← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

للخوف من بني عبيد، لأنهم منعوا من بث العلم، وسجنوا العلماء في دورهم (١). وبذلك خلت المساجد من حلق الذكر ومجالس العلم، وأصبحت هذه المهمة تقع في دور العلماء، وبعض قصور الرباط خفية وفي مقابل ذلك فسح العبيديون لدعاتهم المجال لنشر ضلالاتهم ومكنوهم من كل الوسائل في سبيل القضاء على الإسلام والسنة. ٨ - حرموا على الفقهاء الفتوى بمذهب الإمام مالك، واعتبروا ذلك جريمة يعاقب عليها بالضرب والسجن أو القتل أحيانا، ويدار بالمقتول في الأسواق وينادى عليه هذا جزاء من يذهب مذهب مالك (٢)، ولم يبيحوا الفتوى إلا لمن تشرق وكفر (٣). ٩ - قاموا بمصادرة مصنفات أهل السنة وإتلافها، ومنع الناس من تداولها، من ذلك أن أبا محمد عبد الله بن أبي هاشم التجيبي (ت ٣٤٦) توفي وترك سبعة قناطير كتب كلها بخط يده، فرفعت إلى سلطان بني عبيد فأخذها، ومنع الناس منها كيدا للإسلام وبغضا فيه (٤) وقد وجد موطأ الإمام مالك عند رجل فضربوه وطافوا به (٥)، ورفعت إلى السلطان أشياء على سعدون الخولاني (ت ٣٢٤ هـ) المتعبد بقصر الطوب فأرسل إليه بعض حرسه فقيدوه وجمعوا مافي بيته من الكتب وأخذوه إلى عبيد الله (٦). ١٠ - منعوا التجمعات، فقد رفع على بعض العلماء العباد أنه يجتمع إليه العامة، ويدور بهم على قصور الرباط فمنعوهم خشية الخروج عليهم، وكانوا يفرقون الناس الذين يجتمعون على جنازة من يموت من العلماء (٧) كما أنهم منعوا الجولان بالليل، ولهم بوق يضربونه أول الليل فمن وجد بعده ضرب عنقه (٨).

стр. 72

١١ - حرص العبيديون على محو آثار من سبقهم ولذلك أمر عبيد الله بإزالة أسماء الحكام الذين بنوا الحصون والمساجد وأن يكتب إسمه بدلها كما استولى على أموال الأحباس وسلاح الحصون، وطرد العباد والمرابطين بقصر زياد وجعله مخزنا للسلاح (١). وهكذا يتبين بكل وضوح حرص العبيديين على مصادرة الفكر السني، وتعطيل شرائع الإسلام، وإماتة العلم الصحيح واضطهاد أهله، ولكن أمام ذلك كله تضامن علماء أهل السنة وعبادهم ومتصوفوهم (٢)، وتضافرت جهودهم لرد كيد العبيديين، وإخراجهم من أرض إفريقية، ومنعهم من أن ينالوا حصن السنة بالمغرب، والتف الشعب حول هؤلاء العلماء العاملين، الذين عرفوا بتضحياتهم المثالية في سبيل الحق، وتمسكهم بالسنة، وأصبحوا هم القادة الحقيقيين لشعوبهم فأمروا بمقاطعة جميع المؤسسات الحكومية فلا يختصمون إلى قضاتهم، ولا يصلون وراء أئمتهم، ولا يأتون معزين ولامهنئين، ولايناكحونهم، ولايتوارثون معهم، ولا يصلون على موتاهم. وقد كان بعض العلماء يغتسل يوم الجمعة، ويلبس ثيابه ويتطيب، ويخرج إلى الجامع حتى إذا وصله يرفع عينيه إلى السماء ويقول: اللهم اشهد، ويرجع إلى داره (٣). كما أفتى العلماء بكفر بني عبيد، وأنهم ليسوا من أهل القبلة، كما كفروا من دخل دعوتهم راضيا، ومن خطب لهم ولم يعذروا المكره وقالوا: يختار القتل ولا يدخل دعوتهم (٤) وقد شاعت هذه الفتاوى وعرفها الخاص والعام، فكانت حاجزا منيعا بين العوام وبين التردي في دعوة الرافضة. ودأب علماء السنة على تعرية العبيديين وفضح معتقداتهم الباطلة حتى يحذرها العامة قال أبو إسحاق السبائي (ت ٣٥٦ هـ) لأصحابه: افتحوا باب داري نأخذ في

стр. 73

ذمهم والتحذير منهم وكان مما ملأ به مجالسه: الإكثار من ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم (١). ولم يتخل العلماء عن التدريس في هذه الفترة الحرجة، فلما منعوا من التحديث والإقراء في المساجد فتحوا بيوتهم للطلبة فقصدوهم للتلقي، حتى إن دار إسحاق السبائي كانت كالمسجد (٢) لكثرة من يؤمه من الطلبة، وكان أحمد بن يزيد الدباغ يسمع في داره (٣)، كما كان تلاميذ أحمد بن نصر الهواري يقصدونه في بيته بعد أن منع من التدريس في مسجد رحبة القرشيين (٤). ووصل الأمر إلى التحيل في تعليم أطفالهم حتى يتربوا على السنة، وذلك ماقام به أبو إسحاق الجبنياني وغيره، فإنه كان يعلم أولاد الكتاميين (حملة الدعوة العبيدية) ولايأخذ منهم أجرا فيعلمهم القرآن والسنة ولايعلمهم يكتبون، ويقول: ليس يضرون الناس بالقرآن وإنما يضرونهم بالأقلام (٥). كما قاوم علماء السنة الرافضة بطريقة الجدل والمناظرة، وقد أفحموا فيها دعاة بني عبيد، وأقاموا عليهم الحجة، ودحضوا مزاعمهم بالبراهين القاطعة، فحفظوا للسنة مكانها وللإسلام عزه، ومن هؤلاء: أبو بكر القمودي الذي ناظر أبا العباس الشيعي مناظرة أفحمه فيها (٦) وإبراهيم ابن محمد الضبي (٧)، وأبو محمد عبدالله بن التبان (٨) إلا أن أقدرهم على ذلك وأشهرهم به: أبوعثمان سعيد بن محمد بن الحداد المفسر فقد كانت له مع بني عبيد مقامات كريمة ومواقف محمودة في الدفاع عن الإسلام والذب عن السنة (٩). ووصل الأمر إلى المواجهة المسلحة فإنه لما نزل عبيد الله برقادة ترك جبلة بن حمود الصدفي

стр. 74

(ت ٢٩٧) الرباط في قصر الطوب ونزل لرقادة وقال: كنا نحرس عدواً بيننا وبين البحر، فتركناه وأقبلنا على حراسة هذا الذي حل بساحتنا لأنه أشد علينا من الروم، فكان يجلس طول اليوم محاذياً لرقادة ومعه سلاحه وكان يقول: أحرس عورات المسلمين من هؤلاء القوم فإن رأيت منهم شيئاً حركت المسلمين عليهم (١) ولكن جبلة لم يعش في حكم العبيديين إلا سنة واحدة. وفي بداية الحكم العبيدي بايع أهل القيروان وكثير من قبائل أفريقية أبا عبد الله السدري على جهاد بني عبيد إلا أن خبره بلغ عبيد الله، فخرج إلى مكة فلما عاد قبضوا عليه وقربوه للقتل، وكان على درجة عظيمة من العبادة والتقوى فهرب العسكر كله فلم يجدوا أحداً يقتله، فأخذوا رومياً سقوه خمراً حتى سكر فقتله ثم صلبوه (٢)، لعنهم الله تعالى وكان قتله سنة ٣٠٩ هـ. فلما ثار أبو يزيد مخلد بن كيداد الخارجي النكاري (٣) واشتد أمره سنة ٣٣٢ هـ، واستولى على القيروان رأى العلماء أن الخروج معه واجب لأنه من أهل القبلة أما الرافضة فهم مجوس زال عنهم اسم الإسلام وقالوا: إن ظفرنا بهم لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد والله يسلط عليه إماماً عادلاً يخرجه عنا (٤)، وخرجوا إلى المهدية سنة ٣٣٣ هـ بقيادة العلماء، ولكن أبا يزيد غدر بهم فاستشهد منهم خمسة وثمانون عالماً (٥)، فتنكر الناس لأبي يزيد، ومنعوه من دخول القيروان. وقد شهد عهد أبي يزيد نشاطاً علمياً ملحوظاً حيث عادت الحياة إلى المساجد، وحلق العلماء للتدريس (٦)، ولما استرد العبيديون نفوذهم على القيروان رجع الوضع كهيئته أولاً.

стр. 75

ولما لم يجد بنو عبيد استجابة من أهل إفريقية لأفكارهم، وقابلوا تلك المقاومة انتقلوا إلى مصر سنة ٣٦٢ هـ تاركين لأنصارهم من بني زيري حكم إفريقية نيابة عنهم. وفي النصف الثاني من عهد العبيديين دخلت القيروان بعض المصنفات الحديثية الهامة مثل مصنف عبدالرزاق (١)، والجامع الصحيح للإمام البخاري (٢)، وكان أول من أدخل الصحيح هو علي بن محمد بن خلف الفاسي، وكان مما حدث به أيضا السنن ومسند حديث مالك وتفسير القرآن للنسائي (٣). وقام بالتصنيف في تلك الحقبة للباطنيين أبرز مفكريهم أبو حنيفة النعمان بن محمد القاضي القيرواني كتبا عدة في فقههم وكتابا في التفسير هو أساس التأويل وسيأتي الكلام عليه وعلى تفسيره في موضعه إن شاء الله تعالى. وفي غضون تلك الحقبة قامت دولة الأدارسة الثانية تحت ظل العبيديين بعدما طورد مايسمى بابن أبي العافية بالمحالفة بينهما، فرجع الملك إلى بني إدريس تحت قيادة إبراهيم بن محمد بن القاسم، ولما مات آلت الرئاسة لأخيه القاسم الملقب بكنون الذي أقام دعوة العبيديين حتى توفي سنة ٣٣٧ هـ، فتولى مكانه ابنه أبو العيسى أحمد بن القاسم وكان فقيها ورعا حافظا للسير والأنساب، وتحته استعاد المغرب وحدته وقدم الطاعة لعبد الرحمن الناصر الوالي الأموي وفي عهده سلمت القيادة للأمويين وخرج هو للجهاد والاستشهاد في جهاد الأفرنج سنة ٣٤٨ هـ، وترك بدلا منه أخاه حسن بن كنون (٤). ولما بلغ المعز لدين الله بن إسماعيل العبيدي أن أهل المغرب الأقصى نقضوا إطاعة الشيعة وجه قائده جوهر الصقلي سنة ٣٤٨ هـ إلى المغرب ومعه زيري بن مناد الصنهاجي وغيره فاستطاع القضاء على نفوذ بني أمية خلال سنتين وتظاهر حسن بن كنون بمبايعة العبيديين ثم نكث بيعته بقفولهم، وعاد لبني أمية ثم لما تولى بلكين بن زيري أعاد الكرة فبايع حسن بن كنون للعبيديين وساعدهم فأحفظ ذلك الخليفة الأموي، فأرسل جيشا دارت بينه وبين

стр. 76

حسن بن كنون معارك وجولات ومفاوضات انتهت بتخلي عائلة الأدارسة عنه بما فيها عائلته ومبايعتهم لبني أمية فاستسلم أخيرا سنة ٣٦٣ هـ، وبقيت فاس بيد بني أمية حتى استولى عليها زيري ابن عطية المغراوي، وأكرم الخليفة الأموي الأدارسة المستسلمين إكراما بالغا حتى حدث اختلاف بينه وبين الحسن بن كنون فأجلاهم جميعا إلى تونس، فرحلوا منها إلى مصر حيث مركز سلطان العبيديين (١). رابعا: دولة بني زيري أو الدولة الصنهاجية (٣٦٢ هـ - ٤٤٩ هـ) ودولة بني حماد بالمغرب الأوسط ودولة الأدارسة الثالثة بالمغرب الأقصى (٢): لقد كان لعائلة بني زيري الصنهاجية (٣) دور هام في القضاء على ثورة أبي يزيد النكاري فكافأهم العبيديون بتسليم حكم إفريقية والمغرب، عندما انتقلوا إلى مصر، ومؤسس هذه الدولة هو أبو الفتوح بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي (هـ ٣٦٢ - ٣٧٣ هـ) الذي استهلك سنوات حكمه في تمهيد البلاد وقمع الثائرين، وخلفه ابنه المنصور (٣٧٤ - ٣٨٦ هـ) وقد شهد عهده عدة ثورات رغم أنه حاول أن يأخذ الناس بالإحسان. (٤) وفي خلالها حاول الحسن بن كنون بعد أن لجأ إلى نزار بن معد العبيدي بمصر استعادة المغرب من بني أمية بجيش العبيديين ومعاونة بلكين بن زيري وفعلا تم ذلك، فأرسل الخليفة الأموي جيشا هزم الأدارسة ثم قتل الحسن بن

стр. 77

كنون وقضى على الدولة الإدريسية الثالثة سنة ٣٧٥ هـ (١). فصار ملك المغرب لأهل الأندلس (يعني بني أمية) فولوه مغراوة وأول من ولوه منهم حرز بن حفص وبقي الملك في أيديهم يتوارثونه إلى أن قام المرابطون فغلبوهم عليه (٢). وازدادت الحياة السياسية اضطرابا في عهد باديس بن المنصور (٣٨٦ هـ - ٤٠٦ هـ) الذي قضى أيامه في حروب متصلة، حتى إن أعمامه كانوا من بين الثائرين عليه وأعلنوا فيما بعد استقلالهم بقلعة بني حماد في المغرب الأوسط. وبدأت فيه دولتهم بتولي حماد بن بلكين بن زيري سنة ٣٩٨ هـ الذي تبعه ولده القائد بن حماد ثم ولده محسن بن القائد إلى أن تولى آخر ملوك بني حماد وهو يحيى بن العزيز بالله سنة ٥١٥ هـ (٣). لقد كان هؤلاء الأمراء الثلاثة بلكين والمنصور وباديس محافظين على تبعيتهم للعبيديين وولائهم للمذهب الإسماعيلي، إلا أنهم لم يتشددوا في مطالبة الناس بالتشيع، فانفسح المجال تدريجيا أمام العلماء لنشر السنة، وبذلك بدأت الحياة العلمية تعود إلى المساجد والكتاتيب شيئا فشيئا، غير أن تلك المظاهر الرسمية من التبعية لحكام مصر والدعوة لهم على المنابر كانت تقلق العلماء، وأسهمت في إيجاد هوة عميقة بينهم وبين حكام بني زيري، فاستمروا في مقاومة هؤلاء الحكام الذين لم يكونوا متحمسين للدعوة الإسماعيلية، وخاصة مع صمود الشعب ومواصلتهم مقاطعة الدولة، غير أنهم لايستطيعون الإعلان بذلك خوفا على سلطانهم، وأحس أهل القيروان بذلك فراح علماؤهم يعملون جاهدين على نشر السنة وآراء السلف فعجت القيروان بالعلماء من جديد، وكثرت المصنفات في مختلف فروع الشريعة، فقد ألف ابن أبي زيد (ت ٣٨٦ هـ) مصنفات عديدة في الفقه والحديث والرد على أهل البدع (٤) وألف القابسي (ت ٤٠٣ هـ) في الحديث وأصول الدين (٥)، وغيرهما كثير وانتعشت الحياة

стр. 78

الاقتصادية في عهد بني زيري خاصة بعد مجاعة سنة ٣٩٥ هـ التي خلت بسببها المساجد، ومات فيها كثير من العلماء والصلحاء (١). أما التخلص النهائي من أتباع العبيديين، وانتصار الدين على الرفض وحصول البذخ والأبهة فقد كان على عهد آخر أمراء صنهاجة بالقيروان: المعز بن باديس (٤٠٧ - ٤٤٩ هـ) فقد دام حكمه قريبا من نصف قرن، شهدت فيها الحياة العلمية بالقيروان عصرها الذهبي، وعادت البلاد إلى حظيرة أهل السنة والجماعة بصفة رسمية وتوفرت فيها أسباب العمران والحضارة، ونفقت سوق العلم والأدب وحدث شيء من التقارب بين المعز وعلماء القيروان، فإن هذا الأمير قد تربى على مذهب مالك وعلى السنة والجماعة (٢)، وكان يضمر قطع دعوة العبيديين، فلما علم أهل القيروان بذلك وضعوا السيف فيمن عندهم من الرافضة، حتى أبادوهم في سائر أنحاء إفريقية وذلك سنة ٤٠٧ هـ في مطلع عهد المعز (٣)، ولم يزل أمر السنة يقوى والمعز يعد العدة للتخلص من سلطان بني عبيد حتى كانت سنة ٤٣٥ هـ وفيها قطع دعوتهم، ولعنهم على المنابر، ودخل في طاعة الدولة العباسية وحمل الناس على مذهب الإمام مالك حسما للخلاف، ولأنه مذهب معظم أهل إفريقية، وكانت بإفريقية مذاهب منحرفة كالشيعة والصفرية والإباضية والنكارية والمعتزلة، ومن مذاهب أهل السنة الحنفية والمالكية، فلم يبق في أيامه إلا مذهب الإمام مالك (٤)، ففرح أهل السنة بذلك، وقضوا على مابقي من الروافض بإفريقية ولاحقوهم في كل مكان، فعمت الفوضى حتى اضطر المعز إلى استعمال القوة للسيطرة على الوضع. ولم يكن الحقد الباطني ليسكت على عودة إفريقية للسنة، ونبذها علنا لطاعة بني عبيد، فأرسلوا إليها أعراب بني هلال وبني سليم، وكانوا ممنوعين

стр. 79

من اجتياز نهر النيل لماعرفوا به من الإفساد في الأرض (١)، فتسابقوا إليها وجرت بين الأعراب وبين المعز حروب كثيرة كانت فيها الدائرة عليه، وتمكنوا من دخولها سنة ٤٤٣ هـ، فخربوها وأتوا على الأخضر واليابس، وتقاسموا مدنها، فمامن قرية إلا وقد سحقت وأكلت، وأهلها عراة أمام حيطانها، من رجل وامرأة وطفل، يبكي جميعهم جوعا وبردا، وانقطع المير عن القيروان، وتعطلت الأسواق (٢). وأما قابس فاستطاع أن يحكمها بعض القواد العرب وذريته وأما تونس فساعدها موقعها المنيع وانفتاحها على البحر لتصبح أهم مدينة يحكمها بنو فرسان، وأما الأمير الزيري فالتجأ إلى المهدية واتخذها عاصمة للدولة الضائعة، التي استولى عليها النورمنديين سنة ١١٤٨ م، ثم تم الفتح الإسلامي للمهدية مرة أخرى على يد الموحدين الذين سحقوا القبائل الهلالية وطردوا النورمنديين وعينوا في سنة ١٢٠٧ م واليا عليها هو عبد الواحد بن أبي حفص الذي أسس فيها مملكة لمدة ثلاثة قرون (٣). وبذلك انتهت حضارة القيروان التي كانت العاصمة الدينية والعلمية والسياسية لإفريقية والمغرب، فهي منذ الفتح إلى أن خربت دار العلم بالمغرب، إليها ينسب أكابر علمائه وإليها كانت رحلة أهله في طلب العلم (٤)، فلما خربت جلا أهلها عنها وتفرق من بقي حيا من علمائها في الأمصار (٥)، ولم تعد إليها الحياة العلمية إلا بعد أكثر من قرن من الزمان

стр. 80

وذلك بعد سنة ٥٥٥ هـ (١)، إلا أنها لم تعد أبدا إلى سالف عهدها، وانتقل مشعل العلم والحضارة بإفريقية إلى المهدية ثم إلى تونس الحفصية. خامسا: عصر المرابطين والموحدين (٤٣٤ هـ - ٦٦٨ ه ـ) (٢): ينتسب الملثمون الذين عرفوا فيما بعد بالمرابطين إلى قبيلة لمتونة إحدى بطون صنهاجة أعظم قبائل البربر وسموا بالملثمين، لأنهم يضعون اللثام على وجوههم ليلا ونهارا حضرا وسفرا، وقد بدأت دعوة المرابطين على يد الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين، الذي وفد مع زعيم قبيلة جدالة الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي إلى بلاد جدالة، عندما عاد من الحج سنة ٤٢٩ هـ، فلم يستطع نشر دعوته في شنقيط لمعارضة الوجهاء والكبراء فانتقل إلى جزيرة منعزلة بالسنغال ومعه يحيى بن إبراهيم وبعض أتباعه، وأسس هناك رباطا بث منه دعوته وأرسل البعوث إلى القبائل فالتف الناس حوله وسموا المرابطين بسبب ملازمتهم لهذا الرباط، ثم أعلن لهم ضرورة خروجهم لدعوة الناس وإخراجهم مما هم فيه من الطغيان، فبدأ الكفاح المسلح وأخضع عدة قبائل منها قبائل كدالة ولمتونة وكسوفة (٣). وفي عام ٤٤٧ هـ توفي الأمير يحيى بن إبراهيم، فاختار ابن ياسين يحيى بن عمر من قبيلة لمتونة لقيادة جند المرابطين الذي اتجه إلى فتح كثير

стр. 81

من بلاد السودان الغربي، ثم استغاث فقهاء درعة وسجلماسة بعبد الله بن ياسين وجيوشه لتخليصهم من المنكرات والفساد، الذي تمر به البلاد فاستولوا على سجلماسة التي مالبثت أن ثار أهلها ونجحوا في استعادتها، ثم قتل الأمير يحيى بن عمر فاختار ابن ياسين أخاه الأمير أبو بكر بن عمر سنة ٤٤٨ هـ، الذي اندفع إلى الشمال فقاتل قبائل برغواطة التي اعتنقت المجوسية ومات أثناء ذلك ابن ياسين متأثرا بجراحه، فاستمر أتباعه في نفس الطريق وترك أبو بكر بن عمر السلطة لابن عمه يوسف بن تاشفين (١)، هو القائد المظفر الذي تمكن من إحكام قبضته على المغرب الأقصى، وبناء مراكش واعتبر هو المؤسس الحقيقي لدولة المرابطين، ثم انطلق إلى الأندلس في مواجهة النصارى حتى توفاه الله وتولى ابنه علي بن يوسف تاشفين الذي سار سيرة والده، وكان لانتصاراته صدى واسع في العالم الإسلامي (٢). وفي أثناء ذلك ظهر محمد بن تومرت الذي ينتسب إلى بيت النبوة ونشأ نشأة دينية ورحل في طلب العلم إلى الأندلس، ثم إلى المشرق وكر راجعا للمغرب والتقى في عودته بالمدعو عبد المؤمن بن علي الذي صحبه وحفظ عنه تعاليمه ولما وصل مراكش سنة ٥١٥ هـ قام بدوره في الوعظ والإرشاد، حتى وصل نبؤه إلى علي بن يوسف بن تاشفين، فجمع له مجلسا من الفقهاء تناظروا فيه حول المنكرات التي تفشت في المجتمع وتأثر الأمير بكلامه إلا أنه أمر بطرده من مراكش خشية الفتنة، فكانت تلك الشرارة لإعلانه خلع علي بن يوسف والدعوة لمبايعته، واتخذ مدينة تينملل مركزا له ودخل في صراع مرير مع المرابطين انتهى بموته سنة ٥٢٤ هـ، فتحمل أعباء دعوته عبد المؤمن تلميذه المخلص، والذي يعتبر المؤسس الحقيقي لدولة الموحدين فاستغرق سنة ونصفا في تنظيم شئون الموحدين، ثم بدأ الكفاح المسلح ضد

стр. 82

المرابطين، وكانت لوفاة علي بن يوسف بن تاشفين سنة ٥٣٧ هـ أثر كبير في فت عضد دولته، حتى بعد تولي اسحق بن علي بن تاشفين السلطة بعد نزاع عليها مع ابن أخيه إبراهيم بن تاشفين، وتمكنت جيوش الموحدين من إسقاط مراكش سنة ٥٤١ هـ، وكانت تلك نهاية دولة المرابطين وبداية دولة الموحدين (١). وفي عصر المرابطين الأنف ذكرهم كانت علاقة الود والوئام باقية بينهم وبين بني زيري بالمغرب الأدنى حفاظا على الصلات القبلية بينهما فكلاهما من قبيلة صنهاجة البربرية، ووقف المرابطون بجوار الزيريين ضد خطر النورمنديين. أما بالنسبة لبني حماد وهم كذلك من صنهاجة فلم تكن العلاقات معهم ودية تماما، وإنما تخللها مناوشات كان العامل فيها ضعف بني حماد أمام أعراب بني هلال، الذين خربوا القيروان وقوضوا ملك بني زيري فأدى كفاح المرابطين من أجل السيطرة على المغرب الأوسط إلى اصطدامهم ببني حماد غير أن ذلك لم يصل إلى الصدام المسلح (٢). وبعد أن أحكم عبد المؤمن الموحدي قبضته على المغرب الأقصى توجه إلى الشرق حيث توالت انتصاراته حتى وصل إلى طرابلس وبذلك نجح الموحدون في تحقيق وحدة سياسية للمغرب الإسلامي تدار شؤونها من عاصمة الخلافة مراكش، ولم ينس أيضا واجبه نحو الأندلس فجهز حملة كبيرة لدفع النصارى سنة ٥٥٦ هـ إلا أنه مرض مرضا أفضى إلى موته حال دون إتمام الحملة وذلك سنة ٥٥٨ هـ، وتولى خلفا له ابنه يوسف بن عبد المؤمن الذي تمكن من خمد ثورة ضده من الصناهجة، ثم والى الحملات على الأندلس حتى أصيب في أخراها وتوفي على إثر ذلك سنة ٥٥٨ هـ، وتولى بعده ابنه يعقوب بن يوسف الملقب بالمنصور وفيه بلغت دولة الموحدين أوج ازدهارها

стр. 83

وقضى أيضا على بعض الثورات الداخلية، وحقق نصرا هائلا بالأندلس في معركة الأرك التي أوقفت زحف النصارى وزادت من هيبة الموحدين ومكانتهم، وفي سنة ٥٩٥ هـ أصيب المنصور بوعكة أدت إلى وفاته (١). ثم تولى بعده ابنه محمد بن يعقوب الملقب بالناصر الذي استطاع أيضا إخماد ثورة بني غانية بإفريقية، وولى عليها الشيخ أبا محمد عبدالواحد ابن أبي حفص الهنتاتي، وكان من أشياخ الموحدين وكانت ولايته بداية لقيام الدولة الحفصية بتونس بعد ضعف دولة الموحدين، بعد أن منيت بهزيمة قاسية في معركة العقاب سنة١٦٠ هـ على أيدي النصارى راح ضحيتها الكثير من جند الموحدين وعجلت بسقوط الأندلس بعد ذلك في أيدي الفرنجة، وأصيب الناصر بالمرض وتوفي سنة ٦١٠ هـ فتصارع أبناء عبدالمؤمن على السلطة وسرى الضعف في أرجاء الدولة حتى سقطت سنة ٦٦٨ هـ. وفي حين كانت دولة المرابطين تابعة للخلافة العباسية ببغداد اعتبر الموحدون أنفسهم خلفاء وأن مركز الخلافة مراكش وليس بغداد (٢). وفي تلك الحقبة ازدهرت الحياة الاقتصادية ازدهارا بالغا، وتنوعت مصادر الدخل وشمل الازدهار الزراعة والصناعة والتجارة (٣)، واتجهت الدولة للبناء والتعمير فأسست المدن ومن أهمها مراكش التي أسسها المرابطون كما تقدم ومدينة تلمسان ومدينة تاودا ومدينة رباط الفتح المعروفة الآن بالرباط، والتي قام بتأسيسها الموحدون كما أسست المنشآت العسكرية والمنشآت العامة كالمساجد والمدارس وغيرها (٤).

стр. 84

وأما الناحية العلمية فكانت في أوج ازدهارها، وكرم طبقة طلاب العلم تكريما يفوق الوصف خاصة في دولة الموحدين، أما طبقة الفقهاء والعلماء والقضاة فاحتلت منزلة رفيعة في المجتمع المغربي منذ قيام دولة المرابطين، وظهر لهم نفوذ في مجريات الأمور وخاصة في دولة المرابطين ويرجع السبب في ذلك إلى أن الدولتين قامتا على أساس ديني ودعوة إصلاحية، وتحقق لهم في ظل الدولتين مستوى مادي رفيع جدا كان له أبلغ الأثر على إثراء الانتاج العلمي في شتى مجالاته وفي مقدمتها مجال التفسير حيث زاد الاقبال على دراسة القرآن الكريم، باعتباره مصدر التشريع الأول في الدولتين وممن اشتهر من العلماء في تلك الحقبة أبو الحسن علي بن محمد الغرناطي المفسر نزيل مراكش، وكان عالما زاهدا يجتمع إليه الناس فيفسر لهم القرآن من أوله إلى آخره (١)، وأبو بكر محمد بن علي المعافري السبتي عرف بابن الجوزي، وله تفسير في القرآن (٢)، وعبدالجليل بن موسى الأنصاري الأوسي ت ٦٠٨ هـ وله تفسير القرآن (٣)، ومن التفاسير التي اعتنى بها المغاربة في تلك الفترة: كتاب الوجيز لعبد الحق بن عطية ت ٥٤١ هـ (٤). وكان من شيوخ المرابطين الشيخ أبو محمد يرزجان بن محمد الجزولي الضرير الذي قدم مراكش، وكان عالما فاضلا بصيرا بمذهب مالك صحب الإمام أبا بكر بن العربي صاحب أحكام القرآن (٥). وقد أرسل أبو بكر بن العربي رسالة إلى الخليفة المستظهر العباسي يزكي فيها الأمير يوسف بن تاشفين عنده (٦). وأما علم الحديث فنال عناية فائقة لاسيما في عصر الموحدين فبعد أن كان التركيز في عهد المرابطين على الموطأ أصبح الاهتمام بالحديث عموما السمة السائدة في عصر الموحدين، واهتم به الخلفاء اهتماما كبيرا، وكان بعضهم يقوم بإملاء الأحاديث بنفسه، وانتشرت المؤلفات فيه في ذلك العصر،

стр. 85

كما اعتبر عهد الموحدين عهد إحياء الاجتهاد (١). وقد أدى ضعف الموحدين في نهاية عهدهم إلى تمزق دولتهم الشاسعة الأطراف على النحو التالي: سقطت الأندلس في يد الأسبان والبقية الباقية التي لم تقع في أيديهم استقلت تحت إمرة بني الأحمر أصحاب غرناطة. وأما منطقتنا فقد ظهرت فيها ثلاث دول إسلامية ظلت تتنازع السلطان وتحاول كل منها التوسع على حساب جارتها وهي: الدولة الحفصية في المغرب الأدنى. الدولة الزيانية في المغرب الأوسط. الدولة المرينية في المغرب الأقصى (٢). ومنذ ذلك الحين يعتبر المغرب الإسلامي الكبير قد انقسم إلى ثلاث دول لكل منها تاريخه المستقل، والتي آلت حاليا إلى تونس والجزائر والمغرب (ويتبعها موريتانيا) وعليه فسوف تكون دراستنا الحالية لكل منها على حدة إلى الاحتلال الفرنسي وقد حكم تونس بعد الحفصيين الأتراك وفي عهدهم فرضت الحماية الفرنسية، وحكم الجزائر بعد بني زيان الأتراك وفي عهدهم وقع الاحتلال الفرنسي، وأما المغرب فحكمها بعد بني مرين الوطاسيون، ثم السعديون ثم العلويون وفي عهدهم فرضت الحماية الفرنسية. أحوال المنطقة حتى الاحتلال الفرنسي: أولا: تونس الدولة الحفصية في المغرب الأدنى (تونس) ١٢٣٠ م - ١٥٧٤ م (٣): وتنسب إلى أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاني نسبة إلى قبيلة هنتانة

стр. 86

البربرية وهو من خاصة ابن تومرت وأحد مريديه، وكانت له مكانة كبيرة لديه وقد استطاع أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص ولد المذكور بعد أن ولاه الخليفة الموحدي الناصر على تونس أن يقضي على كثير من الاضطرابات، فهزم ابن غانية كما تقدم، وخلفه ابنه عبد الرحمن سنة ٦١٨ هـ الذي تولى بعده أبو زكريا الحفصي سنة ٦٢٧ هـ واستطاع أن يعلن استقلاله بتونس والقيروان عن دولة الموحدين بعد أن دب إليها الضعف ونازعها بنو مرين السلطة على المغرب الأقصى، وقمع ابن غانية عندما عاد للاضطرابات مرة ثانية وقتله، وقمع ثورة قبيلة هوارة فاستتب له الأمر بتونس، ثم توسع فاستولى على الجزائر وبايعته تلمسان وسجلماسة بل بايعته بعض بلاد المغرب الأقصى (١). ثم واصل محمد والذي لقب بالمستنصر تلك الأعمال بنجاح أكثر وتلقب رسميا بلقب الخليفة أو أمير المؤمنين، وأرسل له أمير مكة والحجاز بمبايعته وأراد الصليبيون ضرب قلب الإسلام فشن القديس لويس الحملة الصليبية الثامنة (٢) ضد تونس سنة ١٢٧٠ وانتهت بمعاهدة صلح تنازل فيها الخليفة المستنصر فرضي بدفع غرامة حربية بالإضافة إلى مضاعفة ما كان يدفعه إلى ملك صقلية من أتاوة، ثم بدأت الانتفاضات على الحكم والاضطرابات وهجوم الأرغوينيين على سواحل تونس بعد استقرارهم بصقلية. ثم احتل بنو مرين تونس لمدة عشر سنوات من سنة ١٣٤٧ م - ١٣٥٧ م حتى ظهر الأمير الحفصي أبو العباس والي مقاطعة قسنطينة الذي استطاع إعادة البلاد لوحدتها وللدولة الحفصية هيبتها بداية من سنة ١٣٧٠ م واستطاع هو وأبو فارس خلفه وعثمان

стр. 87

خلف أبي فارس أن يكبحوا جماح المنشقين، ويكسروا شوكة القبائل، وشنوا على أوروبا المسيحية حرب القرصنة، وعقدوا معاهدات تجارية مع إيطاليا، وذلك خلال مدة طويلة في الحكم سنة ١٣٧٠ م - ١٤٨٨ م من طرابلس إلى مدينة الجزائر. وفي الفترة الأخيرة من العهد الحفصي ظهرت الاضطرابات من جديد، وانحلت الدولة حتى انحصرت في مدينة تونس وما يحيط بها، وتوالت هجمات النصارى على السواحل وتفاقم أثرها وفقدت الدولة القدرة على ردع القوى الانفصالية داخليا واحتل الأتراك ثم الأسبان على التوالي تونس سنة١٥٣٤ م، ١٥٣٥ م، وكانت السواحل مسرحا للصراع الأسباني التركي. في أثناء التوسعات الأسبانية والبرتغالية ظهر على الساحة بحاران جزائريان هما الأخوان (عروج)، (خير الدين) فقد اتخذ عروج جزيرة جربه التونسية قاعدة لنشاطه بالاتفاق مع السلطان الحفصي محمد بن الحسن ونجح هو وأخوه في إنقاذ كثير من مسلمي الأندلس، ونقلهم منها فاستنجدت به المدن الساحلية في المغرب لتخليصهم من الأسبان فبترت ذراعه في أثناء محاولة تخليص بجاية سنة ٩١٨ هـ (١). وبعد أن خلع الأتراك السلطان الحفصي من العرش أعاده القائد الأسباني بعد أن أدخله تحت حمايته وجعله تابعا له ثم خلعه ابنه أحمد وخلفه سنة ١٥٤١ م، ولم يكن أسعد حظا منه، واستطاع القائد التركي الاستقرار في طرابلس والاستيلاء على القطر التونسي، وفي سنة ١٥٦٩ م دخلت الجيوش التركية بقيادة والي الجزائر تونس وطردت منها السلطان الحفصي، ثم استولى الأسبان على تونس من جديد سنة ١٥٧٣ م إثر هزيمة الأسطول العثماني أمام القائد ليبانت، وأقاموا فيها حكما مشتركا أسبانيا حفصيا حتى قدم الأسطول العثماني بقيادة سنان باشا الذي استرجع تونس، وأنهى حضور الأسبان والدولة الحفصية بإفريقية. واتجه خير الدين الوالي على الجزائر إلى تونس وذلك في نهاية الدولة

стр. 88

الحفصية، فدخلها في جيش من الأتراك فتوجه الأمير الحفصي الحسن بن أبي عبد الله إلى أسبانيا مستنجدا بملكها الذي أعد قوة ضخمة، فدخل تونس وعاث فيها فسادا ونهب جامع الزيتونة، وأعاد الأمير الحفصي لملكه مقابل شروط أثارت عليه الأهالي فسملوا عينيه وخلفه ابنه الذي حاول وقف التيار الأسباني فلم يستطع، وتمكن الأسبان من الاستيلاء على موانىء صفاقس وسوسة والمنستير، وأدى صراع الأمير الحفصي أبي العباس الثاني ووزيره إلى دخول العثمانيين في الصراع مع الأسبان، كان من حلقاته هزيمة الأسطول التركي سنة ١٥٧١ م، وإعادة الحفصيين إلى حكم تونس سنة ١٥٧٣ م إلا أن القائد العثماني سنان باشا استطاع في عام ١٥٧٤ القضاء نهائيا على الحفصيين في تونس. ومن حلقاته أيضا محاولة شارل الخامس سنة ١٥٤١ م توجيه ضربة قاضية للأتراك في الجزائر ففشل واستطاع الأتراك سنة ١٥٥٨ م، أن يوجهوا ضربة قاضية للأسبان قرب مستغانم ثم انتزعوا ميناء طرابلس من فرسان بيت المقدس وأخذ نشاط الأسبان يضعف (١). وفي العهد الحفصي أنشئت الكتاتيب لتعليم القرآن وازدهر نشاط المذهب المالكي وظهر من العلماء أمثال ابن زيتون وابن عرفة، الذي يعتبر آخر كبار المجددين في زمنه وبعده أعلن علماء بلاد المغرب غلق باب الاجتهاد فتحجر العلم وأجدبت أرضه وانطوى العلماء ولقي التصوف رواجا كبيرا وغدا الانحراف فيه كبيرا وشيدت الأضرحة ولجأ الناس إلى الخرافات والبدع، التي أيدت من قبل الأمراء لأغراض سياسية وظهرت عبادة الأولياء والصالحين تحت حماية السلطة إلا أنه مع ذلك التدهور لم تخل المنطقة من ظهور بعض المفكرين وعلى رأسهم عبدالرحمن بن خلدون الذي ولد بتونس ورحل وتعلم وأثرى المكتبة الإسلامية بكتابات نافعة سنة ١٣٣٢ - ١٤٠٦ م، كما ظهر من علماء الحديث الحافظ ابن سيد الناس والمؤرخ أحمد بن محمد القرشي (٢).

стр. 89

وكان التفسير يدرس بالمدارس والجوامع وسمي الدرس دولة وقد ذكر العبدري في رحلته أنه سمع دولا من التفسير عن اللبيدي وابن الغماز، وقد ظهر من التفاسير في العصر الحفصي غير تفسير ابن عرفة المتقدم تفسير ابن بزيزة عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي التميمي التونسي ت ٦٧٤ هـ الذي جمع فيه بين تفسيري ابن عطية والزمخشري، وإعراب القرآن لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد القيسي الصفاقسي سنة ٧٥٢ هـ، وكانت تدرس في ذلك العصر مشاهير التفاسير مثل الزمخشري وابن عطية والفخر الرازي وأبي حيان (١). الدولة العثمانية في تونس وحتى الاحتلال الفرنسي: لما اشتد الخلاف بين أبي العباس الثاني الأمير الحفصي ووزيره استنجد الوزير بعلج علي والي الجزائر فخرج بجيشه واستحوذ على تونس، فاستنجد الأمير الحفصي بالأسبان فوافقوا على أن يقتسموا معه تونس، فرفض العرض وقبله أخوه محمد بن الحسن وتمكن من استرجاع تونس بمساعدتهم وفي عام ٩٨١ هـ اتجهت قوة عثمانية كبيرة من القسطنطينية بقيادة سنان باشا معها ألف سفينة بقيادة علج علي مع قوات أخرى من الحاميات التركية، وأتموا فتح تونس وانتهت الدولة الحفصية تماما (٢). حكم الدايات: ولما أتم سنان باشا فتح تونس ألحقها في بداية الأمر بولاية الجزائر لكنه أوجد ديوانا اشترك فيه بعض أعيان البلاد لكن ثار بعض الجند على رؤساء الديوان، وعينوا أحد الدايات (الداي ضابط على كل ١٠٠جندي) وهو إبراهيم ود علي حاكما على البلاد فأقرت الأستانه هذا الوضع وتتابع حكم الدايات حتى سنة ١٦٤٠ م (٣).

стр. 90

حكم البايات: والباي هو المأمور بجباية المال. ونجح أحد البايات وهو مراد باي في السيطرة على شئون تونس وظفر من الخلافة بلقب باشا ونجح في أن يورث الأمر من بعده لأبنائه، فأسس الأسرة المرادية التي حكمت تونس حتى عام ١١١٤ هـ وكثر النزاع بين أفراد هذه الأسرة مما أدى إلى التخريب في المدن التونسية (١). حكم الأسرة الحسينية (٢): في سنة ١٧٠٥ م انتقلت الولاية في تونس إلى حسين بن علي الذي أسس أسرة حاكمة جديدة هي الأسرة الحسينية، التي استمرت إلى الاستقلال وإعلان الجمهورية سنة ١٩٥٧ م والمؤسس الأول لها هو حسين باي الأكبر كان قد وفد أبوه من تكريت على تونس أيام الدولة المرادية، فانخرط في الجند ونشأ ابنه حسين في كنف البايات من بني مراد وتدرج في الولايات حتى انتخب واليا وعمل عدة أعمال إصلاحية منها: إنشاء بعض المدارس واهتم بإحياء معالم القيروان بعدما تخربت في حروب بني مراد، وأراد حسين بابي أن يجعل الحكم في الأكبر من ذريته فالأكبر فخرج عليه ابن أخيه علي بن محمد وقتل حسين باي جنوب القيروان، ونشبت الحروب بين الأسرة حتى تدخلت الجزائر في شئون تونس، وتولى علي بن محمد المشهور بالباشا علي الحكم، واشتهر بتشجيعه العلم والعلماء وكان هو نفسه على قدر كبير من العلم وله كتاب في النحو هو التسهيل لابن مالك، وأسس مكتبة عظيمة حوت الكثير من المخطوطات فقد أكثرها أثناء الحروب والاضطرابات بين أفراد الأسرة فنقل المتبقي إلى جامع الزيتونة، واهتم بتأسيس المدارس وتزويدها بحاجتها من الكتب وغيرها والتف حوله كثير من الأدباء والعلماء، وتولى الأمر بعده ابنه محمد باي ثم علي باي الثاني فاهتم أيضا بالمدارس والتكايا وغير ذلك. ثم تولى حموده باشا ابن علي باي ١٧٨٣ م الذي نهض بالبلاد في

стр. 91

مجالات الفلاحة والتجارة والصناعة، وحفلت مدته بالحروب منها ضد الثائر علي برغل وضد أطماع الجزائريين في تونس، وكان له علاقات طيبة مع نابليون بونابرت ومعاهدات تجارية مع أسبانيا وهولنده وأمريكا، ثم تولى السلطة محمود باي ابن عم حموده (سنة ١٨١٤ - ١٨٢٤ م) شهدت فيها البلاد كثيرا من أوجه العمران وتعددت بها الجوامع والمدارس والتكايا وغيرها وساعد على ذلك الهدوء الذي ساد البلاد عقب إنهاء الصراع على الحدود مع الجزائر بتدخل الدولة العثمانية، ثم تولى ابنه حسن باي سنة (١٨٢٤ - ١٨٣٥ م)، وفي عهده وقعت موقعة نوارين البحرية بين العثمانيين والأوربيين، وهزم فيها الأسطول العثماني، وفيه أيضا هاجمت فرنسا الجزائر. ثم تولى الحكم أخوه مصطفى باي ثم خلفه المشير أحمد باي الذي أنشأ مدرسة عسكرية واستقدم لها المدرسين، وأصبح لتونس جيش قوي، واهتم بتنظيم التعليم بجامع الزيتونة ودعا عددا من الأساتذة الأجانب للالتقاء بأساتذته مما أدى إلى الاحتكاك بين العقلية الإسلامية والعقلية الغربية وقام بتأسيس المكتبة الأحمدية، وزار فرنسا بنفسه مع جماعة من رجال الدولة لتوطيد العلاقات بين الدولتين، وقام بإلغاء الرق ومنع الاتجار فيه فحمد فعله ذلك من الدول الأوروبية، وأرهقت الدولة في عهده بالمصروفات الكثيرة، وأدى اشتراكها في حرب القرم إلى جانب الدولة العثمانية ضد روسيا إلى زيادة التدهور الاقتصادي (١). ثم تولى بعده محمد باي الثاني (سنة ١٨٥٥ - ١٨٥٩ م)، فضغطت فرنسا وانجلترا عليه بإصدار مايسمى عهد الأمان، الذي منح الأجانب مزايا عديدة (٢). واهتم محمد باي بتنظيم القضاء الشرعي، فكان المجلس الشرعي يعقد يوميا ويحضره القاضيان المالكي والحنفي، وأدخل في عهده الطباعة العربية

стр. 92

واشتهر في دولته كثير من رجال العلم ومنهم القاضي محمد الطاهر بن عاشور وشيخ الإسلام بيرم الرابع وغيرهما (١). وحاول محمد باي إصلاح الوضع الاقتصادي، ثم تولى محمد الصادق باي (سنة ١٨٥٩ م - ١٨٨١ م) الذي بدأ جهودا صادقة لإصلاح البلاد إلا أنه ضاعف الضرائب على الأهالي واقترض بأرباح فاحشة، وكان ذلك سببا في اندلاع ثورة ابن غذاهم سنة ١٨٦٤ م (٢) مطالبة بتخفيف ذلك ورفع الظلم إلى أن استطاعت الدولة القضاء عليها بعد أن نشرت الفرقة بين صفوف الثوار، ثم تلاها ظهور مرض الكوليرا ثم الحمى التيفوسية، فأدى ذلك إلى تعطيل الأوضاع، وأصيب الناس بضيق شديد. ولما تولى خير الدين (٣) الوزارة بحكومة تونس سنة ١٨٧٣ م بدأ بعلاج مشاكله، فألغى الضرائب الباهظة وأجرى حركة تطهير بين الموظفين، وقام بعدة أعمال إصلاحية. وفي مجال التعليم أنشأ أول معهد درست فيه العلوم العصرية، وكان هدفه التوفيق بين العلوم العصرية والتقاليد الإسلامية وتعليم اللغات، وهي المدرسة الصادقية وفكر في إرسال الممتازين من خريجيها للدراسة في جامعات أوربا كما زاد مرتبات المدرسين بجامعة الزيتونة وأسس المكتبة الصادقية وحظيت حركة الطبع والنشر في أيامه باهتمام كبير، وصدرت أول صحيفة عربية في تونس وهي صحيفة الرائد (٤)، ثم طلب خير الدين إعفاءه بسبب الدسائس التي حاكها مصطفى إسماعيل ضده عند الباي، وتولى مصطفى بدلا منه سنة ١٨٧٧ م وكان توليه بداية النكسات من جديد على تونس، حتى سقطت في يد الاستعمار الفرنسي (٥). وفي العهد التركي بصفة عامة. كان الفقه والإنتاج الثقافي قد غلبت عليه

стр. 93

التبعية والتقليد نتيجة للعوامل الفكرية التي كانت تسيطر آنذاك، وكأن البلاد أغلقت أبوابها في وجه التيارات الجديدة منذ استقرار الأندلسيين وتوقف الارتحال إلى المشرق، وبانقطاع هذه العلاقة توقف المد الثقافي فالطالب المغربي الذي كان يبحث عن المعرفة في كل أجزاء العالم الإسلامي ويختار بنفسه مواد الدراسة، ويتصل بالعلماء للأخذ عنهم أصبح يكتفي بماهو موجود في المساجد والزوايا ويقتصر على الأخذ عن شيوخ تقليديين. وهكذا عكف الناس على المختصرات الفقهية يشرحونها ويعلقون عليها حتى أصبحت دراسة الكتب هي الهدف وضاع العلم واختفى الاجتهاد، وقد تأثرت وضعية علم التفسير بالركود العلمي الشامل الذي أصيبت به البلاد، على أن اليقظة العلمية التي سجلت بعد ذلك بفضل الاستقرار واستتباب الأمن جعلت الناس يعتنون بعلم التفسير فاهتموا على الأخص بتفسير أبي السعود الذي اشتهر وضرب به المثل في الإحاطة بعلوم الشريعة والتضلع فيها، كما اشتهر في علم التفسير الشيخ أبو عبد الله محمد زيتونة الذي وضع حاشية على تفسير أبي السعود جاوز نصفه ستة عشر جزءا (١). ثانيا: الجزائر الدولة الزيانية (بنو عبد الواد) في المغرب الأوسط (الجزائر): وأول حكامها هو يغمر إسن بن زياد بن ثابت، وكان مطيعا للموحدين وعندما ضعفت دولتهم حملهم على التنازل له عن إمارة تلمسان وارتأى أبوالحسن السعيد خليفة الموحدين تأديب هذا الخارج عن سلطانه، فخرج لقتاله فقتل خليفة الموحدين وتثبتت أركان دولة بني عبد الواد وكانت هذه الدولة دائمة التعرض لمطامع الحفصيين وكذا للاصطدام بالمرينيين حكام المغرب الأقصى، حتى تمكن الحفصيون من بسط نفوذهم على المغرب الأوسط كله كما سبق وكذا تمكن المرينيون من القضاء على الدولة الزيانية باحتلالهم

стр. 94

تلمسان كما سيأتي إلا أنها انبعثت من جديد على يد أبي حمو موسى الثاني سنة٧٦٠ هـ، وظل أمرها قائما حتى كثر النزاع بين ملوكها وانتشرت الفوضى وانتهى الأمر باستيلاء الأتراك عليها عام ١٥٥٤ م (١). واستعد الأسبان لمهاجمة الجزائر فاحتلوا ميناء المرسى الكبير عند وهران ثم أسقطوا وهران ثم بجاية ثم شرشال وعنابة وذلك في أواخر الدولة الزيانية واضطر الجزائريون إلى عقد صلح مع الأسبان قضى بتسليم الأسبان جزيرة هامة بنوا فيها حصنا لهم هدد مدينة الجزائر نفسها سموه البيتون، واضطرت عدة موانىء أخرى أن تعترف بسلطان الأسبان الذين استولوا أيضا على طرابلس سنة ١٥١٥ م وانحصرت مقاومة الجزائريين في العمليات البحرية، وأثناء تنافس اثنين من بني زيان على السلطة في آخر عهد بني زيان استنجد أحدهما بالأسبان ١٥١٨ م بتلمسان، واستنجد الآخر بـ (عروج) الذي كان قد أعلن نفسه سنة ١٥٠٤ م أميرا على الجزائر بعد أن استطاع تثبيت سلطانه بها ثم شرع يبسط نفوذه على المناطق المجاورة حتى نجح في الاستيلاء على تلمسان وقضى على الأسرة الزيانية، وتخوف الأسبان من انتصاراته المتتالية وتمكنوا من قتله بعد محاصرته في مدينة شورا سنة ٩٢٤ هـ فتسلم أخوه خير الدين الملقب (بارباروس) أي ذي اللحية الشقراء الأمر من بعده فأعلن ولاءه للسلطان العثماني، فأرسل له جيشا يشد من أزره ومنحه لقب (بيكلربك)، وأصبح واليا من ولاة الأتراك واستطاع أن يطرد الأسبان من كثير من الثغور حتى من حصن البيتون، وأصبحت الجزائر منذ ذلك الوقت ولاية عثمانية حتى سقطت في يد الفرنسيين سنة ١٨٣٠ م (٢). حكم العثمانيين للجزائر وينقسم إلى ثلاثة أدوار: دور الولاة الملقبين بيكلربك (يعني أمير الأمراء بالتركية) ١٥١٨ - ١٥٨٧ م: بدأ هذا الدور من ولاية خير الدين الذي حاول الأسبان التخلص منه عن طريق حملة نزلت في الجزائر، فهزمها هزيمة منكرة واستطاع تحقيق عدة

стр. 95

انتصارات، وتولى بعده شئون الجزائر حسن أغا سنة١٥٣٤ م واستطاع رد حملة ملك أسبانيا على الجزائر ثم عين حسن باشا بن خير الدين واليا على الجزائر فحصن الجزائر واستولى على تلمسان، ثم تولى الأمر صالح ريس الذي وجه ضربات قوية للأسبان وطردهم من بجاية ومن المهدية، ولما توفي عاد حسن باشا لولاية الجزائر فهاجم القوات المغربية التي كانت قد استولت على تلمسان، ووصل إلى أبواب فاس ودبر لاغتيال الأمير المغربي أبوعبد الله محمد الشيخ الملقب بالمهدي ونجح في قتله، ثم اتجه حسن باشا إلى الأسبان فهزمهم في مستغانم واستدعاه السلطان العثماني في حصار مالطة، وخلفه على الجزائر علج علي سنة ١٥٦٨ م الذي اهتم بالأسطول واستطاع بسط النفوذ العثماني على تونس (١). دور الباشوات ١٥٨٧ م - ١٦٧١ م: وكان الباشوات عبارة عن ولاة غرباء عن البلاد يحملون لقب باشا ترسلهم استامبول منذ عام ١٥٨٧ م ويحكم الباشا لمدة ثلاث سنوات، وكانوا يشترون المنصب بالمال ويحرصون بالتالي على جمعه، وحدث في عهدهم أمر عظيم من الفوضى والحروب بين الجنود والقبائل أدى إلى تولي رؤساء البحرية السلطة وهو حكم الدايات. دور الدايات ١٦٧١ م - ١٨٣٠ م: (الداي لفظ تركي معناه الخال) انتقلت السلطة إلى الدايات وهم رؤساء البحرية، وقد كانت بيده السلطة الحقيقية فنصبوا واحدا منهم على أن تبقى له السلطة مدى الحياة ولما رأت السلطة العثمانية أنها عاجزة عن فرض إرادتها على الجزائر كفت عن إرسال الباشوات، ومنحت الداي لقب باشا باعتباره ممثلا لسلطتها وبقي الأمر على ذلك حتى الاحتلال الفرنسي (٢). وقد تقدم الكلام عن الحالة العلمية في العهد التركي عند حديثنا عن تونس.

стр. 96

ثالثا: المغرب الدولة المرينية (دولة بني عبد الحق) في المغرب الأقصى (المغرب) ٦٦٨ هـ - ٨٦٩ ه ـ (١): المرينيون فخذ من قبيلة زناتة العربية، وكان عبد الحق الذي نسبت إليه الدولة قد قام بأمر بني مرين وجرت بينه وبين عرب رياح حروب، وكان أصل ظهورهم بالمغرب في مدة أبي يعقوب يوسف بن الناصر من الموحدين بعد موت محيو أبي خالد والد عبد الحق متأثرا بجراحه مع أمير المؤمنين المنصور يعقوب من الموحدين في غزوة الأرك بعد أن عقد له على من في عسكره من زناته، وقد انتهزوا فرصة ضعف وانحلال دولة الموحدين فنازعوهم الأمر في المغرب وقامت بين الأمير عبد الحق بن محيو وبين الموحدين معارك قتل الأمير في إحداها (٢). بدأت دولة بني عبد الحق باستيلاء أبي يوسف يعقوب بن عبدالحق على مراكش سنة ٦٦٨ هـ لما أتته البيعة من أهلها إلا أنه تحول عنها إلى فاس وصيرها دار الخلافة، ثم زحف على تلمسان سنة ٦٧٠ هـ، وأجبر ملوكها بني زيان على الصلح وغزا سجلماسة. وولي الإمارة قبله إخوته الثلاثة أبو سعيد عثمان الذي تقدم أميرا على بني مرين، فلما قتل اجتمع أشياخهم على أخيه أبي معرف محمد فلم يزل يحارب الموحدين حتى قتل في حرب معهم سنة ٦٤٢ هـ، ثم ولي بعده أخوه أبو يحيى فجمع أشياخ بني مرين وقسم عليهم ما كان بيده من المغرب ثم مرض بفاس ومات سنة ٦٥٦ هـ. ثم توالى الحكم في بني عبد الحق إلى أن تولى أبو الحسن علي بن عثمان المنصور بالله سنة ٧٣١ هـ الذي استطاع أن يخضع تلمسان نهائيا وانتصر على ابن تاشفين الزياني، وأنهى دولة بني زيان ثم نجح في دخول

стр. 97

تونس سنة ٧٤٨ هـ، وكانت تشكو آنذاك من الفوضى والاضطراب فأصبح أبو الحسن ملك المغرب على الاطلاق ولكنه اضطر إلى الجلاء عن إفريقية بسبب ثورة قامت فيها وواجه أسطوله المغربي ريح شديدة غرق فيها كثير من سفنه وماينيف عن أربعمائة من أعلام المغرب الممتازين الذين كانوا بصحبته. وكان له في عصره سفارات مع حكام فارس وسلطان مصر والشام والحجاز محمد بن قلاوون ومع ملك مالي وغيره من ملوك السودان، واشتهر عهده بالأعمال العمرانية، فقد شيد عددا كبيرا من المدارس وأجرى المرتبات على الطلبة والأساتذة ثم نازعه ابنه أبو غنان السلطة فتنازل له عنهاسنة٧٥١ هـ فاستعاد نفوذ دولة بني مرين على المغربين الأوسط والأدنى (١). ثم تولى بعده ابنه أبو زيان محمد بن أبي عنان الذي خلع وخنق، ثم أخوه أبو بكر الذي مات غريقا ثم توالى حكام الدولة المرينية ابتداء من إبراهيم بن على الذي تولى سنة ٧٦٠ هـ إلى عبد الحق بن أبي سعيد أخرهم الذي تولى سنة ٨٣١ هـ، فوصلوا إلى أربعة عشر حاكما خلال سبعين عاما، منهم من كانت مدة حكمه عشرة أيام فقط! (٢). وقد نقض المرينيون ماأحياه الموحدون من الاجتهاد وأعادوا نشر المذهب المالكي. (٣) وراجت دراسة التفسير في الصقع السوسي رواجا كبيرا وذلك لحاجتهم إلى تفهم كلام الله نظرا لأن لغتهم ليست بعربية، ونبغ من علماء التفسير أبو يحيى الكرسفي من أهل القرن السابع وهو متخرج من الأندلس ت ٦٨٣ هـ. (٤) الوطاسيون ٨٧٦ هـ والسعديون ٩١٥ هـ في المغرب (٥): في عام ٨٥٤ هـ، تحركت من ميناء لشبونة قوة برتغالية ضخمة على

стр. 98

ظهر أسطول مكونة من ٢٤٠ سفينة تحمل حقدا دفينا على المسلمين، بعد أن استطاعت إخراجهم من أرضها إلى ميناء سبتة المغربي الذي فوجىء بهذا الغزو المفاجىء فسقط صريعا إذ لم تستطع الدولة المرينية أن تواجه هذا الخطر، لأنها كانت تحتضر، ثم اتجهوا بعد أن ثبتوا أقدامهم في سبتة إلى طنجة سنة ١٤٣٧ م، فنجح الوصي على الملك أبو زكريا يحيى الوطاسي في أواخر العهد المريني من استنفار الناس للدفاع عنها وتمكن المسلمون من هزيمتهم (١). ولما تنازع أفراد البيت المريني السلطة ضعفت الدولة واستبد الحجاب والوزراء من بني وطاس بالأمر بعد أن استقلت جهات برمتها عن حكمهم عقب وفاة عبد الحق آخر ملوك بني مرين سنة ٨٦٩ هـ، وفي عام ٨٧٦ هـ استولى أبو عبد الله محمد الشيخ الوطاسي على فاس وظل أميرا لها حتى خلفه ابنه أبو عبدالله الملقب بالبرتغالي سنة ٩١٠ هـ. وبعد أن سقطت القسطنطينية سنة ١٤٥٣ م في يد الأتراك العثمانيين المسلمين هاج الصليبيون في العالم بأسره وتخوفوا قوة المسلمين، ومنهم ملك البرتغال آنذاك الفونس الخامس الذي كون جيشا للاستيلاء على ميناء القصر الصغير الواقع بين سبتة وطنجة تمهيدا لاحتلال طنجة، ثم قام بعدة محاولات لاحتلال طنجة ففشل إلا أنه بعد ذلك وبسبب الفوضى الداخلية سقطت طنجة بعد سقوط أصيلا، واتجهت الأنظار البرتغالية للوصول إلى مطامعها عن طريق استمالة رؤساء القبائل فاستطاعت القوات البرتغالية احتلال العديد من الموانيء المغربية، وفرض حمايتها عليها مثل أسفر والصويرة وأكادير وماسة وأزمور ثم حاول البرتغال توجيه ضربة قوية لمراكش ولكنها فشلت فشلا ذريعا أمام السعديين، تبعتها هزيمة أخرى في المعمورة أمام الوطاسيين في آخر دولتهم ونظرا لأطماع البرتغال في المناطق المكتشفة الجديدة في الكشوف الجغرافية وضعف الأوضاع المادية، لم تستطع الصمود والبقاء في هذه الثغور فتم جلاؤهم منها وآلت طنجة وسبتة ومزاكان في نهاية أمرهم للأسبان (٢).

стр. 99

ولما مات أبو عبدالله الذي خاض معارك كثيرة مع البرتغال خلفه أخوه أبو حسونة سنة ٩٣١ هـ الذي حدث في عهده نزاعات مع السعديين، وبسبب هذه الاضطرابات والنزاعات بالإضافة إلى الأطماع الأجنبية خلت تلك الحقبة من الآثار العمرانية وغيرها بل تعرضت البلاد للتخريب، وكان قيام الدولة السعدية على يد أبي عبد الله القائم بأمر الله سنة ٩١٦ هـ سببا في تخليص المغرب من الأخطار التي واجهته بسبب الأطماع الأوربية من جهة، ومن أطماع الأتراك العثمانيين الذين استولوا على الجزائر وتونس من ناحية أخرى (١). وقد بدأ نفوذ السعديين في بلاد درعه والسوس الأقصى، وكان ظهورهم في وقت ضعفت فيه الدولة الوطاسية عن حماية الثغور العرضة لأطماع البرتغاليين والأسبان فالتف الناس حول أبي عبد الله محمد السعدي وبايعوه بالإمارة سنة ٩١٥ هـ، واستعد لمقابلة البرتغال فأدركته الوفاة سنة ٩٢٣ هـ، وتولى ابنه أبو العباس أحمد الأعرج الذي أحرز انتصارات عظيمة على المستعمرين وبايعه أهل مراكش فحاربه الوطاسيون خشية على فاس ودارت بينهما معارك متعددة. وكان أبو عبد الله محمد الشيخ شقيق أبي العباس الأعرج واليا من قبل أخيه على السوس حتى دخل الوشاة بينهما فتقاتلا وانفرد أبو عبد الله بالحكم، وأودع أخاه وأولاده السجن سنة ٩٤٦ هـ (٢). واستطاع أبو عبد الله محمد مواصلة الجهاد ضد البرتغال حتى اطمأن من ناحيتهم وتوجه إلى فاس، فدخلها وقبض على الوطاسيين وأرسلهم إلى مراكش وفر أبو حسونة إلى الجزائر مستجيرا بالأتراك، واتصل بالامبراطور الأسباني يستنجد به أيضا وازداد التوتر بين الأتراك والسعدي عندما استولى أبو عبد الله على تلمسان، فاستطاعوا أن يستعيدوها مرة ثانية، وأمدوا أبا حسونة بجيش لمحاربة أبي عبد الله وبعد معارك طاحنة استطاع الدخول إلى فاس إلا أن أبا عبد الله الشيخ استنفر قبائل السوس، واستطاع قتل أبي حسونة واستعادة فاس. وبقيت العلاقات متوترة بين المغرب والخلافة العثمانية حتى تمكن

стр. 100

السلطان العثماني من دس فرقة من الجنود الأتراك إلى جيش أبي عبد الله، فاستطاعوا قتله وحمل رأسه إليه سنة ٩٦٤ هـ (١). ثم بويع لابنه محمد عبد الله الغالب بالله الذي انتصر على جيش الأتراك في محاولة للقرب من فاس، ولما توفي الغالب بالله بويع لابنه أبي عبد الله المتوكل على الله إلا أن عمه أبا مروان عبد الملك المعتصم بالله استطاع انتزاع الملك منه بمعاونة الأتراك ودخل فاسا سنة٩٨٣ هـ بمعاونة الجيش التركي، ثم دخل مراكش بعدها، إلا أن عبد الله المتوكل حاول العودة إلى مراكش فلم يتمكن، ففر إلى طنجة واستنجد بالأسبان فلم ينجدوه فاستنجد بالبرتغال، فكانت موقعة وادي المخازن بين البرتغال والمسلمين المغاربة سنة ٩٨٦ هـ انتهت بنصر حاسم للمسلمين وقتل قائد البرتغال والخائن المتوكل، وتوفي أبو مروان (٢)، فبويع لخليفته أبي العباس أحمد المنصور الذي قام بتحسين العلاقات مع السلطان العثماني بعد أن حاول الوشاة إفسادها حتى اطمئن تماما من جانبهم وشرع في غزو السودان، فاستولى عليها استيلاء كليا وأصبح التبر يحمل إليه بما يحير الناظرين ولهذا لقب بالذهبي. واتسم عهده بإصلاحات عظيمة فنظم الجيش وأرسى النظم الإدارية، وقام بإنشاءات معمارية عظيمة منها قصر البديع بمراكش وساد العدل في وقته حتى ذكر القشتالي أنه لم ير من ملوك العصر أعدل منه، وما في الأرض مملكة تسير على قوانين الشرع ومنهاج السنة أحسن من مملكته، وعرف المنصور بتشجيعه للفقهاء والعلماء وكان يجمعهم للمذاكرة بمراكش وفاس، فكان الحديث يدور حول أمهات الكتب في التفسير والفقه وعلم المنطق وغير ذلك من العلوم، فقد كان هو نفسه على علم وله منظومات وأسفار رائعة (٣). ولما وافت المنية المنصور سنة ١٠١٢ هـ بايع أهل فاس ولده زيدان،

стр. 101

وامتنع أهل مراكش من مبايعته وبايعوا أخاه أبا فارس الوالي عليهم من قبل أبيه، فقامت سلسلة حروب بين الأخوين ودخل فيها أيضا أخوهم المأمون، وانتهت الصراعات بقتل أبي فارس، ثم قتل المأمون واستقل زيدان بالأمر بمراكش حتى مات سنة ١٠٣٧ هـ، وتوالى الحكم في ذريته بمقتل الواحد تلو الآخر حتى انقرض أمر السعديين سنة ١٠٦٩ هـ، واستبد عرب الشبانات بالأمر في مراكش، وحدث أثناء تلك الفترة استعانة المأمون بالأسبان على أخويه مقابل استيلائهم على العرائش (١) مما أدى إلى تمادي أسبانيا في الاعتداءات على الثغور، كما تشجع البرتغال في الظهور على الساحة مرة أخرى بسبب هذه الاضطرابات، هذا بالإضافة إلى ظهور انقسامات داخلية منها ظهور (الدلائيين) على المسرح السياسي بعد أن كانوا بالزاوية الدلائية كمركز ديني للعبادة والتفقه، وكذا ظهور حركة أبي العباس أحمد بن عبد الله السلجماسي الصوفي الذي استولى على درعة، وقصد مراكش ففتحها وطرد زيدان لكنه قتل وانتهت حركته سنة ١٠٢٢ هـ، وظهر أيضا في تلك الآونة شخصية الفقيه العالم محمد بن أبي العباس أحمد الزياني الشهير بالعياشي الذي قاد الجهاد ضد الاستعمار البرتغالي وعينه السعديون على عمالة أزمور سنة ١٠٢٠ هـ، واستعمل البرتغال الوشاية للإيقاع بين العباسي والسلطان زيدان فأرسل سرية إلى مزمور للقبض عليه وقتله لكنه نجح في الهروب إلى مسقط رأسه سلا واستمر في الجهاد ضد البرتغال والأسبان حتى وافته المنية سنة ١٠٥١ هـ رغم الوشايات التي كثرت حوله لايقاع السلطان به، وذلك بقتله غيلة من أتباع الدلائيين الذين فسدت العلاقة بينه وبينهم ووصلت إلى القتال، وبقتله خلا الجو للدلائيين فاستولوا على فاس وسلا وتطوان (٢). وكان من مزايا عصر السعديين الاعتناء بتفسير القرآن، وتعدد المفسرين ومن بينهم الحاج محمد الشنقيطي (ت ٩٦٣ هـ) صاحب اللباب في حل مشكلات الكتاب، وعبد الرحمن بن يوسف القصري العارف (ت ١٠٣٦ هـ) وله حاشية

стр. 102

على تفسير الجلالين، وعلي بن الواحد الأنصاري السجلماسي (ت ١٠٥٤ هـ)، كما نسب إلى الملك زيدان ابن المنصور الذهبي (١٠٣٧ هـ) حاشية على تفسير الزمخشري، ويعد من كبار المفسرين أيضا بلقاسم بن إبراهيم الدكالي المشترائي (ت ٩٧٨ هـ)، وهو من أئمة القراءات السبع (١). الدولة العلوية (من سنة ١٠٥٠ هـ إلى الآن): بدأ تأسيس هذه الدولة على يد المولى محمد بن الشريف الذي ينتسب إلى الإمام علي بن أبي طالب ﵁ حين بايعه أهل سجلماسة (٢)، ثم استيلائه على درعة وغيرها، ثم اصطدامه بالدلائيين في وقعة القاعة، التي انتصر فيها الدلائيون وانتهت بالصلح بين الطرفين، ثم نازعه أخوه المولى الرشيد وقاتله حتى قتل سنة ١٠٧٥ هـ، وتولى المولى الرشيد، فدخل فاسا ودارت بينه وبين الدلائيين معركة بطن الرمان، التي قضى فيها عليهم ودخل مراكش، ثم بلاد السوس وحقق وحدة المغرب السياسية واتجه إلى الإصلاح، فنظم الجيش، وفي عهده استأنفت الحركة العلمية والأدبية سيرها وكان ذا اهتمام بالعلم ويحضر بنفسه مجالسه بالقرويين ويزور العلماء في دورهم، وأمر ببناء مدرسة في مراكش وشرع في أخري بفاس واهتم بالعمران أيضا (٣)، وبعد وفاته تولى أخوه المولى إسماعيل سنة ١٠٨٢ هـ، فواجه عدة ثورات داخلية منها مع ابن أخيه ومنها مع قائد الجيش بفاس ومنها مع بعض الدلائيين ومنها مع إخوته الثلاثة حين خرجوا عليه، واتخذ المولى إسماعيل مكناسة الزيتون عاصمة لملكه، واهتم بالعمارة والتنسيق، ولما استقر له الأمر اهتم بإقرار الأمن الداخلي وتأمين الحدود ونزع السلاح من الأفراد والقبائل، وجهز جيشا قويا ضخما استغل فيه العبيد السنغال، واستطاع تحرير بعض الثغور كطنجة والعرائش. وكان للعلم والعلماء منزلة خاصة عنده، فكان يكرمهم ويجزل لهم العطاء

стр. 103

وشيد وجدد كثيرا من المساجد والمدارس (١). ثم توفي سنة ١١٥٩ هـ فحدث بعده اضطرابات شديدة ونهب من قوة الجيش الذي كان قد أسسه، وتدخل الجيش في شئون الدولة حتى عام ١١٧١ هـ، ثم تولى المولى محمد بن عبدالله بعد وفاة والده فحاول إصلاح الحالة الاقتصادية، واستطاع القضاء على مثيري الفتنة واهتم بالثغور والجيش والأسطول المغربي اهتماما عظيما، واستطاع مجابهة الأساطيل الأوربية وهزيمتها وتخليص بعض الثغور، وعقد مع الدول الأوربية والولايات المتحدة معاهدات تجارية وكذا مع الدانمرك والسويد، ولم يكن حاكما سياسيا وقائدا حربيا فحسب لكنه اشتهر بحبه للعلم والعلماء، فقد كان يقربهم من مجلسه، وطلب من المشرق الكثير من كتب الحديث التي لم تكن بالمغرب، وكان يجلس بعد صلاة الجمعة في مقصورة الجامع بمراكش مع الفقهاء والعلماء للمذاكرة ونهى طلبة العلم عن الاشتغال بالمختصرات دون أمهات الكتب، وطالب بالرجوع إلى الكتاب والسنة في الأحكام، وأوقف الكثير على الحرمين وطلاب العلم قام بتحبيس الكتب العلمية كما اهتم بالمساجد والمدارس وغيرها، وبعد وفاة المولى محمد تولى ابنه المولى يزيد سنة ١٢٠٤ هـ، الذي خلع القبائل بيعته وبايعوا أخاه هشام فتقاتلا وقتل المولى يزيد، وتفرقت الكلمة بالمغرب على أبناء المولى محمد، حتى غلب نفوذ المولى سليمان بن محمد وتمت له البيعة العامة سنة ١٢٠٦ هـ، وكان قد بايعه أهل فاس وأعمالها، وكان مشتغلا بالتقوى والعلم ولم تتم بيعته بالطعن والقتل وإنما بضعف إخوته، وكان مائلا للتسامح والتقشف في الحياة والزهد في الدنيا ومنها الحكم، نكما كان يحيي ليالي رمضان بمشايخ القراء وأعيان العلماء ينتقيهم لسرد الحديث وتفهمه، ويشاركهم بغزارة علمه، ويعظم العلماء ويرفع مقامهم ويجري عليهم الأرزاق، حتى تنافس الناس في أيامه على اقتناء العلم لاعتزاز أهله، واهتم كذلك بالعمران وسلك سياسة المسالمة مع الدول المجاورة، وكان متفقا في وجهة النظر مع الدعوة

стр. 104

الوهابية بالجزيرة العربية، وتمت بينهما مراسلة ثم قامت في أواخر عهده فتنة بين قبائل البربر، فعمت القلاقل المغرب كله واشتد المرض بالمولى سليمان فعهد لابن أخيه المولى عبد الرحمن بن هشام لما اشتهر به من العدل والأمانة، وترك أولاده وإخوته (١). ولما تولى المولى عبدالرحمن بن هشام سنة ١٢٣٨ هـ، أخذ في التجول على القبائل واستطاع إخضاع الأقاليم التي زارها، وتمت في عهده إصلاحات كثيرة في العمران وفي الأسطول البحري، ولما استولى الفرنسيون على الجزائر سنة ١٢٤٦ هـ طلب أهل تلمسان الانضمام إلى المولى عبد الرحمن، فقبل انضمامهم إليه إلا أنه اضطر لسحب جيوشه بعد دخول الفرنسيين وهران وتمرد بعض بقايا الأتراك عليه (٢). وتعلل الفرنسيون بأن الأمير عبد القادر الجزائري يجد الحماية له من قبل المغرب كلما فر إليها، فاقتحموا وجدة، ثم انتصروا على جيش المولى عبد الرحمن في وقعة أسلي التي استولوا فيها على طنجة سنة ١٨٤٤، وأسفرت المفاوضات بعدها عن توقيع معاهدة طنجة التي ضغطوا فيها على الجانب المغربي (٣). ثم توفي المولى عبد الرحمن سنة ١٢٧٦ هـ، فتولى بعده المولى محمد بن عبد الرحمن إذ كان ينوب عن أبيه في حياته، واشتهر بالتقوى ومراعاة الشرع في تصرفاته واستتب الأمن في عهده وهدأت الأطماع الأجنبية شيئا ما، فاهتم بالعمران، وبنى العديد من المساجد منها جامع السنة وجامع أهل فاس بالرباط والمسجد الجامع بالسوق بالدار البيضاء، واهتم بإعداد الجيش الذي تبين ضعفه في وقعة أسلي، وفي عهده هاجم الأسبان تطوان وصمد أمامهم الجيش المغربي، إلا أنه أخيرا تقهقر فدخلوها سنة ١٢٧٦ هـ، وتدخلت بريطانيا للوصول إلى اتفاق بين البلدين فتم ذلك بتنازلات أيضا من المغرب، ثم بأخذ قرض بفوائد من بريطانيا أدى إلى فرض رقابة من قبلها على الموانىء المغربية (٤).

стр. 105

ولما توفي المولى محمد بن عبد الرحمن بويع لابنه المولى حسن بن محمد سنة ١٢٩٠ هـ، فقام بعدة رحلات لزيارة ثغور المغرب وعاين التحصينات الدفاعية فيها، وتفقد بلاد السوس إلا أن أسبانيا عمدت إلى المنطقة المواجهة لجزر الكناريا، التي سبق وأن احتلتها فرفعت عليها علمها وأطلقت عليها اسم ريودي أورو يعني نهر الذهب فاحتج المولى حسن على ذلك وعمد إلى تحصين الثغور ومراقبة سائر جهات القطر السوسي (١). وقد شهدت فترة حكم المولى حسن تنافسا دوليا شديدا بين الدول الأجنبية حول النفوذ في المغرب والحصول على أقرب امتيازات، وتمكنت الدول الأوربية من فرض معاهدة على المغرب سنة ١٨٦٢ هـ لامتيازات رعاياها طالب بعدها المولى حسن بإلغاء هذه الامتيازات التي لا مبرر لها، فعقد مؤتمر بمدريد لدول أوربا والولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة للمغرب وخرجوا بقرارات لصالحهم وحاول المولى حسن أن يظل المغرب محتفظا باستقلاله رغم الضغوط الشديدة عليه (٢). ولما توفي السلطان الحسن بويع لابنه سنة ١٣١٢ هـ المولى عبد العزيز الذي لم يتجاوز عمره ١٣سنة، ولما أخذت البيعة له استولى الوزير أحمد علي على مقاليد الأمور، واستطاع أن يقف في وجه الأطماع الأجنبية ويحاول استرجاع سلطان المغرب، ولما توفي سنة ١٨٩٨ م لم يستطع المولى عبد العزيز الوقوف في وجه التيارات الداخلية بالإضافة إلى الخارجية حيث اجتاح المغرب عدة ثورات بسبب الفوضى الاقتصادية والديون، وبدأت فرنسا عقد اتفاقيات مع الدول الأجنبية ذات المطامع في المغرب تمهيدا لما تنويه للمغرب فعقدت إتفاقية مع إيطاليا، ثم مع انجلترا ثم مع أسبانيا، ثم عقدت إتفاقية الجزيرة سنة ١٩٠٦ م بين الدول الموقعة على اتفاقية مدريد سنة ١٨٨٠ م، التي دعمت نفوذ فرنسا وأسبانيا في المغرب ومنعت دخول السلاح للمغرب بحجة منع القبائل من التسلح حفاظا على استتباب الأمن، وكان هذا

стр. 106

الفعل تمهيدا لفرض الحماية الفرنسية على المغرب (١). وانتشر إعراب القرآن في تلك الحقبة من ناحية الصقع السوسي وألف فيه أبو زيد الجشتيمي (ت ١٢٦٩ هـ) كتاب إعراب القرآن في مجلدين، وكان من عادة الطلبة أن يحلقوا حول الأستاذ ويعربوا مقدار الوقت الأول من الحزب الراتب مع الاستدلال من المتون في تطبيق القواعد (٢). المطلب الثالث: الأوضاع في المنطقة منذ الاحتلال الفرنسي وحتى الاستقلال وتأثير ذلك على الناحية العلمية: أولا: تونس الاحتلال الفرنسي لتونس وحتى الاستقلال (٣) سنة ١٩٥٦ م: وفي عهد محمد الصادق باي تذرعت فرنسا أيضا بذريعة اعتداء بعض القبائل التونسية على الحدود الجزائرية، فأرسلت حملة ادعت أنها لتأديب هذه القبائل سنة ١٨٨١ م، وتمكنت من احتلال بعض المناطق حتى وصلوا العاصمة وأجبروا الباي على توقيع معاهدة سلبت تونس كل مقومات الدولة المستقلة وهي معاهدة باردو (٤). ثم تلت تلك المعاهدة معاهدة أخرى عقدت مع علي باي خليفة الصادق بعد وفاته في سنة ١٨٨٣ م وهي معاهدة المرسي وبالمعاهدتين وتفسيرهما توسعت فرنسا في بسط نفوذها على تونس مما أثار روح الثورة والدعوة للكفاح المسلح ضد المستعمر، وكان من الثوار في تلك الحقبة علي بن خليفة في قابس وعدة قواد في مناطق مختلفة مثل: صفاقس والقيروان وكلها لم تستطع مقاومة القوات الفرنسية، حيث لاتكافؤ لا في

стр. 107

العدد ولافي العدة، وتم فرض الحماية على تونس (١). وفي هذه الآونة قام الفرنسيون بتعبيد الطرق لتسهيل انتقالهم على حساب الأهالي، واتجهوا في التعليم إلى مسخ الهوية الإسلامية، فقد كان التعليم في الأنحاء التونسية عن طريق الكتاتيب التي تعلم القرآن والكتابة، ثم ينتقل الطالب الذي لديه استعداد إلى جامع الزيتونة يدرس العلوم العربية والفقهية، ولما جاء الاحتلال أسس المدارس الفرنسية العربية، التي اهتمت بتدريس الفرنسية وتاريخ فرنسا وجغرافيتها مع تخصيص قسم لحفظ شيء من القرآن والمقصود الأول منها نشر اللغة الفرنسية، ثم أحدثوا مدرسة ثانوية لأبناء الفرنسيين وبعد تحصيل شهادتها يطرق الطالب أبواب كليات فرنسا وبقي جامع الزيتونة والمدرسة الصادقية يؤديان دورهما، وأنشأ المسلمون مدارس ابتدائية عرفت بالقرآنية، وتدخل المستعمر في جميع النواحي الاقتصادية في البلاد (٢). وتوفي علي باي فخلفه ابنه محمد الهادي باي سنة ١٩٠٢ م، فلم يلبث أن توفي فخلفه ابن عمه محمد الناصر باي سنة ١٩٠٦ م، وفي عهده صدرت مجلة العقود والالتزامات، كما احتلت ايطاليا طرابلس، وقامت الحرب العالمية الأولى، وفي أثنائها قامت ثورة خليفة بن عسكر، فاستولى على بعض المناطق التي استعادها الفرنسيون بعد انقضاء الحرب، ولما مات محمد الناصر باي خلفه ابن عمه محمد الحبيب باي سنة ١٩٢٢ م، فقام بعدة تنظيمات إدارية ثم خلفه ابن عمه أحمد الثاني بعد وفاته سنة ١٩٢٩ م، الذي تولى الأمر وتونس تعاني من أزمة اقتصادية أدت في النهاية إلى الثورات من الأهالي واشتباكات مسلحة ازدادت توترا بعد فتح فرنسا باب التجنيس الذي رفضه الشعب التونسي (٣). وقد اعتبرت هذه الحملة الفرنسية على تونس هي الحملة الصليبية التاسعة (٤) وبعدها حاولت فرنسا تجنيس المسلمين بالجنسية الفرنسية،

стр. 108

وانتشرت الفتاوى بردة من تجنس بها وحدث بعض الاختلاف حول ردة المتجنس، ودخل في تلك المسألة الشيخ الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة صاحب تفسير التحرير والتنوير فأفتى بجواز دفنه في مقابر المسلمين ورد عليه الرأي العام في تونس، ووصل الأمر إلى استفتاء علماء مصر فأفتى فيها الشيخ يوسف الدجوي وغيره بتأييد ماعليه عامة الفقهاء من ردته لما يترتب على تجنسه من الرضا بقوانين الكفر اختيارا واستندوا في الفتاوى إلى أدلة كثيرة من القرآن الكريم (١). ثم قامت الحرب العالمية الثانية وتوفي أحمد باي، وتولى بعده محمد المنصف باي ابن الناصر باي سنة ١٩٤٢ م، وفي عهده قام على التراب التونسي معارك مدمرة بين الحلفاء (انكلترا وأمريكا وفرنسا) وبين جنود المحور (ألمانيا وإيطاليا) عانت منها تونس معاناة شديدة وتضررت البلاد أضرارا فادحة وأسفرت الحرب عن طرد قوات جنود المحور بعد هزيمتهم وعزلت قوات الحلفاء محمد المنصف باي بسبب وشايات ضده وتولى بعده محمد الأمين بن محمد الحبيب باي سنة ١٩٤٣ م، الذي كان عهده مسرحا لتنكيل الفرنسيين بمن توهموا فيه إعانة دول المحور، وامتلأت السجون وتعدد الإعدام الجماعي، وفي عام ١٩٤٥ م خرج الحبيب بورقيبة وهو من زعماء الحركة الوطنية إلى الشرق ثم إلى الغرب معرفا بالقضية التونسية وعقد الشعب مؤتمر ليلة القدر سنة ١٩٤٦ م، وتقرر فيه مبدأ المطالبة بالاستقلال وانتهى الأمر بالقبض على بورقيبة وزملائه سنة ١٩٥٢ م، وانبعثت الثورة المسلحة التي عمت البلاد والتي تنوعت فيها أساليب الإجرام والإرهاب من الجانب الفرنسي حتى صارت الحياة في البلاد جحيما لايطاق حتى اضطرت حكومة فرنسا إلى وضع حد لهذه الحالة، فأعلنت مبدأ الاستقلال وتوالت الاتفاقيات حتى تقرر منح الاستقلال سنة ١٩٥٦ م (٢). وقد ظهر في تلك الفترة من أعلام المنطقة في التفسير الشيخ محمد

стр. 109

الطاهر بن عاشور الذي ألف تفسيره التحرير والتنوير وكان له دور بارز في الإصلاح العلمي والاجتماعي، وقام برحلات علمية إلى المشرق وأوروبا واستنبول. (١) ثانيا: الجزائر الاحتلال الفرنسي للجزائر وحتى الاستقلال (٢) سنة ١٩٦٢ م: تذرعت فرنسا بمسألة القرصنة البحرية التي كان يقوم بها المسلمون في البحر المتوسط وبما حصل بين الداي حسن وبين القنصل الفرنسي أثناء استفسار الداي عن مماطلة فرنسا في تسديد الديون المستحقة عليها للجزائر مقابل القمح الذي أنقذت به فرنسا وقت حاجتها الشديدة له، فقد وجه الداي للقنصل ثلاث ضربات من المروحة التي كانت بيده وأمره بالانصراف وبناء على هذين الأمرين اللذين يختفي وراءهما كثير من المطامع الحقيقية أرسلت فرنسا حملة بحرية حاصرت الجزائر للوصول إلى حل مجحف بالجزائر فلم يقبل الداي، وبقي الحصار ثلاث سنوات، بعدها انطلقت حملة كبيرة سنة ١٨٣٠ م من فرنسا لاحتلال الجزائر أسفرت عن استيلاء الفرنسيين على مدينة الجزائر وفرض شروطهم على الداي ثم حاولوا التوغل في البلاد فقوبلوا بمقاومة شديدة منعتهم من التقدم (٣). واجتمع أصحاب الحل والعقد وقدموا عام ١٨٣٢ م على الشريف محيي الدين شيخ الطريقة القادرية وطلبوا بيعته أو بيعة ولده، ونظرا لكبر سنه فقد جعل الأمر لولده الذي لم يكن يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره وهو الأمير عبد القادر الذي بدأ ينظم شئون إمارته، واستطاع الأمير عبد القادر تحرير تلمسان وأن يفرض حصارا على الفرنسيين، فتم توقيع اتفاق بين الطرفين

стр. 110

كان من نتائجه أن استطاع الأمير عبد القادر فرض نفوذه على غرب الجزائر مما أثار مخاوف فرنسا فنقضت الاتفاق والتقت قواتها بقوات الأمير عبد القادر جهة وهران سنة ١٨٣٦ م انتصرت فيها القوات المسلمة، وتوالت اللقاءات الحربية بين قوات الفرنسيين من جهة وبين الأمير عبد القادر من جهة أخرى وكانت الحرب بينهما سجال أدت إلى صلح تافثا سنة ١٨٣٧ م، الذي مكن الأمير عبد القادر من السيطرة على مايقرب من ثلثي إقليم الجزائر، واستطاع الفرنسيون القضاء على نفوذ أحمد باشا في الإقليم الشرقي من الجزائر واستتب لهم الأمر فيه سنة ١٨٤٧ م، وعمل الأمير عبد القادر على تنظيم بلاده إداريا ونظم جباية الزكاة والأعشار واهتم بتطبيق الشريعة إلى حد كبير بتعيين القضاة على المذهب المالكي كما عين علماء لتدريس فنون العلم المختلفة وأجرى لهم المرتبات وكان يخدم أهل العلم واستثناهم من جميع الضرائب واجتهد في جمع الكتب من كل جهة وشرع في تنظيم مكتبة في (تاكدمت)، كما أنشأ المستشفيات ومنع استعمال الذهب والفضة للزينة، ومنع التدخين وأمر بالصلوات الخمسة في المساجد ومن وجد في حانوته وقت الصلاة يجلد، واتخذ دارا للشورى لإصدار الفتوى وأرسل بالأسئلة والاستفسارات للعلماء والفقهاء، ومن ذلك رسالته لعلماء فاس بأسئلة تتعلق بما عرض له في إمارته فأجابوا عليها، كما أولى الجيش عناية خاصة لمعرفته بأن الهدنة بينه وبين الفرنسيين وقتية، وفعلا تذرعت فرنسا بوجود إختلاف بين النص العربي والفرنسي في معاهدة تافثا وطالبت بتعديله، ولما لم يتمكن الطرفان من الوصول لحل نقضت فرنسا المعاهدة، وبدأت المعارك بين الطرفين واستخدمت فرنسا حرب العصابات والقضاء على الأخضر واليابس حتى اضطر الأمير عبد القادر إلى الفرار إلى المغرب بعد أن مني بهزائم متكررة حيث كان المولى عبدالرحمن سلطان المغرب مؤيدا له، واتجهت القوات الفرنسية إلى المغرب تذرعا بذلك وأسفر الأمر عن معاهدة طنجة سنة ١٨٤٤ م، التي قضت بعدم تقديم أي مساعدة للأمير عبد القادر لكنه حاول الاستمرار في كفاحه واستطاع أن يحرز بعض الانتصارات لكن لم يستطع مواصلة ذلك فاستسلم أخيرا للفرنسيين سنة ١٨٤٧ م على أن يسمح له بالسفر
следующие страницы →