← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17058

شرح كتاب الحج من بلوغ المرام

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (207 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عبدة بن عبد الله الصفار وعن الحفري عن سفيان وفيها ذكر الوجه، ورواه محمد بن كثير عند أبي داود (٣٢٣٨) والبيهقي (٣/ ٣٩١) عن الثوري بدون ذكر الوجه. ومن طريق مسلم المذكور أخرجه البيهقي (٥/ ٥٣) وابن حزم (٧/ ٩٢) وقال ابن حزم: خبر ثابت، وقال البيهقي: ورواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع دون ذكر الوجه فيه، وكذا رواه محمد بن كثير وعبد الله بن الوليد العدني عن سفيان دون ذكر الوجه. اهـ. ب - ابن عيينة: روى الحديث عنه أربعة أحمد في المسند (١٩١٤) والحميدي في مسنده (٤٦٦) وابن أبي شيبة عند مسلم (٢٨٩١) وابن أبي عمر عند الترمذي (٩٥١) وليس في شيء من ذلك ذكر الوجه. جـ - يونس بن نافع: أخرجه النسائي (١٩٠٤) أخبرنا عتبة بن عبد الله حدثنا يونس وليس فيها ذكر الوجه. د - ابن جريح: أخرجه أحمد (٣٢٣) عن يحيى عنه وليس فيها ذكر الوجه وكذلك أخرجه النسائي (٢٨٥٨) أخبرنا عمران بن يزيد حدثنا شعيب بن إسحاق أخبرنا ابن جريج وليس فيها ذكر الوجه. هـ - عمرو بن الحارث: أخرجه ابن حبان (٣٩٢٨) أخبرنا ابن سلم عن حرملة عن ابن وهب عن عمرو وليس فيها ذكر الوجه.

стр. 72

و - حماد بن زيد: أخرجه مسلم (٢٨٩٢) حدثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدثنا حماد ليس فيها ذكر الوجه، وأخرجه البخاري (١٨٤٩) حدثنا سليمان بن حرب ح وحدثنا مسدد (١٢٦٨) كلاهما (سليمان ومسدد) عن حماد عن عمرو وليس فيها ذكر الوجه. ز - سَليم بن حيان (بفتح السين): أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٨٨) برقم (١٠٠٤) وليس فيها ذكر الوجه. ورواها - أعني بذكر الوجه - عن عمرو كلًا من: عبد الله بن علي الأزرق، وأبان العطار، وأشعث بن سوار، وأبان بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبو مريم، وعمر بن عامر. وكل رواياتهم عنه عند الطبراني (١٢/ ٧٦ فما بعدها)، ورواية عمر بن عامر أخرجها كذلك الدارقطني (٢/ ٢٩٥). ٤ - رواية أيوب السختياني: أخرجها البخاري (١٢٦٥) حدثنا أبو النعمان عن حماد عن أيوب وليس فيها ذكر الوجه، وأخرجه النسائي عن قتيبة عن حماد وليس فيها ذكر الوجه، وبمثل طريق النسائي أخرجها البخاري بسنده ومتنه سواء (١٢٦٦) وأخرجها أحمد (٣٠٧٦) عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وليس فيها ذكر الوجه، وكذلك أخرجها أحمد (٢٥٩١) عن محمد بن جعفر عن سعيد بن أبي عروبه عن أيوب وليس فيها ذكر الوجه. ٥ - رواية الحكم بن عتية: أخرجه البخاري (١٨٣٩) عن قتيبة عن جرير عن منصور عن الحكم ورواها النسائي (٢٨٥٦) أخبرنا محمد بن قدامة عن جرير به وليس فيها ذكر الوجه، وكذا رواها أبو داود (٣٢٤١) عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير دون ذكر الوجه.

стр. 73

ورواها أحمد عن حسين عن شيبان عن منصور عن الحكم وليس فيها ذكر الوجه، ثم أردفه أحمد برواية أسود حدثنا إسرائيل بإسناده إلا أنه قال: «ولا تغطوا وجهه» ورواه مسلم في الصحيح (٢٩٠١) عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور عن سعيد وفيها ذكر الوجه، فأسقط إسرائيل الحكم وقد خالفه عمرو بن أبي قيس عند أبي عوانة برقم (٢/ ٢٧٣) وعبيدة بن حميد عن الدارقطني (٢/ ٢٩٥) فهؤلاء أربعة: جرير، وشيبان، وعمرو بن أبي قيس، وعبيدة بن حميد كلهم يذكرون الحكم ولا يذكرون الوجه، إلا في رواية عبيدة قال البيهقي (٣/ ٣٩٣): هذا هو الصحيح منصور عن الحكم عن سعيد وفي متنه ولا تغطوا رأسه ورواية الجماعة في الرأس وحده وذكر الوجه غريب اهـ. وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي بقوله: (قد صح النهي عن تغطيتهما فجمعها بعضهم وأفرد بعضهم الرأس وبعضهم الوجه والكل صحيح ولا وهم في شيء منه وهذا أولى من تغليط مسلم). ٦ - عبد الكريم الجزري: أخرجها أحمد (٣٠٧٧) حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري وليس فيها ذكر الوجه، وكذا رواية عبيد الله بن عمرو عن الجزري عند الطبراني (١٢/ ٨٠) وليس فيها ذكر الوجه. وروى الطبراني (١٢/ ٨٠) من طريق قيس بن الربيع عنه وبها ذكر الوجه وقيس ضعيف وقد خولف. ٧ - طريق أبي بشر واختلف عليه في ذكر الوجه فيرويه عن أبي بشر:

стр. 74

أ - شعبة: أخرجه مسلم (٢٨٩٩) عن محمد بن بشار وأبو بكر بن نافع كلاهما عن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي بشر بذكر الوجه، وعن محمد بن جعفر أخرجه أحمد (٢٦٠٠) بذكر الوجه، وأخرجه النسائي (٢٨٥٤) (٥/ ٦٩٦) عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد الحذاء عن شعبة بذكر الوجه، وأخرجه ابن ماجة (٣٠٨٤) حدثنا علي بن محمد عن وكيع عن شعبة بذكر الوجه، ورواه ابن حبان (٣٩٦٠) من طريق أبي أسامة عن شعبة بذكر الوجه. فهؤلاء أربعة يروونه عنه شعبة بذكر الوجه: محمد بن جعفر - وهو من أثبت الناس فيه - ووكيع، وخالد الحذاء، وأبو أسامة. ب - هشيم: أخرجه النسائي (٢٨٥٣) والبخاري (١٨٥١) كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به دون ذكر الوجه، وأخرجه مسلم (٢٨٩٧) عن محمد بن الصباح ويحيى بن يحيى كلاهما عن هشيم به دون ذكر الوجه، وأخرجه أحمد (١٨٥٠) عن هشيم به دون ذكر الوجه. جـ - خلف بن خليفة: أخرجه النسائي (٢٨٥٧) حدثنا محمد بن معاوية عن خلف بن خليفة عن أبي بشر وفيه ذكر الوجه. د - أبو عوانه: أخرجه مسلم (٢٨٩٨) حدثنا أبو كامل الجحدري عن أبي عوانة به دون ذكر الوجه، وأخرجه (٣٠٣١) عن عفان حدثنا أبو عوانة به دون ذكر الوجه، وأخرجه البخاري (١٢٦٧) حدثنا أبو النعمان أخبرنا أبو عوانة به دون ذكر الوجه.

стр. 75

٨ - قتادة بن دعامة: أخرجه أحمد (٢٥٩١) عن محمد بن جعفر عن سعيد عن قتادة وأيوب عن سعيد بن جبير به دون ذكر الوجه، وقتادة لم يسمع من سعيد في قول يحي بن معين وأحمد لكنه هنا مقرون فرجع الحديث إلى أيوب. ٩ - عطاء بن السائب: أخرجه الطبراني (١٢/ ٧٩) من طريقه عنه عن سعيد ليس فيها ذكر الوجه. ١٠ - فضيل بن عمرو: أخرجها الطبراني (١٢/ ٧٣) من طريق شريك عن سعيد بن صالح عنه دون ذكر الوجه وفيه شريك. ١١ - مطر الوراق: أخرجها الطبراني (١٢/ ٨١) من طريق فضيل بن عياض عن هشام بن حسان عنه وفيها ذكر الوجه، وكذا أخرجها أبو عوانة (٢/ ٢٧٢) ومطر ضعيف. ١٢ - سالم الأفطس: أخرجها الطبراني (١١/ ٤٣٦) عن سعيد دون ذكر الوجه وبها قيس بن الربيع وفيه كلام. خلاصة ما مضى: أولاً: طريق أبي الزبير عن سعيد وقد وقع فيها الشك أخرجها مسلم وتقدم كلام البيهقي، وقد اضطرب حفظ أبي الزبير لها فحفظ الوجه وشك في الرأس مع أن الرأس لا خلاف في ذكره، فهذا مما يدل على أنه لم يحفظ كما ينبغي.

стр. 76

ثانيًا: طريق عمرو بن دينار عن سعيد. (أ) من طريق الثوري ذكرها وكيع عنه واختلف عليه، فذكرها الطنافسي وأبو كريب، ولا يذكرها عن الثوري عبد الله بن الوليد، ولا محمد بن كثير ويذكرها أبو داود الحفري فكونها محفوظة في طريق الثوري محل نظر. (ب) ورواها عن عمرو من تقدم ذكرهم وأما سائر أصحاب عمرو من كبار الحفاظ كابن عيينة وحماد وابن جريح ويونس وعمرو بن الحارث وقيس بن سعد لا يذكرونها أصلًا، فهي منكرة من طريق عمرو. ثالثًا: طريق الحكم عن سعيد جاءت الزيادة عنه من طريق إسرائيل عن منصور عنه وخالف إسرائيل شيبان فلم يذكرها، وكذا لا يذكرها جرير ولا عمرو بن أبي قيس فالزيادة في طريق الحكم غير محفوظة، وكلام ابن التركماني المتقدم ليس بشيء ولا يجئ على طريقة الأوائل في مثل هذا الموضع. رابعًا: طريق منصور بن المعتمر عن سعيد وجاءت الزيادة عند مسلم من طريق عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور، وهذه الرواية وقع وهم فيها في السند والمتن فرجعت إلى طريق الحكم دون ذكر الوجه كما تقدم. خامسًا: طريق أبي بشر عن سعيد: (أ) الزيادة من هذا الطريق رواها عن شعبة: وكيع، ومحمد بن جعفر، وخالد الحذاء، وأبو أسامة.

стр. 77

(ب) طريق خلف بن خليفة جاءت من طريق واحد عند النسائي أخرجها عن محمد بن معاوية عن خليفة، وأما سائر أصحاب أبي بشر كهشيم وأبي عوانة فلا يذكرونها، وكونها محفوظة عن أبي بشر إنما هذا من ناحية التحمل عنه، لكن من جهة حفظه إياها فمحل نظر، فسائر الرواة عن سعيد كأيوب وإبراهيم بن أبي حرة وعبد الكريم الجزري فلا يذكرونها أصلًا، إذًا شعبة برئ من العهدة والحمل في ذلك على أبي بشر في ذكرها، ومما يدل على ذلك أن هشيمًا وأبا عوانه لا يذكرون الزيادة وهما من هما، قال علي بن حجر: هشيم في أبي بشر مثل ابن عيينه في الزهري سبق الناس هشيم في أبي بشر، وقال ابن المبارك: من غير الدهر حفظه فلم يغير حفظ هشيم، وقال ابن مهدي: حفظ هشيم أثبت من حفظ أبي عوانه وكتاب أبي عوانه أثبت من حفظ هشيم. اهـ. تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٨٢) قلت: قد اجتمعا. والحقيقة أن القول بأنها محفوظة في الحديث قول فيه بُعد، مع أن مسلمًا ﵀ أخرج الحديث عن أصحاب عمرو كـ: سفيان بن عيينة، وحماد، وابن جريج، ثم جعل طريق الثوري عن عمرو آخر ما ذكر، ثم أخرج مسلم الحديث عن أصحاب أبي بشر فبدأ برواية هشيم ثم أبي عوانة ثم جعل طريق شعبة عن أبي بشر آخر ما ذكر. ثم أخرج في آخر الباب حديث أبي الزبير عن سعيد، وحديث منصور عن سعيد، والمتتبع لطريقة مسلم في كتابه الصحيح يجده يقدم الأصح أولًا في الأغلب ثم يردفه بما دونه كما في مقدمته لصحيحه، فمسلم مع إخراجه له قد صنع به ما ترى، وقد بوب النسائي للحديث باب (النهي عن أن يخمر وجه المحرم ورأسه إذا مات). وقال ابن حزم: إنه خبر ثابت عن رسول الله ﷺ في أمره في الذي مات محرمًا ألا يخمر رأسه ولا وجهه رويناه من طرق حجة منها من طريق مسلم: حدثنا أبو كريب فذكره. اهـ. وحكى ابن المنذر الخلاف ولم يرجح (٥/ ٣٤٥).

стр. 78

وقال البيهقي (٥/ ٥٣): باب لا يغطي المحرم رأسه وله أن يغطي وجهه، وذكر بعض الطرق عن سعيد عن ابن عباس والاختلاف في الزيادة .. وقد مررنا على ذلك بتمامه، ثم أسند عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ... وكذا أخرجه ابن حزم (٧/ ٩١) قلت: أثر عثمان أخرجه مالك (١/ ٣٢٧). وأسند البيهقي أيضًا من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم. وأسند أيضًا عن يعلي بن عبيد عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: يغتسل المحرم ويغسل ثيابه ويغطي أنفه من الغبار ويغطي وجهه وهو نائم. اهـ. ثم قال البيهقي: خالفهم ابن عمر، وأسند من طريق مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم. اهـ. وأثر جابر أخرجه ابن حزم أيضًا، وأخرج كذلك من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن الفرافصة بن عمير قال: كان عثمان وزيد بن ثابت وابن الزبير يخمرون وجوههم وهم محرمون. وأسند ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر وابن الزبير: أنهما كانا يخمران وجوههما وهما محرمان. ومن طريق حماد عن عيسى بن سعد عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: المحرم يغطي ما دون الحاجب. ثم قال ابن حزم: وعن عبد الرحمن بن عوف أيضًا إباحة تغطية المحرم وجهه، وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد وعلقمة وإبراهيم النخعي والقاسم بن محمد كلهم

стр. 79

أفتى المحرم بتغطية وجهه، وبيَّن بعضهم من الشمس والغبار والذباب وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأبي سليمان وأصحابهم. وروي عن ابن عمر لا يغطي المحرم وجهه، وقال بن مالك: ولم ير على المحرم إن غطى وجهه شيئًا لا فدية ولا صدقة ولا غير ذلك، إلا أنه كرهه فقط بل قد روي عنه ما يدل على جواز ذلك. اهـ. وقال أبو الطيب في تعليقه على الدارقطني (٢/ ٢٩٦): وقال الحاكم في كتاب علوم الحديث وذكر الوجه في الحديث تصحيف لرواية الجماعة الثقات من أصحاب عمرو بن دينار على روايته ولا تغطوا رأسه. اهـ. والمرجع في ذلك إلى مسلم لا إلى الحاكم فإن الحاكم كثير الأوهام، وأيضًا فالتصحيف إنما يكون في الحروف المتشابهة وأي مشابهة بين الوجه والرأس في الحروف. إلى آخر كلام أبي الطيب. وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١١/ ٤٥): اختلف العلماء في تخمير المحرم وجهه بعد إجماعهم أنه لا يخمر رأسه، فكان ابن عمر فيما رواه مالك وغيره عنه يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم، ولذلك ذهب مالك وأصحابه، وبه قال محمد بن الحسن من غير خلاف عن أصحابه. قال ابن القاسم: كره مالك للمحرم أن يغطي ذقنه أو شيئًا مما فوق ذقنه؛ لأن إحرامه في وجهه ورأسه، قيل لابن القاسم: فإن فعل أترى عليه فدية؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا ولا أرى عليه شيئًا لما جاء عن عثمان في ذلك، وقد روي عن مالك: من غطى وجهه وهو محرم أن يفتدي، وفي موضع آخر من كتاب ابن القاسم: أرأيت محرمًا غطى وجهه ورأسه في قول مالك. قال: قال مالك: إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه فلم ينزعه مكانه حتى انتفع بذلك افتدى. قلت: وكذلك المرأة إذا

стр. 80

غطت وجهها؟ قال: نعم. إلا أن مالكًا كان يوسع للمرأة أن تسدل رداءها فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترًا، وإن كانت لا تريد سترًا فلا تسدل، قال أبو عمر: روي عن عثمان، وابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله: أنهم أجازوا للمحرم أن يغطي وجهه فهم مخالفون لابن عمر في ذلك، وعن القاسم بن محمد، وطاووس، وعكرمة: أنهم أجازوا للمحرم أن يغطي وجهه، وقال عطاء: يخمر المحرم وجهه إلى حاجبيه، وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كان عثمان وزيد بن ثابت يخمران وجوههما وهما محرمان، وكل من سمينا في هذا الباب من الصحابة ففي كتاب عبد الرزاق. اهـ. قلت: الآثار عن الصحابة وغيرهم انظرها في المصنف (٣/ ٢٧٣) لابن أبي شيبة. وقال أبو محمد في المغني (٥/ ١٥٣) وفي تغطية المحرم وجهه روايتان: إحداهما: يباح ذلك، روي ذلك عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر، والقاسم، وطاوس، والثوري، والشافعي. الثانية: لا يباح، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك لما روي عن ابن عباس أن رجلًا وقع عن راحلته فوقصته فقال رسول الله ﷺ «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي»؛ ولأنه محرم على المرأة فَحُرِّم على الرجل كالطيب، ولنا ما ذكرنا من قول الصحابة ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم فيكون إجماعًا، ولقوله ﷺ : «إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها» وحديث ابن عباس المشهور فيه: «ولا تخمروا رأسه» هذا المتفق عليه وقوله: «ولا تخمروا وجهه» فقال شعبة: حدثنيه أبو بشر ثم سألته عنه بعد عشر سنين فجاء بالحديث كما حدث إلا أنه قال: «ولا تخمروا وجهه ورأسه» وهذا يدل على أنه ضَعَّف هذه الزيادة، وقد روي في بعض ألفاظه: «خمروا

стр. 81

وجهه ولا تخمروا رأسه» (١) فتتعارض الروايتان وما ذكره يبطل بلبس القفازين. اهـ. وقال في الفروع (٣/ ٢٧١): ويجوز تغطية الوجه في رواية اختارها الأكثر وفاقًا للشافعي وفعله عثمان ورواه أبو بكر النجاد عنه، وعن زيد وابن الزبير وأنه قاله ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وجابر وعن ابن عمر روايتان، روى النهي عن مالك؛ ولأنه لم تتعلق سنة التقصير من الرجل فلم تتعلق به حرمة التخمير كسائر بدنه وعنه لا يجوز. اهـ. قلت: الروايتان عن ابن عمر أخرجهما مالك عن نافع عن ابن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم، والرواية الثانية من الطريق نفسها أن عبد الله بن عمر كفن ابنه واقد بن عبد الله ومات بالجحفة محرمًا وخمر رأسه ووجهه وقال: لولا أنا حرم لطيبناه. قال مالك: وإنما يعمل الرجل ما دام حيًّا فإذا مات فقد انقضى العمل. اهـ. قلت: قول مالك هذا يرده الحديث الثابت في الباب وتعليل النبي ﷺ بقوله: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا». ولهذا قال ابن القيم في الهدى (٢/ ٢٤٥) على فوائد القصة وأحكامها الحكم الثاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت وأنه لا ينقطع به وهذا مذهب عثمان وعلي وابن عباس وغيرهم ﵃ وبه قال أحمد والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي فينقطع الإحرام بالموت، وصنع به كما يصنع بالحلال لقوله ﷺ : «إذا مات أحدكم انقطع

стр. 82

عمله إلا من ثلاث» قالوا: «ولا دليل في حديث الذي وقصته راحلته؛ لأنه خاص به» كما قالوا في صلاته على النجاشي إنها مختصة به. وقال الجمهور: دعوى التخصيص على خلاف الأصل فلا تقبل وقوله في الحديث: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» إشارة إلى العلة. اهـ. ثم قال ابن القيم قبل ذلك الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه وقد اختلف في هذه المسألة فذهب الشافعي وأحمد في رواية إباحته، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد (١) في رواية المنع منع وبإباحته قال ستة من الصحابة: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، والزبير (٢)، وسعد بن أبي وقاص، وجابر ﵃. وفيه قول ثالث شاذ إذ كان حيًّا فله تغطية وجهه، وإن كان ميتًا لم يجز تغطية وجهه، قاله ابن حزم: وهو اللائق بظاهريته، واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء الصحابة وبأصل الإباحة وبمفهوم قوله: «ولا تخمروا رأسه» وأجابوا عن قوله: «ولا تخمروا وجهه» بأن هذه اللفظة غير محفوظة، قال شعبة: حدثنيه أبو بشر ثم سألته عنه بعد عشر سنين فجاء بالحديث إلا أنه قال: «ولا تخمروا رأسه» قالوا: وهذا يدل على ضعفها، قال: وقد روي في هذا الحديث فخمروا وجهه ولا تخمروا رأسه. اهـ. وانظر تهذيب السنن له (٤/ ٣٥٢). وقال النووي ﵀ في المجموع (٧/ ٢٨٠) (فرع) مذهبنا أنه يجوز للرجل المحرم ستر وجهه ولا فدية عليه وبه قال جمهور العلماء.

стр. 83

وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز كرأسه واحتج لهما بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره: «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» [رواه مسلم]، وعن ابن عمر أنه كان يقول: «ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم» [رواه مالك والبيهقي وهو صحيح عنه]. واحتج أصحابنا برواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه: «أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم» وهذا إسناد صحيح وكذلك رواه البيهقي ولكن القاسم لم يدرك عثمان وأدرك مروان واختلفوا في مكان إدراكه زيدًا. وروى مالك والبيهقي بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «رأيت عثمان بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان». والجواب: عن حديث ابن عباس أنه إنما نهى عن تغطية وجهه لصيانة رأسه لا لقصد كشف وجهه، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه ولابد من تأويله؛ لأن مالكًا وأبا حنيفة يقولون: لا يمتنع من ستر رأس الميت ووجهه، والشافعي وموافقوه يقولون: يباح ستر الوجه دون الرأس فتعين تأويل الحديث. (وأما) قول ابن عمر فمعارض بفعل عثمان وموافقيه والله أعلم. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٥٤) وقوله: «يبعث ملبيًا» أي: على هيئته التي مات عليها واستدل بذلك على بقاء إحرامه خلافًا للمالكية والحنفية، وقد تمسكوا من هذا الحديث بلفظة اختلف في ثبوتها وهي قوله: «ولا تخمروا وجهه» فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه مع أنهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرمًا، وأما الجمهور فأخذوا بظاهر الحديث وقالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالًا وتردد ابن المنذر في صحته.

стр. 84

قال البيهقي: ذكر الوجه غريب وهو وهم من بعض رواته، وفي كل ذلك نظر فإن الحديث ظاهره الصحة، ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل عن منصور وأبي الزبير كلاهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر الحديث قال منصور: «ولا تغطوا وجهه» وقال أبو الزبير: «ولا تكشفوا وجهه». وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بلفظ: «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه». وأخرج مسلم أيضًا من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بلفظ «ولا يمس طيبًا خارج رأسه» قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك فقال خارج رأسه ووجهه. انتهى. وهذا الرواية تتعلق بالتطيب لا بالكشف والتغطية وشعبة أحفظ من كل من روى هذا الحديث ... انتهى من الفتح. قلت: هذا على لفظ مسلم وفيه تقديم وتأخير، وإلا فسياق النسائي وغيره يدفع كلام الحافظ من أصله وهو صريح، وقول الحافظ وشعبة أحفظ .. إن أراد أصل الحديث فلا وإن أراد طريق أبي بشر فنعم فكان ماذا وجل أصحاب سعيد لا يذكرونها؟! والذي يتحرر لي جواز التغطية للوجه من حاجة: كحَرٍّ، أو غبار أو نحو ذلك، وقد جاء هذا عن بعض الصحابة وحُكِي مذهب الجمهور بلا تقييد كما تقدم، فأما من غير حاجة فتوقيه أفضل وأحوط، وهذا نوع من الجمع بين الآثار والحديث على ما في الزيادة من كلام كما تبين لك. هذا من ناحية أما من ناحية إيجاب الفدية في تغطية الوجه فلا أرى ذلك أصلًا فلا تشغل ذمة مسلم بحديث هذا حاله (١).

стр. 85

الحديث العشرون التطيب قبل الإحرام وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ» [مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ] (١). حديث عائشة ﵂ فيه في قولها: (كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ) يعني أنها طيبت النبي ﷺ بيديها لإحرامه يعني أن الطيب عند عقد الإحرام سنة؛ لأنها قالت: لإحرامه أي: لأجل إحرامه قبل أن يحرم يعني قبل أن يدخل في النسك. (وَلحِلِّهِ): أي بعد إحرامه. (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ) أي: بعد أن رمى ثم ذبح ثم حلق طيبته، ويأتي الخلاف متى يحصل التحلل الأول في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. في الحديث سنية التطيب عند الإحرام، فهل يكون الطيب في البدن والثياب؟ قال بعض أهل العلم: نعم. والإجابة عن حديث «.. وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ» الذي ذكره المؤلف سابقًا كان في الابتداء، فالمحرم ممنوع من ابتداء الثياب الملبوسة المطيبة، أما استدامة الثوب المطيب فإنه لا بأس، وعندنا قاعدة أن أحكام الاستدامة أقوى من أحكام الابتداء، فقد يجوز استدامة الشيء ولكن لا يجوز ابتداؤه. فالمحرم له أن يراجع زوجته إذا طلقها؛ لأن المراجعة من قبيل الاستدامة وليس من باب الابتداء؛ لأنها فرع عن النكاح كما قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾: فهو بعل لا يزال بعلًا في مدة العدة، وأما النكاح ابتداءً فإنه ممنوع كما سيأتي في الحديث الذي يليه.

стр. 86

فما سبق قد يفهم منه القول بأن الإزار والرداء يطيبان، ولكن القول الصحيح أن الإزار والرداء لا يطيبان، وأن هذا الطيب في البدن على القول الراجح، وأن المحرم يتطيب في بدنه ورأسه ولحيته، ولكن لا يلبس ثوبًا مسه طيب، سواء كان لا بسًا له قبل الإحرام، أو بعد الإحرام على القول الراجح في المسألة. ومنهم: من أجاز أن يكون ابتدأه مطيبًا، فإذا خلعه أو أراد لبسه مرة ثانية فإنه ليس له ذلك، ولكن هذا القول ضعيف. فالخلاصة: أن الصحيح في المسألة أن الطيب يكون في البدن، وعلى هذا من طيب ثوبه أو رداءه قبل الإحرام فإنه يجب عليه أن يغسله أو يستبدله. وفيه من الفوائد: أن استدامة الطيب تبقى، وفي الحديث الآخر عنها ﵂ قالت: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله مفرق الرأس» (١) فكان يفرق رأسه من وسطها ويضع مسكًا كثيرًا ﷺ ؛ لأن المسك أطيب الطيب. وكانت تقول: (كان يسيل على إحدانا) فلا ينكره النبي ﷺ فاستدامة الطيب في البدن جائزة. فإن قال قائل: من المعلوم أن الطيب إذا كان كثيرًا في الرأس واللحية فإنه سيعلق باليدين بسبب الحك أو بسبب الوضوء وما أشبه ذلك. نقول: انتقال الطيب في البدن له ثلاثة أحوال: ١ - أن يتعمد نقله إلى بقعة أخرى من البدن لتتسع مساحة الطيب، وهذا ما يجوز وحكمه حكم المتطيب بعد الإحرام.

стр. 87

٢ - أن يسيل الطيب بنفسه؛ لأجل الحَر أو ما أشبه ذلك فيسيل من اللحية على الصدر مثلًا، فهذا لا بأس به وجاء به النص. ٣ - أن ينتقل الطيب بمقتضى ما يسوغ شرعًا (كالوضوء)، فلو مسح رأسه ثم غسل رجليه فانتقل الطيب لهما، فهذا بمقتضى أمر الشارع بالوضوء، وكذلك انتقل بما يسوغ عادة كحك رأسه فيعلق بيده فلا بأس. وفيه أن التطيب عند التحلل الأول سنة قد يغفل عنها كثير من الناس، فإذا رمى وحلق فإنه يتطيب وهذا سنة، وقد كان النبي ﷺ يتطيب وهي ﵂ عبَّرت بقولها: (كُنْتُ) مع أن هذا لم يقع إلا مرة واحدة، والأصل في لفظ: (كان، يكون، كنت) أنها تدل على الشيء الأغلبي لا الشيء الدائم، ولا على الشيء الذي يقع مرة أو مرتين ما لم يقيد بقرائن وهنا مقيد بالواقع.

стр. 88

الحديث الحادي والعشرون مما نهى عنه المحرم وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١). هذا الحديث في سياق ما يَحْرُم على المُحْرِم: فقوله: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ» يشمل الزوجان فإن النكاح يكون منهما فلا تقبل المرأة النكاح ولا يقبله الرجل، وهنا النفي «لَا يَنْكِحُ» متضمن للنهي، والشارع حينما يأتي بـ (لا) النافية فهي أبلغ كثيرًا مما يأتي بـ (لا) الناهية؛ لأن النفي يقتضي النهي. وفيه إخبار على أن (النكاح) للمحرم لا يكون شرعًا؛ لأن الشرع نهى عنه، وإذا نهى عنه الشرع ونفاه فإنه يطلب إعدامه. ومن هنا ذهب بعض أهل العلم أن نكاح المحرم باطل، وأن الإنسان إذا عقد على امرأة وهما محرمان أو أحدهما فإن النكاح باطل، وعلى هذا فتوى كبار الصحابة. وقوله: «وَلَا يُنْكِحُ» هذا يتناول الولي فهو خطاب للولي بأن لا يزوج موليته، فالمرأة لا تَقْبَل ولا الزوج يَنْكح ولا الولي يَعْقِد للمرأة. وقوله: «وَلَا يَخْطُبُ» فيه النهي عن النكاح ووسائله. وينهي عن الجماع من باب أولى هذا بالإجماع في هذه المسألة، فالجماع ووسائله وذرائعه كلها محرمة؛ لأن الجماع أعظم مفسدات الحج، بل أعظم ما نُهي عنه في الحج، ولا يفسد النسك حجًّا أو عمرة شيء من المناهي إلا الجماع، ولهذا أكد النهي عنه بالنهي عن وسائله وذرائعه.

стр. 89

وقد تكون ذريعة وذريعة أخرى؛ فالجماع محرم والذريعة إليه النكاح والذريعة إلى النكاح الخطبة وكلاهما محرم. وفي الحديث تحريم هذه الثلاثة أشياء، وأيضًا المباشرة وهذه ثابتة بالنص في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ الآية. والرفث هو: الجماع ودواعيه. فإذا جامع الإنسان قبل التحلل الأول ترتب عليه خمسة أمور: ١ - الإثم. ٢ - وفساد النسك. ٣ - ووجوب المضي فيه. ٤ - ووجوب الفدية وهي بدنة. ٥ - ووجوب القضاء من العام القادم. أما الإثم فهو بالنص والإجماع؛ لأن من فعل شيئًا مما سبق مرتكب للنهي. وأما الباقية فهي من فتاوى الصحابة كـ: عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وابن عمرو وأبو هريرة ... وغيرهم، ونقله شيخ الإسلام إجماع الصحابة والتابعين وعلى هذا عامة العلماء، وأما ابن حزم فقال: لا يجب المضي في النسك الفاسد، وهذا القول فاسد. وفيه أن العقد باطل، وأما الخطبة فقيل مكروهة؛ لأنها وسيلة إلى النكاح والنكاح محرم. وقال بعضهم: هي محرمة؛ لأن الحديث سيق مساقًا واحدًا، وهذا هو الصحيح أن الخطبة محرمة.

стр. 90

وهل هناك فدية في النكاح أو الخطبة؟ الصحيح أنه ليس هناك في النكاح ولا في الخطبة فدية. إذًا الخطبة والعقد محرمان ولا فدية فيها. فإن قال قائل: هذا الحديث عارضه ما رواه البخاري من حديث ابن عباس أن النبي تزوج ميمونة وهو محرم؟ فالجواب من وجوه: ١ - أن ميمونة ﵂ نفسها كما في صحيح مسلم قالت (أن النبي تزوجها وهو حلال) (١). ٢ - قول أبي رافع: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما) (٢) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما وفي إسناده مطر الوراق. ٣ - أن زواج النبي ﷺ وهو حلال موافق للنهي هنا عن نكاح المحرم، وما توهمه بعضهم من التخصيص ليس بشيء (٣). ٤ - أن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة يخبر عن خالته أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال، كما أخرج مسلم (٤) في كتاب النكاح، وليته أخرجه في كتاب الحج، وأخبر بذلك عمر بن عبد العزيز حينما سأله عن هذا وقبل عمر بن عبد العزيز قوله: كما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، ولا شك أن الإنسان إذا كان من أهل البيت فهو أعلم بحال قريباته.

стр. 91

٥ - وجاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: (وهم ابن عباس) (١) رواه أحمد في المسند وغيره وفي سنده بعض مقال. والخلاصة: أن أهل العلم أجمعوا على أن ابن عباس وَهِمَ في هذا الحديث. وعند الأصحاب أنه إذا حل التحلل الأول وبقي التحلل الثاني فإنه أيضًا لا يجوز النكاح بعد هذا التحلل، وذهب شيخ الإسلام ﵀ وجماعة من أهل العلم إلى أنه إذا حل التحلل الأول فإنه له أن يتزوج وهو الصحيح؛ لأنه إنما نهى عن النكاح وهو محرم، فإذا حل التحلل الأول لم يبق عليه إلا تحريم جماع النساء. والأصحاب احتجوا بحديث «حل له كل شيء قال: إلا النساء» (٢) وقالوا: النساء يشمل الجماع والعقد، وبعضهم قال حتى المباشرة، والصحيح أن العقد جائز ولكن هل يباشر أو لا؟ يُقَبِّل أو لا؟ محل خلاف بين أهل العلم وسيأتي تحقيق القول في ذلك. سؤال عن الجماع قبل الوقوف بعرفة وبعد الوقوف بعرفة؟ أما المشهور عن الحنفية أنه إذا جامع بعد الوقوف فإن الحج صحيح، وقالوا بأنه أمِن الفوات فأمِن الفساد فالنبي ﷺ يقول: «الحج عرفة» (٣) فإذا جامع بعد الوقوف بعرفة فإن حجه صحيح، والجمهور على أن من جامع قبل التحلل الأول فإن حجه فاسد، وإن جامع بعد التحلل الأول فإن حجه صحيح، ولكن إحرامه فاسد، فعليه أن يجدد الإحرام بأن يذهب إلى الحل ويحرم من جديد حتى يطوف ويسعى بإحرام صحيح، والجمهور أجابوا عن حديث «الحج عرفة» فقالوا: كون الحج عرفة لا يمنع أن الإحرام بعد

стр. 92

عرفة إحرام كامل لم يدخله النقص حتى يتحلل، وكونه أمن الفوات لا يعني أنه أمن الفساد، فإن حاله بعد عرفة مثل حاله قبلها، ولا يخف الإحرام إلا بالرمي أو الحلق أو الطواف والسعي، إذا فعلها كلها جاز له كل شيء، وقول الجمهور أصح، وأنه إن جامع بعد الوقوف بعرفة فإن حجه فاسد حتى يحل الإحرام بما يحل به التحلل الأول وسيأتي إن شاء الله.

стр. 93

الحديث الثاني والعشرون، والثالث والعشرون مما نهي عنه الحاج وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الحِمَارَ الوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ - قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ لِأَصْحَابِهِ - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ -: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرْمٌ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (٢). هذان الحديثان يتعلقان بالصيد وهو منهي عنه للمحرم أي: (صيد البر) لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ...﴾ الآية [المائدة: ٩٦] فإذا أحرم الإنسان حَرُم عليه الصيد. وفي حديث أبي قتادة وكان هذا في سنة صلح الحديبية، وقد أحرم الصحابة وهو لم يحرم فرأى حمارًا وحشيًا فأراد صيده، فركب خيله وطلب من أصحابه أن يعطوه سوطه، وقد سقط منه أو نسي أن يأخذه فلم يعطوه، ثم ذهب واصطاده ثم أتى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قالوا: لا. قال: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». وهنا أمور ينبغي النظر إليها: الأول: أنه لم يصده أحد من المُحْرِمِين بل صاده أبو قتادة وهو حلال. الثاني: أن المحرمين لم يشيروا بشيء.

стр. 94

الثالث: أنه لم يصده لهم كما هو ظاهر، ودل على ذلك حديث الصعب بن جثامة، وهذا هو الجمع بين الحديثين ففي حديث الصعب بن جثامة أن النبي ﷺ لم يقبله منه؛ لأن صاده له ﷺ . فالخلاصة: أن المحرم إذا صاد صيدًا فإن الصيد ميتة فإنه لا يحل له، وإذا أعان على صيده فإنه لا يحل له، وإذا صيد له فإنه لا يحل له. وما سوى ذلك فحلال كما لو صاده حلال وأهداه لمحرم ولم يكن صاده لأجله فإنه حلال. وفي هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن مطلب عبد الله بن حنطب عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» (١) ولكن الحديث مع أن في متنه الفيصل لكن في سنده (المطلب عبد الله بن حنطب لم يسمع من جابر) ولكن العلماء أخذوا بمعناه رغم ضعفه. والحمار الوحشي معروف وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: هو ما يسمى بالوضيحي (نوع من الغزلان) ونوقش في ذلك. والصحيح: أنه هو مثل الحمار الإنسي ولكنه متوحش يفر من الآدميين، ومخطط البدن بالسواد، ونص على ذلك الزركشي بن بهادر الشافعي في كتابه «المنثور في القواعد» (جـ٢، ص٢٢٣)، وقال: (إن هذا هو المؤثر في الحكم مع الاستيحاش). فبعض أهل العلم نحى منحى الجمع بين حديث أبي قتادة وحديث الصعب ابن جثامة على قولين:

стр. 95

القول الأول: أن حديث الصعب بن جثامة متأخر، فحديث أبي قتادة في صلح الحديبية في العام السادس من الهجرة، وحديث الصعب في العام العاشر فهو ناسخ، وفيه أن الصيد يحرم إذا أهدي للمحرم. والقول الثاني: أن الجمع ممكن ولا يُصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع. والمراتب: الجمع ثم النسخ ثم الترجيح. والجمع ممكن وهو أنه في حديث أبي قتادة لم يُعِنْهُ أحد ولم يصده لأجلهم، وأما في حديث الصعب فإنه صاده لأجل النبي ﷺ . ومما يستفاد من الحديث: ١ - أن الإنسان إذا أهديت له هدية ولا تحل له يردها ويعتذر ويبين سبب عدم القبول كما بين النبي للصعب وقد كان كريمًا مضيافًا فدفع للنبي ﷺ الحمار الوحشي ولكن النبي اعتذر له وقال: «إنا محرمون». ٢ - أن الإنسان المحرم يحل له ما صاده غير المحرم لنفسه إذا لم يُصَدْ له ولم يعن أحدًا في صيده. ٣ - ويستفاد من حديث أبي قتادة في صيد الحمار الوحشي جواز أن يستوهب من صاحبه شيئًا، وبوب البخاري في كتاب الهبة: باب من استوهب من صاحبه شيئًا .... فهذا جائز إذا علم طيب نفوسهم كأن يقول الشخص ناولني كذا وكذا فلا بأس. ومبايعة النبي ﷺ أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئًا، وأن أحدهم يسقط سوطه فينزل فيأخذه (١) هذا مبالغة في الاستغناء، وإلا فهو جائز.

стр. 96

وقد ذكر البخاري في الترجمة المذكورة حديث سهل بن سعد في طلب النبي ﷺ من المرأة أن تعمل له أعواد المنبر (١). وكتاب البخاري كتاب عظيم أعظم كتب السنة فقهًا وحديثًا ولن تجد في كتب السنة مثل كتاب البخاري، ونصيحتي لطلبة العلم أن يحفظوه إن استطاعوا؛ لأن البخاري فقيه محدث، فإن أبوا فليكثروا من النظر فيه ومدارسته. مسألة: ولو أن المحرم رأى صيدًا فضحك وأخذ ينظر، فنظر إليه الحلال فإذا هو يضحك وينظر، فنظر إلى جهة نظره فإذا هو إلى الصيد فصاده هل يحرم أو لا؟ الجواب؟ لا يحرم وهذه قصة أبي قتادة ولهذا بوب البخاري «باب إذا رأى المحرمون صيدًا فضحكوا ففطن الحلال». وهذا الضحك لا يعتبر إعانة. سؤال: هل جميع أنواع الإشارة تعتبر إعانة ممنوعة؟ جواب: كل ما يمكن أن يسمى إشارة أو إعانة وما أشبه ذلك ممنوع.

стр. 97

الحديث الرابع والعشرون ما أبيح قتله من الدواب وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَواسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحِلّ وَالحَرَمِ: العَقْرَبُ، وَالحِدَأَةُ، وَالغُرَابُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). هذه الدواب يقتلن في الحل والحرم؛ لأذيتهن. فقوله: «خَمْسٌ» هذا مفهوم عدد ليس فيه الحصر، وقد جاء في بعض طرق البخاري: «والحية» (٢) وعند أبي داود: «السبع العادي» (٣). وقوله: «كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ» الفاسق: هو الخارج عن حد الاعتدال، والفسوق: الخروج، وفي هذا قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. أي: خرج عن طاعة ربه وما أراداه منه. و «العَقْرَبُ»: هي الدابة المعروفة ذات السم وهذه تُقْتَل حتى في الصلاة والنبي ﷺ أمر بقتل الأسودين كما في حديث يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وهو حديث صحيح. «وَالحِدَأَةُ»: طائر معروف ينتشل اللحم ويسرقه، وفي قصة عائشة ﵂ في قصة المرأة التي كانت لها حفش (٤) في المسجد وكانت تتمثل بأبيات كثيرة منها هذا البيت:

стр. 98

ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... إلا أنه من بلدة الكفر أنجاني وكانت عائشة ما جلست معها إلا تسمع هذا البيت فقالت: ما قصته؟ قالت: إني كنت عند أناس وفقدوا وشاحًا أحمر كان على إحدى جواريهم أتته الحدأة فأخذته تظنه لحمًا، قالت: ففتشوني حتى فتشوا قُبُلَهَا قالت: فبينما هم كذلك أتت الحدأة فرمت بالوشاح (١). وبوب عليه البخاري (باب نوم المرأة في المسجد). «وَالغُرَابُ»: هو طائر خبيث أسود في ظهره وبطنه بياض يؤذي المزارعين. «وَالفَأْرَةُ»: هي الدابة التي تخرق وتشق الأقمشة، وتسرق الذهب كما قال بعضهم، وتفسد الأطعمة، وتقذر بفضلاتها. «وَالكَلْبُ العَقُورُ»: قد يقال أنه اسم جنس فيشمل الأسد والنمر، اعتمادًا على ما روي أن النبي دعى على بعض ولد أبي لهب: اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك فقتله الأسد (٢). خرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة وهو مشهور في أخبار السيرة لكن ليس له إسناد قائم. وقيل: أنه الكلب، والصحيح أنه يشمل كل كلب عقور يفترس ويعدو ويؤذي ويعقر الدواب والناس. والدواب قال أهل العلم فيها إنها ثلاثة أقسام من حيث القتل وعدم القتل:

стр. 99

١ - قسم أمر النبي ﷺ بقتله كهذه الخمس، والوزغ كذلك وسماه فويسقًا كما في حديث أم شريك الذي رواه البخاري وفيه قال: كان ينفخ النار على إبراهيم (١)، وقاس عليها العلماء كل مؤذي من الدواب. ٢ - قسم ينهى النبي ﷺ عن قتله مثل: «النملة، والنحلة، والهدهد، والصُرد» (٢). ٣ - قسم مسكوت عنه. فقال بعضهم: يباح قتلها؛ لأن سكوت الشارع عفو. وقال بعضهم: لا تقتل؛ لأن الله خلقها لحكمة، وبخاصة إن كان الأصل أنها غير مؤذية، فالأولى تركها ما لم يكن حصل منها ضرر وأذية، ولهذا جاء النهي عن قتل الهدهد والنملة والنحلة. وقد لا يكون في بعضها فائدة كالصرد: وهو طائر أكبر من العصفور قليلًا، والنملة قد لا يكون فيها فائدة بل قد يصير بها شيء من الإفساد بحق الأرض، لكن الأصل في النمل أنه لا يقتل، وإن أمكن دفع أذيته بغير القتل كالكنس أو الفخ بالهواء، فلا يقتل إلا إذا لم يندفع شره إلا بالقتل قتلت. مسألة: وهل تقتل هذه الدواب الخمس ابتداءً؟ نعم. تقتل ابتداءً، وليس معنى هذا أن ينشغل الإنسان بالبحث عنها وطردها لكن إذا عرضت له قتلها، ويكون في قتلها امتثالًا لأمر النبي ﷺ لهذا لما كان الصحابة - رضي الله عليهم أجمعين - بمنى

стр. 100

خرجت عليهم حية فابتدروها يقتلوها فدخلت الجحر فقال النبي ﷺ : «كفيت شركم وكفيتم شرها» (١). وجاء في بعض الأحاديث تقييد الغراب بالأبقع والصحيح كل الغربان وإن صحت فيكون لشدة أذيته وجاء الأبقع في مسلم (٢).

стр. 101

الحديث الخامس والعشرون مما يُباح للمحرم فعله وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُو مُحْرِمٌ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). هذا الحديث اختصره المؤلف، وليته أتى بسياق يدل عل تعلق الحجامة بالرأس، ولا أدري ما السبب الذي جعل المؤلف اختصره، فلفظ البخاري «أنه احتجم في رأسه وهو محرم» (٢)، وجاء عن ابن بحينه ﵁ (٣) كذلك في الصحيحين «أنه احتجم في وسط رأسه» (٤). وهذه الزيادة مهمة جدًّا؛ لأنه لو لم تأت هذه الزيادة لما كان للإتيان به في هذا المكان معنى؛ لأنه حينما كان في الرأس والرأس ينهى عن حلقه إذا كان الإنسان محرمًا، فلما حلقه واحتجم -؛ لأن الحجامة لابد فيها من أخذ بعض الشعر - دل هذا عل فوائد منها: ١ - جواز الاحتجام للمحرم. ٢ - وجواز أخذ بعض الشعر من الرأس إذا احتاج للحجامة. وهذا إذا فعله المحرم فهل يفدي أو لا؟ الصحيح أنه لا يفدي لأمرين: ١ - أن النبي ﷺ ، لم يفد ولم يقضي فيه بشيء.

стр. 102

٢ - أنه حَلْقٌ لجزء يسير واليسير مغتفر فإنما هو بقدر المحاجم وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ هذا في جميع الرأس.

стр. 103

الحديث السادس والعشرون وجوب الفدية على من اضطر لحق الرأس وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: حُمِلْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْت أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِك مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟» قُلْت: لَا، قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أُطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» [مُتَّفْقٌ عَلَيْهِ] (١). كعب بن عجرة أحد الصحابة كان أصابه قمل كثير في رأسه، فحمل إلى الرسول ﷺ والقمل يتناثر عل وجهه فقال ﷺ : «ما كُنْت أُرَى» أي: أظن فـ (أُرى) بالضم يعني أظن، أما (أَرى) بالفتح فهو البصر العيني. وقوله: «أَتَجِدُ شَاةً؟» هذا يوهم الترتيب، لكنه في كتاب الله تعالى على التخيير في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فلعله إنما قال شاة عل سبيل التخيير أو الأفضلية لا على سبيل الترتيب بسبب صريح القرآن، وكما هو صريح في بعض سياقات حديث كعب بن عجرة ﵁ «أنسك شاة أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيامًا» (٢). وفيه الفدية عل الإنسان إذا حلق شعره من أجل وجود قمل أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا الشعر يتعلق به النسك فكان فيه الفدية وهى على التخيير. وأهل العلم يسمونها: (فدية أذى) وتكون: - إما يذبح شاة تجزئ في الأضاحي سليمة من العيوب الممنوعة شرعًا، وبلغت السن المجزية، وهكذا كل دم واجب أو مستحب كالهدي والأضاحي والعقيقة. - أو يطعم ستة مساكين لكل واحد نصف صاع. - أو يصوم ثلاثة أيام.

стр. 104

قال أهل العلم: الذبح والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء. وقعد أهل العلم قاعدة هي: «إن الإنسان إذا أتلف شيئًا لدفع أذاه له فإنه لا يضمن، وإذا أتلفه لدفع أذاه به فإنه يضمن». وهنا أتلف الشعر لدفع أذاه به، فإن الأذى متعلق بالقمل لا الشعر، ولا يمكن إذهاب القمل إلا بحلق الشعر، فأُتْلِف الشعر لدفع أذى القمل له. ومثل ذلك لو أن إنسانًا صال عليه جمل أو شاة ولم يكن يستطيع دفع أذاها إلا بالقتل فإنه لا يضمن؛ لأنه أتلفها لدفع أذاها له فهي مؤذية له لم يندفع شرها إلا بالقتل. ولكن لو أنه جاع جوعًا شديدًا وأراد دفع أذى الجوع عنه بذبح هذا الجمل أو الشاة فإنه يضمن؛ لأنه دفع أذى الذي لحقه بإتلاف هذا الجمل أو الشاة وهي للغير فإنه يكون ضامنًا. وعليه كما قال أهل العلم: لو أن إنسانًا انكسر ظفره وآلمه، أو سقطت شعرة في عينه وكانت الشعرة هي المؤذية فقطعها وقطع الأظفر فلا فدية، لكن لو أصابه القمل فلا يمكن إتلاف هذا القمل إلا بحلق الشعر فالشعر لم يحصل منه أذى فعندها يضمن والضمان هنا الفدية كما تقدم. وقد قسم أهل العلم فعل المحظور إلى ثلاثة أقسام: ١ - أن يفعله عالمًا ذاكرًا مختارًا غير معذورًا، فهذا عليه الإثم وما يترتب عليه فعل ذلك المحظور. ٢ - أن يفعله معذورًا بجهلٍ أو نسيان أو إكراه، فهذا لا إثم ولا فدية عليه. ٣ - أن يفعله عالمًا ذاكرًا مختارًا ولكنه معذور مثل قصة كعب بن عجرة فهذا عليه فدية وليس عليه الإثم.

стр. 105

الحديث السابع والعشرون مما نهي عنه المحرم وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» فَقَالَ العَبَّاسُ: إلَّا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). هذا الحديث يتعلق بالمناسك في مسألة «ولا يُخْتَلَى شَوْكُهَا» و «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا» وفتح النبي ﷺ لمكة أسبابه معروفة في السيرة، وهى نقض العهد فسلط الله رسوله على المشركين، وصار الفتح عنوة بالسيف والغلبة والقهر في العام الثامن من الهجرة. وقوله: «إنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ» أي: قصة الفيل المعروفة في كتاب الله «وسلط الله عليها رسوله والمؤمنين» في سنة الفتح ولهذا قال: «وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ؛ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ». وقوله: «سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» أي: فترة من نهار. وجاء في مسند أحمد: أن الساعة من النهار كانت من طلوع الشمس إلى صلاة العصر (٢). ثم بعد ذلك عادت حرمتها كحرمتها يوم خلق السماوات والأرض أي: أنها محرمة ولم تحل لأحد حتى من الأنبياء غير النبي ﷺ .

стр. 106

وقوله: «فلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» أي: لا يزجر ولا يطرد، كما لو رأى ظبيًا أو صيدًا في ظل، فليس له أن ينفره ويجلس مكانه في الظل. وقوله: «وَلَا يُخْتَلى» أي: لا يقطع. «خلاها» والخلا هو الكلأ (العُشْب). والمراد به ما أنبته الله لا ما تسبب الآدميون في إنباته فغرسوه. وبعض الحكمة التي ظهرت لأهل العلم من ذلك: حتى يتوفر ذلك لدواب الحجاج والعمار. فبهذا تكون الأرض كثيفة لا يجوز لأحد أن يختليها بنفسه، لكن لو أن الدواب رعت فيها من إبل وبقر وغنم وغيرها فلا بأس، ولهذا لم ينقل أن أحدًا من الحجاج والعمار يكممون أفواه الدواب عن الاحتشاش، وأكل ما أنبتته الأرض. ولكن أن يأتي الإنسان ويحتطب أو يحتش أو يكسر الشوك فهذا كله لا يجوز، بل يتوفر هذا الظلال وذلك الكلأ (العُشْب) للناس ودوابهم. مسألة: وهل في قطعه كفارة؟ الصحيح لا كفارة فيه وهو مذهب الجمهور، وذهب بعض أهل العلم أن الدوحة الكبيرة (الشجرة العظيمة) فيها بقرة، ويروى هذا عن ابن عباس وتلاميذه جاهد وعطاء وابن الزبير والأسانيد إليهم فيها مقال (١)، ولو صحت فإن هذا القول ضعيف، والصحيح أنه آثم وليس عليه فدية. وقوله: «وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» أي: اللقطة لا تحل إلا لمنشد أي: لمعرف يعرفها الدهر كله ليس كسائر الأمصار؛ لأن سائر الأمصار تعرف سنة واحدة، ثم بعد التعريف تكون ملكًا للمُعَرِّف.

стр. 107

قال: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» أي: إما أن يَقْتُل القاتل أو أن يقبل الدية. فقال العباس: «إلَّا الإِذْخِرَ» أي: رخص لنا يا رسول الله فيه، وهذا معطوف عل قوله ﷺ : «وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا» وفي رواية: (خلاها) فسمح فيه ﷺ ؛ لأنه يكون في البيوت يخلطونه بالطين فيقوى الطين، ويضعونه عل قبورهم يغلقون به قبورهم. ويستفاد من الحديث تحريم القتال في مكة، لكن إذا قُتل الإنسان فله أن يقاتل كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ...﴾ الآية [البقرة: ١٩١].

стр. 108

الحديث الثامن والعشرون مكة والمدينة حرام وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْت المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْت فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] (١). وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَامٌ (٢) مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٣). هذان الحديثان يتعلقان بالحرم لا الإحرام، وقوله ﷺ : «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا»، وثبت أيضًا في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم مكة» (٤) ولا منافاة، لأن الله أنشأ التحريم وإبراهيم ﵇ أظهره وبلغه ثم دعا لأهلها. ثم قال: «وَإِنِّي حَرَّمْت المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» ألا بجري فيها القتال وأن تكون أحكامها كما مر معنا. وقوله: «وَدَعَا لِأَهْلِهَا» وهو كما ذكر الله ﵎ من قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ...﴾ الآية [البقرة: ١٢٦] والنبي ﷺ دعا لأهل المدينة وحرمها كما دعا إبراهيم لأهل مكة وحرمها وقال: «وَإِنِّي دَعَوْت فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْراهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» وبمثلي: أي ضعفي. ولهذا يوجد من البركة في الطعام في مكة والمدينة ما ليس في غيرهما.

стр. 109

ومن أعظم ما يستفاد من الحديث: - أن هاتين المدينتين حرمهما الخليلان، مكة حرمها إبراهيم خليل الله وهو أفضل الخلق بعد محمد ﷺ ، والمدينة حرمها النبي ﷺ وهي عاصمة الإيمان وإليها يجتمع ويأزر كما قال ﷺ : «إن الإيمان ليأرز إلى مكة والمدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» (١) أي: ينضم ويجتمع. فني آخر الزمان لا يكون هناك إيمان إلا في مكة والمدينة، وهما المدينتان اللتان تُحفظان من الدجال (٢)، فإنه سيطأ الأرض كلها إلا هاتين، فلهما أبواب وأسوار في آخر الزمان، حينما تعود الأوضاع كما كانت سيوف وخيول بها يحتاط الناس لبلدهم، كما هو الحال في سالف الدهر وأسوار تمنع من نفوذ العدو واللصوص. ويكون عل أنقابها ملائكة بسيوف مصلتة (٣) فلا يدخلها الدجال. - وأن الله قد جعل في طعامهما البركة، ومن سكنهما عرف بركة المطاعم، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ وقد استوطن المدينة دهرًا حينما كان نائبًا ثم رئيسًا للجامعة الإسلامية قال: «من سكن المدينة يعرف ذلك» أي: بركة الطعام الذي يكال ويصاع، ولا شك أن من شرب من ماء زمزم في مكة وأكل من طعام مكة واستوطن المدينة يعرف البركة في المأكل والمشرب. وقال بعضهم: إن جو المدينة من أصح بلاد الله فلا تدخلها الأوبئة. وفي الصحيح من حديث أنس وغبره: أن المدينة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون (٤).

стр. 110

وفي حديث على تحديد الحرم المدني ما بين عير إلى ثور، وثور: هو جبل خلف أحد، وعير: جبل في المدينة قبل الميقات على يسار الذاهب إلى المقيات، وهذا لا ينافي أن النبي ﷺ حرَّم ما بين لابتيها (١)، فاللابتين شرقية وغربية، والجبلان شمالي وجنوبي.
следующие страницы →