بعض الأشياء الأخرى التي ذكروها في منهجهم في المقدمة كترقيم الأحاديث، وعمل فهارس للكتب والأبواب، والألفاظ وغير ذلك.
والفكرة في ذاتها جليلة وجديرة بالتقدير، وتحرص على الجمع بين الاختلافات بأسلوب ميسر مبني على ما ابتكره اليُونِينِيّ.
وفعلًا تم بذل الجهد والوسع في إخراج هذا الكتاب بهذه الصورة، ولكن يبدو - وللأسف الشديد - أنهم لم يتموا هذا العمل بهذه الطريقة؛ حيث صدرت هذه الطبعة في أحد عشر جزءًا. المطبوع منها بهذه الطريقة سبعة أجزاء فقط بما يعادل آخر سورة المؤمن (غافر) من كتاب التفسير، والأجزاء الأربعة الباقية اكتفوا بإثبات النص مع بعض معاني المفردات دون النظر إلى حكاية اختلاف الروايات، وكأن القائمين على طباعة الأجزاء الباقية قد بدا لهم تغيير المنهج ولم يقتنعوا بالفكرة التي بدأ الكتاب على أساسها، ولو تم كل الصحيح بنفس الطريقة الأولى لتم النفع، والله تعالى الهادي لأقوم سبيل.
وقد كتب الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد مقدمة لهذه الطبعة تكلم فيها عن فكرة المشروع ومنهج العمل فيه، وتكلم عن الإمام البُخارِيّ و «صحيحه» وعمل اليُونِينِيّ وهي مقدمة نفيسة، خاصة في بيان حياة البُخارِيّ ومنهجه في «الصحيح».
ومن الجدير بالذكر أن المحققين في السبعة أجزاء الأولى قد بذلوا جهدًا مشكورًا في محاكاة الطبعة «السلطانية»، مع إضافة بعض الزيادات من الشروح، والكتب الأخرى التي خدمت الصحيح، مع حذف بعض التعليقات التي كتبها مصححو الطبعة «السلطانية»، ولكنهم حكوا كل الخلافات التي وردت في الرموز، سواء كانت في الأصل أو في الحاشية. فجزاهم اللهم خير الجزاء.
стр. 702
طبعة جمعية المكنز الإسلامي
من الجهود التى بذلت في إعادة نشر الطبعة السلطانية ما قامت به جمعية المكنز الإسلامي - وهي جمعية تعنى بنشر التراث الإسلامي وخدمته - حيث قامو بتصوير الطبعة «السلطانية» المطبوعة سنة ١٣١٣ هـ ولكن دون أي أعمال إضافية إليها، اللهم إلا إذا استثنينا المقدمة التي كتبوها، ونص جدول تصويب الأخطاء التي وجد في الطبعة «السلطانية» لـ «صحيح البُخارِيّ» لكاتبه محمد بن علي المكاوي، والمقدمة التي كتبت لهذه الطبعة أو لهذه الصورة لم يذكر من الذي أعدها أو كتبها، وهي مقدمة تحدثوا فيها عن النسخة «اليُونِينيّة» والطبعة «السلطانية».
وهذه الطبعة التي قامت بتصويرها جمعية المكنز الإسلامي قد أضافت جديدًا للطبعات الأخرى وهو أنها نشرت نص جدول الخطأ والصواب الخاص بالشيخ محمد بن علي المكاوي، وهو من كبار المصححين بالمطبعة الأميرية في قراءة خاصة منه للطبعة «السلطانية»، والذي سبق الحديث عنه في موضعه.
كما قامت الجمعية بربط أرقام صفحات هذه الطبعة لطبعتهم التي قاموا بنشرها بعد أن قاموا بصفها على الحاسب الآلي، وتكميلها ببعض المكملات التي لابد منها، وهو عمل مستقل غير هذا مما لا يسع المجال لتفصيله هنا.
стр. 703
الفَصْل الثاني:
عناية المغاربة بالصحيح
ويتكون من ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عناية المغاربة بالصحيح وأهم الروايات عندهم.
المبحث الثاني: نسخة أبي علي الصَّدفي.
- ترجمته، روايته، نسخته، أهم النسخ المأخوذة منها.
المبحث الثالث: نسخة ابن سعادة.
- ترجمته، روايته، نسخته، أهم النسخ المأخوذة منها.
стр. 704
المبحث الأول:
عناية المغاربة بصحيح البُخارِيّ (١)
«صحيح البُخارِيّ» له منزلة عظيمة عند المغاربة، وكما كان لأهل المشرق عناية بالصحيح فإن أهل المغرب كانت لهم به عناية أيضًا.
وكما اشتهرت بعض روايات الصحيح ونسخه عند المشارقة، فإن بلاد المغرب كان لهم أيضا حظ وافر في العناية بالصحيح.
وقد سبق القول بأن «الجامع الصحيح» رواه عن مؤلفه محمد بن إسماعيل البُخارِيّ جم غفير من الرُّواة.
والذي وصل إلى المغرب الإسلامي من هذه الروايات روايتان:
الأولى: رِواية النَسَفْيّ: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل بن الحجاج (٢٥٨) هـ.
الثانية: رِواية الفَرَبْريّ: أبو عبد الله محمد بن يوسف (٣٢٠) هـ، وأكثر الروايات من طريقه.
قال القاضي عِياض في «مشارق الأنوار»: ولم يصل إلينا - من غير هذين الطريقين - عنه، ولا دخل المغرب والأندلس إلا عنهما، على كثرة رواة البُخارِيّ عنه لكتابه (٢).
ورِواية الفَرَبْريّ هي التي اشتهرت في العالم الإسلامي، وفي هذا يقول ابن حجر العسقلاني: والرِّواية التي اتصلت - بالسماع - في هذه الأعصار وما قبلها هي رِواية محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفَرَبْريّ (٣).
стр. 705
ورِواية النَسَفْيّ يرجع الفضل إلى الإمام الخطابي (٣٨٨) هـ في الاحتفاظ ببعض معالمها، ونقل بعض النصوص منها، وذلك من خلال كتابيه: «أعلام الحديث» الذي شرح فيه الصحيح واعتمد فيه على رِواية النَسَفْيّ، وكتابه الآخر «غريب الحديث».
وأول من وقفت له من بلاد المغرب على ذكر لهذه الرِّواية بعد الخطابي (٣٨٨) هـ هو الإمام أبو علي الجَيّانيّ (٤٩٨) هـ فقد ذكر في أسانيده للصحيح في أول كتابه «تقييد المهمل» أن من بين الروايات التي روي الصحيح من خلالها رِواية النَسَفْيّ، أخبره بها أبو العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي قال: نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهَرَويّ بمكة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، قال لي: سمعت بعضه وأجاز لي سائره، قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ عنه.
وذكر موضع النقص من نسخته (١)
ومن العلماء المغاربة الذين تحملوا هذه الرِّواية ونقلوا منها:
القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في كتابه «مشارق الأنوار» (٢) والحافظ أبو بكر بن خير الأشبيلي (٥٧٥) هـ في فهرسته (٣) وكلاهما من طريق أبي علي الجَيّانيّ.
أما رِواية الفَرَبْريّ فقد دخلت إلى الغرب الإسلامي في وقت مبكر، وانتقلت إليه بواسطة روايات اشتهر منها ستة يتصل أصحابها بالفَرَبْريّ مباشرة:
стр. 706
١ - راوية أبي علي بن السكن: سعيد بن عثمان بن سعيد المصري (٣٠٣) هـ.
٢ - رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ: محمد بن أحمد بن عبد الله، (٣٧١) هـ.
٣ - رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ: محمد بن محمد بن يوسف، (٣٧٣) هـ.
٤ - رِواية أبي علي الكُشّانيّ: إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب (٣٩١ هـ).
٥ - رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ: إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم البلخي (٣٧٦) هـ.
٦ - رِواية السَّرْخَسي: عبد الله بن أحمد بن حمويه (٣٧١) هـ.
٧ - رِواية أبي الهيثم الكُشْمِيهَني: محمد بن مكي بن زراع (٣٨٩) هـ
أولا: رِواية الإمام الحافظ أبي علي، سَعِيد بن السَّكن المصري البزّاز، البغدادي الأصل (٣٥٣) هـ،
وقد روى عنه من الأندلسيين: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد الجهني الطليطلي ساكن قرطبة (٣٩٥) هـ، جاء في ترجمته (١): "ورحل إلى المشرق سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، فسمع من أبي علي بن السكن بمصر.
ومن طريق ابن أسد الجهني انتقلت رِواية ابن السكن إلى بلاد المغرب حيث روى «الصحيح» عن الجهني الإمام أبو علي الجَيّانيّ (٤٩٨) هـ ومن طريقه اشتهرت.
فرواها القاضي عِياض (٥٤٤) هـ في كتابه «مشارق الأنوار» (٢) والحافظ
стр. 707
أبو بكر بن خير الإشبيلي (٥٧٥) هـ في فهرسته (١) وكلاهما من طريق أبي علي الجَيّانيّ.
وذكر الاستاذ محمد المنوني أنه يوجد منها المجلد الأول في الخزانة الوقفية بالجامع الأعظم من مدينة تازة وهي بخط عبد المهيمن بن علي بن علي بن حرز الله التميمي (٦٩٨) هـ وهو منقول ومقابل بأصل أبي الحسن يونس بن محمد بن مغيث القرطبي المعروف بابن الصفار (٥٣٢) هـ (٢) المكتوب بخط أبي عمر الطلمنكي (٣).
وهناك طرق أخرى عُرفت بها رِواية ابن السكن في المغرب منها:
رِواية أبي جعفر ابن عبد الله وأبي عبد الله بن مفرج، وكانت رحلتهما وسماعهما مع الجهني الطليطلي.
ومن طريق أبي عبد الله بن مفرج يسند ابن حزم رِواية ابن السكن في كتابه «المحلى» حيث يسوق حديثين من «الصحيح» رواهما عن شيخه عبد الله بن ربيع, عن ابن مُفَرِّجٍ, عن ابْن السَّكن, عن الفَرَبْريّ, عن البُخارِيّ .. (٤).
كما أن القاضي عِياض يتصل بنفس الرِّواية بواسطة كل من ابن عون وابن مفرج (٥).
стр. 708
ثانيا: رِواية أبي زَيْد محمد بن أحمد المَرْوَزيّ (٣٧١) هـ.
ثالثا: رِواية الإمام أبي أحمد، محمد بن محمد بن يوسف بن مكي، الجُرْجانيّ (٣٧٣)، أو (٣٧٤) هـ.
روى عنهما معًا الحافظ أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيليُّ (٣٩٢) هـ.
قال أبو علي الجَيّانيّ: وكان سماع أبي محمد الأَصيليِّ وأبي الحَسَن بن القابسي على أبي زَيْدٍ المَرْوَزيّ واحدًا بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. ثم سَمعه بعد ذلك أبو محمد ببغداد على أبي زيد المَرْوَزيّ في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. (١).
وهما عمدته في سنده إلى «الجامع الصحيح»، وهما شيخاه في البُخارِيّ، وقد رافق الأصيلي في رحلته هذه أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني الضرير القابسي، (٤٠٣) هـ، غير أن هذا إنما روي عن أبي زيد المَرْوَزيّ، وكان الأصيلي هو الذي ضبط له سماعه على هذا الأخير لـ «الجامع الصحيح».
وقد كان القابسي أول من أدخل «صحيح البُخارِيّ» إلى إفريقيا (٢)، كما يعتبر الأصيلي أول من رُوي عنه نفس الكتاب من طرق بعض المغاربة، حيث رواه عنه وعن القابسي أبو عمران الفاسي: موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي، نزيل القيروان، والمتوفى بها عام (٤٣٠) هـ.
ومن جهة أبي عمران الفاسي يتصل عِياض بالقابسي (٣)، ومن جهته
стр. 709
أيضا يتصل ابن عطية بالأصيلي (١).
وكان من كبار أصحاب الأصيلي بالأندلس المهلب بن أبي صفرة أبو القاسم بن أحمد بن أسيد التميمي المري، (٤٣٥) هـ، قال عنه أبو الأصبغ بن سهل القاضي: وبأبي القاسم - يعني: المهلب - حيا كتاب البُخارِيّ بالأندلس؛ لأنه قرئ عليه تفقها أيام حياته، وشرحه واختصره (٢).
وبعد الأصيلي والقابسي يذكر أبو علي الجَيّانيّ راويًّا أندلسيًّا عن أبي زيد المَرْوَزيّ، وهو عبدوس بن محمد الطليطلي، (٣٩٠) هـ (٣).
ويوجد في مكتبات الأندلس من رِواية الأصيلي نسختان:
الأولى: قطعة تشتمل على أوراق من السفرين الرابع والخامس بخزانة ابن يوسف بمراكش رقم (٣٠١) بخط أندلسي كتبه لنفسه علي بن غالب بن محمد بن خزمون الكلبي وفرغ منه في سنة (٥٣٥) هـ بمدينة باغة من الأندلس، وانتسخه من أصل قوبل بأصل أبي عبد الله بن عتاب، الذي نقله بخطه من نسخة الأصيلي.
الثانية: وتشتمل على السفر الأخير من «الصحيح» ابتداء من أواخر كتاب الأدب، وانتسخه لنفسه محمد بن عبد الله بن أحمد بن القاضي لنفسه، من كتاب قوبل على كتاب الأصيلي، وهو محفوظ بخزانة المعهد الأصيل بتارودانت (٤).
стр. 710
رابعًا: رِواية أبي علي إسماعيل بن محمد بن أحمد بن حاجب الكُشّانيّ (٣٩١) هـ وهو آخرُ مَنْ حَدَّثَ بالصحيح عن الفَرَبْريّ وحقه التأخير وإنما قدمته لارتباط الثلاثة الآتين ببعض.
وهذه الرِّواية رواها القاضي عِياض عن شيخه أبي علي الصَّدفي، عن أبي الحسن ابن أيوب البزار، عن أبي عبد الله الحسين بن محمد الخلال عن الكُشّانيّ (١).
خامسًا: رِواية الإمام المحدث أبي إسحاق، المُسْتَمْلِيّ (٣٧٦) هـ.
سادسًا: رِواية الإمام المحدث أبي محمد، الحَمُّوييّ السَّرْخَسي (٣٨١) هـ.
سابعًا: رِواية المحدث الثقة، أبي الهَيْثَم، الكُشْمِيهَني (٣٨٩) هـ.
ومن الرُّواة عن الأخير: كريمة بنت أحمد بن محمد المَرْوَزيّة، (٤٦٣) هـ، وقد روى «الصحيح» عنها في الغرب الإسلامي:
- الشيخ أبو الأصبغ بن عيسى بن أبي البحر الزهري، والخطيب أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقرئ.
- أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري الشارفي الأندلسي، نزل فاس، المتوفى قريبًا من عام (٥٠٠) هـ، ويقول عنه عِياض: وله رحلة حج فيها وسمع من كريمة كتاب البُخارِيّ.
كما رواه عنها مكاتبه أبو علي الجَيّانيّ حسين بن محمد بن أحمد الغساني القرطبي، (٤٩٨) هـ (٢).
وبعد كريمة ننتقل إلى رِواية أبي ذر: عبد بن أحمد الأنصاري الخزرجي الهَرَويّ ثم المكي، (٤٣٤) هـ.
стр. 711
وأبو ذر يروي عن الشيوخ الثلاثة: (المُسْتَمْلِيّ، والسَّرْخَسي، والكُشْمِيهَني)، وقد صارت روايته بعد ذلك أشهر الروايات المعتمدة.
قال ابن حجر: أتقن الروايات عندنا هي رِواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة؛ لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها (١).
وعن انتشار روايته يقول عِياض: وسمع منه عالم لا يحصى من أهل الأقطار من شيوخ شيوخنا .. وآخر من حدث عنه بالإجازة: أحمد بن محمد الإشبيلي بعد الخمسمائة (٢).
ورِواية أبي ذر هذه اشتهرت اشتهارا واسعًا في بلاد المغرب كما اشتهرت في بلاد المشرق.
يقول ابن رشيد (٧٢١) هـ في كتابه «إفادة النصيح» (٣) في الكلام على أشهر الروايات في بلاد المغرب عن أبي ذر الهَرَويّ: وسمعه عليه من الأندلسيين العدد الكثير، ومن أشهر الطرق المعروفة إليه اليوم بالمغرب التي اعتمدها الرُّواة رِواية القاضي أبي الوليد الباجي عنه، وأبي العباس العذري، وأبي عبد الله بن شريح المقري، وأبي عبد الله بن منظور القيسي. اهـ.
والرُواة عن أبي ذر من أهل المغرب كثيرون، وأخص بالذكر منهم الذين اشتهرت رواياتهم وهم:
أولًا: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن منظور القيسي الإشبيلي، (٤٦٩) هـ.
رواها عنه:
١ - ابن خير الإشبيلي وقال: وقال ابن منظور: سمعته عليه في
стр. 712
المسجد الحرام، عند باب الندوة سنة (٤٣١) هـ، وقرئ عليه مرة ثانية وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في كتابي هذا، في المسجد الحرام عند باب الندوة في شوال من سنة (٤٣١) هـ (١).
٢ - ابن رشيد السبتي كما في «إفادة النصيح» (٢).
ثانيًا: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٤٧٤) هـ.
ورواه عنه أبو علي الصَّدفي، ومن طريقه اشتهرت هذه الرِّواية وسبق الحديث عن هذه الرِّواية بالتفصيل في النسخ الموجودة من رواية أبي ذر.
وممن رواه عن أبي علي الصَّدفي من الأعلام:
١ - القاضي عِياض (٥٤٤) هـ
وعن القاضي عِياض روى كثير من الأعلام منهم أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي (٥٧٦) هـ الذي روى من طريقه رِواية القاضي عِياض، شرفُ الدين اليُونِينِيّ (٧٠١) هـ صاحب «اليُونِينيّة» كما جاء ذلك في مقدمته التي كتبها، التي سبق وذكرها كاملة عند الحديث عن نسخته.
وقد استوفيت ترجمته في أثناء الكلام عن كتابه: «مشارق الأنوار». وقد نص على روايته هذه في «المشارق» (٣)، و «الغنية» (٤).
٢ - صهره أبو عمران موسى بن سعادة.
وسيأتي الحديث عنه وعن نسخته في مبحث مستقل.
ثالثًا: ابن شريح محمد بن شريح بن أحمد الرعيني الإشبيلي، (٤٧٦) هـ.
стр. 713
رواها عنه:
١ - ابن خير الإشبيلي (١) وقال: قال محمد بن شريح: سمعته عليه في المسجد الحرام عند باب الندوة سنة ٤٠٣ هـ.
٢ - ابن رشيد السبتي في «إفادة النصيح» (٢).
رابعًا: أحمد بن عمر بن أنس العذري المري، (٤٧٨) هـ
رواها عنه أبو علي الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (٣) وعنه القاضي عِياض كما في «الغنية» (٤).
خامسًا: ابن الغرديس: بكار بن برهون بن عيسى التغلبي الفاسي ثم السجلماسي، كان بقيد الحياة عام (٤٩٢) هـ من الرُّواة المغاربة عن أبي ذر، يقول عنه ابن الأبار: وكان قد حج قديمًا، وسمع «صحيح البُخارِيّ» من أبي ذر الهَرَويّ، وعمر طويلًا حتى انفرد بروايته، يقال: إنه بلغ المائة أو أربى عليها، وبيته شهير بمدينة فاس، ونزل هو سجلماسة (٥).
سادسًا: كما عرفت في بلاد المغرب رِواية أبي ذر من رِواية ابنه أبي مكتوم عيسى وأول من جاء بها ميمون بن ياسين الصنهاجي من أمراء المرابطين (٦).
стр. 714
المبحث الثاني:
نسخة أبي علي الصَّدفي (٤٥٤ - ٥١٤) ه ـ (١)
تمهيد:
يعتبر الإمام الصَّدفي علمًا من أعلام رواة الحديث وحفاظه في العصور الأولى للإسلام، فإنك لا تكاد تجد مؤلفًا أو مؤرخًا أرخ أو ألف بعد وفاته إلا وقد نال حظًّا من ذكر أخباره وتراجمه.
ولعل أشمل تعريف وأوفاه بالحافظ أبي علي الصَّدفي هو ما قام به عَلَمان عظيمان من أعلام التاريخ والحديث، وهذان العَلَمان هما:
القاضي عِياض المتوفى سنة (٥٤٤ هـ)، الذي خصه بكتابه «المعجم» ضَمَّنه أخباره وأخبار شيوخه الذين بلغوا نحوًا من مائتي شيخ (٢).
والآخر هو المحدِّث العلامة محمد بن عبد الله أبي بكر القضاعي، المعروف بابن الأبار المتوفى سنة (٦٥٨ هـ)، حيث خصه بنوع آخر يكمل عمل القاضي عِياض، تناول فيه ذكر تلامذة الحافظ الصَّدفي.
ويتضح من صنيع هذين الإمامين تلك المكانة العالية التي كان يتبوأ بها أبو علي الصَّدفي.
وإذا كانت الأقدار لم تُوفِّق العلماء إلى العثور على معجم القاضي عِياض - حيث قد عُني به كثير منهم وتقفوا آثاره، ولكن لم يعرف له ذكر حتى الآن - فإنها لحسن الحظ قد وضعت بين أيدينا المعجم الحافل الذي عني بجمعه ابن الأبار حيث خرج للنور (٣).
стр. 715
وقد ذكر فيه ابن الأبار ثلاثمائة وخمس عشرة شخصية من كبار المحدثين وغيرهم في مختلف الفنون، كلهم تتلمذوا على يد أبي علي الصَّدفي.
وهذا المعجم يكفي في إبراز المكانة العلمية التي تميز بها هذا الإمام، ومع ذلك فإنه لمن المفيد أن نتلمس أهم أخبار هذا الإمام من خلال بعض المصادر التي ترجمت له، وبخاصة كتاب «الغنية» للقاضي عِياض.
اسمه ونسبه (١): هو القاضي الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن فيرة بن حيون الصَّدفي، المعروف بابن سُكّرة.
أصله من سرقسطة من قرية على أربعة أميال منها، كانت تعرف بمنزل محمود بالثغر الأعلى، وكانت ولادته بها سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
نشأته: نشأ أبو علي في بلدته التي ولد بها، فأخذ عن شيوخها، ودرس على مقرئيها، وسمع من أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وابن الصواف، وغيرهم.
стр. 716
ودرس في بلنسية تحت إشراف أبي العباس العذري، ثم سمع بالمرية من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي وأبي عبد الله بن المرابط وغيرهما.
وقد رحل إلى بلاد المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
التقى بمصر بأبي إسحاق الحبال مسند مصر الذي أعطاه إجازة، والقاضي أبي الحسن علي بن الحسين الخلعي، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي وغيرهم.
كما التقى بالإسكندرية بأبي القاسم مهدي بن يوسف الوراق وغيره.
والتقى بمكة بأبي عبد الله الحسين بن علي الطبري إمام الحرمين، وأبي بكر الطرطوشي وغيرهم، وبالبصرة بأبي القاسم بن شعبة، وأبي يعلى المالكي، وأبي العباس الجُرْجانيّ، وسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد السلام الأصبهاني وغيره.
ودخل بغداد في السادس عشر من جمادى الآخرة لسنة اثنتين وثمانين وأربعمائة فمكث بها خمس سنين كاملة، وسمع من عدد من محدثيها، منهم: أبو الحسن الطيوري وأبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون مسند بغداد، والإمام أبو بكر الشاشي وغيرهم، ودخل الشام فسمع بها من الشيخ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وأبي الفرج سهل بن بشر الإسفراييني وغيرهما.
وبعد هذه الرحلة الطويلة التي مر فيها بكل هذه البلاد المشرقية عاد إلى بلاد الأندلس، وذلك في سنة تسعين وأربعمائة، ورحل إليه الناس من كل مكان وكثر الآخذون عنه.
ثم ارتحل بعد ذلك إلى مدينة سبتة مرتين، فأخذ عنه إذ ذاك جماعة
стр. 717
من المشايخ والأصحاب كان منهم القاضي عِياض رحمه الله تعالى.
واستوطن بعد ذلك مدينة مرسية وسمع منه جمهور كبير من الناس إذ ذاك؛ منهم من كان من عداد مشايخه الذين أخذ عنهم، وذلك لتمكنه في الحديث والرجال بعد رحلته المشرقية.
وقد وُلِّيَ القضاء في مدينة مرسية سنة خمس وخمسمائة أيام حكم أمير المؤمنين علي بن يوسف بن تاشفين، فحُمدت سيرته إلى أن استعفى فلم يُعفَ.
وهنا اختفى عن الأنظار عددًا من الشهور إلى أن قُبِل طلبُه بمساعدة عبد الله اللخمي سنة ثمان وخمسمائة، وطلب بعد ذلك لقضاء إشبيلية وامتنع، ولم يخرج إليها حتى عُوفي.
ومن الجدير بالذكر أن أبا علي الصَّدفي كان يتمتع بمكانة كبيرة لدى دولة المرابطين، وقد كان شيخًا لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، وقد كان واليًا على مرسية من قبل أخيه أبي الحسن علي بن يوسف أمير المغرب (١).
وقد خرج رحمه الله تعالى للغزو سنة أربع عشرة وخمسمائة مع الأمير أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، وحضر يوم قُتُندَة بالثغر الأعلى يوم الخميس لست بقين في ربيع الآخر في تلك السنة، فكان فيمن فُقد رحمه الله تعالى، وختم له بالشهادة، وكان يومئذٍ ابن الستين.
ولقد كان القاضي أبو علي علما من أعلام المعرفة في زمانه، وفضله على الثقافة العربية في بلاد الأندلس والديار المغربية أمر لا يقبل المناقشة، حتى إنك تجد أن جل الأعلام الذين تخرجوا بعده من بلاد الأندلس كان
стр. 718
له عليهم فضل من التلمذة على يديه أو الاستفادة من تلاميذه الذين ربّاهم على يديه.
قال أبو علي الصَّدفي لبعض الفقهاء: خذ «الصحيح» فأذكر أي متن أردت تدقيقه أذكر لك سنده، وأي سند أردت أذكر لك متنه.
وكان مما يتميز به ﵀ أنه مع كثرة مشاغله ووفرة أعماله يعتمد على خط يده هو في كتابة العلم الكثير، وفي كتابة الإجازات العلمية لطلبته التي كان منها ما زكى به نسخة البُخارِيّ التي احتفظ بها ابن سعادة، التي كانت خزانة القرويين تحتضنها، ونسخة الترمذي لأبي الفضل مبارك التي كانت بخزانة الجامع الأعظم بمدينة تازة (١).
نسخة أبي علي الصَّدفي من «الصحيح».
لقد كان مما حرره أبو علي الصَّدفي بخطه الجميل جيد الضبط صحيح الإمام البُخارِيّ في سفر واحد.
وأبو علي يروي «الصحيح» في نسخته هذه عن شيخه أبي الوليد الباجي عن أبي ذر عن شيوخه الثلاثة، عن الفَرَبْريّ، عن البُخارِيّ.
وكان يعتني بها، وبها كان يسترشد سائر تلامذته، وكانت أول ما يطلبه السامعون على يد أبي علي.
وقد ظل الناس يعتقدون فقدانها فيما فقد مع ضياع بلاد الأندلس، وأصبح العلماء يعتبرون الكلام عليها من قبيل الوصف المنقول عن بعض من اطلع عليها، ولا يكاد يأتي ذكر أبي علي الصَّدفي إلا ويتمنى المشتغلون بالحديث الوقوف على هذه النسخة، وخاصة المغاربة الذين يعدون روايته أولى بالاعتناء.
стр. 719
ولقد عثر المتأخرون بطرابلس الغرب عام ١٢١١ هـ على أصل عظيم من «الصحيح» بخط الحافظ الصَّدفي وقد أسهبوا في وصفه ونعته، وها أنا ذا أنقل النصوص التي وردت فيما يتعلق بذلك، ثم اتبعه بتعليق إن شاء الله تعالى.
منها ما جاء عن الحافظ العلامة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي المتوفى سنة ١٢٣٩ هـ، بمناسبة رحلته الثانية عام ١٢١١ هـ إلى البقاع المقدسة المسماة الرحلة الصغرى، واجتماعه في ليبيا بالعلامة الشيخ أحمد بو طبل قال ما نصه: "ومن الكنوز التي وقفت عليها بيد أبي الطبل المذكور نسخة من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخارِيّ في مجلد بخط الحافظ أبي علي الصَّدفي شيخ القاضي عِياض، قال: إنه اشتراها بثمن بخس - في عدة كتب بمدينة إسطنبول - وراودته على بيعها عازمًا على إعطائه مائة دينار ذهبا فيها، فامتنع، ويأبى الله إلا ما أراد، وما هي إلا مضيعة بهذه البلدة، وقد كانت تداولتها الأيدي بالأندلس ومصر في سالف القرون، وعليها من سماعات العلماء - عِياض ممن دونه إلى الحافظ ابن حجر - العجب، وكتب عليها الحافظ السخاوي ما نصه: هي الأصل الذي يعتمد عليه ويرجع عند الاختلاف إليه.
ولقد اعتمد عليها شيخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر حالة شرحه لـ «الجامع» الذي سماه «فتح الباري» (١).
وعليها أيضا ما نصه: لكاتبه ابن العطار في الشيخ الإمام الحافظ أبي علي حسين بن محمد بن عيسى الصَّدفي كاتب هذا البُخارِيّ، وهو شيخ القاضي عِياض صاحب كتاب «الشفاء» ﵃:
стр. 720
قد دام بالصَّدفي العلم منتشرًا مبتشرا ... وجل قدر عِياض الطاهر السلف السلف
ولا عجيب إذا أبدى لنا دررًا ... ما الدر مظهره إلا من الصدف
قال ابن العطار: وقلت أيضا في سيدنا ومولانا قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة الكناني الشافعي أدام الله أيامه وأعز أحكامه، وقد حملت له هذه النسخة لمجلسه بالصالحية في العشر الأول من رجب الفرد سنة اثنتين وثمانمائة فنظر فيها وقال:
لو كتبت نسخة واضحة بخط حسن، وقوبلت على هذه لكانت أحسن، فإن كاتبها رجل جليل القدر ﵁:
رأى البُخارِيّ بخط الحافظ الصَّدفي ... قاضي القضاة إمام النبل والسلف
جمال واسطة العقد الثمين له ... ولا عجيب بميل الدر للصدف
وقال: مقيد الرحلة سامحه الله: وقد قلت في ذلك وإن لم أكن هنالك:
هذا سماع الإمام الحافظ الصَّدفي ... بخطه وعليه رونق الصدف
تداولته يد الحفاظ من خلف ... عن سالف فرماه الدهر بالتلف
وموجب قول ابن جماعة ما ذكر من أن خط الصَّدفي أندلسي، دقيق غير منقوط، إلا أنه يشكل المشكل على عادته وعادة بعض الكتاب، نعم عليها تصحيحات واختلاف الروايات ورموز وتخريجات لا ينتفع بها إلا الماهر في الفن المتدرب على الروايات. انتهى بلفظه ومن خطه المبارك (١).
وبعد تسجيل هذا الحديث عن مخطوطة الصَّدفي في رحلته الصغرى يعود ابن عبد السلام الناصري إلى الحديث عنها في كتابه المسمى بـ «كتاب
стр. 721
المزايا فيما حدث من البدع بأم الزوايا» عند ذكره للبدعة الثالثة عشرة.
وفي هذا النص يفيد الشيخ الناصري بعد وصفه لهذه المخطوطة بمثل ما ذكره في رحلته الصغرى أن الغيرة حملته على ألاَّ يسمح بترك هذا الأثر العظيم الذي يعرف هو قيمته ضائعا في طرابلس، فأخبر بوجوده السلطان المولى سليمان عاهل المملكة المغربية آنذاك المعروف بهوايته لنوادر المخطوطات، فيقول كما نقله عنه الكتاني في «فهرس الفهارس»:
ولقد بذلت لمن اشتراه بثمن تافه - في عدة كتب - من أهل طرابلس المغرب من إسطنبول صرة ذهب فأبى بيعه، وبقي ضائعًا في ذلك القطر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم حملتني الغيرة والمحبة على أن أبلغت خبره لإمامنا المنصور أبي الربيع سيدنا سليمان بن محمد أدام الله ملكه وأنجح أمره، فوجه إليه - حسبما شافهني به - ألف مثقال أو ريال - الشك مني - فأجابه من هو بيده: أنه يقدم به لحضرته، وما منعه إلا فتنة الترك فيما بين تونس والجزائر، ثم لما طال الأمر أعاد الكتب بذلك، وإلى الآن لم يظفره الله به، ولقد داعبته ذات مرة قائلا على سماع الصَّدفي المذكور: وماذا لمبلغ هذه الخصلة؟ فوعدني - ووعد الملوك تحقيق - أنه إن ظفر به جرد منه فرعًا، وأعطاني أحدهما على اختياري. اهـ.
وممن أفاض في وصف هذه النسخة الفقيه المدرس أبو العباس أحمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن الشيخ أبي محمد عبد القادر الفاسي في رحلته الحجازية الواقعة عام ١٢١١، قال: لطيفة: وقفت بمحروسة طرابلس على نسخة من البُخارِيّ في سفر واحد في نحو من ست عشرة كراسة، وفي كل ورقة خمسون سطرًا من كل جهة، وكلها مكتوبة بالسواد لا حمرة بها أصلا، وهي مبتدأة بما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، كيف كان
стр. 722
بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ .
وعند تمام كل حديث صورة. (اهـ).
ولا نقط بها إلا ما قل، وبآخرها عند التمام ما صورته: آخر «الجامع الصحيح» الذي صنفه أبو عبد الله البُخارِيّ ﵀ والحمد لله على ما منَّ به، وإياه أسأل أن ينفع به.
وكتبه حسين بن محمد الصَّدفي من نسخة بخط محمد بن علي بن محمود مقروءة على أبي ذر ﵀ وعليها خطه.
وكان الفراغ من نسخه يوم الجمعة ٢١ محرم عام ثمانية وخمسمائة، والحمد لله كثيرا كما هو أهله، وصلواته على محمد نبيه ورسوله ﷺ كثيرًا أثيرًا.
وعلى ظهرها:
كتاب «الجامع الصحيح» من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، تصنيف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البُخارِيّ ﵁ رِواية أبي عبد الله محمد ابن يوسف الفَرَبْريّ عنه ﵀، لحسين بن محمد الصَّدفي.
أوقفني على هذه النسخة المباركة محبنا الفقيه الناسك ذو الأخلاق الحسنة سيدي الحاج أحمد بوطبل، وذكر لي - حفظه الله - أنه اشتراها من إسطنبول، وحيث اشتراها اجتمع علماؤها وقالوا له: أخليتَ إسطنبول. ثم قال: وعليها إجازة الصَّدفي للقاضي عِياض في جملة الفقهاء بسماعهم له في المسجد الجامع بمرسية. وعلى ظهرها أيضا:
هذه النسخة جميعها بخط الإمام أبي علي الحسين بن محمد الصَّدفي شيخ القاضي عِياض، وهي أصل سماع القاضي عليه كما ترى في الطبقة المقابلة لهذه، وهي الأصل الذي يعتمد عليه ويرجع عند الاختلاف إليه،
стр. 723
وقد اعتمد عليها شيخنا الحافظ ابن حجر حالة شرحه «الجامع» الذي سماه «فتح الباري» اهـ كلام الرحلة الفاسية (١).
هكذا جاء وصف هذه النسخة لأبي علي الصَّدفي، وأنها بخطه نقلها من نسخة بخط محمد بن علي بن محمود، بينما توجد نسخة محفوظة بالمكتبة الحسنية رقم (٥٠٥٣) وهي في مجلد ضخم بخط أندلسي دقيق مدموج مليح، مكتوب بالمداد الباهت مع تلوين - عند الاقتضاء - بالأحمر والأزرق والذهب المصور بالمداد على ورق متين عتيق.
ودون تحديد مكان الانتساخ جاء في آخر المخطوط: في الرابع من جمادى الثانية عام خمسة وعشرين وثمانمائة.
وفي هامش هذا الموضع وردت فقرة هكذا: بلغت المقابلة على جهد الاستطاعة، والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد. من نسخة الصَّدفي بخطه التي نسخ من نسخة القاضي الباجي بخطه، وعلى الأول ... خطوط الشيوخ نحو خمسين ..
وأسفل فقرة تاريخ الانتساخ يقع إطار مربع مزخرف، غير أن كتابة داخله انقطع موضعها بالمرة (٢).
وبملاحظة فقرة المقابلة الآنفة الذكر يتبين لنا أن الأصل الذي وقعت المعارضة به هو بخط الصَّدفي نفسه نقله - بدوره - من نسخة بخط أبي الوليد الباجي.
بينما الأصل الذي سبق ذكره يفيد أنه نقله بخطه من نسخة بخط محمد بن على ابن محمود.
стр. 724
وهكذا يتبين أن الصَّدفي كتب بخطه من «صحيح البُخارِيّ» نسختين كانتا معًا معروفتين، إحداهما من أصل الباجي والأخرى من أصل محمد بن علي بن محمود، غير أن التي اشتهرت الثانية، ولاسيما بعد انتقالها إلى طرابلس بليبيا، بينما استمرت الأولى مجهولة حتى كشفت عنها نسخة المكتبة الحسنية المتفرعة عنها دون أن نعرف عن أصل الصَّدفي الأول أية معلومات أخرى ونجهل مصيره بالمرة.
وعلى كلٍّ تم استقرار النسخة المكتوبة من خط محمد بن علي بن محمود في طرابلس، وهكذا كانت طريقة الإتيان بها من إسطنبول إلى طرابلس، ويبقى الإجابة على سؤال وهو: كيف انتقلت هذه النسخة من بلاد الأندلس إلى إسطنبول عاصمة العثمانيين؟
يبدو أن انتقال هذا الأصل من الأندلس إلى بلاد المغرب ثم إلى العاصمة التركية، شأنه شأن كثير من المخطوطات التي حملت إلى العاصمة، سواء بطريق الفداء أو طريق المجاملة.
فلقد ظل همُّ الملوك المغاربة مركزًا على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذلك التراث الذي وقع بأيدي القشتاليين.
على أن هناك مسلكًا آخر يمكن أن يكون الكتاب أخذه في الالتحاق بالمغرب، هو الطريق العائلي؛ حيث توجد بفاس منذ القرن السادس الهجري أسرة تحمل اسم: ابن حيون الصَّدفي، وقد اشتهرت من بينهم شخصية كبيرة هو أبو مروان عبد الملك ابن حيون (ت٥٥٩ هـ) كما عرف منهم القاضي الحيوني (ت٦٨٧ هـ) قاضي فاس المشرف على القرويين.
وقد اشتهر ابن حيون بالأعمال الإحسانية الكثيرة وبأياديه الكبرى على جامع القرويين، ومن المعقول جدا أن تكون المخطوطة قد صارت إلى خديجة أو فاطمة بنت الشيخ أبي علي الصَّدفي، لاسيما وقد كانت على
стр. 725
جانب كبير من الاعتزاز بتراث أبيها، وربما بكون الكتاب قد انتقل لفاس بواسطة أحد السادة الذين لهم صلة بالسيدة الصالحة كابنها مثلا.
ومن فاس انتقلت بعد ذلك إلى إسطنبول عن طريق وفادة علمية أو سفارة سياسية؛ فقد كان هناك جسر يربط بين المغرب وبين الأستانة، وبخاصة أيام السعديين.
ولهذا فمن المحتمل أن ينقل الكتاب للعثمانيين بطريق ما من الطرق.
ونعود مرة أخرى إلى طرابلس حيث الإفادات التي سبق نقلها عن الناصري والفاسي، والتي تدل على استقرار المخطوطة حتى عام ١٢١١ هـ في طرابلس، حيث البذل الذي أعطاه السلطان المولى سليمان إلى الشيخ أبي العباس أحمد بوطبل.
وينقل عبد الحي الكتاني المتوفى سنة ١٣٨٨ هـ عن بعض طلبته أنه التقى بالشيخ أحمد الشريف بن محمد الشريف السنوسي، المتوفى ١٣٥١ هـ، وصحبه، وأعلمه أن الأصل المذكور بخط الصَّدفي موجود في كتب السيد الإمام أبي عبد الله محمد بن علي المعروف في مسقط رأسه بابن السنوسي شيخ الطريقة السنوسية المتوفى سنة ١٢٧٦ هـ.
ثم يقول عبد الحي الكتاني: ثم كتبت له أسأله عن ذاك - أي: أحمد الشريف - فأجابني بما نصه: نسخة البُخارِيّ التي بخط الصَّدفي عندي في الكتب التي بجغبوب يحفظها الله. اهـ (١).
ويذكر الدكتور عبد الهادي التازي أنه ذهب إلى ليبيا ممثلًا لبلاده، وذلك في صيف سنة ١٩٧٦ م، وفي حديث مع الملك الإدريسي بن المهدي بمدينة طبرق تكرر الحديث حول مخطوط الحافظ الصَّدفي،
стр. 726
ويذكر أنه زار واحة الجغبوب، وذلك في ٢٢ أبريل ١٩٦٨ م، بعد البحث عنها في العاصمة.
وبعد البحث عنها ساعات كثيرة وأيام متعددة، وبعد سؤال كثير طلب الوقوف على أوراق توجد في درج سير المكتبة، فوقف على إيصال استعارة للمخطوط في ١٨ سبتمبر سنة ١٩٥٦ م بمناسبة الذكرى المائة لوفاة ابن السنوسي؛ حيث دعي كثير من العلماء والوجهاء، وكان منهم الشيخ الفاضل ابن عاشور، حيث كان بصدد تأليف في الحديث الشريف.
وهذا الإيصال يفيد استعارة الشيخ ابن عاشور المخطوط من مكتبة الأوقاف لبنغازي، وكانت تحمل رقم ٢١٥٩ لتبقى في خزانة المكتبة العبدلية بجامع الزيتونة الأعظم؛ لتصحح عليها نسخة «الصحيح» ثم توجه إلى مقرها الأصلي.
فذهب الدكتور التازي وأحضر المخطوط وعاد به إلى الدار البيضاء حيث الملك الإدريسي بعد أن عبر عن فرحته بالحصول على هذا المخطوط الذي كان مطمح الملوك والأمراء، وذلك أن المغرب يعد جديرًا بهذا المخطوط، وأنه وحده الذي يستحق شرف امتلاكه، ورغب من الدكتور التازي أن يقوم بنشره وتصويره على غرار ما فعل لافي بروفنسال في نسخة ابن سعادة، إلا أن الله لم يقدر ذلك حتى الآن.
وختم مقالته هذه بأن المخطوط مازال بطبرق محل إقامة الملك (١).
стр. 727
وعن أصل أبي علي الصَّدفي تفرعت نسخ كثيرة:
منها من النسخ الموجودة، والتي ترجع إلى أصل أبي علي الصَّدفي نسخة موجودة بخزانة القرويين، وهي نسخة عشرينية مسجلة تحت رقم (٩٥٦) وقع محو في تحديد تاريخ نسخها ومقابلتها، وهي نسخة عتيقة مقابلة على أصل أبي علي الصَّدفي وعلى أصل بخط أبي علي الغساني، وقد قرئت على الشيخ أبي عبد الله القصار.
وقيمة هذه النسخة ترجع إلى كونها مقابلة على أصلين عتيقين: أصل الصَّدفي من جهة، وأصل أبي علي الغساني من جهة أخرى (١).
ومن النسخ الموجودة والتي ترجع إلى أصل أبي علي الصَّدفي: نسخة للقاضي عِياض عن أبي على الصَّدفي، وقد كانت معروفة بالمغرب خلال
стр. 728
النصف الثاني من القرن الثاني عشر، حيث وقف عليها عبد السلام بن الخياط القاوري الفاسي لدى أستاذه الشارفي المحدث أبي العلاء إدريس بن محمد بن حمدون الحسيني الفاسي المتوفى بها عام ١١٨٣ هـ، كما نقله في «التحفة القادرية» وعنه الكتاني في «فهرس الفهارس» (١).
وعن القاضي عِياض انتشرت نسخًا أخرى، ومن الجدير بالذكر أن إحدى روايات اليُونِينِيّ في نسخته الشهيرة، عن طريق أبي طاهر السلفي، عن القاضي عِياض، عن أبي علي عن الباجي، عن أبي ذر الهَرَويّ (٢) حيث يرويها اليُونِينِيّ عن شيخه أبي جعفر الهمداني عن أبي طاهر السلفي عنه.
ومن النسخ الموجودة والتي ترجع إلى أصل أبي علي الصَّدفي النسخة التي كتبها بخطه صهره وراوي «صحيح البُخارِيّ» عنه، والعمدة فيه عند المغاربة بعد أبي علي الصَّدفي، والتي سيأتي التعريف بصاحبها، ثم الكلام عليها تفصيلًا لما لها من الأهمية.
стр. 729
المبحث الثالث:
نسخة أبي عمران موسى ابن سعادة (٥٢٢) ه ـ
اسمه ونسبه (١):
هو أبو عمران موسى بن سعادة، مولى سعيد بن نصر مولى الناصر عبد الرحمن ابن محمد الأموي.
كان من أهل بلنسية، وخرج منها لما تملكها الروم بعد الثمانين وأربعمائة إلى دانية، ثم استوطن مريسية.
وابن سعادة نُسب إليها غير واحد، منهم:
- موسى بن محمد بن سعادة ابن أخي هذا، وسمع أيضا من أبي علي الصَّدفي كثيرا، وسمع بالإسكندرية من أبي بكر الطرطوشي وغيره (٢).
- القاضي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة، ابن أخي صاحب النسخة أيضا، ولد سنة (٤٩٦ هـ)، المرسي سكن شاطبة ودار سلفه ببلنسية، سمع أبا علي الصَّدفي أيضا واختص به وأكثر عنه، وإليه صارت دواوينه وأصوله العتاق، وأمهات كتبه الصحاح لصهر كان بينهما؛ حيث كان أبو علي صاهر عمه أبا موسى.
وصفه غير واحد بالتفنن في العلوم والمعارف والرسوخ في الفقه وأصوله والمشاركة في علم الحديث والأدب، وسمع منه أبو الحسن بن هذيل «جامع الترمذي»، ومن تآليفه كتاب «شجرة الوهم المترقية إلى ذروة
стр. 730
الفهم» قال ابن الأبار: روى عنه جلة شيوخنا وأثنوا عليه.
حُكِي أنه كان عنده أصول حسان بخط عمه ابن عمران موسى بن سعادة مع الصحيحين بخط الصَّدفي في سفرين.
توفي في شاطبة آخر ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة، ودُفن في الروضة المنسوبة إلى أبي عمر بن عبد البر رحمهما الله تعالى (١).
ومنهم: الفقيه أبو القاسم محمد بن يوسف بن سعادة يوجد اسمه في سماع على نسخة ابن سعادة.
شيوخ ابن سعادة:
قال ابن الأبار في «معجم شيوخ أبي علي الصَّدفي» (٢): سمع من أبي علي عامة روايته، ولازم مجلسه قديمًا وحديثًا، وكان صهره والقائم بمؤنه والمتولي لأشغاله دونه سعة يسار وكرم أصهار، ويتفرغ بذلك للإمتاع بما رواه ... إلخ.
قال التلمساني في «نفح الطيب» (٣) سمع صهره أبا علي بن سكرة الصَّدفي، وكانت بنته عند أبي علي، ولازمه وأكثر عنه، وروى عن أبي محمد مُفَوِّز الشاطبي، وأبي الحسن بن شفيع، قرأ عليهما «الموطأ»، ورحل، وحج، وسمع «السنن» من الطرطوشي، وعُني بالرِّواية، وانتسخ
стр. 731
صحيحي البُخارِيّ ومسلم بخطه، وسمعهما على صهره أبي علي، وكانا أصلين لا يكاد يوجد في الصحة مثلهما، حكى الفقيه أبو محمد عاشر بن محمد أنهما سُمعا على أبي علي نحو ستين مرة.
وقال ابن الأبار أيضا: وشارك في اللغة والأدب، وقد أخذ عنه بعض كتبهما ابن أخيه القاضي أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة (١)
وقال التلمساني: وكتب أيضا الغريبين للهروي وغير ذلك.
وكان أحد الأفاضل الصلحاء، والأجواد السمحاء، يؤم الناس في صلاة الفريضة، ويتولى القيام بمئونة صهره أبي علي وبما يحتاج إليه من دقيق الأشياء وجليلها، وإليه أوصى عند توجهه إلى غزوة قتندة التي فقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكانت له مشاركة في علم اللغة والأدب، وقد حدث عنه ابن أخيه القاضي أبو عبد الله محمد ابن يوسف بن سعادة بكتاب «أدب الكُتّاب» (٢) لابن قتيبة، و «الفصيح» لثعلب (٣)
عرف ابن سعادة أبو عمران بملازمته لأبي علي الصدفي، وعهد إليه أبو علي الصدفي قبل ذهابه إلى الغزوة التي استشهد فيها بابنته التي سماها فاطمة، أوصى بها إليه وعول في تنفيذ عُهُوده كلها عليه، فقام بها بعد مماته قيامه بشئونه حيال حياته، وكان من كلام أبي علي له عند وداعها وهي في
стр. 732
حوْلَي إرضاعها سنوا بها سنة الاحترام، ولاتجمعوا لها بين اليتم والفطام (١).
وفاته: ذكر ابن الأبار وثيقة مؤرخة بصدر رجب من سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة تتضمن تنفيذ أبي عمران عهد أبي علي بإعتاق مملوكه مبشر الرومي الأصل، وإعطائه من صريح متروكه ما لا يأتلي في مثله أولو الفضل. ثم قال: ولم أقف لأبي عمران بعد هذا التاريخ على خبر، وأحسبه توفي بعقبه رحمه الله تعالى (٢).
وعن هذه النسخة صارت نسخًا كثيرة في أقطار الأرض.
نسخة ابن سعادة:
هي تلك النسخة التي نسبت للحافظ أبي عمران موسى بن سعادة الأندلسي التي رواها عن شيخه وصهره أبي علي الصَّدفي عن أبي الوليد الباجي عن أبي ذر الهَرَويّ عن شيوخه الثلاثة عن الفَرَبْريّ عن البُخارِيّ.
وهذه النسخة ظهرت منها بالمملكة المغربية نسخة مصورة بالتصوير الشمسي سنة ١٣٤٧ هـ / ١٩٢٨ م على يد الأستاذ لافي بروفنسال، ونشر منها المجلد الأول الموافق للخمس الثاني من الأصل، وكان الأستاذ بروفنسال مديرًا لمعهد الرباط آنذاك، وهي تبدأ من أول كتاب الحج حديث (١٥١٣)، وتنتهي بكتاب الجهاد، وهذا القسم المنشور من هذه الرِّواية كُتب له مقدمتان إحداهما بالفرنسية لبروفنسال والأخرى عربية كتبها محمد عبد الحي الكتاني، وقد طبعت هذه المقدمة منفردة بعد ذلك بعنوان: «التنويه والإشادة بمقام رِواية ابن سعادة»، وقد منَّ الله تعالى عليَّ ووقفت على نسخة خطية من هذه المقدمة.
стр. 733
وجه إيثار هذه النسخة والرِّواية على غيرها:
لقد اعثمد كثير من الشراح للصحيح على هذه النسخة في متن الصحيح ومن هؤلاء الإمام ابن مرزوق التلمساني المتوفى سنة (٨٤٢) هـ في شرحه «المتجر الربيح والمسعى الرجيح» كما جاء ذلك في أول شرحه (١).
إن رِواية ابن سعادة ونسخته اختصت بالترجيح والتقديم على غيرها من الروايات لموجبات:
١ - صحة الأصل المأخوذة منه، فإنها نسخت من نسخة شيخه وصهره الحافظ أبي علي الصَّدفي التي طاف بها في الأمصار، وسمعها وقابلها على نسخ شيوخه بالعراق ومصر والشام والحجاز والأندلس، وقد سبق بيان ما امتازت به هذه النسخة.
٢ - إن أبا عمران موسى بن سعادة اعتنى بمقابلتها وتصحيحها من يوم أتم كتابتها أواخر القرن الخامس، وتكرر سماعه فيها ومقابلتها على شيخه الصَّدفي
قال الحافظ ابن الأبار: انتسخ «صحيح البُخارِيّ» ومسلم بخطه، وسمعها على صهره أبي علي نحو ستين مرة (٢).
فإذا كان سماعه لها على أبي علي الصَّدفي وحده نحو ستين مرة، فانظر كم سمعها على غيره من مشايخه، وكم أسمعها للناس بعد وفاة مشايخه، وإذا علمنا أن أبي علي الصَّدفي إنما جلس بالأندلس بعد رجوعه
стр. 734
من رحلته نحو أربع وعشرين سنة تقريبًا، وخوطب أثناءها بولاية القضاء بمرسية، فاختفى مدة في المرية فرارا منه، ثم وليه كرها ثم استعفي منه.
قال عِياض في «الغنية»: ولي القضاء بمرسية سنة خمس وخمسمائة فحمدت سيرته واشتدت في الحق شكيمته إلى أن استعفى فلم يُعف، فاختفى وغيب وجهه (عدة) (١) شهور إلى أن أعفي سنة ثمان وخمسمائة (٢).
وفي ترجمة عِياض من «معجم أصحاب الصَّدفي» لابن الأبار: رحل إلى الصَّدفي بمرسية فقدمها من غرة صفر عام ٥٠٨ هـ.
وبعد خروج الصَّدفي توفر على ما كان عليه من الإسماع والتفقه والنسخ، فقد كتب الصَّدفي بخطه «صحيح البُخارِيّ» في هذه المدة وأتمه سنة ثمان وخمسمائة، وسمع عليه صهره «الصحيح» في أثنائها هذه المرات العديدة في هذه المدة القصيرة، مع أنه لم يكن يؤخذ عنه الصحيح وحده.
قال عنه عِياض في «الغنية»: سمع عليه الناس كثيرًا، وسمع منه من في عداد شيوخه، ومن سمع منه قبل، وذكر أيضا أنه بعد إعفائه من القضاء، توفر على ما كان بسبيله من الإسماع والتفقه (٣).
٣ - إن هذه النسخة اتخذها أهل الأندلس بعد الصَّدفي، وابن سعادة محراب تصحيحهم، ويعسوب روايتهم ودرايتهم، فتداولتها أيدي جماعة من الحفاظ الأعلام، وكبار علماء الأندلس في كل جيل، وكما سمع فيها موسى بن سعادة وابن أخيه على مشايخهم، سمع الناس عليهم فيها أيضا، فكان على أول جزء منها سماع حسين بن محمد بن علي الأنصاري على
стр. 735
محمد بن يوسف بن سعادة بالمسجد.
وسماع آخر بتاريخ (٥٥٦ هـ) وبقي الناس يعارضون بها ويقابلون ويصححون، واتخذها الناس أيضا عمدة عددوا منها الفروع، حتى إنه في آخر القرن العاشر وأول الحادي عشر، انتسخ منها العالم الصالح أبو عبد الله محمد بن علي المري الأندلسي الفاسي المعروف بالجزولي نسخة للشيخ أبي المحاسن يوسف الفاسي وسميت بالشيخة.
وتفرعت عن الشيخة هذه عدة نسخ:
منها: نسخة الشيخ أبي محمد عبد القادر بن علي الفاسي التي كان عدد منها كثيرا من النسخ، وببيعها كان يتعيش.
ومنها نسخة الشيخ أبي عبد الله محمد ميارة شارح «المرشد» و «التحفة» وهي نسخة معتمدة تداولتها أيضا أيدي الأعلام، وقد انتقلت اليوم إلى مراكش، وهي التي كان اعتمد عليها أبو عبد الله محمد الفضيل بن الفاطمي الشبيهي الزرهوني شارح «الصحيح» المسمى بـ «الفجر الساطع» في نسخته العشارية التي انتسخها بخطه منها، وصححها وضطبها عشرات المرات.
ومنها نسخة الشيخ أبي عبد الله محمد بن الشيخ أبي العباس أحمد الصقلي الحسيني الفاسي التي منها عدد كثيرًا من النسخ، وببيعها كان أيضًا يتعيش.
وهذا الفرع المعروف بالشيخة الذي هو أصل هذه النسخ المعتمدة في المغرب، المرجوع إليها في التصحيح والضبط، موجودة بفاس إلى الآن عند أولاد ابن سليمان الغرناطيين، صار لهم من أولاد الشيخ أبي المحاسن، ولعله ينقصه الآن السفر الثالث الذي أوله كتاب الخلق.
وبهذا صارت النسخة السعادية في الدرجة الأولى من الصحة.
وحسب الكتابات المرقومة على هذه النسخة، فإن المحدثين تداولوها
стр. 736
بعد وفاة أبي عمران بن سعادة ابتداء من ابن أخيه محمد بن يوسف بن سعادة، وقد سمع هذا جميع «الصحيح» من النسخة ذاتها على أبي علي الصَّدفي، وتم ذلك في ربيع الآخر عام ٥١٠ هـ، وكتب عليها بخطه تصحيحات كثيرة.
ثم سمعها على محمد بن يوسف بن سعادة غير واحد:
أولا: حسين بن محمد بن علي الأنصاري: السفر الأول بالمسجد الجامع في مرسية ٥٣٩ هـ.
ثانيا: ابن نوح: محمد بن أيوب بن محمد الغافقي: جميع الكتاب بتاريخ صفر عام ٥٥٦ هـ.
ثالثا: ابن أبي العاص: أحمد بن محمد بن علي النفزي، في جماعة سمعوا سائر السفر الثاني.
وسوى هؤلاء يوجد على نفس الأصل خط أبي الخطاب بن واجب، أحمد بن محمد بن عمر وإجازة محمد بن يوسف بن سعادة له، وكذلك خط أخيه وخط ابن بقي: عبد الواحد بن محمد القيسي، وخط ابن عمرو عثمان بن محمد بن عيسى اللخمي (١).
ولهذه الاعتبارات اعتمد المغاربة نسخة ابن سعادة في رِواية «صحيح البُخارِيّ» غير أنه لا يعرف - بالضبط - بداية هذا الاختيار.
وأقدم ذكر لها لا يتعدى العقد الرابع من المائة الهجرية التاسعة، حيث تمت مقابلة نسخة من «الجامع الصحيح» بأصل ابن سعادة، قراءة على محمد بن يحيى السراج، بمسجد إمامته من زنقة حجامة بفاس، في مجالس عدة بين المغرب والعشاء، وهو يمسك أصل ابن سعادة، وكمل ذلك أواخر
стр. 737
ربيع الثاني، عام ٨٣٦ هـ / ١٤٣٢ م.
ومن هذا التاريخ تنتقل إلى عام ٨٣٨ هـ / ١٤٣٤ م - ١٤٣٥ م، حيث تمت فيه معارضة نسخة خامسة من «صحيح البُخارِيّ» بأصل ابن سعادة، وكان ذلك برسم خزانة الوزير علي بن يوسف الوطاسي.
وبعد هذا تأتي الإشارة إلى نفس الأصل بمناسبة مقابلة نسخة أخرى وتصحيحها عليه، بتاريخ رجب عام ٨٤٦ هـ / ١٤٤٢ م.
ومن هذا التاريخ تختفي المصادر التي تردد ذكر هذا الأصل إلى حوالي نهاية القرن العاشر الهجري، وهنا ينتظم الحديث عن نسخة ابن سعادة، ويتأكد وجودها بكاملها محفوظة في خزانة القرويين بفاس.
وفي الوقت ذاته شهد نفس الأصل مبادرة علمية جعلته يتركز في الدراسات الحديثة بالمغرب عبر الفترات التالية، وذلك بكتابة نسخة جديدة منه من خط أبي عمران بن سعادة مباشرة، وتداول المعنيون بالأمر - إلى العقود الأخيرة - هذا الفرع المستجد بالانتساخ منه، والتصحيح به، والتعليق عليه، وإسماعه ودراسته (١).
قال عبد الحي الكتاني في «التنويه والإشادة»: وهي النسخة التي قال عنها ولده صاحب «مرآة المحاسن»: كانت قراءة الشيخ أبي المحاسن لـ «الصحيح» في نسخة نسخت له في خمسة أسفار من نسخة هذه التجزئة بخط الحافظ أبي عمران موسى ابن سعادة، وكان الفرع المذكور يسرد فيه شيخنا أبو العباس أحمد بن يوسف، ويمسك الأصل عمي شيخنا أبو محمد عبد الرحمن، وتعددت مقابلته مرات، ثم اشتهرت القراءة في الفرع المذكور، وصارت هذه النسخة تعرف في فاس بالشيخة، لتفرع أكثر نسخ
стр. 738
فاس والمغرب منها، وكثرة تداول الأعلام لها، واعتمادهم عليها.
ومن هوامشها جمعت حواشي الشيخ أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي على «الصحيح»، جمعها من طرره عليها حفيد أخيه الشيخ أبو عبد الله بن عبد القادر الفاسي ﵀، وسماها «تشنيف المسامع» (١).
وقد صارت نسخة هذا الفرع تعرف في فاس بـ «الشيخة»؛ نظرا لوفرة المنتسخات المغربية منها، مباشرة أو بواسطة، واعتبارا بكثرة تداول المحدثين لها واعتمادهم عليها.
ومن الجدير بالذكر أن النسخة «الشيخة» هذه لا تزال بقيد الوجود، وهي - بأسفارها الخمسة - في حوزة السفير المغربي السابق: السيد الحاج الفاطمي بن سليمان الأندلسي الغرناطي الأصل ثم الفاسي، ومنها مصورة بالخزانة العامة بالرباط في فيلم يحمل رقم ٧٣٦.
أما النسخة الأصلية التي بخط ابن سعادة فقد بقي منها الآن أسفار، بينما كان السفر الأول قد ضاع قديما، وجدد بأمر السلطان العلوي محمد الرابع، بانتساخ آخر بدله من النسخة الشيخة، وكتبه بخطه محمد الهادي بن عبد النبي بن المجذوب الفاسي، حيث كمل في ١٢ ذي الحجة عام ١٢٨٥ هـ / ١٨٦٩ م. هذا السفر محفوظ بدوره بنفس الخزانة رقم د / ١٣٣٢.
ثم كان مصير السفر الثالث الذي بخط ابن سعادة أن استعاره مستشرق معروف، ولعله كان يحاول تصويره نظير عمله في السفر الثاني، غير أنه توفي ولم يعد المخطوط إلى مكانه بالخزانة العامة بالرباط.
وقد قام المستشرق الفرنسي الأستاذ ليفي بروفنسال بنشر السفر الثاني من نسخة ابن سعادة منقولا بالتصوير الشمسي من خطه الأصلي مع
стр. 739
تصويره بمقدمة بالعربية باسم «التنويه والإشادة بمقام رِواية ابن سعادة» للمحدث المغربي محمد عبد الحي الكتاني، مع مقدمة أخرى بالفرنسية لنفس المستشرق ناشر هذا السفر في باريس عام ١٣٤٧ هـ / ١٩٢٨ م، في ١٧٧ ورقة عدا المقدمتين (١).
وما أجدر الأسفار الباقية من هذا الأصل بنشرها - هي الأخرى - بالتصوير، مع طبع النسخة بكاملها، طبعة علمية مصححة، وهو دين في ذمة المعنيين بالأمر من المغاربة (٢).
стр. 740
الفَصْل الثالث:
أهم المصنفات التي تعتني بضبط الاختلافات
المبحث الأول: ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح.
المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ.