أيضًا (١)، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (٩٢٦) هـ في «فتح الباقي» وغيرهم بما يدل على أن رِواية الفَرَبْريّ أكمل وأتم من رِواية حماد بن شاكر بمائتي حديث، وأكمل من رِواية إبراهيم النَّسفي بثلاثمائة حديث، والقطعة التي ذكرها الجَيّانيّ ووصفها لا تزيد على خمسة وستين حديثًا، اللهم إلا إذا كان هناك تقديم وتأخير في الأبواب والكتب.
وأبو علي الجَيّانيّ - رحمه الله تعالى - كان إمامًا كبيرًا ورحل إليه العلماء للسماع منه، ولذلك كل من جاء بعده وروى رِواية إبراهيم النَّسفي فإنما كان ذلك من طريق أبي علي الجَيّانيّ.
وعلى سبيل المثال نجد الإمام الشهير، والحافظ الكبير، القاضي أبا الفضل عِياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة (٥٤٤) هـ يسوق أسانيده في كتابه «مشارق الأنوار» (٢) إلى «صحيح البُخارِيّ» يقول: وأما رِواية أبي إسحاق النَّسفي فكتب إلي بها الشيخ الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الغساني، وسمعت على القاضي أبي عبد الله التميمي كثيرًا مما قيد منها عنه قال: حدثني بها أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي ... ثم ذكر إسناد أبي علي السابق.
وممن روى رِواية إبراهيم النَّسفي من طريق أبي علي الجَيّانيّ الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني (٨٥٢) هـ حيث يقول في فاتحة «فتح الباري»: وأما رِواية إبراهِيم بن مَعْقِل فبالإسناد إلى أبي علي الجَيّانيّ: أنبأنا الحكم بن محمد ... إلخ (٣).
стр. 142
ووقفت على بعض الأحاديث من «صحيح البُخارِيّ» من رِواية أبي عبد الله الحاكِم صاحب «المستدرك» عن أبي صالح خلف بن محمد عن إبراهِيم بن مَعْقِل، عن البُخارِيّ رواها عن أبي عبد الله الحاكِم الإمامُ البيهقي في «السنن الكبرى»، وهذه الأحاديث هي (١):
الموضع الأول: في كتاب: النكاح، باب: سبب نزول آية الحجاب (٢) حديث عائشة ﵂ قالت: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ. ثم قال البيهقي: رواه البُخارِيّ هكذا.
الموضع الثاني: من كتاب: اللعان، باب: كيف اللعان (٣) عن ابن عمر، ﵄، أَنَّ رَجُلاً رَمَى امْرَأَتَهُ فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... إلخ.
الموضع الثالث: من كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في تفسير الخمر الذي نزل (٤): حديث ابن عمر ﵄ قال: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ،
стр. 143
وَإِنَّ بالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ، مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ.
كما وقفت على بعض الأحاديث من «الصحيح» رواها الخَطّابِيّ في كتاب «غريب الحديث» من طريق خلف بن محمد، عن إبراهِيم بن مَعْقِل، عن البُخارِيّ (١).
تلاميذه (٢):
١ - أبو الأسد: أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن الوليد بن عبد الملك بن حوصلة، الكوفي، ثم البُخارِيّ.
ترجم له الذَّهَبِيّ في «تاريخ الإسلام» في وفيات سنة (٣٥٤) هـ (٣)، وقال سمع: صالح بن محمد جزرة، وحامد بن سهل وإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي توفي في ذي القعدة.
وترجم له ابن ماكولا في «الإكمال» فقال: وأبو الأسد الفقيه أحمد ... يروي عن أَحْيَدَ بن عمر بن هارون بن صوان، الفقيه البُخارِيّ، وأخوه أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن الوليد، بخاري، يعرف بأخي أبي الأسد الفقيه (٤).
٢ - أحمد بن سهل بن حمدويه (٥) أبو نصر، الفقيه، القبائي، البُخارِيّ.
стр. 144
يروي عن سهل بن المتوكل، وصالح بن محمد جزرة، وإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي.
وأكثر من الرِّواية عنه الحاكِم حتى بلغت تسعة وستين موضعًا في كتابه «المستدرك».
قال فيه الخليلي في «الإرشاد»: ثقة، متفق عليه، روى عنه حفاظ بخارى، وحَدَّثَنا عنه الحاكِم أبو عبد الله وأثنى عليه.
وقال ابن نقطة في «تكملة الإكمال» باب حمدويه: حدث عن عمر بن داود، حدث عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد الغُنْجار في «تاريخ بخارى».اهـ.
وسماع أحمد بن سهل الفقيه من إبراهِيم بن مَعْقِل ذكره الحاكِم في «المستدرك» (١) في كتاب: معرفة الصحابة، باب: ذكر مناقب عمرو بن العاص في سياق إسناده الحديث في فضائل عمرو بن العاص، كما ذكره ابن عساكر في ترجمته في «تاريخ دمشق» (٢).
وقد روى أيضًا أحمد بن سهل الفقيه عن إبراهِيم بن مَعْقِل، عن حرملة، عن ابن وهب، عن مالك «الموطأ».
وروى أحاديثَ وآثارًا كثيرةً من روايته البيهقيُّ في «شعب الإيمان» و «السنن الكبرى» (٣).
стр. 145
٣ - أحمد بن محمد بن السكن بن أمية بن زر بن عبد الله أبو الفوارس النَّسفي.
سمع محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي، وإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي، وزكريا بن حسين.
وعنه: خلف بن أحمد الأمير، والحسن بن أبي الحجاج وغيرهما.
توفي سنة ست وستين وثلاثمائة بنَسَف، وكان مسند وقته بنَسَف (١).
٤ - الحسن بن جعفر بن محمد الشاشي: ذكر له ابن عساكر حديثًا عن إبراهيم، عن البُخارِيّ قوله: خرجت كتابي «الجامع» في بضع عشرة سنة وجعلته بيني وبين الله حجة (٢).
٥ - الحسن بن الحسين البُخارِيّ البزار: يروي عن إبراهِيم بن مَعْقِل، وأكثر من الرِّواية عنه ابن عدي (٣).
روى عن ابن معقل عن البُخارِيّ قوله: ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلا ما صح، وتركت من الصحاح حتى لا يطول الكتاب.
وروى عن ابن معقل أيضًا عن البُخارِيّ قوله: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني (٤).
стр. 146
٦ - سعيد بن إبراهيم بن معقل بن الحجاج أبو عثمان النَّسفي.
رئيس أصحاب الحديث ببلده، سمع أباه إبراهيم، ومعمر بن محمد البلخي، وبمكة علي بن عبد العزيز، وغير واحد.
وحدث عنه ابنه عبد الملك، وكان نقمة على القرامطة توفي سنة ٣٤١ هـ (١).
٧ - سهل بن السري بن الخضر، أبو حاتم الحذاء البُخارِيّ الحافظ.
روى عن إبراهِيم بن مَعْقِل كما في «تاريخ دمشق» (٢)، وأحمد بن عبد الواحد البُخارِيّ، وأحمد بن محمد القرشي، وبكر بن منير، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد ابن حريث.
وأكثر ابن منده من الراوية عنه في «معرفة الصحابة»، وروى عنه أيضا ابن عدي في «الكامل» (٣) في ترجمته سليمان بن عمرو بن عبد الله النخعي الكوفي.
وله ذكر في «تهذيب الكمال» (٤) في ترجمة الحسن بن شجاع البلخي، وفي ترجمة عبيدة بن بلال التميمي.
٨ - صالح بن محمد بن شاذان أبو الفضل الكرجي ثم الأصبهاني.
قدم مصر مرتين، وكتب بها عن جماعة من محدثي مصر، ثم خرج إلى مكة، وتوفي بها في رجب سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
стр. 147
حدث بـ «تاريخ البُخارِيّ»، وحدث عنه جماعة من أهل خراسان وأهل بلده وبغداد وغيرهم، وكان ثقة، روى «الصحيح» عن إبراهِيم بن مَعْقِل، وعنه أخذ أصبغ ابن قاسم بن أصبغ (١).
٩ - الحافظ عبد المؤمن بن خلف بن طفيل بن زيد بن طفيل، أبو يعلى التميمي النَّسفي: كان أثريًا، ظاهري المذهب، شديدًا على أهل القياس، يتبع أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه كثيرًا.
روى عن إبراهِيم بن مَعْقِل كما في «تاريخ الإسلام» و «تذكرة الحفاظ»، وأكثر من الرِّواية عن أبي يعلى صالح بن محمد بن أيوب، وأكثر من الرِّواية عنه أبو مسلم عبد الرحمن بن مهران كما في «تاريخ بغداد» و «تهذيب الكمال» و «تاريخ دمشق»، توفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة (٢).
١٠ - عبد المؤمن بن عبد المجيد أبو يعلى النَّسفي: ذكر الذَّهَبِيّ أنه ممن روى عن إبراهِيم بن مَعْقِل، وروى أيضًا عن محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي، وروى عنه جعفر بن محمد التوبني، مات بعد الستين وثلاثمائة (٣).
١١ - أبو العباس عبد الله بن محمد بن فرنكديك الوصافي: نسبة إلى
стр. 148
سكة بنَسَف يقال لها: درب وصاف.
سمع إبراهِيم بن مَعْقِل وغيره، قال أبو العباس المُسْتَغْفريّ: عندي أجزاء بخطه من تفسير إبراهِيم بن مَعْقِل سمعه منه (١).
١٢ - أبو الحسن علي بن إبراهيم بن أحمد بن عقار الطغامي: صاحب الأوقاف، يروي عن صالح بن محمد الحافظ، وموسى بن أفلح، ويحيى بن بدر السمرقندي، ومحمد بن الحسن صاحب «الأمالي».
وروى عن إبراهِيم بن مَعْقِل، كما ذكر ابن عساكر والذَّهَبِيّ في «السير».
مات في شوال سنة سبع وأربعين وثلاثمائة كما في «الإكمال» و «تبصير المنتبه».
وفي «اللباب» و «تاريخ الإسلام» سنة تسع (٢).
١٣ - أبو الحسين محمد بن الحسين بن علي بن يعقوب الكاتب.
روى له ابن عساكر عن إبراهِيم بن مَعْقِل عن البُخارِيّ قوله: ما أدخلت في كتاب «الجامع» إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول (٣).
١٤ - الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن زكريا بن حسين النَّسفي
стр. 149
الصكوكي.
حدث عنه محمد بن نصر المَرْوَزيّ، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي، وإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي، كما ذكر الذَّهَبِيّ في «التاريخ» و «التذكرة».
ذكره جعفر المُسْتَغْفريّ في «تاريخ نَسَف» فقال: كان حافظا مؤلفًا للأبواب، عارفًا بحديث أهل بلده، توفي في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة قال الذَّهَبِيّ: ما وقع لي حديثه، ولا أكاد أعرفه (١).
١٥ - أبو بكر محمد بن السري (٢) يلقب بـ (جم) الجويباري (٣).
قال أبو العباس المُسْتَغْفريّ: اسمه محمد بن السري، و (جم) لقب، من سكة الجويبار، شيخ صالح، كان يغسل الموتى، لقي محمد بن إسماعيل البُخارِيّ.
وروى عن إبراهِيم بن مَعْقِل، ومحمد بن موسى بن الهذيل.
سمع منه عبد الله بن أحمد بن محتاج، وأبو بكر أحمد بن عبد العزيز، وحَدَّثَنا عنه أبو مروان عبد الملك بن سعيد بن إبراهيم، بحديث قد رويناه في أول هذا الكتاب، فيمن اسمه محمد. اهـ.
١٦ - يوسف بن معروف بن جبير النَّسفي: سمع محمد بن إبراهيم
стр. 150
البُوشَنْجِي، وإبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي وجماعة. مات قبل سنة ستين وثلاثمائة بقليل (١).
стр. 151
مرويات إبراهِيم بن مَعْقِل
مما يتعلق بـ «صحيح البُخارِيّ»
من خلال النصوص التي وقفت عليها والتي ذكر فيها إبراهِيم بن مَعْقِل، وقفت على أربعة نصوص مما يتعلق بـ «صحيح البُخارِيّ» أو بالبُخارِيّ نفسه، وهذه النصوص هي:
أولًا: النص الذي رواه خلف بن محمد بن إسماعيل عنه قال: سمعت أبا عبد الله ابن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم مختصرًا لسنة النبي ﷺ ، فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب، يعني: «الجامع». رواه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١).
стр. 152
وهذا النص له أهميته ودلالته في الباعث لمحمد بن إسماعيل البُخارِيّ في تصنيف «الصحيح»؛ لذا لا تجد أحدًا تكلم عن «الصحيح» أو عن البُخارِيّ، رحمه الله تعالى، إلا ويذكر هذه الرِّواية؛ لأنها نص صريح في الباعث على تأليفه.
ومن الملاحظ في هذا النص أن الباعث للبخاري كان مجيء هذا الأمر في مجلس شيخه إسحاق بن راهويه، على لسان أحد الحاضرين في المجلس، فتذاكر الحاضرون الأمر، فوقع ذلك الأمر في نفس الإمام البُخارِيّ.
وقد تتبعت نص الرِّواية فوجدتها بلفظ: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم مختصرًا لسنن النبي ﷺ .
غير أني وجدت الحافظ ابن حجر في مقدمة «فتح الباري» وقد ساق الرِّواية بسنده إلى الخطيب البغدادي فقال: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابا ... إلخ.
فجعل الباعث هو قول إسحاق؛ حيث قوَّى ذلك من عزمه.
وتبعه في ذلك السيوطي في «تدريب الراوي».
وفي «تاريخ الإسلام» للذهبي وعند السبكي في «طبقاته» قال: فقال رجل: لو جمعتم كتابا ... إلخ.
النص الثاني: رُوي عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي أنه قال: سمعت محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: ما أدخلت في كتاب «الجامع» إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول (١).
стр. 153
وهذا النص أيضا لا تكاد تجد أحدًا تكلم على شرط «صحيح البُخارِيّ» إلا وذكره. حيث يفيد نص البخاري على أصحيته كل ما أدخله في «صحيحه»، كما يفيد أنه لم يشترط استيعاب الأحاديث الصحيحة عنده أو عند غيره.
النص الثالث: قال إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي سمعت محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني (١).
стр. 154
النص الرابع: ما روي عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي قال: سمعت محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: خرجت كتابي «الجامع» في بضع عشرة سنة، وجعلته فيما بيني وبين الله حجة (١).
стр. 155
المبحث الثاني
رواية حماد بن شاكر النَّسفي (٣١١) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
هو الإمام المحدث الصدوق حماد بن شاكر بن سَوِيَّه - بفتح السين وكسر الواو وتشديد الياء وآخره هاء - أبو محمد النَّسفي الوراق. راوي «الجامع الصحيح» عن البُخارِيّ.
حدث عن عيسى بن أحمد العسقلاني، ومحمد بن إسماعيل البُخارِيّ، وأبي عيسى الترمذي.
وحدث عنه بـ «الصحيح» أحمد بن محمد النسوي شيخ الحاكِم أبي عبد الله.
وقال ابن النقطة: قال جعفر بن محمد بن المعتز المُسْتَغْفريّ في «تاريخ نَسَف»: روى عن محمد بن إسماعيل «الجامع»، ثقة مأمون، رحل إلى الشام، وروى عن جماعة من الشاميين والغرباء، وروى عن أبي عيسى الترمذي، وعيسى بن أحمد العسقلاني ... حدثني عنه بكر بن محمد بن جعفر بالجامع من أوله إلى آخره وأبو أحمد قاضي بخارى.
أقوال العلماء فيه: سبق قول المستغفري فيه: ثقة مأمون.
стр. 156
وقال فيه الذَّهَبِيّ في «السير»: الإمام المحدث الصدوق.
وأجمع كل من ترجم له على وصفه براوي «الصحيح» عن البُخارِيّ.
وفاته:
لم يذكر أحد ممن ترجم له سنة ولادته وأجمعوا على وفاته - رحمه الله تعالى - سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
стр. 157
روايته للصحيح
لم تذكر التراجم التي ترجمت لحماد بن شاكر سنة سماعه لـ «الصحيح» من البُخارِيّ ولكن كل من ترجم له نص على أنه راوي «الصحيح» عن البُخارِيّ، ورِواية حماد بن شاكر لـ «الصحيح» نص غير واحد على أنها أنقص بمائتي حديث عن رِواية الفَرَبْريّ، من حيث عدد الأحاديث، كما قال برهان الدين الأبناسي، والعراقي في «فتح المغيث»، والسخاوي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، حيث قالوا تعقيبًا على قول ابن الصلاح في عدد الأحاديث التي في البُخارِيّ: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا ... .
قالوا: هذا مُسلَّم في رِواية الفَرَبْريّ، وأما رِواية حماد بن شاكر فهي دون رِواية الفَرَبْريّ بمائتي حديث ... إلخ (١).
ورِواية حماد بن شاكر عُرفت فيما - وقفت عليه - من طريقين:
أحدهما: من رِواية بكر بن محمد بن جعفر (٢).
قال المُسْتَغْفريّ في «تاريخ نَسَف» في ترجمة حماد: روى عن محمد بن إسماعيل «الجامع»، ثقة مأمون، رحل إلى الشام ... حدثني عنه بكر بن محمد بن جعفر بـ «الجامع» من أوله إلى آخره ... . اهـ (٣).
وقول المُسْتَغْفريّ هذا نقله كثير ممن ترجم لحماد، ومنهم ابن نقطة والذهَبِيّ.
الآخر: هو من رِواية أحمد بن محمد بن رميح النسوي (٤).
стр. 158
قال فيه الذَّهَبِيّ في «السير»: الإمام الحافظ الجوال، أبو سعيد أحمد بن محمد ابن رميح بن عصمة، النخعي، النسوي، ثم المَرْوَزيّ، صاحب التصانيف. اهـ.
سمع أبا خليفة الجمحي، وعمر بن أبي غيلان، وابن زيدان البجلي، وأبا العباس السراج وطبقتهم.
روى عنه: الدارقطني، والحاكِم أبو عبد الله، وأبو القاسم السراج، وابن رزقويه وغيرهم.
قال الحاكِم: قدم نيسابور فعقدتُ مجلس الإملاء، وقرأت عليه «صحيح البُخارِيّ»، وقد أقام بصعدة من اليمن زمانًا، ثم قدم وأكرموه، وأكثروا عنه ببغداد، وما المثل فيه إلا كما قال يحيى بن معين: لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه، وقد سألته المقام بنيسابور ... .اهـ.
قال الذَّهَبِيّ: وثقه الحاكِم، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وضعفه أبو زرعة الكشي، وأبو نعيم.
ونقل ابن نقطة عن الحاكِم أيضًا أنه قال فيه بعد أن نسبه: هو الحافظ الثقة، مولده بالشرمقان (١)، ومنشؤه بمرو، ثم انتقل إلى العراق، ثم انصرف
стр. 159
إلى خراسان وقد شاخ، وذلك في سنة خمسين وثلاثمائة، فعقدت له المجلس في مسجد يحيى بن صبيح، وقرأت عليه «الجامع الصحيح» للبخاري وحضر الناس، فأقام بنيسابور ثلاث سنين، ثم اسُتدعي إلى صعدة، فأدركته منيته بالبادية، فتوفى بالجحفة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. اهـ.
وقال الخطيب في «تاريخه»: حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة ابن يوسف يقول: سألت أبا زرعة محمد بن يوسف عن أحمد بن محمد بن رميح النسوي، فأومأ إلي أنه ضعيف أو كذاب، قال حمزة: الشك مني.
قال أبو نعيم الحافظ: كان أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح النسوي ضعيفًا.
وقال الخطيب: الأمر عندنا بخلاف ذلك، وهو ثقة ثبت، لم يختلف شيوخنا الذين لقوه في ذلك.
ثم ساق الخطيب بأسانيده إلى بعض الأئمة ممن وثقوه، فنقل عن أبي الفتح محمد بن أبي الفوارس قال: كان أحمد بن محمد بن رميح النسوي ثقة في الحديث.
ونقل أيضًا عن أبي سعيد الإدريسي قال: أحمد بن محمد بن رميح النسوي لم أرزق السماع منه، ذكر لي أصحابنا حفظه وتيقظه ومعرفته في الحديث.
ثم نقل قول الحاكِم فيه: الحافظ ثقة مأمون.
وقال ابن حجر في «اللسان»: وإنما ضعفه من ضعفه؛ لأنه كان زيدي المذهب، يتظاهر به، وقد تكلم بعضهم في روايته أيضًا، قاله ابن طاهر.
قلت (الباحث): وجاء في ترجمة إسحاق بن إسماعيل الجُوزجاني
стр. 160
عند ابن حجر في «اللسان» بعد ذكره لحديثٍ رواه الدارقطني في «غرائب مالك» عن أحمد ابن محمد بن رميح، عن يعقوب بن يوسف، عن إسحاق بن إسماعيل هذا، فقال (أي: الدارقطني): هذا حديث باطل، ومن دون مالك ضعفاء. «لسان الميزان» (١).
فهذا النص من الدارقطني فيه تصريح بتضعيف ما دون مالك وفيهم ابن رميح.
بينما قال الدارقطني في موضع آخر من «الغرائب» كما في «اللسان»: حَدَّثَنا أحمد بن محمد بن رميح النسوي قال أحمد بن الخضر المَرْوَزيّ قال: ثنا يحيى بن ساسويه .. وقال: غريب إن كان الراوي ضبطه ورجاله كلهم معروفون بالثقة. اهـ (٢).
فهذا أيضًا توثيق من الدارقطني لرجال هذا السند ومنهم ابن رميح.
ومما يدل على إمامة هذا الرجل وحفظه، بالإضافة إلى ما سبق، أن الحافظ الذَّهَبِيّ ترجم له في «تذكرة الحفاظ»، و «سير أعلام النبلاء» وكذلك ابن عبد الهادي لما عدَّه في «طبقات علماء الحديث» وقال: الحافظ الجوال ... صاحب التصانيف.
توفي ﵁ في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.
وإنما أطلت في ترجمة ابن رميح؛ لأن رِواية حماد لم تشتهر إلا من طريقه.
стр. 161
مظان رواية حماد بن شاكر
رِواية حماد بن شاكر غير معروفة اليوم، ولم أقف على نسخة مخطوطة تنسب له رواية الصحيح، ولكني من خلال تتبع النصوص عند الأئمة، قد وجدت بعض الأحاديث من الصحيح، رويت من طريق تلميذه أحمد بن رميح.
ويبدو - والله أعلم - أن الحاكِم أبا عبد الله هو الذي احتفظ لنا ببعض الأحاديث من هذه الرِّواية من طريق أحمد بن رميح عنه.
فقد نقل ابن نقطة عن الحاكِم قوله في ترجمة أحمد بن رميح: ثم انتقل إلى العراق، ثم انصرف إلى خراسان وقد شاخ، وذلك في سنة خمسين وثلاثمائة، فعقدت له المجلس في مسجد يحيى بن صبيح، وقرأت عليه «الجامع الصحيح» للبخاري وحضر الناس، فأقام بنيسابور ثلاث سنين. اهـ
فهذا النص يدل على تحديثه بنيسابور، وسماع الحاكِم منه في سنة خمسين وثلاثمائة.
ولقد أكثر البيهقي النقل من هذه الرِّواية حيث ذكر في «السنن الكبرى» مواضع رواها عن شيخه أبي عبد الله الحاكِم، عن أحمد بن محمد بن رميح، عن حماد بن شاكر، عن البُخارِيّ.
وسأذكر هذه المواضع لما لها من أهمية في الكشف عن معالم هذه الرِّواية التي لا تعرف اليوم، ويمكن من خلالها المقارنة بين هذه الرواية وغيرها من الروايات، وهذه المواضع هي:
الموضع الأول: كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الإناء المفضض، حديث عاصم الأحول قال: رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ
стр. 162
قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ - (١) .. إلخ.
الموضع الثاني: كتاب: الصلاة، باب: كيفية الجلوس في التشهد الأول والثاني، بإسناده إلى محمد بن عمرو بن عطاء، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: فَذَكَرْنَا صَلاَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... (٢).
الموضع الثالث: كتاب: الصلاة، باب: الدليل على أن يقنت بعد الركوع.
حديث سالم بن عبد الله، عن أبيه أَنَّهُ سَمِعَ النبي ﷺ إِذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَيَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». وَلاَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ (٣).
الموضع الرابع: في كتاب: الصيام، باب: ما كان عليه حال الصيام.
حديث نافع عن ابن عمر. أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ (٤).
الموضع الخامس: في كتاب: الحج، باب: طواف النساء مع الرجال.
стр. 163
حديث ابن جريج: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ - إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ ... (١).
الموضع السادس: في كتاب: البيوع، باب: ثمر الحائط يباع أصله.
حديث نافع مولى ابن عمر: أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ وَقَدْ أُبِّرَتْ وَلَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ. سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَ». (٢).
الموضع السابع: كتاب: الشركة، باب: الشركة في البيع. حديث أبي عقيل: أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَتَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ ... الحديث (٣).
الموضع الثامن: كتاب: الغصب، باب: لا يملك أحد بالجناية شيئا جنى عليه ..
حديث عائشة ﵂ قالت: كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ .. (٤).
الموضع التاسع: في كتاب: القراض، باب: المضارب يخالف بما فيه زيادة لصاحبه ..
стр. 164
حديث عروة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِي بِهِ شَاةً .. (١).
الموضع العاشر: في كتاب: الوقف، باب: الصدقات المحرمات.
حديث عمر ﵁: تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ... (٢).
الموضع الحادي عشر: في كتاب: قسم الفيء والغنيمة، باب: التفضيل على السابقة والنسب.
حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: كَانَ فَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَرْبَعَةَ آلاَفٍ ... (٣).
الموضع الثاني عشر: كتاب: النكاح، باب: ما جاء في تحريم حرائر أهل الشرك دون أهل الكتاب.
حديث ابن عباس ﵄: كَانَتْ قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ ... (٤).
الموضع الثالث عشر: في كتاب: النكاح، باب من قال: لا ينفسخ النكاح بينهما بإسلام ... حديث ابن عباس ﵁ قال: كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ .... (٥).
стр. 165
الموضع الرابع عشر: في كتاب: الجراح، باب: تحريم القتل من السنة.
حديث عبد الله بن عمر قال: إِنَّ مِنْ وَرْطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ (١).
الموضع الخامس عشر: في كتاب: السير، باب: فتح مكة حرسها الله تعالى.
حديث عروة قال: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ... (٢).
الموضع السادس عشر: في كتاب: الجزية، باب: من جاء من عبيد أهل الهدنة مسلمًا.
حديث ابن عباس ﵄: وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا، وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ (٣).
الموضع السابع عشر: في كتاب: الجزية، باب: من جاء من عبيد أهل الحرب مسلمًا.
حديث عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ
стр. 166
مِنْهُمْ - يعني أهل الحرب - أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ (١). قال البيهقي في كل المواضع السابقة: أخرجه البُخارِيّ في «الصحيح».
قال ابن التركماني في «الجوهر النقي»: لم أجد هذا الأثر في «صحيح البُخارِيّ» بعد الكشف (٢).
انفراد نسخة حماد بن شاكر ببعض الأحاديث
ولقد وقفت على حديث انفردت به هذه الرِّواية، ذكره أصحاب أطراف الكتب، ومنهم أبو مسعود الدمشقي والمزي في «تحفة الأشراف».
هذا الحديث ساقه اليُونِينِيّ في «الصحيح» (٣) قال: حَدَّثَنا حامد بن عمر عن بشر، حَدَّثَنا عاصم، حَدَّثَنا واقد، عن أبيه، عن ابن عمر - أو ابن عمرو - شَبَّكَ النَّبِيُّ ﷺ أَصَابِعَهُ.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بِهَذَا».اهـ.
كذا ساق اليُونِينِيّ هذا الحديث، ورمز لحذف هذا الحديث بأكمله من نسخة الأصيلي وحده.
وذكره المزي في «تحفة الأشراف» (٤) في مسند عبد الله بن عمرو،
стр. 167
بالسياق السابق عند اليُونِينِيّ سندًا ومتنًا ثم قال عقبه: هذا الحديث من رِواية حماد بن شاكر عن البُخارِيّ.
وعقب عليه ابن حجر في «النكت الظراف» (١) قائلًا:
قلت: بل هو في رِواية الفَرَبْريّ أيضًا فيما حكاه أبو مسعود أنه وجده عند إبراهيم - أي الحربي - عن حماد بن شاكر والفَرَبْريّ عن البُخارِيّ. اهـ.
ثم قال ابن حجر متعجبًا: نعم! ما رأيته عند أبي ذر عن الثلاثة، ولا في رِواية الأصيلي ولا غيره. اهـ.
وقال ابن حجر أيضًا في «الفتح» (٢) كتاب: الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد بعد ذكره أن البُخارِيّ أورد في الباب حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة قال: ووقع في بعض الروايات قبل هذين الحديثين حديث آخر، وليس هو في أكثر الروايات، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، بل ذكره أبو مسعود في «الأطراف» عن رِواية ابن رميح عن الفَرَبْريّ وحماد بن شاكر جميعًا عن البُخارِيّ قال: حَدَّثَنا حامد بن عمر حَدَّثَنا بشر ... ثم ساقه مثل اليُونِينِيّ حتى قوله: «حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ».
ثم قال ابن حجر: وقد ساقه الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» نقلا عن أبي مسعود وزاد هو: «قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا» وشبك بين أصابعه - الحديث. اهـ. من «الفتح».
قلت (الباحث): هو في «الجمع بين الصحيحين» (٣) للحميدي المتوفى سنة (٤٨٨) هـ بسياق آخر ونصه: قال: الخامس والعشرون: عن واقد بن
стр. 168
محمد، عن أبيه، عن ابن عمر - أو - ابن عمرو. قال: شبك النبي ﷺ أصابعه وقال: «كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا؟» قال: فكيف يا رسول الله؟ قال: «تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم». هكذا في حديث بشر بن المفضل عن واقد.
وفي حديث عاصم بن محمد بن زيد قال: سمعت هذا من أبي فلم أحفظه فقومه لي واقد عن أبيه قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : «يا عبد الله بن عمرو كيف أنت إذا بقيت ...» وذكره.
وليس هذا الحديث في أكثر النسخ، وإنما حكى أبو مسعود أنه رآه في كتاب أبي رميح عن الفَرَبْريّ وحماد بن شاكر عن البُخارِيّ. اهـ.
وقال ابن الملقن في «التوضيح» كتاب: الصلاة، باب: تشبيك الأصابع بعد أن ساق الحديث مثل ما جاء عند اليُونِينِيّ:
والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث ليس موجودًا في أكثر نسخ «الصحيح»، ولا استخرجه الحافظان الإسماعيلي وأبو نعيم، ولا ذكره ابن بطال، وفي بعض النسخ ملحقًا على الحاشية، وحكى أبو مسعود أنه رأى في كتاب أبي رميح عن الفَرَبْريّ وحماد بن شاكر عن البُخارِيّ، نعم ذكره خلف في «أطرافه» في مسند ابن عمر، وكذا الحميدي في «جمعه» من أفراد البُخارِيّ من حديث واقد بن محمد ... فذكر باقي كلام الحميدي. اهـ.
وقال القَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري» (١): وهذا الحديث ساقط في أكثر الروايات ولم يذكره الإسماعيلي، ولا أبو نعيم في مستخرجيهما، وإنما وجد بخط البرزالي، وذكر أبو مسعود في «الأطراف» أنه رآه في
стр. 169
كتاب ابن رميح عن الفَرَبْريّ وحماد بن شاكر عن البُخارِيّ، وفي «اليُونِينيّة» سقوطه للأصيلي فقط اهـ.
قلت (الباحث): وكأن القسطلاني يستشكل اقتصار اليونيني على حذفه من رواية الأصيلي فقط، وإلا فهو ساقط من رواية أبى ذر وغيره كما سبق.
والحديث في «كنز العمال» (١) بلفظ: «كيف بك يا ابن عمر إذا عُمّرت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنةٍ ويضعف اليقين».اهـ. وعزاه للبُخارِيّ في رِواية حماد بن شاكر عن ابن عمر.
والخلاصة: أن الحديث من رِواية حماد بن شاكر، وجمهور الرُّواة على حذفه من «الصحيح» ووضع اليونيني له في نسخته مع خلوها من رواية حماد بن شاكر فيه نظر وخاصة أن ابن حجر وغيره ذكروا أنهم ما رأوه في نسخ الفربري والله أعلم.
وقول أبي مسعود الدمشقي، أن هذا الحديث مروي عن الفَرَبْريّ من رِواية ابن رميح عنه لم أجد من ذكره غير أبي مسعود، ولعل العبارة فيها وهم، فإن ابن رميح معروف بالرِّواية عن حماد بن شاكر كما سبق، ولا تعرف له رِواية عن الفَرَبْريّ، وكل من جاء بعد ذلك اعتمد على قول أبى مسعود في ذلك، ولم يذكر أحد من الشراح أو أصحاب الأطراف وجوده عند الفربري والله أعلم.
стр. 170
المبحث الثالث
رِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ (٢٣١ - ٣٢٠) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
هو المحدث، الثقة، العالم، راوي «الجامع الصحيح»، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفَرَبْريّ (٢).
стр. 171
ولادته: اتفق كل من ترجم للفربري على أن ولادته كانت سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
شيوخه: سمع الفَرَبْريّ «الصحيح» من أبي عبد الله البُخارِيّ، وسمع من قتيبة بن سعيد وعلي بن خَشرَم.
قال أبو بكر السَّمْعاني في «أماليه» (١): وقد سمع الفَرَبْريّ من قتيبة بن
стр. 172
سعيد (١) وعلي بن خَشرَم (٢)، فشارك البُخارِيَّ ومسلمًا في الرِّواية عنهما (٣).
وروى ابن النقطة بإسناده إلى الفَرَبْريّ أنه قال: سمعت من علي بن خَشرَم سنة ثمان وخمسين ومائتين وأنا بفربر مرابطًا (٤).
وقال الذَّهَبِيّ: وقد أخطأ من زعم أنه سمع من قتيبة بن سعيد، فما رآه، وقد ولد في سنة إحدى وثلاثين ومائتين (أي: الفَرَبْريّ)، ومات قتيبة في بلد آخرَ سنة أربعين (٥).
قلت (الباحث): يتلخص مما سبق أن الفَرَبْريّ قد روى عن ثلاثة:
الأول: الإمام أبو عبد الله البُخارِيّ - رحمه الله تعالى - وهذا لا خلاف عليه.
الثاني: قتيبة بن سعيد.
الثالث: علي بن خَشرَم.
وسماع الفَرَبْريّ من قتيبة بن سعيد نص عليه أبو بكر السَّمْعاني في «أماليه» كما ذكره النووي في شرحه لـ «الصحيح».
стр. 173
وقد خطّأ الذَّهَبِيّ في «السير» (١) من زعم أنه سمع منه؛ لأن الفَرَبْريّ ولد سنة مائتين وإحدى وثلاثين ومات قتيبة في بلد آخر سنة أربعين ومائتين، فيكون بينهما تسع سنوات مع اختلاف المصر مما يبعد السماع.
أما سماع الفَرَبْريّ من علي بن خَشرَم فهذا ثابت لا خلاف فيه، وقد نص على ذلك كثير ممن ترجم للفربري، وفي أمهات الكتب أحاديث مروية عن الفَرَبْريّ، عن علي بن خَشرَم.
فقد أخرج البيهقي في «السنن الكبرى» (٢) وفي «شعب الإيمان» (٣) أحاديث من رِواية الحافظ أبي أحمد بن عدي، عن الفَرَبْريّ، عن علي بن خَشرَم وغير ذلك.
بل سماع الفَرَبْريّ من علي بن خَشرَم ثابت في بعض نسخ «الجامع الصحيح» كما سيأتي.
تلاميذه: لقد روى عن الفَرَبْريّ خلق كثيرون، رحلوا إليه يطلبون الإسناد العالي، وقد أفردتهم ببحث مستقل
أقوال العلماء في بيان مكانته:
إذا أردنا أن نجمع النصوص وأقوال العلماء التي تُعدِّل هذا الرجل فحقيقٌ أن يكون الجواب على السائل عن ذلك بمثل ما أجاب به يحيى بن معين ﵁ (٢٣٣) هـ فيما رواه ابن رشيد الفهري (٧٢١) هـ من طريق مضر بن محمد الكوفي عنه، قال مضر: سأل أحمد بن الوليد - غلام كان معي يخدمني ويكتب - يحيَى بنَ معين، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعثمان أخيه،
стр. 174
فقال له: يا مجنون، هل رأيت أحدًا يسأل عن مثل هؤلاء اهـ (١).
ولنذكر بعض الأقوال في ثناء العلماء عليه دفعًا لغمز جاهلٍ على أهل الإسلام متحامل:
قال الإمام أبو الوليد الباجي (٤٧٤) هـ: والفَرَبْريّ ثقة مشهور (٢).
وقال أبو محمد الرشاطي (٥٤٧) هـ: وعلى الفَرَبْريّ العمدة في رِواية كتاب البُخارِيّ. اهـ (٣).
وقال أبو بكر السَّمْعاني (٥٢٠) هـ في «أماليه» - وهو جد السَّمْعاني صاحب «الأنساب» - كان ثقة ورعًا. اهـ (٤).
وقال ابن رشيد الفهري (٧٢١) هـ: عمدة المسلمين في كتاب البُخارِيّ. اهـ.
وقال أيضًا: الثقة الأمين، وسيلة المسلمين إلى رسول الله ﷺ في كتاب البُخارِيّ، وحبلهم المتين. اهـ.
وفاته: اتفق كل من ترجم له على أن وفاته كانت سنة عشرين وثلاثمائة، يوم الأحد لثلاث خلون من شهر شوال، وقيل لعشر بقين منه (٥) فرحمه الله رحمة واسعة.
стр. 175
هل سمع البُخارِيّ من علي بن خَشرَم؟
ذكر بعض العلماء وهو أبو بكر بن السَّمْعاني في «أماليه» - كما سبق - أن الفَرَبْريّ شارك البُخارِيّ ومسلمًا في السماع من قتيبة بن سعيد وعلي بن خَشرَم.
وننبه هنا على أمرين:
الأول: أن سماع البُخارِيّ ومسلم من قتيبة بن سعيد وإن كان ثابتًا كما هو ظاهر من أحاديثه في «الصحيحين» إلا أن في ذلك نظرًا بالنسبة للفربري.
الثاني: وهو سماع البُخارِيّ ومسلم من علي بن خَشرَم.
فالثابت كما هو واضح عند كل من ترجم لعلي بن خَشرَم سماعُ مسلم منه.
أما سماع البُخارِيّ منه فلم يثبت, وبعد استقراء «الصحيح» ونسخه المشار إليها في شروح «الصحيح» تحصل لي أن لعلي بن خَشرَم ذكرًا في بعض نسخ «الصحيح» في موضعين:
الأول: في حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه البُخارِيّ في كتاب التهجد، باب: التهجد بالليل (١).
قال البُخارِيّ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ... وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أَوْ «لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ». قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: «وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
стр. 176
قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ.
هكذا إسناد الحديث عند جمهور الرُّواة عن الفَرَبْريّ.
وفي رِواية أبي ذر قبل قوله: (قال سفيان) الثانية زيادة: (قال علي بن خَشرَم) فصارت هكذا: قال علي بن خَشرَم: قال سفيان: قال سليمان بن أبي مسلم ... إلخ.
وغرض البُخارِيّ من هذه الزيادة إن ثبتت عنه أو الفربري وهو الصواب كما سيأتي - هو إثبات سماع سليمان بن أبي مسلم لهذا الحديث من طاوس؛ لأنه ذكره في أول الحديث بالعنعنة. كما نص على ذلك ابن حجر في «الفتح» (١).
ورِواية أبي ذر هذه جاءت في هامش «اليونينية» (٢) ورمز لها برمز أبي ذر، ونص عليها ابن حجر في «الفتح» (٣) والقَسْطَلّانِيّ في «إرشاد الساري» (٤) والشيخ زكريا الأنصاري في «المنحة» (٥).
وهذه الزيادة توهم في ظاهرها أن الحديث متصل بسماع البُخارِيّ لهذا الحديث من علي بن خَشرَم، عن سفيان، وليس الأمر كذلك.
وذلك لأن هذه الزيادة ليست ثابتة في جميع نسخ البُخارِيّ وإنما هي من رِواية أبي ذر وحده كما نص على ذلك ابن حجر في «الفتح».
وأيضًا فإنه على فرض ثبوت هذه الرِّواية فإن غاية ما تدل عليه أن
стр. 177
هذه الزيادة من زيادات الفَرَبْريّ على البُخارِيّ، فإنه في بعض المواضع من «الصحيح» يزيد زيادات من عنده لم يسمعها من البُخارِيّ.
ولذا قال ابن حجر ﵀ في «الفتح» (١): ولعل هذه الزيادة عن الفَرَبْريّ فإن علي بن خَشرَم لم يذكروه في شيوخ البُخارِيّ، وأما الفَرَبْريّ فقد سمع من علي ابن خَشرَم كما سيأتي في أحاديث الأنبياء في قصة موسى والخضر، فكأن هذا الحديث أيضا كان عنده عاليًا عن علي بن خَشرَم، عن سفيان، فذكره لأجل العلو. والله أعلم. اهـ.
وقد نص على ذلك الذَّهَبِيّ في «السير» (٢) حيث قال في ترجمة علي بن خَشرَم عند ذكر من حدث عنه: محمد بن يوسف الفَرَبْريّ، ثم قال ما نصه: ووقع لنا روايته عنه في تعلية حديث موسى والخضر، فقال: حَدَّثَناه علي بن خَشرَم، حَدَّثَنا ابن عيينة فذكره، لكن ليس هذا في كل نسخ «الصحيح». اهـ كلامه.
قلت (الباحث): ومن الجدير بالذكر أن عليَّ بن خَشرَم معدود في طبقة أقران البُخارِيّ حيث توفي (٢٥٧) هـ.
الموضع الثاني: في باب: حديث الخضر مع موسى ﵇، من كتاب: الأنبياء.
قال البُخارِيّ (٣): حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ
стр. 178
مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ» ثم ساق الحديث بطوله إلى أن قال في آخره: «وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ».
ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو؟ أَوْ: تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ؟ وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي؟ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. اهـ.
ثم ساق حديثا آخر في سبب تسمية الخضر بهذا الاسم فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ؛ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ».اهـ.
هكذا سياق الحديثين كما هو في «اليُونِينيّة» وكما هو عند أكثر رواة البُخارِيّ، لكن وقعت هنا زيادة وهي: قال محمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْريّ: حَدَّثَنا علي بن خَشرَم عن سفيان، بطوله. اهـ.
وهذه الزيادة أشار إليها اليُونِينِيّ في هامش نسخته، وابن الملقن، وابن حجر، والعيني، والقَسْطَلّانِيّ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري في شروحهم.
وهذه الزيادة يتعلق بها أمران:
الأول: من راوي هذه الجملة عن الفَرَبْريّ؟ هل هو الحَمُّوييّ (أبو محمد السَّرْخَسي) كما هو عند اليُونِينِيّ والشيخ زكريا الأنصاري وغيرهما، أم هو المُسْتَمْلِيّ كما هو عند ابن الملقن وتلميذه ابن حجر العسقلاني؟
الأمر الثاني: موضع هذه الزيادة. هل هو عقب الحديث الأول في الحديثين السابقين كما هو عند ابن الملقن وابن حجر؟ أم هو عقب
стр. 179
الحديث الثاني كما هو في هامش «اليُونِينيّة» وكما ذكر الشيخ زكريا والإمام العيني؟
قلت: أما الأمر الأول: وهو راوي هذه الجملة عن الفَرَبْريّ فإنه يُلاحظ شيئان:
الأول منهما: أن كلًّا من الحَمُّوييّ - ويعرف أيضًا بالسَّرْخَسي - والمُسْتَمْلِيّ في طبقة واحدة، فكلاهما تلميذ للفربري، ومعروف بالرِّواية عنه.
الثاني: أن كلمة الحَمُّوييّ ليست في أصل اليُونِينِيّ، وإنما هي في الحاشية، ومعلم عليها بحرف الإسقاط.
وبناء على كلا الأمرين فالوهم وقع في عزو هذه الجملة إلى الحَمُّوييّ عند من عزاها إليه.
ويؤيد هذا أن الجملة غير موجودة عند الجمهور من الرُّواة عن الفَرَبْريّ، ولذلك نص ابن الملقن وتبعه ابن حجر على أن هذه الزيادة ليست من رِواية الحَمُّوييّ، وإنما هي من رِواية المُسْتَمْلِيّ.
قال ابن الملقن - رحمه الله تعالى - بعد شرح الحديث الأول بعد قول سفيان: سمعته منه مرتين أو ثلاثا وحفظته منه قال:
وهذا رواه أبو ذر الهَرَويّ: ثنا أبو إسحاق المُسْتَمْلِيّ، ثنا الفَرَبْريّ، ثنا علي بن خَشرَم، عن سفيان، فذكره. اهـ.
وتابع ابنَ الملقن تلميذُه ابن حجر فقال في «الفتح» (١): ووقع هنا في رِواية أبي ذر عن المُسْتَمْلِيّ خاصة عن الفَرَبْريّ: حَدَّثَنا علي بن خَشرَم، حَدَّثَنا سفيان بن عيينة ... الحديث بطوله. اهـ. وهذا - والله أعلم - هو
стр. 180
الصواب.
أما ما جاء في هامش «اليُونِينيّة» فقد سبق أن اليُونِينِيّ وضع على كلمة الحَمُّوييّ علامة الإسقاط، فلعل الشيخ زكريا عندما نسب هذا القول إلى الحَمُّوييّ طمس حرف الإسقاط عنده وتبعه في ذلك من عزاه إلى الحَمُّوييّ.
ولذا نجد القَسْطَلّانِيّ وهو ممن له عناية خاصة باختلاف الروايات عمومًا ونسخة اليُونِينِيّ خاصة، قد نص على وجود حرف الإسقاط على كلمة الحَمُّوييّ.
وهذا يفسر صنيع الإمام العيني في «شرحه» (١) حيث ساق العبارة ونسبها إلى الحَمُّوييّ، ونص بعد ذلك على أنها من رِواية المُسْتَمْلِيّ خاصة عن الفَرَبْريّ مما يدل على وقوع اضطراب في العبارة عنده، ولعل ذلك من النساخ وعدم العناية بضبط النص، والله أعلم.
فالصواب: - والله أعلم - ما ذكره ابن الملقن وابن حجر من أن هذه الزيادة من رِواية المُسْتَمْلِيّ عن الفَرَبْريّ خاصة. هذا ما يتعلق بالأمر الأول.
أما الأمر الثاني: وهو موضع هذه العبارة.
فأقول: هذه العبارة وهي قول الفَرَبْريّ: حَدَّثَنا علي بن خَشرَم، حَدَّثَنا سفيان ... إلخ.
ذكرت في هامش «اليُونِينيّة» (٢) وعند الشيخ زكريا (٣) وعند العيني (٤) عقب الحديث الثاني، وذكرت عقب الحديث الأول عند ابن