجل إلى يوم الثاني عشر، ثم إذا أتى يرتب رميه يرمي اليوم الأول، ثم يعود ويرمي الثاني، ثم يعود ويرمي اليوم الثالث فيقضيه؛ لأن هذا له عذر في مشقة التردد على الجمرات فيجوز له التأخير.
والمشهور في المذهب جوازه ولو بلا حاجة، ولكن الصحيح جواز تأخير الرمي لحاجة فيجمعه في يوم واحد.
وفيه: وجوب الرمي وهو واجب من الواجبات عند أهل العلم، وفي تركه عندهم دم، والرمي كله واجب واحد ليس الرمي يوم العيد به دم وسائر الأيام بها دم.
وبعضهم قال: رمي يوم كامل فيه دم والصحيح أنه واجب واحد، فإن ترك بعض الشيء وقع الخلاف عند أهل العلم على نحو ما قيل في ترك المبيت.
ومشايخنا منهم من يفتي إذا ترك يوم كامل - ولم يمكنه استدراك الرمي لفوات زمانه أيام التشريق أو ترك المبيت ليلة من غير عذر - أنه يتصدق بشيء ويستغفر الله إذا كان من غير عذر كما تقدم.
سؤال: لو رمى بأقل من سبع؟
الجواب: جاء في حديث سعد ﵁ قال: رجعنا من حجة الودع وفينا من يقول بست ومنا من يقول: رميت بسبع ولم يعب بعضنا بعضًا لكن أظن إسناده منقطع.
стр. 192
ولكن رخص بعض مشايخنا ولهم سلف من التابعين بترك الحصاة الواحدة، ورخص بعضهم بترك الحصاتين وعلى كل حال إذا كان الوقت باقيًا فينبغي أن يرمي الرمي كاملًا، ولكن إذا فات الوقت لا نستطيع أن نؤثمه أو نلزمه بدم إذا كان المتروك حصاة أو حصاتين.
стр. 193
الحديث التاسع والخمسون
وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ... [الحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١).
هذه الخطبة خطبهم ذلك اليوم وذكرهم عظمة ما يكون فيه، وذكرهم عظمة الدماء والأعراض وفيه أن الإمام يستحب له أن يخطب في هذا اليوم، ويؤكد على حرمة اليوم والدين والمال والعرض، ويعلم الناس ما يكون في يومهم هذا من النسك من الرمي وأحكام التقديم والتأخير وأحكام يوم الحادي عشر والثاني عشر؛ لأن الجمع عظيم والحاجة متجددة.
стр. 194
الحديث الستون
وَعَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ ﵂ قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الرُّءُوسِ فَقَالَ: «أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟» [الحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ] (١).
وهذا الحديث يروى من طريق أبي عاصم النبيل، عن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين، عن جدته السراء بنت نبهان وربيعة كالمجهول والسراء لا تعرف صحبتها إلا من هذا الطريق.
وقد حسن حديثها المصنف وحفيدها تابعي، وقد جاء لهذا الخبر ما يشهد له، وسمي يوم الحادي عشر بيوم الرءوس؛ لأن الناس يأكلون من الهدايا التي أهدوها يوم العاشر ويوم الحادي عشر يأكلون ما تبقى منها، وكانوا يبقون الرءوس لهذا اليوم، وقوله ﷺ : «أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟» يوهم أن العيد منها؛ لأنه إذا كان أوسطها يوم الحادي عشر يدل على أن العيد فيها، ولكن هذا من باب التغليب، والصحيح أن يوم العيد غير أيام التشريق وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فالأوسط هنا يوم الحادي عشر بالاتفاق كما قال ابن القيم في الهدي (٢/ ٢٨٩)، ولعل وصفه بالأوسط يعني الأفضل مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: خيارًا فيكون موافق لحديث عبد الله بن قراط: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ الله ﵎ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (٢).
стр. 195
الحديث الحادي والستون
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (لَهَا): «طَوَافُك بِالبَيْتِ وَسَعْيُك بَيْنَ الصَّفَا وَالَمْروَةِ يَكْفِيك لَحِجِّك وَعُمْرَتِك». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١).
أن عائشة ﵂ كانت أهلت بعمرة، ثم حاضت بسرف فأتت أيام الحج ولم تطهر، ثم بعد ذلك أمرها النبي ﷺ أن تدخل الحج على العمرة، وتصبح قارنة ثم لما طافت وسعت مرة واحدة قال لها: «طَوَافُك بِالبَيْتِ وَسَعْيُك بَيْنَ الصَّفَا وَالَمْروَةِ يَكْفِيك لَحِجِّك وَعُمْرَتِك». ثم أنها وجدت في نفسها أنها لم تطف حين قدمت فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمر من التنعيم.
وفي الحديث: أن القارن يكفيه طواف واحد بالبيت وسعي واحد بين الصفا والمروة.
وفيه: أن الطواف والسعي لا يسقط عن الحائض ولكنها تفعله بعد أن تطهر.
وفيه: أن الطواف ركن واختلف في السعي مع اتفاقهم علي أن الطواف والوقوف والنية كلها من أركان الحج، والصحيح أن السعي ركن وقيل أنه واجب يجبر بدم والصواب: أنه ركن وعليه تكون أركان الحج الأربعة: (نية، وقوف بعرفة، طواف، سعي).
стр. 196
الحديث الثاني والستون
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ. [رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ] (١).
الذي أفاض فيه؛ لأنه ﷺ كان قد تحلل والنبي ﷺ في حجه طاف ثلاثة أطوافة: طواف القدوم، والإفاضة، والوداع، ولم يزد النبي ﷺ عن هذا الأطوفة، وأما حديث كان يزور البيت منى فهو ضعيف.
ولعل هذا تشريع لأمته؛ لأنها ستكون أكثر وإكثار الإنسان من الطواف في هذه الأيام يشق على الناس فالسنة أن الإنسان لا يزيد على الطواف المسنون في الحج.
стр. 197
الحديث الثالث والستون
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (١).
في هذا الحديث أنه النبي ﷺ عندما رمى في يوم الثالث عشر الجمار ركب وترك منى وغادرها بعد الزوال فأتى المحصب وهو الأبطح وسمي بذلك؛ لأن فيه حصى كثيرة وصلى فيها الظهر في وقتها ركعتين، والعصر في وقتها ركعتين والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة في المحصب، ثم ركب إلى البيت وطاف به طواف الوداع، ثم غادر إلى المدينة فجر الرابع عشر وارتحل من آخر الليل من الأبطح (المحصب) وكان معه أم سلمة وسائر أزواجه ﵅، وكانت شاكية فقال لها: طوفي من وراء البيت والناس يصلون فطافت على بعير وهي شاكية، ثم كان واعد عائشة ﵂ في تلك الليلة أمرها أن تذهب مع أخيها إلى التنعيم ليعتمر بها، ثم واعدها في المكان فلما أتت أذن بالرحيل فارتحلوا إلى البيت فطافوا به ثم ارتحلوا إلى المدينة.
стр. 198
الحديث الرابع والستون
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ - أَيِ النُّزُولَ بِالأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١).
هذا الحديث الصواب فيه أنه متفق عليه، وهذا اختيار عائشة ﵂ في أن النزول بالأبطح إنما كان؛ لأنه أسمح.
وعلى هذا لو كان الآن أسمح غير هذا المكان فينزل فيه، وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه سنة، ولهذا قال النبي ﷺ : «إنا نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» فهو مقصود أي: الذهاب إلى هذا المكان، وهذا هو الراجح فالنبي ﷺ علله بعلة قال: «حيث تقاسموا على الكفر» وأراد الذهاب للبقعة ليعمرها بالتوحيد هذا هو الأقرب.
стр. 199
الحديث الخامس والستون
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١).
وقول ابن عباس ﵄ (أُمِرَ) له حكم الرفع إلى النبي ﷺ بل جاء في بعض ألفاظه: «لا ينفرن أحد حتى يكون أخر عهده بالبيت» وقد أخرج مسلم اللفظين من وجهين عن طاوس عن ابن عباس.
وفي الحديث: الأمر بطواف الوداع لمن أراد الارتحال؛ لأن طواف الوداع ليس من مناسك الحج، فهو ليس من أعمال الحج، ولكن: إذا فرغ الإنسان من أعمال الحج وأراد أن يسافر فإنه يطوف الوداع.
وإذا قلنا أن هذا من واجبات الحج فليزمه وإن مكث بعد الحج شهر أو شهرين يلزمه طواف الوداع، ولكن الصحيح إنه إن كان حاجًّا فأراد أن يرجع فعليه أن يطوف، وأما إذا كان معتمرًا أو أقام إقامة طويلة ثم ارتحل فليس حينئذ حاجًّا فلا يلزمه طواف الوداع إلا على القول بوجوبه مطلقًا، والصحيح أنه واجب في الحج لمن أرتحل أما في العمرة أو من أتى مصليًا أو مجاورا فارتحل فليس عليه طواف وداع.
وفي الحديث: أن طواف الوداع يسقط عن المرأة الحائض وكذا النفساء فينفران ولا وداع عليهما.
стр. 200
وفيه: أن طواف الوداع يكون أخر العهد، ولا يكون بعده إقامة ولا معاملة أو بيع أو شراء بل يرتحل مباشرة، ولكن إذا أطال المكث فإنه يعيد، لكن لو طاف ثم استراح حتى ينام لشدة التعب في مثل هذه الأزمنة فلا نلزمه بالإعادة، كذلك لو اشترى هدايا في طريقه أو تغدى فإنه بعد ذلك يرتحل وليس عليه شيء.
стр. 201
الحديث السادس والستون
وَعَن ابْن الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ ألفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ] (١).
هذا الحديث يروى من طرق حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء عن أبيه الزبير مرفوعًا وإسناده صحيح، قال ابن عبد البر: أسند حبيب المعلم هذا الحديث وَجَوَّدَه ولم يخلط في لفظه ولا معناه. اهـ.
قلت: والصحيح أن الحديث مرفوع.
وفي هذا الحديث: فضل المسجد الحرام وأنه بمئة ألف صلاة لما كان مسجده ﷺ بألف صلاة، وهذا يفضل بمائة كان المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وتفضيل المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والمسجد النبوي بألف صلاة.
وهذا التفضيل في المسجد يشمل الحرم كله وهذا هو الصحيح وهذا مذهب الجمهور، واختيار شيخنا ابن باز ﵀، فإن قال قائل: قد روى مسلم والنسائي من حديث ميمونة في تسمية المسجد (إلا مسجد الكعبة)؟. والجواب: أن مسلم أخرجه من طريق الليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس، عن ميمونة.
وقال البخاري في التاريخ بعد أن روى حديثه عن ميمونة حدث نافع عن ابن عباس عن ميمونة ثم قال لا يصح فيه ابن عباس. اهـ.
ولهذا أدخل ابن حبان إبراهيم في أتباع التابعين وقال: وقيل أنه سمع من ميمونة زوج النبي ﷺ وليس ذلك بصحيح عندنا.
стр. 202
وذكر مغلطاي في الإكمال أنه لم يصرح بسماع إبراهيم من ميمونة أحد المتقدمين، وأكد ذلك أن ابن سعد حيث ذكره في الطبقة الرابعة من المدنيين الذين ليس عندهم إلا صغار الصحابة فصار الحديث منقطعًا.
والخلاصة: أن هذا اللفظ غير محفوظ فالتضعيف يشمل الحرم كله.
أما في المدينة فالمضاعفة بالمسجد خاصةً، والصلاة في المسجد الحرام تفضل عن الصلاة في مساجد الحرم الأخرى؛ لشرف الكعبة مع ثبوت التضعيف في الحرم كله.
وقال أهل العلم: إن الزيادة لها حكم المزيد فلما زيد في المسجدين كانت الصلاة مضاعفة، أما المسجد الحرام فلا إشكال إذا كانت المضاعفة منتشرة في الحرم، لكن نستفيد أنه لو كبر المسجد فإنه يكون محلا للطواف فيطوفون فيه ولو بعدت عن الكعبة.
стр. 203
الحديث السابع والستون
بَابُ الفَوَاتِ وَالإِحْصَارِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] (١).
هذا الباب في باب الفوات والإحصار والفوات: من فاته الحج والإحصار: من حصر عن دخول مكة ومنع من الإتيان بالنسك.
والمحصر كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ...﴾ الآية، وتقدم الكلام عن المحصر أن الإنسان إذا أحصر عن الكعبة أو عرفات في الحج حتى فاته أو العمرة عن الكعبة؛ فإنه كان معه هدي فليذبحه وإن لم يكن فليشتر وليذبح؛ وإلا فليحلق ثم يتحلل، وأما اعتماره ﷺ عمرة قابلة ليس هذا من باب القضاء، وإنما سميت عمرة القضاء من القضية لا من القضاء فليست هذه العمرة حتم، ولهذا لم يعتمر هذه كثير من أصحابه الذين حضروا معه.
والإنسان إذا أحْصِر إنما يلزمه الهدي والحلق فإن كان معه كفى وإن لم يكن معه فالمشهور عند الأصحاب أنه يصوم عشرة، والصحيح عدم اللزوم - كما تقدم - ولكن يتحلل وحينئذ لا يكون حاجًّا ولا معتمرًا ولا يلزمه القضاء، ويكون الإحصار مخصص من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
стр. 204
الحديث الثامن والستون
في الاشتراط
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵂، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أُرِيدُ الحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١).
في الحديث أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵂ حجت مع النبي ﷺ ولكنها كانت مريضة فاستفتت النبي ﷺ فقال لها: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي»، أي: قولي: «اللهم محلي حيث حبستني».
فيه من الفوائد: أن الإنسان إن كان شاكيًا في الحج والعمرة فإنه يشترط.
وفائدة الاشتراط: أنه يحل مجانًا إذا حصل له عائق عن تكميل نسكه، فإن يحل بلا ذبح أو حلق ولا يلزم بالإكمال.
وفيه من الفوائد: أنه يشرع الشرط حيث شرع بسببه من الشكوى أو المرض.
وهل ينفع الاشتراط إذا كان الإنسان غير شاك؟
قال بعضهم: ينفع؛ اشترط ولقوله ﷺ : «فإن لك على ربك ما استثنيت» وهذا له على ربه ما استثنى.
وقال بعضهم: إنما ينفع حيث كان الإنسان شاكيًا، وإلا فلا ينفع لو اشترط وليس به علة، وهذا يميل إليه الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، وظاهر كلام شيخنا ابن باز ﵀ أن الإنسان لو اشترط في هذه الأزمنة خصوصا مع كثرة الحوادث؛ فإنه ينفعه الشرط.
وقال الشيخ محمد: نسبة الحوادث إلى عدد الحجيج في عهد النبي ﷺ كنسبة الحوادث إلى عدد الحجيج في زمننا هذا فالمسألة بحالها. كذا قال ﵀، يعني وإن
стр. 205
قال الناس: الآن حوادث كثيرة. نقول: الذين يسلمون أضعافا مضاعفة ملايين، وكانوا قبل على دواب ويحصل لهم حوادث مع قلة عددهم، ومع ذلك لم يشرع الاشتراط إلا في حق من كانت به علة.
وفيه من الفوائد: أنه لا يشرع الاشتراط في غير الشكوى والعلة وهذا تجتمع به الأخبار، فالنبي ﷺ لم يشترط وعامة أصحابه، وهذا هو القول الفصل في المسألة فلا يسن إلا لمن به علة وشكوى.
стр. 206
الحديث التاسع والستون
وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَاريِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَا: صَدَقَ. [رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذيُّ] (١).
هذا الحديث يرويه الخمسة من طريق (يحيي بن أبي كثير عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج بن عمرو) وفيه كلام كثير وأعله شيخنا ابن باز ﵀ من وجوه:
١ - يحيي بن أبي كثير عنده شيء من التدليس.
٢ - لم يذكر عليه الهدي والهدي موجود في النصوص.
٣ - أن من كسر أو عرج قد يكون يستطيع أن يطاف به محمولا ويحل.
٤ - «وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» هذا لا يحب إلا إذا كان الإنسان لم يحج حجة الإسلام فوجوبها بحالة على الفور.
والحديث لابد من حمله على ما يوافق النصوص.
وفيه - لو صح - دلالة على أن الحصر يكون بغير العدو وهذه مسألة مشهورة وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية، ليس له مفهوم بأن الحصر بالعدو فهو أعم، فيكون
стр. 207
بضياع نفقة أو ضلال طريق، وكذلك إذا كان كسر أو مرض فإنه يتحلل ويفعل ما يفعل المحصر، فإن كان لم يحج حجة الإسلام فليحج حجة الإسلام.
وإلى هنا ننتهي من تعليق ما أردنا تعليقه على كتاب الحج
من بلوغ المرام والله ولي التوفيق
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين