← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 17062

روايات الجامع الصحيح ونسخه «دراسة نظرية تطبيقية»

جمعة فتحي عبد الحليم

Полный текст (885 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقد يكتب في علامة (أَخْبَرَنا) راء بعد الألف، وفي علامة (حَدَّثَنا) دال في أولها (١). وممن رأيت في خطه الدال في علامة (حَدَّثَنا) الحافظ: أبو عبد الله الحاكم وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي والحافظ أحمدُ البيهقي ﵃. والله أعلم. وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ما صورته (ح) وهي حاء مفردة مهملة (٢)، ولم يأتنا عن أحد ممن يعتمد بيان لأمرها؛ غير أني وجدت بخط الأستاذ الحافظ أبي عثمان الصابوني، والحافظ أبي مسلم عمر بن علي الليثي البُخارِيّ، والفقيه المحدث أبي سعيد الخليلي - رحمهم الله تعالى - في مكانها بدلًا عنها (صح) صريحة، وهذا يشعر بكونها رمزًا إلى (صح)، وحسن إثبات (صح) ههنا؛ لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يُرَكَّب الإسناد الثاني على الإسناد الأول، فيجعلا إسنادًا واحدًا. وحكى لي بعض من جمعتني وإياه الرحلة بخراسان عمن وصفه بالفضل من الأصبهانيين، أنها حاء مهملة من التحويل. أي: من إسناد إلى إسناد آخر. وذاكرت فيها بعض أهل العلم من أهل المغرب، وحكيت له عن بعض من لقيت من أهل الحديث أنها حاء مهملة إشارة إلى قولنا (الحديث) فقال لي: أهل المغرب - وما عرفت بينهم اختلافًا - يجعلونها حاء مهملة، ويقول أحدهم إذا وصل إليها: (الحديث) وذَكَر لي أنه سمع بعض البغداديين يذكر أيضا أنها حاء مهملة، وأن منهم من يقول إذا انتهى إليها

стр. 107

في القراءة: (حا) ويَمُرُّ. وسألت أنا الحافظ الرحال أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الرُّهاوي ﵀ عنها فذكر أنها (حاء) من (حائل) أي: تحَوُّلُ بين الإسنادين، قال: ولا يلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة وأنكر كونها من الحديث وغير ذلك، ولم يَعرِفْ غيرَ هذا عن أحد من مشايخه، وفيهم عدد كانوا حفاظ الحديث في وقته. وأختار أنا - والله الموفق - أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: (حا) ويمر فإنه أحوط الوجوه وأعدلها، والعلم عند الله تعالى (١). السادس عشر: ذكر الخطيب الحافظ: أنه ينبغي للطالب أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه، وكنيته ونَسَبَه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظه، قال: وإذا كتب الكتاب المسموع، فينبغي أن يكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه، وتاريخ وقت السماع، وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب فكل ذلك قد فعله شيوخنا. قلت: كِتْبَةُ التسميع جنب (ذَكَره) أحوط له وأحرى؛ بألا يخفى على من يحتاج إليه ولا بأس بكتبته آخر الكتاب، وفي ظهره وحيث لا يخفى موضعُه. وينبغي أن يكون التسميع بخط شخص موثوق به، غير مجهول الخط، ولا ضير حينئذ في ألا يكتب الشيخ المسمع خطه بالتصحيح، وهكذا لا بأس على صاحب الكتاب إذا كان موثوقًا به أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فطالما فعل الثقات ذلك. وقد حدثني بمرو الشيخ أبو المظفر ابن الحافظ أبي سعد المَرْوَزيّ عن أبيه، عمن حدثه من الأصبهانية: أن عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده قرأ

стр. 108

ببغداد جزءًا على أبي أحمد الفرضي وسأله خطه؛ ليكون حجة له، فقال له أبو أحمد: يا بني عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد؛ وتُصدَّقُ فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك فلو قيل لك: ما هذا خطُّ أبي أحمد الفرضي ماذا تقول لهم؟! ثم إن على كاتب التسميع التحري والاحتياط وبيان السامع والمسموع منه بلفظ غير محتمل، ومجانبة التساهل فيمن يثبت اسمه، والحذر من إسقاط اسم واحدٍ منهم لغرض فاسد. فإن كان مثبت السماع غير حاضر في جميعه ليكن أثبته معتمدًا على إخبار من يثق بخبره من حاضريه، فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى. ثم إن من ثبت سماعه في كتابه فقبيح به كتمانه إياه ومنعه من نقل سماعه، ومن نسخ الكتاب، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به. رُوِّينا عن الزهري أنه قال: إياك وغلول الكتب. قيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها (١). وروينا عن الفضيل بن عِياض ﵁ أنه قال: ليس من أفعال أهل الورع ولا أفعال الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه فيحبسه عنه؛ ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه (٢). فإن منعه إياه فقد رُوِّينا أن رجلًا ادعى على رجل بالكوفة سماعًا منعه إياه فتحاكما إلى قاضيها حفص بن غياث، فقال لصاحب الكتاب: أخرج إلينا كتبك، فما كان من سماع هذا الرجل بخط يدك ألزمناك، وما كان بخطه

стр. 109

أعفيناك منه. قال ابن خلاد: سألت أبا عبد الله الزبيري عن هذا، فقال: لا يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا، لأن خط صاحب الكتاب دال على رضاه باستماع صاحبه معه. قال ابن خلاد: وقال غيره: ليس بشيء (١). وروى الخطيب الحافظ أبو بكر، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي: أنه تحوكم إليه في ذلك، فأطرق مليًّا، ثم قال للمدعى عليه: إن كان سماعه في كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعه في كتابك بخط غيرك فأنت أعلم (٢). قلت: حفص بن غياث معدود في الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة، وأبو عبد الله الزبيري من أئمة أصحاب الشافعي وإسماعيل بن إسحاق لسان أصحاب مالك، وإمامهم وقد تعاضدت أقوالهم في ذلك، ويرجع حاصلها إلى أن سماع غيره إذا ثبت في كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه، وقد كان لا يتبين لي وجهه، ثم وجَّهتهُ بأن ذلك بمنزلة شهادة له عنده فعليه أداؤها بما حوته، وإن كان فيه بذل ماله، كما يلزم متحمِّلَ الشهادة أداؤها، وإن كان فيه بذل نفسه بالسعي إلى مجلس الحكم لأدائها، والعلم عند الله تعالى. ثم إذا نسخ الكتاب فلا ينقل سماعه إلى نسخته إلا بعد المقابلة المرضية. وهكذا لا ينبغي لأحد أن ينقل سماعًا إلى شيء من النسخ، أو يثبته فيها عند السماع ابتداء إلا بعد المقابلة المرضية بالمسموع؛ كيلا يغتر أحد بتلك النسخة غير المقابلة؛ إلا أن يبين مع النقل وعنده كون النسخة غير مقابلة (٣)

стр. 110

والله أعلم. هذا آخر ما ذكره أبو عمرو ابن الصلاح في هذا النوع، وهو طويل جدًّا وهو في غاية النفاسة، وفيه فوائد وفرائد كثيرة تعالج أخطاء كثير من القائمين

стр. 111

بطباعة الكتب في عصرنا الحاضر، فهذه الضوابط إنما كانت نتيجة الدرس والنظر والمباحثة في قرون طويلة، ووقائع متعددة فأنتجت مثل هذه الدقائق والضوابط. ولقد اخترت سوق هذا النوع بتمامه من عند ابن الصلاح رحمه الله تعالى، وإن كان قد تكلم في ذلك من هو قبله؛ لعدة أسباب: أولها: أن ابن الصلاح قد استوعب ولخص ما قيل قبله؛ حيث ذكر ما جاء عند الرامهرمزي والقاضي عِياض والخطيب وغيرهم، كما هو واضح فيما سبق. ثانيها: التأكيد على أن ما اصطلح عليه المتأخرون من علامات للترقيم وضوابط الكتابة لا يمثل إلا جانبًا صغيرًا بالنسبة لضوابط المتقدمين، وليعلم أنصار المستشرقين وتلاميذهم أن في كتب الأوائل من المحدثين على سبيل الخصوص من استوعب هذه القواعد، وأنهم سبقوا المستشرقين في وضع قواعد للكتابة ابتداءً ثم العرض والمقابلة وضوابط التصحيح ثانيًا .. ، إلى غير ذلك من الآداب التي تجب عند السماع والإسماع والرِّواية وغيرها. ثالثها: أن ابن الصلاح قد طبق هذه القواعد، وخاصة ما يتعلق بمجالس السماع. فقد كان ابن الصلاح رحمه الله تعالى أول من جلس للتحديث بدار الحديث الأشرفية سنة (٦٣٠) هـ والتي بناها السلطان الأشرف رحمه الله تعالى (١).

стр. 112

وكان ابن الصلاح في هذه الدار قد أسمع الطلاب والحاضرين الكتاب العظيم: «السنن الكبرى» للإمام البيهقي رحمه الله تعالى. ولقد سجل لنا التاريخ وحفظ من التلف والضياع سماعًا لهذا الكتاب على الإمام أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى. ونص هذا السماع جاء في آخر المجلد الثامن من «السنن الكبرى» من الطبعة الهندية، رواه عنه بالسند إليه أبو عمرو بن الصلاح في دار الحديث الأشرفية بدمشق الشام سنة (٦٣٤) هـ في مجالس بلغت في المجلد فقط تسعين مجلسًا، أما مجالس الكتاب كله فبلغت سبعمائة وسبعةً وخمسين مجلسًا، وتحمله عن الحافظ ابن الصلاح وسمعه منه شيوخ العلم والحديث وطلابه في أدق صورة وأضبط سماع لتلك المجالس، التي كانت تساق فيها رِواية ذلك الكتاب الجليل مع العرض والمقابلة له على نسخة المؤلف الإمام البيهقي ونسخة الحافظ ابن عساكر الدمشقي. وهي صورة رائعة ممتعة تعرفنا ما كان عليه المحدثون الكبار من الضبط والإتقان والعناية البالغة والتجويد العجيب لرِواية الحديث بالسماع والإسناد في مجالسهم وفي أخذ الرُّواة عنهم، حتى في الكتب الكبار كهذا الكتاب. وتمثل لنا في قدمها من نحو ثمانمائة سنة ما كأنّا نشهده اليوم في الوسائل الضابطة الدقيقة المصورة كالتلفاز مثلًا. فهي صورة - غير ناطقة ولا صوتية - تسجل تلك المجالس الحديثية، وحال الشيخ المحدث، وحال العلماء الطلاب الحاضرين فيها: سماعًا وتلقيًا، وحضورًا وغيابًا، ويقظة ونومًا، وانتباهًا واشتغالًا، وتحدثًا ونسخًا، وفواتًا

стр. 113

واستكمالًا، كأنك تشهدهم في مجالس التحديث والتسميع لكن ينقصها تسجيل الصوت والكلام، فهي صورة صافية واعية لسماع وتحمل وأداء وأمانة علمية بالغة تميز بها آباؤنا وعلماؤنا المحدثون ﵃، وتميز عنهم فيها أيضًا الحافظ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵁ (١). وكان مجلس السماع على يد ابن الصلاح رحمه الله تعالى لهذا الكتاب بعنايته وقراءته وسماعه منه من أوله إلى آخره في سبعمائة وسبعةٍ وخمسين مجلسًا، وسمع المجلد الثامن منه عدد كبير بلغ ثلاثة وتسعين محدثًا، في تسعين مجلسًا، في مدينة دمشق، وترى في هذا السماع لهذا المجلد الثامن أمورًا يظهر من خلالها عناية الحافظ ابن الصلاح من أهمها: ١ - الضبط لعدد مجالس السماع التي بلغت في هذا المجلس تسعين مجلسًا كما تقدم. ٢ - تعيين هذه المجالس بخط أبي عمرو بن الصلاح نفسه المقروء عليه، فهي كالشهادة منه بذلك. ٣ - أن كاتب السماع كتب أسماء السامعين وألقابهم وكناهم وأنسابهم تعريفًا بهم. ٤ - أنه ضبط أحوال السامعين؛ من سمع المجالس كلها بغير فوات، ومن سمعها بفوات، ومن سمعها مع نوم في بعضها أو إغفاءٍ أحيانًا، ومن سمعها وهو يتحدث خلال السماع، ومن سمعها وهو ينسخ خلال ذلك، ومن سمع وقد جمع كل ذلك، وتعيين حال كل واحد من السامعين.

стр. 114

٥ - كتابة تاريخ الفراغ من إسماع الشيخ ابن الصلاح، حيث كتب ابن الصلاح بخطه في آخر المجلد العاشر (١): بلغ سماع الجماعة - بدار الحديث الأشرفية رحم الله واقفها - وعَرْضُ هذه النسخة على الإتقان من أولِها إلى آخرها بأصلين: أحدهما: أصل الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن علي المعروف بابن عساكر. والثاني: أصل أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن صَصْرَى .. وكان الفراغ من سماعهم للكتاب مني، ومن عرض هذه النسخة يوم الإثنين الثامن عشر من شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وستمائة بدمشق - حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله - وهو خط عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن الصلاح غفر الله له ولهم آمين.

стр. 115

الباب الأول «طبقات الرُّواة»

стр. 116

الباب الأول «طبقات الرُّواة» ويتكون من تمهيد وثلاثة فصول: الفَصْل الأول: «طبقات الرُّواة عن البُخارِيّ»: المبحث الأول: إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي. المبحث الثاني: حماد بن شاكر النَّسفي. المبحث الثالث: رِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ. المبحث الرابع: باقي الرُّواة عن البُخارِيّ. الفَصْل الثاني: «الرُّواة عن الفَرَبْريّ»: المبحث الأول: رِواية أبي علي ابن السَّكن (٣٥٣) هـ. المبحث الثاني: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ. المبحث الثالث: رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ. المبحث الرابع: رِواية أبي محمد الحَمُّوييّ (٣٨١) هـ. المبحث الخامس: رِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ. المبحث السادس: باقي الروايات عن الفربري. الفَصْل الثالث: «أشهر الروايات بين العلماء حتى القرن الخامس الهجري»: المبحث الأول: رِواية أبي ذر الهَرَويّ (٤٣٤) هـ. المبحث الثاني: رِواية الأصيلي (٣٩٢) هـ. المبحث الثالث: رِواية أبي الوَقْت (٥٥٣) هـ المبحث الرابع: رِواية كريمة المَرْوَزيّة (٤٦٣) هـ.

стр. 117

تمهيد عناية البخاري بكتابه «الصحيح» لقد جاء البخاري ومناهج العلماء في التدوين مختلفة، وذلك وفقًا لمتطلبات خاصة بكل زمان ألفت فيه هذه المصنفات. حتى تولد في نفوس المحدثين إحساس بضرورة عمل جديد، تكون غايته خدمة الحديث النبوي خدمة كاملة، تخلصه مما اختلط به وتميز صحيحه من سقيمه، وتسهل الانتفاع به على الناس. فلما جاء البخاري كان هذا الإحساس قد قوي حتى أصبح رغبة ينادي بها العلماء، فكان أولَّ مستجيب لتحقيق هذه الرغبة. وكان النداء بها في مجلسِ أستاذهِ إسحاقَ بنِ إبراهيم بن حنظلة المعروف بابن راهويه. كما جاء ذلك فيما رواه إبراهيم بن معقل النَّسفي قال: سمعت أبا عبد الله بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم مختصرًا لسنة النبي ﷺ ، فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب - يعني: «الجامع». رواه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١). ولم تكن هذه الأمنية هي كل ما وجه البخاري إلى تأليف الكتاب، فقد سمعها معه أقرانه دون أن يحاولوا تحقيقها، ولكن إرادة الله سهلت له

стр. 118

طريق الفوز، فضمت إلى نداء أستاذه حافزًا آخر له حظه الأسمى عند أمثاله من أقوياء الإيمان، وتمثل له هذا الحافز في رؤياه الرسول ﷺ ، وفسرها له أحد المعبرين بما يوجهه إلى هذا العمل الجليل، وقد روي عنه أنه قال: رأيت النبي ﷺ وكأنني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أَذُب بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح (١). بهذا الحافز وذاك، تحركت همة البخاري ﵀ لتأليف كتابه الجامع الصحيح، وقد أولاه من العناية ما لم يحظ به كتاب آخر، فانتقاه من ستمائة ألف حديث، وكان لا يكتب فيه حديثا إلا إذا اغتسل وصلى ركعتين واستخار الله، وتيقن من صحته، كل ذلك لأنه أراد أن يجعله حجة فيما بينه وبين الله كما قال، ولشدة تحرَّيه فيه امتدَّ به الزمن في تأليفه إلى ست عشرة سنة فيما روى عنه (٢). رُوي عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي أنه قال: سمعت محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: ما أدخلت في كتاب «الجامع» إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول (٣). ومن ذلك قول البخاري: ما كتبت في كتاب «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (٤). وروي عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي قال: سمعت محمد بن إسماعيل

стр. 119

البُخارِيّ يقول: خرجت كتابي «الجامع» في بضع عشرة سنة، وجعلته فيما بيني وبين الله حجة (١). بل لقد بلغ من توقِّيه له، ومُبالغته في إتقانه، وحرصه على كمال السلامة فيه، أنه أعاد النظر في تأليفه مرات، وتعهده بكثير من التهذيب والتعديل قبل أن يُخْرِجه للناس، وهذا ما عبر عنه بأنه صنفه ثلاث مرات (٢). لقد حقق البخاري لكتابه غاية الإتقان، بما تأنى في تأليفه، وبما راقب الله فيه، وأعانه على ذلك سعة روايته، وخبرته الدقيقة بنقد الحديث، وإحاطته بعلومه وتاريخ رجاله، وقد تحقق فيه مزايا الجمع، والصحة، والإسناد، والاختصار، وهذه مَعانٍ يفوق ببعضها كل كتاب سبقه، فما بالنا به وقد اجتمعت كلها فيه؟ لقد استعد البخاري لتأليف هذا الكتاب، وتأنى في تأليفه وتَحَرَّى له كما سبق، ومع ذلك لم يقنع بما صنع، بل أراد أن يستوثق من سلامته، وأن يطمئن إلى صدق الجهد الذي بذله فيه، ولذلك عرضه على أشهر الأئمة المعروفين في عصره، فكان له من حسن شهادتهم ما أراد. يقول أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: لما ألف البخاري كتاب «الصحيح» عرضه على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث (٣).

стр. 120

قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة (١). وحَسْبُ الكتاب أن يشهد له هؤلاء الأَعلام النبلاء، هذه الشهادة العالية، وأَن ينضم إليها ما يعرف الناس من كفاءة البخاري، وسعة علمه، ودقة فقهه، وفهمه وشدة تَحَرَّيه، وبالغ ورعه، وقوة اتصاله بالله، حسب الكتاب هذا حتى يُقبِل الناس عليه ويشتغلوا به، ويشدوا الرحال ليسمعوه منه. والرواة الذين وقفت عليهم فيما بين يدي من مصادر وعرف أن لهم رواية أو نسخة من الصحيح خمسة، وقد جعلت المباحث الآتية في التعريف بهذه الروايات، وانظر الجدول الخاص بذلك.

стр. 121

شجرة الإسناد

стр. 122

الفَصْل الأول «طبقات الرُّواة عن البُخارِيّ» ويتكون من أربعة مباحث: المبحث الأول: رواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي (٢٩٥) هـ. المبحث الثاني: رواية حماد بن شاكر النَّسفي (٣١١) هـ. المبحث الثالث: رِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ (٢٣١ - ٣٢٠) هـ. المبحث الرابع: باقي الرُّواة عن البُخارِيّ.

стр. 123

المبحث الأول رواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي (٢٩٥) ه ـ اسمه ونسبه (١): هو الإمام، الحافظ، الفقيه القاضي، أبو إسحاق إبراهِيم بن مَعْقِل ابن الحجاج بن خدّاش بن خديج (٢) النَّسفي السانجني. لم أقف عند كل من ترجم له على سنة ولادته، وأجمعت كل المصادر على وفاته - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة من سنة خمس وتسعين ومائتين. كنيته: أجمع كل من ترجم له ﵁ على تكنيته بأبي إسحاق، ولم أقف في مصادر ترجمته التي وقفت عليها على أن له ابنًا اسمه إسحاق، والمعروف من أبنائه: ولده سعيد، وهو ممن روى عنه، وستأتي ترجمته.

стр. 124

نسبته: عرف إبراهِيم بن مَعْقِل بالنسبة إلى نَسَف - بفتح أوله وثانيه ثم فاء - فيقال له: النَّسفي. كما عرف أيضا بالنسبة إلى سانْجَن - بفتح السين المهملة وسكون النون وفتح الجيم وفي آخرها النون - فيقال له: السّانْجَني. ونَسَف: مدينة كبيرة بين جيحون وسمرقند، ويقال لها أيضا: نخشب، وبها قرى كثيرة منها قرية سانْجَن المنسوب إليها إبراهيم أيضًا. والغالب على إبراهيم في النسبة: النَّسفي؛ حيث نسبه إليها كل من ترجم له، وأصبحت علمًا عليه حتى اكتفى بها العلماء في الدلالة على روايته فيقال: رِواية النَّسفي. كما فعل الخَطّابِيّ، والقاضي عِياض، وأبو علي الجَيّانيّ، وابن الملقن، وابن حجر وغيرهم من العلماء. ونسبته إلى سانجن من نسبته إلى القرية التي انتمى إليها، وممن نسبه بهذه النسبة السَّمْعاني (١)، وياقوت الحموي (٢)، وابن العماد (٣). أقوال العلماء فيه: من أعلى صفات الثناء على هذا الإمام إنعام الله عليه برِواية الصحيح عن البُخارِيّ. قال فيه أبو يعلى الخليلي (٤): حافظ، ثقة ... وأخذ هذا الشأن عن البُخارِيّ (٥).

стр. 125

وقال أبو سعد السَّمْعاني: كان من أجلَّة أهل السنة وأصحاب الحديث، ومن ثقاتهم وأفاضلهم، كتب الكثير، وجمع «المسند» و «التفسير» وحدث بهما (١). وقال أبو العباس جعفر المستغفري في «تاريخ نسف»: كان فقيها، حافظًا، بصيرًا باختلاف العلماء، عفيفًا، صينًا (٢). وقال الذَّهَبِيّ: له «المسند الكبير»، و «التفسير» وغير ذلك، وحدث بـ «صحيح البُخارِيّ» عنه، وكان فقيها مجتهدًا. وقد وصفه الذَّهَبِيّ في «السير» بالإمامة، والحفظ، والفقه، وتولي القضاء قائلًا: الإمام، الحافظ، الفقيه، القاضي (٣). وقال في «التذكرة»: الحافظ العلامة أبو إسحاق قاضي نَسَف وعالمها (٤). رحلاته: ذكر غير واحد ممن ترجموا لإبراهِيم بن مَعْقِل أن له رحلة واسعة؛ مما أثر في تنوع الشيوخ والتلاميذ الذين تلقى عنهم وتلقوا عنه. قال الذَّهَبِيّ: رحل وكتب الكثير (٥). وقال في «السير»: وله رحلة واسعة (٦). وقال ياقوت الحموي: رحل في طلب العلم إلى الحجاز والعراق

стр. 126

والشام ومصر. (١) اهـ. وقال أيضًا: حدث عن قتيبة بن سعيد، وهشام بن عمار (تحرفت في المطبوع إلى عامر) الدمشقي، وحرملة بن يحيى المصري. (٢) اهـ. مصنفاته: مما سبق من أقوال العلماء فيه نجد أنه وصل في الحفظ والإتقان إلى درجة جعلت الإمام الذَّهَبِيّ يقول فيه: الإمام. وكانت له عناية بالفقه حتى لقب بالفقيه، وكان ﵀ متعدد الفنون، وله من التصانيف المختلفة ما يدل على سعة علمه، فلم تكن روايته لـ «الصحيح» هي المعول عليها في معرفته، وإنما مصنفاته التي ألفها تدل على مكانته. ومن المصنفات التي أجمعت المصادر على نسبتها إليه: ١ - كتاب «المسند الكبير». قال الذَّهَبِيّ: صنف «المسند» و «التفسير» وغير ذلك. وقال الكتاني في «الرسالة المستطرفة» في المسانيد (٣): ومسند أبي إسحاق إبراهِيم بن مَعْقِل النسفي قاضي نسف وعالمها، وهو مسند كبير. اهـ. ويبدو أن هذا المسند كان كبيرًا حتى أن العلماء كانوا يتحملون أجزاء منه، فقد نقل السَّمْعاني في «الأنساب» في مادة الطُورخاري (٤): أن ممن اشتهر بهذه النسبة أبو إسحاق إبراهيم بن أبي علي محمد النَّسفي الطُّورخاري ثم قال: سمع منه أبو محمد عبد العزيز بن محمد النخشبي

стр. 127

الحافظ وقال: وجدنا سماعه لمسند عثمان من مسند إبراهِيم بن مَعْقِل وقرأنا عليه فمات. اهـ. فمسند عثمان في هذا المسند حينما يروى مستقلا يدل على كبر حجم هذا المسند، وخاصة أن عثمان ﵁ ليس من المكثرين من رواية الحديث؛ لذا وصفه الذَّهَبِيّ قائلا: له «المسند الكبير» (١). ٢ - كتاب «التفسير»: من المصنفات التي نسبت لإبراهِيم بن مَعْقِل كتاب في تفسير القرآن، كما نسب له أيضا حاجي خليفة في «كشف الطنون» (٢) تفسيرًا. ووجدت لكتاب «التفسير» هذا ذكرا عند السَّمْعاني في «الأنساب» في النسبة إلى: الوصافي (٣): ممن انتسب إليها أبو العباس عبد الله بن محمد بن فرنكديك، ثم نقل عن المستغفري قوله: عندي أجزاء بخطه من تفسير إبراهِيم بن مَعْقِل سمعه منه. ولذلك نجد الأدنروي ترجم لإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي في «طبقات المفسرين» (٤). ٣ - كتاب «الاستقصاءات في النكات»: ولم أجد من ذكره إلا

стр. 128

البغدادي في «هدية العارفين» (١). شيوخه: لقد أخذ إبراهِيم بن مَعْقِل العلم عن علماء ومشايخ من بلدان مختلفة، وعلى رأسهم البُخارِيّ، وذلك نتيجة للرحلات التي قام بها، فقد رحل - كما سبق - إلى بلاد الشام، والعراق، ومصر، والحجاز وغير ذلك (٢). فمن شيوخه من أهل بلده: ١ - الإمام المحدث شيخ الإسلام الثقة الجوال قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف أبو رجاء الثقفي مولاهم البلخي المولود سنة تسع وأربعين ومائة. والمتوفى سنة أربعين ومائتين (٣). وسماع إبراهِيم بن مَعْقِل منه ذكره الخليلي في «الإرشاد» (٤)، والذَّهَبِيّ

стр. 129

في «تذكرة الحفاظ» (١)، وياقوت الحموي في «معجم البلدان» (٢)، والسَمْعاني في «الأنساب» (٣)، والتقي الغزي في «الطبقات السنية في تراجم الحنفية» (٤). ٢ - الإمام المحدث الثقة عيسى بن أحمد (٥) بن عيسى بن وردان العسقلاني أبو يحيى البلخي، المولود سنة ثمانين ومائة، والمتوفى سنة ثمان وستين ومائتين. وسماع إبراهيم منه ذكره المزي في «تهذيب الكمال» (٦)، والذَّهَبِيّ في «السير» (٧). ٣ - الإمام الحافظ الثقة محمد بن أبان بن وزير أبو بكر البلخي يعرف بحمدويه المتوفى سنة أربع أو خمس وأربعين ومائتين (٨).

стр. 130

وسماع إبراهيم منه ذكره الخليلي في «الإرشاد» في ترجمة إبراهِيم بن مَعْقِل (١). ومن شيوخه الدمشقين: ١ - الإمام هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان السلمي، أبو الوليد، الدمشقي، خطيب دمشق ومفتيها ومقرئها ومحدثها، المولود سنة ثلاث وخمسين ومائة، والمتوفى بدمشق، آخر المحرم، سنة خمس وأربعين ومائتين (٢). وسماع إبراهِيم بن مَعْقِل منه ذكره كل من: الذَّهَبِيّ في «تذكرة

стр. 131

الحفاظ» (١) وفي «تاريخ الإسلام» (٢) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣). ٢ - الحافظ الكبير صفوان بن صالح بن صفوان بن دينار، أبو عبد الملك الثقفي مولاهم الدمشقي، مؤذن جامع دمشق، المولود سنة ثمان أو تسع وستين ومائة، والمتوفى أول سنة تسع وثلاثين ومائتين (٤). ذكره الحاكِم النيسابوري (٤٠٥) هـ شيخًا لإبراهِيم بن مَعْقِل في «المستدرك» (٥) حيث قال: أخبرني أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، ثنا إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي، ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن حبان ابن أبي جبلة عن عمرو بن العاص قال: ما عدل بي رسول ﷺ وبخالد بن الوليد أحدًا من أصحابه في حربه منذ أسلمنا (٦).

стр. 132

٣ - عبد الوهاب بن الضحاك بن أبان السَّلَمي، أبو الحارث الحمصي: المتوفى سنة خمس وأربعين ومائتين (١). ذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» شيخًا لإبراهِيم بن مَعْقِل، حيث روى من طرق إلى إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي، عن عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش بإسناده إلى مالك بن يسار مرفوعًا: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها ...» الحديث (٢). ومن شيوخه العراقيين: ١ - أبو كريب محمد بن العلاء بن كُريب، الهمداني الكوفي: المولود سنة إحدى وستين ومائة، والمتوفى في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائتين (٣).

стр. 133

وسماع إبراهِيم بن مَعْقِل منه ذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١) فيمن سمع منهم إبراهيم خارج دمشق، وساق له حديثًا من طريق أبي عبد الله الحاكِم: أنا خلف بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ، أنا إبراهِيم بن مَعْقِل، نا أبو كريب، نا يونس بن بكير ... فذكره. كما ذكر هذا الحديث الذَّهَبِيّ في «تذكرة الحفاظ» (٢)، وذكر سماع إبراهيم منه أيضًا المزي في «تهذيب الكمال» (٣) والذَّهَبِيّ في «السير» (٤). ٢ - الحافظ الحجة أحمد بن منيع بن عبد الرحمن، أبو جعفر البَغَويّ ثم البغدادي الأصم، صاحب المسند المعروف، المتوفى سنة أربع وأربعين ومائتين (٥).

стр. 134

ذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١) فيمن روى عنهم إبراهيم خارج دمشق. ٣ - جُبارة بن المُغَلّس، أبو محمد الحماني الكوفي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين (٢): وسماع إبراهِيم بن مَعْقِل منه ذكره الذَّهَبِيّ في «تذكرة الحفاظ» (٣)، و «تاريخ الإسلام» (٤) وتصحف فيه إلى جنادة. ٤ - أبو الحجاج النضر بن طاهر البصري (٥): وسماع إبراهيم منه ذكره

стр. 135

الخليلي في «الإرشاد» (١). ومن شيوخه المصريين: الإمام حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران، الفقيه المحدث الصدوق، أبو حفص التجيبي المصري. المولود سنة ست وستين ومائة، والمتوفى في شوال لتسع بقين منه سنة ثلاث وأربعين ومائتين (٢). روى عنه إبراهِيم بن مَعْقِل روايات كثيرة، رواها عن ابن وهب عن مالك، منها في «شعب الإيمان» الكثير مما رواه البيهقي عن شيخه أبي عبد الله الحاكِم (٣).

стр. 136

رواية النسفي للصحيح لقد اشتهرت روايه إبراهيم بن معقل النسفي من طريق أبي صالح، خلف بن محمد الخيام، لذا بدأت بترجمته، ثم أتبعت ذلك بالحديث عن روايته. ترجمة أبي صالح الخيام: هو الشيخ المحدث الكبير أبو صالح: خلف بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن نصر البُخارِيّ الخيام نسبة إلى الخيمة وخياطتها الكَرابِيسيّ (١). محدث ما وراء النهر (٢). روى عن: إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي، وصالح بن محمد جزرة، ونصر بن أحمد الكندي ومشايخ بلده ولم يرحل. وروى عنه: أبو عبد الله الحاكِم، وابن منده، ومحمد بن أحمد غُنْجار، وأبو سعد عبد الرحمن بن الإدريسي. قال الخليلي في «الإرشاد»: كان له حفظ ومعرفة، وهو ضعيف جدًّا، روى في الأبواب تراجم لا يتابع عليها، وكذلك متونا لا تعرف. سمعت ابن أبي زُرْعَة والحاكِم أبا عبد الله الحافظين يقولان: كتبنا عنه الكثير ونبرأ من عهدته، وإنما كتبنا عنه للاعتبار. اهـ.

стр. 137

ثم ساق الخليلي له حديثًا من طريق شيخه الحاكِم، عن خلف في النهي عن المواقعة قبل الملاعبة، ثم قال: سمعت الحاكِم بعقب هذا الحديث يقول: خذل خلف بهذا وبغيره (١). وهذ العبارة نقلها عن الخليلي الذَّهَبِيّ في «السير» (٢): دون قوله: روى في الأبواب تراجم لا يتابع عليها. ودون قوله: وإنما كتبنا عنه للاعتبار. ونقلها أيضًا الذَّهَبِيّ في «الميزان» (٣) إلا أن العبارة بلفظ: خلط، وهو ضعيف جدًّا، روى متونا لا تعرف. كذا في المطبوع بلفظ خلط بدلًا من: كان له حفظ ومعرفة. وتابع الذَّهَبِيّ ابنُ حجر في «اللسان» (٤). وقال الذَّهَبِيّ في «السير» (٥): الشيخ المحدث الكبير ... كان بندار الحديث بما وراء النهر. وذكر أيضًا في الرواة عنه: أبو سعد عبد الرحمن بن الإدريسي، وغمزه ولينه وما تركه. وقال الذَّهَبِيّ أيضًا في «السير» (٦): المحدث المكثر مسند بخارى. وقال السَّمْعاني في «الأنساب» (٧): كان مكثرًا من الحديث من غير أن يرحل في طلبه، وكان بندارًا لحديث البُخارِيّين، وقيل: إنه لم يكن بموثوق به، تكلم فيه أبو سعد الإدريسي الحافظ. اهـ. مات ﵁ سنة إحدى وستين وثلاثمائة ببخارى عن ست وثمانين سنة.

стр. 138

رواية أبي صالح للصحيح: روى خلف بن محمد «الصحيح» عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي، واشتهرت رِواية إبراهيم عن طريقه، وممن روى «الصحيح» من رِواية خلف بن محمد عن إبراهيم النَّسفي الإمامُ الكبير أبو سليمان الخَطّابِيّ المتوفى سنة ٣٨٨ هـ. قال الخَطّابِيّ في كتابه «أعلام الحديث»: وقد سمعنا معظم هذا الكتاب (يعني بذلك «صحيح البُخارِيّ») من رِواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي حَدَّثَناه خلف بن محمد الخيام، قال: حَدَّثَنا إبراهِيم بن مَعْقِل عنه. سمعنا سائر الكتاب إلا أحاديث من آخره من طريق محمد بن يوسف الفَرَبْريّ ... إلخ (١). ويُعَد كتابُ الخطابي المسمى بـ «أعلام الحديث» عمدة في رِواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي (٢)، ولو قصد الخَطّابِيّ ذكر متن جميع «الصحيح» من هذه الرِّواية لكان ذلك له أهمية كبيرة في تحديد ملامح هذه الرِّواية وأهم خصائصها. إلا أن الخَطّابِيّ كعادة جميع شراح «الصحيح» كان يقتصر في المتن على موضع الشاهد الذي يقوم بشرحه فقط. وذكر الخَطّابِيّ في مقدمة كتابه هذا أنه يقتصر على شرح الغامض من

стр. 139

ألفاظ «الصحيح» قال الدكتور محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود محقق كتاب «الإعلام» (١): وكتاب «الجامع الصحيح»، للإمام البُخارِيّ - كما هو معروف - ينقسم إلى كتب، والكتاب ينقسم إلى أبواب، والباب يضم أكثر من حديث، فالإمام الخَطّابِيّ قد أتى على جُلِّ الكتب في «الجامع الصحيح»، ثم اختار من كل كتاب بعض أبوابه، ثم اختار من كل باب حديثا أو أكثر، وقد يأتي على أحاديث الباب كلها، وحيث أنه التزم - كما جاء في المقدمة - بشرح المشكل، وتبيين الغامض من المذاهب، والأراء اللغوية، والفقهية، والعقدية، فهو لا يذكر من متن الحديث إلا موضع الحاجة، وقد يحتاج إلى ذكر الحديث بتمامه ... إلخ. قلت (الباحث): فنسخة إبراهيم النَّسفي لا يمكن الاعتماد فيها على كتاب الخَطّابِيّ، اللهم إلا إذا قارنا بين بعض النصوص التي جاءت بما جاء في النسخ الأخرى لـ «الصحيح». وممن ذكر رِواية إبراهيم أيضًا الإمام الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الغساني الجَيّانيّ المتوفى سنة ٤٩٨ هـ، حيث قال في كتاب «تقييد المهمل» (٢): وما كان في كتابي من رِواية أبي إسحاق إبراهِيم بن مَعْقِل بن الحجاج النَّسفي عن البُخارِيّ: فأخبرني بها أبو العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي، قال: نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهَرَويّ، بمكة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، قال لي: سمعت بعضه وأجاز لي سائره، قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ، قال: نا إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي، قال: نا أبو عبد الله البُخارِيّ. اهـ.

стр. 140

فهذا النص عن أبي علي الجَيّانيّ يفيد أن خلفًا الخيام روى عنه «الصحيح» أيضًا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهَرَويّ. كما يفيد أن الجَيّانيّ سمعه من شيخه أبي العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي، وشيخه سمعه من أبي الفضل أحمد بن أبي عمران الهَرَويّ، وذلك كان بمكة - حرسها الله تعالى - في سنة اثنتين وثمانين وثلاثماتة، بسماع بعضه وإجازة الباقي. ويضيف أبو علي الجَيّانيّ مَعلمًا آخرَ من معالم هذه الرِّواية حيث يقول (١): ورَوَينا عن أبي الفضل صالح بن محمد بن شاذان الأصبهاني، عن إبراهِيم بن مَعْقِل أن البُخارِيّ أجاز له آخر الديوان، من أول كتاب الأحكام إلى آخر ما رواه النَّسفي من «الجامع»؛ لأن في رِواية إبراهيم النَّسفي نقصان أوراق من آخر الديوان عن رِواية الفَرَبْريّ، قد عَلّمت على الموضع في كتابي، وذلك في باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ... (٢). ونقل غير واحد من المحدثين قول ابن الصلاح في «مقدمته في علوم الحديث» في عدد أحاديث «صحيح البُخارِيّ» أنها أربعة آلاف حديث، ومنهم برهان الدين الأبناسي (٨٠٢) هـ في كتابه «الشذا الفياح» (٣)، والعراقي (٨٠٦) هـ في «فتح المغيث» (٤)، والسخاوي (٩٠٢) هـ في «فتح المغيث»

стр. 141

أيضًا (١)، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (٩٢٦) هـ في «فتح الباقي» وغيرهم بما يدل على أن رِواية الفَرَبْريّ أكمل وأتم من رِواية حماد بن شاكر بمائتي حديث، وأكمل من رِواية إبراهيم النَّسفي بثلاثمائة حديث، والقطعة التي ذكرها الجَيّانيّ ووصفها لا تزيد على خمسة وستين حديثًا، اللهم إلا إذا كان هناك تقديم وتأخير في الأبواب والكتب. وأبو علي الجَيّانيّ - رحمه الله تعالى - كان إمامًا كبيرًا ورحل إليه العلماء للسماع منه، ولذلك كل من جاء بعده وروى رِواية إبراهيم النَّسفي فإنما كان ذلك من طريق أبي علي الجَيّانيّ. وعلى سبيل المثال نجد الإمام الشهير، والحافظ الكبير، القاضي أبا الفضل عِياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة (٥٤٤) هـ يسوق أسانيده في كتابه «مشارق الأنوار» (٢) إلى «صحيح البُخارِيّ» يقول: وأما رِواية أبي إسحاق النَّسفي فكتب إلي بها الشيخ الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الغساني، وسمعت على القاضي أبي عبد الله التميمي كثيرًا مما قيد منها عنه قال: حدثني بها أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي ... ثم ذكر إسناد أبي علي السابق. وممن روى رِواية إبراهيم النَّسفي من طريق أبي علي الجَيّانيّ الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ حيث يقول في فاتحة «فتح الباري»: وأما رِواية إبراهِيم بن مَعْقِل فبالإسناد إلى أبي علي الجَيّانيّ: أنبأنا الحكم بن محمد ... إلخ (٣).

стр. 142

ووقفت على بعض الأحاديث من «صحيح البُخارِيّ» من رِواية أبي عبد الله الحاكِم صاحب «المستدرك» عن أبي صالح خلف بن محمد عن إبراهِيم بن مَعْقِل، عن البُخارِيّ رواها عن أبي عبد الله الحاكِم الإمامُ البيهقي في «السنن الكبرى»، وهذه الأحاديث هي (١): الموضع الأول: في كتاب: النكاح، باب: سبب نزول آية الحجاب (٢) حديث عائشة ﵂ قالت: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ. ثم قال البيهقي: رواه البُخارِيّ هكذا. الموضع الثاني: من كتاب: اللعان، باب: كيف اللعان (٣) عن ابن عمر، ﵄، أَنَّ رَجُلاً رَمَى امْرَأَتَهُ فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... إلخ. الموضع الثالث: من كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في تفسير الخمر الذي نزل (٤): حديث ابن عمر ﵄ قال: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ،

стр. 143

وَإِنَّ بالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ. كما وقفت على بعض الأحاديث من «الصحيح» رواها الخَطّابِيّ في كتاب «غريب الحديث» من طريق خلف بن محمد، عن إبراهِيم بن مَعْقِل، عن البُخارِيّ (١). تلاميذه (٢): ١ - أبو الأسد: أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن الوليد بن عبد الملك بن حوصلة، الكوفي، ثم البُخارِيّ. ترجم له الذَّهَبِيّ في «تاريخ الإسلام» في وفيات سنة (٣٥٤) هـ (٣)، وقال سمع: صالح بن محمد جزرة، وحامد بن سهل وإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي توفي في ذي القعدة. وترجم له ابن ماكولا في «الإكمال» فقال: وأبو الأسد الفقيه أحمد ... يروي عن أَحْيَدَ بن عمر بن هارون بن صوان، الفقيه البُخارِيّ، وأخوه أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن الوليد، بخاري، يعرف بأخي أبي الأسد الفقيه (٤). ٢ - أحمد بن سهل بن حمدويه (٥) أبو نصر، الفقيه، القبائي، البُخارِيّ.

стр. 144

يروي عن سهل بن المتوكل، وصالح بن محمد جزرة، وإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي. وأكثر من الرِّواية عنه الحاكِم حتى بلغت تسعة وستين موضعًا في كتابه «المستدرك». قال فيه الخليلي في «الإرشاد»: ثقة، متفق عليه، روى عنه حفاظ بخارى، وحَدَّثَنا عنه الحاكِم أبو عبد الله وأثنى عليه. وقال ابن نقطة في «تكملة الإكمال» باب حمدويه: حدث عن عمر بن داود، حدث عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد الغُنْجار في «تاريخ بخارى».اهـ. وسماع أحمد بن سهل الفقيه من إبراهِيم بن مَعْقِل ذكره الحاكِم في «المستدرك» (١) في كتاب: معرفة الصحابة، باب: ذكر مناقب عمرو بن العاص في سياق إسناده الحديث في فضائل عمرو بن العاص، كما ذكره ابن عساكر في ترجمته في «تاريخ دمشق» (٢). وقد روى أيضًا أحمد بن سهل الفقيه عن إبراهِيم بن مَعْقِل، عن حرملة، عن ابن وهب، عن مالك «الموطأ». وروى أحاديثَ وآثارًا كثيرةً من روايته البيهقيُّ في «شعب الإيمان» و «السنن الكبرى» (٣).

стр. 145

٣ - أحمد بن محمد بن السكن بن أمية بن زر بن عبد الله أبو الفوارس النَّسفي. سمع محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي، وإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي، وزكريا بن حسين. وعنه: خلف بن أحمد الأمير، والحسن بن أبي الحجاج وغيرهما. توفي سنة ست وستين وثلاثمائة بنَسَف، وكان مسند وقته بنَسَف (١). ٤ - الحسن بن جعفر بن محمد الشاشي: ذكر له ابن عساكر حديثًا عن إبراهيم، عن البُخارِيّ قوله: خرجت كتابي «الجامع» في بضع عشرة سنة وجعلته بيني وبين الله حجة (٢). ٥ - الحسن بن الحسين البُخارِيّ البزار: يروي عن إبراهِيم بن مَعْقِل، وأكثر من الرِّواية عنه ابن عدي (٣). روى عن ابن معقل عن البُخارِيّ قوله: ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلا ما صح، وتركت من الصحاح حتى لا يطول الكتاب. وروى عن ابن معقل أيضًا عن البُخارِيّ قوله: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني (٤).
следующие страницы →