الفعل تمهيدا لفرض الحماية الفرنسية على المغرب (١).
وانتشر إعراب القرآن في تلك الحقبة من ناحية الصقع السوسي وألف فيه أبو زيد الجشتيمي (ت ١٢٦٩ هـ) كتاب إعراب القرآن في مجلدين، وكان من عادة الطلبة أن يحلقوا حول الأستاذ ويعربوا مقدار الوقت الأول من الحزب الراتب مع الاستدلال من المتون في تطبيق القواعد (٢).
المطلب الثالث: الأوضاع في المنطقة منذ الاحتلال الفرنسي وحتى الاستقلال وتأثير ذلك على الناحية العلمية:
أولا: تونس
الاحتلال الفرنسي لتونس وحتى الاستقلال (٣) سنة ١٩٥٦ م:
وفي عهد محمد الصادق باي تذرعت فرنسا أيضا بذريعة اعتداء بعض القبائل التونسية على الحدود الجزائرية، فأرسلت حملة ادعت أنها لتأديب هذه القبائل سنة ١٨٨١ م، وتمكنت من احتلال بعض المناطق حتى وصلوا العاصمة وأجبروا الباي على توقيع معاهدة سلبت تونس كل مقومات الدولة المستقلة وهي معاهدة باردو (٤).
ثم تلت تلك المعاهدة معاهدة أخرى عقدت مع علي باي خليفة الصادق بعد وفاته في سنة ١٨٨٣ م وهي معاهدة المرسي وبالمعاهدتين وتفسيرهما توسعت فرنسا في بسط نفوذها على تونس مما أثار روح الثورة والدعوة للكفاح المسلح ضد المستعمر، وكان من الثوار في تلك الحقبة علي بن خليفة في قابس وعدة قواد في مناطق مختلفة مثل: صفاقس والقيروان وكلها لم تستطع مقاومة القوات الفرنسية، حيث لاتكافؤ لا في
стр. 107
العدد ولافي العدة، وتم فرض الحماية على تونس (١).
وفي هذه الآونة قام الفرنسيون بتعبيد الطرق لتسهيل انتقالهم على حساب الأهالي، واتجهوا في التعليم إلى مسخ الهوية الإسلامية، فقد كان التعليم في الأنحاء التونسية عن طريق الكتاتيب التي تعلم القرآن والكتابة، ثم ينتقل الطالب الذي لديه استعداد إلى جامع الزيتونة يدرس العلوم العربية والفقهية، ولما جاء الاحتلال أسس المدارس الفرنسية العربية، التي اهتمت بتدريس الفرنسية وتاريخ فرنسا وجغرافيتها مع تخصيص قسم لحفظ شيء من القرآن والمقصود الأول منها نشر اللغة الفرنسية، ثم أحدثوا مدرسة ثانوية لأبناء الفرنسيين وبعد تحصيل شهادتها يطرق الطالب أبواب كليات فرنسا وبقي جامع الزيتونة والمدرسة الصادقية يؤديان دورهما، وأنشأ المسلمون مدارس ابتدائية عرفت بالقرآنية، وتدخل المستعمر في جميع النواحي الاقتصادية في البلاد (٢).
وتوفي علي باي فخلفه ابنه محمد الهادي باي سنة ١٩٠٢ م، فلم يلبث أن توفي فخلفه ابن عمه محمد الناصر باي سنة ١٩٠٦ م، وفي عهده صدرت مجلة العقود والالتزامات، كما احتلت ايطاليا طرابلس، وقامت الحرب العالمية الأولى، وفي أثنائها قامت ثورة خليفة بن عسكر، فاستولى على بعض المناطق التي استعادها الفرنسيون بعد انقضاء الحرب، ولما مات محمد الناصر باي خلفه ابن عمه محمد الحبيب باي سنة ١٩٢٢ م، فقام بعدة تنظيمات إدارية ثم خلفه ابن عمه أحمد الثاني بعد وفاته سنة ١٩٢٩ م، الذي تولى الأمر وتونس تعاني من أزمة اقتصادية أدت في النهاية إلى الثورات من الأهالي واشتباكات مسلحة ازدادت توترا بعد فتح فرنسا باب التجنيس الذي رفضه الشعب التونسي (٣).
وقد اعتبرت هذه الحملة الفرنسية على تونس هي الحملة الصليبية التاسعة (٤) وبعدها حاولت فرنسا تجنيس المسلمين بالجنسية الفرنسية،
стр. 108
وانتشرت الفتاوى بردة من تجنس بها وحدث بعض الاختلاف حول ردة المتجنس، ودخل في تلك المسألة الشيخ الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة صاحب تفسير التحرير والتنوير فأفتى بجواز دفنه في مقابر المسلمين ورد عليه الرأي العام في تونس، ووصل الأمر إلى استفتاء علماء مصر فأفتى فيها الشيخ يوسف الدجوي وغيره بتأييد ماعليه عامة الفقهاء من ردته لما يترتب على تجنسه من الرضا بقوانين الكفر اختيارا واستندوا في الفتاوى إلى أدلة كثيرة من القرآن الكريم (١).
ثم قامت الحرب العالمية الثانية وتوفي أحمد باي، وتولى بعده محمد المنصف باي ابن الناصر باي سنة ١٩٤٢ م، وفي عهده قام على التراب التونسي معارك مدمرة بين الحلفاء (انكلترا وأمريكا وفرنسا) وبين جنود المحور (ألمانيا وإيطاليا) عانت منها تونس معاناة شديدة وتضررت البلاد أضرارا فادحة وأسفرت الحرب عن طرد قوات جنود المحور بعد هزيمتهم وعزلت قوات الحلفاء محمد المنصف باي بسبب وشايات ضده وتولى بعده محمد الأمين بن محمد الحبيب باي سنة ١٩٤٣ م، الذي كان عهده مسرحا لتنكيل الفرنسيين بمن توهموا فيه إعانة دول المحور، وامتلأت السجون وتعدد الإعدام الجماعي، وفي عام ١٩٤٥ م خرج الحبيب بورقيبة وهو من زعماء الحركة الوطنية إلى الشرق ثم إلى الغرب معرفا بالقضية التونسية وعقد الشعب مؤتمر ليلة القدر سنة ١٩٤٦ م، وتقرر فيه مبدأ المطالبة بالاستقلال وانتهى الأمر بالقبض على بورقيبة وزملائه سنة ١٩٥٢ م، وانبعثت الثورة المسلحة التي عمت البلاد والتي تنوعت فيها أساليب الإجرام والإرهاب من الجانب الفرنسي حتى صارت الحياة في البلاد جحيما لايطاق حتى اضطرت حكومة فرنسا إلى وضع حد لهذه الحالة، فأعلنت مبدأ الاستقلال وتوالت الاتفاقيات حتى تقرر منح الاستقلال سنة ١٩٥٦ م (٢).
وقد ظهر في تلك الفترة من أعلام المنطقة في التفسير الشيخ محمد
стр. 109
الطاهر بن عاشور الذي ألف تفسيره التحرير والتنوير وكان له دور بارز في الإصلاح العلمي والاجتماعي، وقام برحلات علمية إلى المشرق وأوروبا واستنبول. (١)
ثانيا: الجزائر
الاحتلال الفرنسي للجزائر وحتى الاستقلال (٢) سنة ١٩٦٢ م:
تذرعت فرنسا بمسألة القرصنة البحرية التي كان يقوم بها المسلمون في البحر المتوسط وبما حصل بين الداي حسن وبين القنصل الفرنسي أثناء استفسار الداي عن مماطلة فرنسا في تسديد الديون المستحقة عليها للجزائر مقابل القمح الذي أنقذت به فرنسا وقت حاجتها الشديدة له، فقد وجه الداي للقنصل ثلاث ضربات من المروحة التي كانت بيده وأمره بالانصراف وبناء على هذين الأمرين اللذين يختفي وراءهما كثير من المطامع الحقيقية أرسلت فرنسا حملة بحرية حاصرت الجزائر للوصول إلى حل مجحف بالجزائر فلم يقبل الداي، وبقي الحصار ثلاث سنوات، بعدها انطلقت حملة كبيرة سنة ١٨٣٠ م من فرنسا لاحتلال الجزائر أسفرت عن استيلاء الفرنسيين على مدينة الجزائر وفرض شروطهم على الداي ثم حاولوا التوغل في البلاد فقوبلوا بمقاومة شديدة منعتهم من التقدم (٣).
واجتمع أصحاب الحل والعقد وقدموا عام ١٨٣٢ م على الشريف محيي الدين شيخ الطريقة القادرية وطلبوا بيعته أو بيعة ولده، ونظرا لكبر سنه فقد جعل الأمر لولده الذي لم يكن يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره وهو الأمير عبد القادر الذي بدأ ينظم شئون إمارته، واستطاع الأمير عبد القادر تحرير تلمسان وأن يفرض حصارا على الفرنسيين، فتم توقيع اتفاق بين الطرفين
стр. 110
كان من نتائجه أن استطاع الأمير عبد القادر فرض نفوذه على غرب الجزائر مما أثار مخاوف فرنسا فنقضت الاتفاق والتقت قواتها بقوات الأمير عبد القادر جهة وهران سنة ١٨٣٦ م انتصرت فيها القوات المسلمة، وتوالت اللقاءات الحربية بين قوات الفرنسيين من جهة وبين الأمير عبد القادر من جهة أخرى وكانت الحرب بينهما سجال أدت إلى صلح تافثا سنة ١٨٣٧ م، الذي مكن الأمير عبد القادر من السيطرة على مايقرب من ثلثي إقليم الجزائر، واستطاع الفرنسيون القضاء على نفوذ أحمد باشا في الإقليم الشرقي من الجزائر واستتب لهم الأمر فيه سنة ١٨٤٧ م، وعمل الأمير عبد القادر على تنظيم بلاده إداريا ونظم جباية الزكاة والأعشار واهتم بتطبيق الشريعة إلى حد كبير بتعيين القضاة على المذهب المالكي كما عين علماء لتدريس فنون العلم المختلفة وأجرى لهم المرتبات وكان يخدم أهل العلم واستثناهم من جميع الضرائب واجتهد في جمع الكتب من كل جهة وشرع في تنظيم مكتبة في (تاكدمت)، كما أنشأ المستشفيات ومنع استعمال الذهب والفضة للزينة، ومنع التدخين وأمر بالصلوات الخمسة في المساجد ومن وجد في حانوته وقت الصلاة يجلد، واتخذ دارا للشورى لإصدار الفتوى وأرسل بالأسئلة والاستفسارات للعلماء والفقهاء، ومن ذلك رسالته لعلماء فاس بأسئلة تتعلق بما عرض له في إمارته فأجابوا عليها، كما أولى الجيش عناية خاصة لمعرفته بأن الهدنة بينه وبين الفرنسيين وقتية، وفعلا تذرعت فرنسا بوجود إختلاف بين النص العربي والفرنسي في معاهدة تافثا وطالبت بتعديله،
ولما لم يتمكن الطرفان من الوصول لحل نقضت فرنسا المعاهدة، وبدأت المعارك بين الطرفين واستخدمت فرنسا حرب العصابات والقضاء على الأخضر واليابس حتى اضطر الأمير عبد القادر إلى الفرار إلى المغرب بعد أن مني بهزائم متكررة حيث كان المولى عبدالرحمن سلطان المغرب مؤيدا له، واتجهت القوات الفرنسية إلى المغرب تذرعا بذلك وأسفر الأمر عن معاهدة طنجة سنة ١٨٤٤ م، التي قضت بعدم تقديم أي مساعدة للأمير عبد القادر لكنه حاول الاستمرار في كفاحه واستطاع أن يحرز بعض الانتصارات لكن لم يستطع مواصلة ذلك فاستسلم أخيرا للفرنسيين سنة ١٨٤٧ م على أن يسمح له بالسفر
стр. 111
إلى الاسكندرية أو عكا فطويت تلك الصفحة من الجهاد الجزائري (١).
وتعاقب على الجزائر عدد من الحكام الفرنسيين الذين كان همهم قمع الاضطرابات وحركات المقاومة، التي ظهرت تحت قيادة أبطال جدد من المناطق المتعددة ومن القبائل، ففي سنة ١٨٤٨ م صدر قانون الضم من جمهورية فرنسا للجزائر لكي تصبح جزءا من الأراضي الفرنسية، وبدأ بعده تشجيع الهجرة والاستيطان من قبل الفرنسيين، وفي عهد نابليون الثالث سنة ١٨٦٥ م فتح الباب للتجنيس بالجنسية الفرنسية بشرط التبعية لفرنسا في الأحوال المدنية يعني التنازل عن الشريعة الإسلامية، وبلغ الاستعمار ذروته في الفترة بين سنة ١٨٧٠ - ١٩١٤ م حيث تمت سيطرة المستوطنين على ثروات البلاد وعلى إدارتها وتحطم الهيكل الاجتماعي للشعب الجزائري وتحول معظمهم إلى عمال لخدمة الاستعمار، وانتشر الجهل وأوشكت الثقافة العربية على الاندثار وشهدت الجزائر نوعا من التفرقة العنصرية، وأخضعت جميع المحاكم الشرعية لوزارة العدل في باريس ثم للحاكم العام، واعتبرت جامعة الجزائر التي أسست في أوائل القرن جامعة فرنسية بحتة للمستوطنين فقط، وقررت الخدمة العسكرية الإجبارية على الجزائريين بصفتهم رعايا فرنسيين وكثرت هجرة الجزائريين إلى الخارج (٢).
ونقلت الإدارة الفرنسية البرامج المتبعة في مدارس فرنسا دون تعديل مما جعل الدارسين بها ينقطعون تماما عن بيئتهم العربية الإسلامية، إلا أنه لم تعدم الجزائر بعض دعاة الاصلاح، وانقسم أنصار النهضة الجزائرية إلى فريقين: الأول ويسمى النخبة ويرى أن طريق الإصلاح الوحيد الأخذ بالأساليب الفرنسية في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، والثاني يمثل البقية الباقية من الذين استطاعوا المحافظة على الاتصال بالثقافة العربية الإسلامية ومنهم: ابن سماية الذي استضاف الشيخ محمد عبده عند مروره بالجزائر سنة ١٩٠٣، وابن موهوب مفتي قسنطينة الذي يرجح أن
стр. 112
يكون هو الذي أثر في الشيخ عبدالحميد بن باديس مؤسس جماعة العلماء.
وقامت الحرب العالمية الأولى التي راح ضحيتها آلاف القتلى من المجندين الجزائريين الذين سقطوا صرعى أمام إخوانهم المسلمين من العثمانيين، وكان لذلك أثر في الحركة الوطنية في الجزائر فأنشأ أصحاب فكرة اندماج الجزائر في فرنسا عدة تنظيمات للدعوة إلى فكرهم، في حين أسس العلماء الجزائريون جمعية رسمية سنة ١٩٣١ م، وهي جماعة العلماء والتي نشأت للمحافظة على هوية الجزائر الدينية وتخليصه من البدع التي انتشرت عن طريق الطرق الصوفية، واعتبرت لذلك حركة إصلاحية من حركات الإحياء السلفي التي انتشرت في المشرق منذ قيام الحركة الوهابية في بلاد العرب، وتمكن جماعة من أعضائها من الاتصال بالحركات الإصلاحية في المشرق ومنهم الطيب العقبي الذي تلقى تعليمه في الحجاز وعمل زمانا مع الملك عبد العزيز آل سعود، وكان لكتابات الشيخ محمد عبده ورشيد رضا تأثير كبير في توجيه أفكارهم، ورأس هذه الجمعية الشيخ عبدالحميد بن باديس من خريجي جامع الزيتونة ومن أهالي قسنطينة فهاجمها الفرنسيون لما شعروا بازدياد نفوذها، واتهموا أصحابها بأنهم (وهابيون خارجون عن الدين)، وحاولوا تقليص دورهم في الوعظ والإرشاد، إلا أن الجماعة كان لها موقف صارم من الاندماج عن طريق إقناع الجزائريين بأن التخلي عن قوانين الأحوال الشخصية الإسلامي ردة عن الدين وبالتالي يحرم المتجنس من الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، وعن طريق إبراز ثقافة الجزائر التي هي ثقافة إسلامية عربية.
وأصدر العلماء مجلتين باللغة العربية الشهاب ثم البصائر، وأسسوا مدارس ابتدائية لتعليم القرآن، وقاموا بإعطاء الدروس في مختلف المدن عن الشريعة وشجعوا الطلاب على الارتحال في طلب العلم إلى جامع الزيتونة والجامع الأزهر وغيرهما.
ولكن الجماعة اضمحلت بعد وفاة ابن باديس، إلا أنه قد استمر أعضاؤها في الاتصال بالأحزاب الوطنية الأخرى بعد أن ابتعدت عن الاندماج.
ثم قامت حركة وطنية شيوعية سنة ١٩٢٥ م بزعامة مصالي الحاج كان لها مطالب قومية متعددة، وأصبح هذا هو الاتجاه الثالث للشعب الجزائري، وعندما قامت الحرب العالمية الثانية استطاعت فرنسا إبعاد عنصر الجزائريين
стр. 113
عن الأنشطة السياسية وقبضت على الزعماء، وظهر في مقدمة الحركة الوطنية فرحات عباس الذي تحول إلى فكرة قيام حكومة جزائرية مستقلة يمكن ارتباطها بفرنسا، ثم سرعان ماتقدم إلى السلطات الفرنسية والقيادة الأمريكية إلى المطالبة بدولة جزائرية مستقلة ورفض ذلك بالطبع، وبعد انتهاء الحرب وانتصر الحلفاء على ألمانيا سنة ١٩٤٥ م نظم الجزائريون مظاهرة بهذه المناسبة أحفظت المستوطنين ورجال الشرطة وأدت إلى معركة حامية أسفرت عن مذبحة قسنطينة التي اشترك فيها الطيران والبحرية في دك القرى الجزائرية، وبعد ذلك أخذت فرنسا في وضع حلول للمشكلة الجزائرية لم تغن شيئا، وظهرت حركة الانتصار للحريات على مسرح المجابهة للاستعمار ومن بين أعضائها أحمد بن بللا وأخذت في جمع الأسلحة، واختلف الزعماء الشبان مع رئيس حزب الشعب مصالي الحاج فأخرجهم منه فكانوا النواة للثورة الجزائرية.
وكانت بداية أمر الثورة عن طريق هذا الحزب الذي تأثر ممثلوه في القاهرة المشتركون في تأسيس لجنة المغرب العربي هناك بآراء أمير الريف عبد الكريم الخطابي المجاهد المغربي، والتي لاتؤمن بغير النضال المسلح وتم تشكيل تنظيم سري بدأ يمارس أعماله المسلحة، سنة ١٩٤٩ م بقيادة أحمد بن بللا الذي افتضح أمره وسجن، ولكنه تمكن من الفرار من السجن إلى القاهرة وانضم إلى بعض أعضائه المقيمين هناك سنة ١٩٥٢ م، واستطاعوا الحصول على تأييد مجلس قيادة الثورة المصري وقدم لهم الرئيس جمال عبدالناصر المساعدات المالية والسلاح، وتم تحديد موعد للقيام بالثورة أول نوفمبر سنة ١٩٥٤ م، وفيها نسق جيش التحرير حوالي ثلاثين هجوما في مختلف أنحاء الجزائر على المعسكرات الفرنسية ومراكز الشرطة وتوالت العمليات العسكرية، وحاولت فرنسا مجابهة الثورة بمسالك شتى، حتى أصبحت المسألة الجزائرية مثار انقسام شديد في الرأي الفرنسي، فبدأت المفاوضات مع أعضاء الجبهة، وعقد الاتفاقيات إلى أن أعلن الجنرال ديجول استقلال الجزائر في يوليو سنة ١٩٦٢ م، بعد اتفاقيات ايفيان (١).
стр. 114
ثالثا: المغرب
الاحتلال الفرنسي للمغرب وحتى الاستقلال (١) سنة ١٩٥٦ هـ:
في سنة ١٩٠٧ م تذرعت فرنسا بقتل أحد المبشرين في مراكش فاحتلت وجدة وأعلنت أنه احتلال مؤقت لحين الاستجابة لمطالبها، ثم وقعت في نفس العام اصطدامات في الدار البيضاء بين بعض العمال الفرنسيين والأسبان فقصفت فرنسا الميناء لمدة يومين وأنزلت جنودها فيه، فاتهم المغاربة المولى عبد العزيز بالتهاون فنهض أخوه المولى عبد الحفيظ ونزع طاعته وأعلن نفسه سلطانا على المغرب فبويع بمراكش وتصدى للدفاع عن البلاد فأخمد الثورات الداخلية وتفرغ لمواجهة الجيوش الأجنبية وفي سنة ١٩١١ م جاءت بعض القبائل إلى فاس تطلب من السلطان تنظيم حركة المقاومة، فادعت فرنسا أنها جاءت للعدوان، فتحركت جيوشها واحتلت مدينة فاس ثم مكناس ثم الرباط، وفي نفس الوقت تحركت أسبانيا فاحتلت العرائش ثم القصر، واستطاعت فرنسا عقد اتفاق جديد مع إيطاليا لتطلق لها الحرية في المغرب سنة ١٩١٢ م، بعدها صاغت معاهدة لفرض الحماية على المغرب (٢).
واستطاعت فرنسا انتزاع توقيع السلطان على المعاهدة، وبعدها تنازل عن العرش لعدم قدرته على مواجهة المقاومة التي اندلعت إثر ذلك، وتولى بعده المولى يوسف وتمكنت فرنسا من عقد اتفاقية جديدة مع أسبانيا حتى لاتصطدم مع نفوذ أسبانيا في بعض المناطق، وانقسمت بعدها المغرب إلى ثلاثة أقسام منطقة الحماية الفرنسية، ومنطقة الحماية الأسبانية، ومنطقة طنجة الدولية، وعقد حولها عدة اتفاقات بين انجلترا وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا (٣).
واندلعت الثورات في المدن وفي نواحي القبائل، ومن ذلك ثورة البربر في السوس بالجنوب بقيادة الهيبة ابن الشيخ ماء العينين (٤) الذي تمكن من
стр. 115
الاستيلاء على مراكش وأكادير، وثورة قبائل غباثة بقيادة عبد الملك الجزائري حفيد الأمير عبد القادر، وغيرها من الثورات ضد الفرنسيين وكذلك اندلعت الثورات ضد الأسبان ومنها ثورة أحمد بن محمد رسولي الذي اضطرت أسبانيا إلى عقد صلح معه (١).
ثم ظهر محمد عبد الكريم الخطابي الملقب ببطل الريف أو أمير الريف الذي تزعم الحركة ضد الأسبان، وكان قد نهل من مناهل العلم بتطوان ثم في فاس بجامعة القرويين وتخرج عام ١٩٥٩ م كما درس في أسبانيا، وبعد أن تمكن الأسبان من قتل والده بالسم إيقافا لنشاطه في الكفاح تولى محمد زعامة قبيلته وقاد حركة الكفاح فاستطاع احراز عدة انتصارات ضد الأسبان، وكان أهمها معركة أنوال سنة ١٩٢١ م حيث أعلن بعدها نفسه أميرا على منطقة الريف، وبدأ تنظيم شئونها الإدارية والعسكرية ثم أوقع بالأسبان هزيمة منكرة لاتقل عن هزيمة أنوال أثناء انسحابهم من منطقته سنة ١٩٢٤ م، واستنجدت بعض القبائل بعبد الكريم ضد الفرنسيين فهب لنجدتهم واستطاع أن يهاجم بعض المراكز الفرنسية ويستولي عليها وتم إعلان هدنة مؤقتة بين عبدالكريم وفرنسا سنة ١٩٢٥ م ورفض عبدالكريم شروطا عرضتها عليه الحكومة الفرنسية والأسبانية فنجحت القوات الأسبانية بمعاونة البحرية الفرنسية والقوة الجوية التي كانت تقوم بالقاء الغاز السام علي منطقة أجدير عاصمة الجمهورية الريفية، التي سقطت في أيديهم وبعدها عقد مؤتمر للصلح في وجده لم يقبل الأمير عبد الكريم بشروطه واندلع القتال مرة أخرى بدون تكافؤ مما أدى إلى استسلام عبد الكريم للفرنسيين الذين قاموا بنفيه، ثم انتقل إلى مصر وطلب اللجوء السياسي وقضى بقية حياته هناك (٢).
لكن لم يتوقف الجهاد المغربي عند هذا الحد بل تعددت طرق المغاربة في كفاحهم للمستعمر ومن ذلك إنشاؤهم كتلة العمل الوطني وإصدار الصحف والنشرات وتكوين الحزب الوطني، ثم تأليف حزب الاستقلال ولعب الملك
стр. 116
محمد الخامس دورا هاما في صف الحركة الوطنية بعد مبايعته عقب وفاة المولى يوسف سنة ١٩٢٧ م، وزار محمد الخامس طنجة وخطب فيها خطابا أكد فيها وحدة المغرب الجغرافية وحقه في الحرية والاستقلال، وأشاد بجامعة الدول العربية وأعلن أن بلاده جزء من الوطن العربي، ثم سافر إلى باريس وعرض قضية بلاده على حكومة فرنسا، فأقدمت فرنسا على خلع الملك محمد الخامس وأحلت مكانه محمد عرفة فثارت ثائرة المغاربة وظهرت المقاومة المسلحة بواسطة جيش التحرير المغربي فسارعت سنة ١٩٥٦ م بإعادة الملك إلى عرشه، لكنه اشترط اعتراف فرنسا بحق المغرب في الاستقلال وتشكيل حكومة مغربية للتفاوض مع فرنسا وتم ذلك فعلا، وأعلن في سنة ١٩٥٦ م الاعتراف باستقلال المغرب وإلغاء عقد الحماية الفرنسية وأصبح وضع أسبانيا محرجا بعد التسليم الفرنسي فاستدعت الملك لمدريد وصدر من هناك تصريح مشترك بنفس الاعترافات وتمت وحدة المغرب واستقلاله، وأعلنت القيادة الدولية التي كانت تتولى إدارة طنجة إلغاء نظامها الدولي ووضعها تحت سيادة المغرب ابتداء من أول سنة ١٩٥٧ م (١).
أما منطقة شنقيط التي أطلق عليها الاستعمار الفرنسي (موريتانيا) والتي كانت تعد جزءا من المغرب، فحينما قررت فرنسا منح الاستقلال لمستعمراتها السابقة في غرب إفريقيا أعدت موريتانيا للحكم الذاتي، وعندما اقترب موعد تقرير المصير استطاع مايعرف بحزب التجمع الموريتاني الحصول على أغلبية المقاعد في أول جمعية تشريعية سنة ١٩٥٨ م، وتولى رئيس الحزب مختار ولد دادة الإدارة المحلية، وأعلن الاستقلال الرسمي سنة ١٩٦٠ م (٢).
وكان من أعلام المفسرين الذين ظهروا في تلك الفترة بمنطقة المغرب وموريتانيا:
محمد الأمين الشنقيطي ت ١٣٩٣ هـ صاحب كتاب أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن وكان ذا أثر كبير في منطقة المغرب بأسرها، ومحمد عبد الحي الكتاني ت ١٣٨٢ هـ وغيرهما.
стр. 117
المطلب الرابع: الأوضاع في المنطقة من الاستقلال وحتى الآن وتأثير ذلك على الناحية العلمية:
أولا: تونس
ولما تقرر منح تونس الاستقلال دعا الباي رئيس الحزب الدستوري الحبيب بورقيبة إلى تقلد رئاسة الحكومة وتم وضع دستور للبلاد لتنظيم أمورها قضائيا واقتصاديا واجتماعيا وتم إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية وانتهت الدولة الحسينية وتم هذا الانقلاب بدون إراقة قطرة دم وتسلم مقاليد الرئاسة الحبيب بورقيبة الذي شكل حكومة تتركب من أحد عشر دولة ومنها كتابة الدولة المتولية للشعائر الدينية التي قامت بتجديد المساجد وإصلاح جامع الزيتونة وإصلاح جامع عقبة بالقيروان وتنظيم خطط الشعائر وتوفير جرايات أربابها وحفظ مالهم من عوايد، وقامت هذه الكتابات بدورها في النهوض بأمور الجيش وبالنواحي الداخلية والخارجية، وتم جلاء آخر جندي أجنبي سنة ١٩٦٢ م. (١)
إلا أنه من المؤسف استبدال الحكومة الحكم الشرعي بالأحكام الوضعية، وتم العبث حتى بقوانين الأحوال الشخصية، وأصبح القضاء مدنيا لاشرعيا إلا في بعض الجوانب الهامشية، وأما خطة الإفتاء فصارت استشارية دولية في سنة ١٩٦٢ م ودعا بورقيبة إلى الإفطار في رمضان حتى لايتأثر الانتاج واستطاع بورقيبة أن يحتفظ بالزعامة الفردية للدولة وقابل كل الانتفاضات التي قامت ضده بالقمع الذي وصل للاستعانة بالجيش وقتل المواطنين وأعلن تعديلا في نظام الحكم يقضي بأن تكون الرئاسة له مدى الحياة. (٢)
وحاليا يتولى الحكم في تونس زين العابدين بن علي الذي تقلد
стр. 118
المنصب بعد وفاة الحبيب بورقيبة، على النظام الجمهوري والحكم بالقوانين الوضعية، وقد ضيق الخناق على الجماعات الإسلامية التي تطالب بتحكيم الشريعة، وأصبح المسلم الملتزم في صراع مع السلطة حتى حول الفرعيات كإطاق اللحية ولبس الثوب وما إلى ذلك.
ثانيا: الجزائر
وبعد أن أعلن الاستقلال في الجزائر بدأ الصراع على الحكم والاختلاف بين زعماء الثورة فتأخرت انتخابات الحكومة الجزائرية شهرين حتى تسلم السلطة أحمد بن بيللا بتأييد معظم جيش التحرير الذي يقوده هواري بومدين وتمت المصادقة على الدستور سنة ١٩٦٣ في سبتمبر ورشح أحمد بن بيللا أول رئيس للجمهورية الديمقراطية الشعبية التي يعتنق قادتها الفكر الشيوعي وأعلن الرئيس أن مبادئه تختلف عن الماركسية في أمرين رئيسين: الاعتراف بالقيم الروحية والأخذ بالمبدأ القومي وظهر تيار قوي يستهدف ربط الاشتراكية بالإسلام وجابه بن بلل حركات تمرد استعان بالجيش في مواجهتها مثل حركة انشقاق سي العربي سنة ١٩٦٣ م وفي سنة ١٩٦٥ أراد بن بيللا استبعاد وزير خارجية بقرار فردي وأدى ذلك إلى الانقلاب الذي قام به هواري بومدين وقام طاهر الزبيري بالقبض على بن بيلا إلا أن الزبيدي حاول الانقلاب بعد ذلك علي بومدين سنة ١٩٦٧ إلا أنه استطاع قمع تلك الحركة ومنذ ذلك الوقت استقرت السلطة في الجزائر وأكمل بومدين بناء الدولة على مابدأه سابقه بن بيللا على النهج الاشتراكي وانضمت للدول التقدمية في العالم العربي في مقابل الدول المحافظة وأصبح لها علاقات وطيدة مع فرنسا وشجعت الهجرة إليها. (١)
ثم تولى الحكم بعد هواري بومدين الشاذلي بن جديد على نفس النظام الذي يحكم القوانين الوضعية، وظهرت على الساحة جبهة الإنقاذ الإسلامية بقيادة عباس مدني وعلي بلحاج، التي فازت بأغلبية في الانتخابات (٢) فتم
стр. 119
الضغط عليه بالاستقالة ليتولى الجيش الحكم لإقصاء الجبهة، ثم تولى الحكم لجنة من الجيش ثم أتوا بمحمد بوضياف الذي قتل في إحدى المؤتمرات، ثم قامت فتن عظيمة وكثر القتل والإرهاب، وتولى الحكم عدة أشخاص انتهوا حاليا بأحمد بوتفليقة الذي كان من المساعدين لبومدين.
ثالثا: المغرب
وأعلن الملك محمد الخامس بعد الاستقلال عن تأسيس جيش وطني مغربي، وانضم المغرب إلى هيئة الأمم المتحدة وعين ابنه الحسن وليا للعهد وعندما وضع الدستور الأول سنة ١٩٦٢ م حصر وراثة العرش في الابن الأكبر.
ولم تهدأ الحركات الانقلابية والشعبية ضد القصر فأصدر الملك الحسن الذي تولى بعد وفاة والده دستورا جديدا أقرب إلى الديمقراطية سنة ١٩٧٢ م، وبقي الحكم على ماهو عليه من ترك الشريعة الإسلامية وتحكيم القوانين الوضعية. (١)
رابعا: موريتانيا
استطاعت موريتانيا بعد استقلالها تقويض مشكلتها مع المغرب حول الصحراء ووقعا معا اتفاقا بحسن الجوار، كما أعلنت التحاقها بجامعة الدول العربية سنة ١٩٧٣ م، وانتقل الحكم بعد ولد دادة ولد محمد السالك ثم الحاكم الحالي معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، واستمر الحكم فيها كسابقاتها على ترك الشريعة الإسلامية واستبدالها بالقوانين الوضعية ولا حول ولا قوة إلا بالله. (٢)
أما بالنسبة للتأثير الحاصل في المنطقة على الناحية العلمية والثقافية فقد واجهت بلاد المنطقة مشكلات معقدة في جانب التعليم مع بداية عهد الاستقلال وتوجب عليها القيام بعمليتين في آن واحد:
стр. 120
الأولى: محو الأمية، الثانية: تعريب التعليم ولغة الثقافة والإدارة التي أصبحت الفرنسية بعد الاحتلال وفي العهد الاستعماري.
ولم تكن توجد بالمغرب العربي كله سوى جامعة الجزائر الفرنسية الهوية فعملت الجزائر على تطويرها وقبل ذلك عمدت إلى إنشاء جامعتين جديدتين إحداهما في وهران، والثانية في قسنطينة، ثم أضافت ثلاث جامعات أخرى إقليمية، وانتشرت الجامعات والمعاهد بعد ذلك في المنطقة ومن ذلك جامعة الزيتونة والجامعة التونسية بتونس، وجامعة محمد الخامس، وجامعة فاس، وجامعة القرويين بالمغرب، وفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بنواكشوط، وغير ذلك.
ولاشك أن الفترة الحالية لم تنضج بعد دراستها التاريخية، وأخبارها مبثوثة في وسائل الإعلام بين جريدة يومية أو حولية ومجلة إسلامية أو اجتماعية وشريط لمحاضرة أو لندوة ولقاء عبر تلفاز أو مذياع وغير ذلك ولكن يمكن إجمال الكلام فيها بما يتوارد على الأسماع، ويلاحظ أن الوضع العام في المنطقة يبعد حقيقة عن الاهتمام بالنواحي الشرعية وغلب على البلاد المعاصي والفتن والتفرنج وتقليد الغرب في عامة مناحي الحياة إلا أن التطور الذي يشهده العالم حاليا في مجالات التقنية الحديثة والتعليم بغض النظر عن ماهيته ساهم في إثراء الحياة الثقافية والعلمية على وجه العموم، فانتشار الجامعات وتطور أمر الدراسات العليا فيها والتفوق الهائل في مجال الاتصالات والطباعة والإعلام عامة أدى إلى خروج أعمال كثيرة تتعلق بالتفسير جملة كبيرة منها رسائل علمية في مرحلة التخرج لطلبة الكليات الشرعية ورسائل للحصول على درجة الماجستير والدكتوراة وبحوث مختصرة للترقي لدرجة الأستاذية بالنسبة لمدرسي الجامعات المتخصصين في مجال التفسير، كما ظهرت مقالات في الصحف والمجلات الإسلامية تتعلق بمباحث تفسيرية متعددة، هذا خلا المؤتمرات الإسلامية والندوات والمحاضرات والبرامج الإذاعية والمعروضة بالتلفاز والتي اشتهر منها المجالس الحسنية التي يعقدها الملك الحسن مع علماء الشريعة وتتطرق لشتى المباحث العلمية التي تشمل التفسيرية وغيرها.
стр. 121
ولم تعدم الفترة الحالية من كتب شاملة في تفسير القرآن سوف نتعرض لها بالحديث إن شاء الله عن التفاسير، وكتاب أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وكتاب أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للشيخ أبي بكر جابر الجزائري وكتاب التيسير في أحاديث التفسير للشيخ المكي الناصري الذي أذيع بإذاعة المغرب في حلقات وطبع الآن كاملا، ويذاع حاليا في إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية.
стр. 122
الباب الأول
المفسرون في غرب إفريقية
ويشتمل على:
- مدخل.
- الفصل الأول تراجم المفسرين من أهل المنطقة.
- الفصل الثاني تراجم المفسرين الوافدين على المنطقة.
стр. 123
مدخل
سبق في مقدمة الرسالة التنويه بعدم الوقوف على كتاب جامع لتراجم المفسرين المغاربة بصورة انفرادية شاملة، ولكني وقفت على بعض الأبحاث ذات العلاقة بموضوع بحثي واستفدت منها ومن ذلك كتاب المدرسة القرآنية إلى ابن عطية لعبد السلام أحمد الكنوني وهو جزء واحد لطيف يقع في حوالي ثلاثمائة صفحة متوسطة عبارة عن رسالة لنيل دبلوم الدراسات الإسلامية العليا بدار الحديث الحسنية بالرباط بتاريخ ١٧/ ٥ / ١٣٩٤ هـ إشراف د. عائشة عبد الرحمن ومناقشة كل من د. عبد الهادي التازي والأستاذ أحمد بن تاويت وهي مع كونها استغرقت ما يقارب النصف في القراءات كانت قاصرة جدًا في حديثها عن التفسير مع الوقوع في أوهام عجيبة أذكر منها على سبيل المثال الخلط بين يحيى بن سلام وبين أبي عبيد القاسم بن سلام ولذا فإن صاحب الرسالة عندما وقع في ذلك - فذكر أن تفسير أبي عبيد القاسم بن سلام كان من التفاسير الأولى التي دخلت المغرب الإسلامي - قال:
ولم نعثر على نص صريح يشير إلى دخول تفسير ابن سلام إلى المغرب لكنا نجد مختصرين له عرفا في المغرب من أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع للهجرة ومن الذين اختصروه:
أ - مختصر في تفسير ابن سلام لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين القرطبي يعرف بالمري الإلبيري ت ٣٩٩ وتوجد نسخة منه في خزانة القرويين وسأقدم لهذا المختصر فيما بعد.
ب - مختصر القرآن لابن سلام لأبي المطرف التنازعي (كذا والصواب القنازعي) عبد الرحمن بن مروان ت ٤١٣ هـ.
قال: وواضح أن اختنصار كتاب لايكون إلا بعد أن يتداوله الناس ويتدارسه الخاصة وتدعو الحاجة إلى تيسير الفائدة منه. أ. هـ.
وقد عزا مختصر ابن أبي زمنين للديباج لابن فرحون ومختصر القنازعي لطبقات السيوطي وشجرة
стр. 124
النور. (١)
والغريب أنه في حديثه عن مختصر ابن أبي زمنين رجع إلى الصواب وأنه ليحيى بن سلام على أنه لا يعرف لأبي عبيد تفسير أصلاً، ولذا فإن الكاتب لما لم يجد مايدل على أن له تفسيرًا قال: ألف كثيرًا من الكتب منها ما يتصل بموضوعنا؛ غريب القرآن، كتاب القراءات، كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب معاني القرآن، كتاب المجاز في القرآن، كتاب عدد آي القرآن. أ. هـ
ومن ذلك أيضًا أنه عندما ذكر أعلام المفسرين في القرن الرابع كرر ابن أبي زمنين ثلاث مرات وذلك خلال تسعة عشر رجلاً ساقهم في نسق واحد بدون ترجمة لأحد منهم فقال:
١١ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين ت ٣٥٩ هـ (كذا) تفسير القرآن. الديباج
مختصر تفسير بن سلام
١٨ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين المري القرطبي ت ٣٣٩ هـ
تفسير القرآن. شجرة النور الزكية
١٩ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري (٣٢٤ - ٣٩٩ هـ)
تفسير القرآن. طبقات المفسرين للداوودي
مختصر تفسير ابن سلام
والصواب أن الثلاثة واحد، وأن المصادر التي ذكرها ماأرادت إلا رجلا واحدا، وأنه لم يصنف تفسيرا مستقلا وإنما ماصنفه هو مختصر تفسير ابن سلام.
ومن ذلك أنه ذكر أحمد بن علي بن أحمد الباغاني ت ٤٠١ هـ (كذا والصواب الباغايي) في أعلام القرن الرابع (٢) وقال: ت ٣٤٥ هـ، ثم ذكره في أعلام القرن الخامس (٣) وقال: ت ٤٠١ هـ.
ومن ذلك أيضا أنه ذكر علي بن سليمان الزهراوي مرتين مرة في أعلام القرن الرابع وقال: ٣٩٨ هـ كان حيا فيه. (٤) ومرة في أعلام القرن الخامس وقال: ت ٤١٣ هـ. (٥)
ومن ذلك نسبته للطرطوشي مختصر تفسير الثعالبي الجزائري في عدة مواضع (٦) والصواب أنه اختصر تفسير الثعلبي النيسابوري، وقد بينت ذلك في ترجمة الطرطوشي وترجمة الثعالبي.
стр. 125
وفي الكتاب اختصار شديد جدا وتكرار وأوهام أخرى، ولاتكاد تسلم صفحة من خطأ مطبعي أو نحوه، غفر الله لنا وله وتقبل منا ومنه.
ومن ذلك أيضا كتاب التفسير ورجاله لمحمد الفاضل بن عاشور إلا أنه مع اختصاره الشديد حيث يقع في حوالي ٢٥٠ صفحة من القطع الصغير لم يتكلم فيه إلا عن قرابة اثني عشر تفسيرا، ومع كون الرجل تونسيا من أهل منطقتنا المعاصرين لم نظفر من خلال ماذكر من مفسرين وتفاسير إلا بحديث عن يحيى بن سلام فقط ممن يعنينا الحديث عنهم.
ومن ذلك أيضا كتاب "التفسير واتجاهاته بإفريقية من النشأة إلى القرن الثامن الهجري" لوسيلة بلعيد وهي رسالة دكتوراه في العلوم الإسلامية بجامعة تونس الملكية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بإشراف الدكتور عبد الحميد محمد المنيف سنة ١٤٠٧ هـ وهو مرقونة في مجلد.
وقد ذكرت الباحثة أنها لم تقف على دراسة شاملة تكشف عن تطور التفسير في منطقتها وهي تعني بإفريقية (تونس) فقط، خلال المدة المدروسة فقط. (١)
ويلاحظ أنها لم تتعرض في رسالتها إلا إلى خمسة من المفسرين وهم ابن سلام والمهدوي، ومكي، وابن عرفة، والنعمان بن حيون، وعلى هؤلاء الخمسة وتفاسيرهم قامت رسالتها على الرغم من وجود عدة مفسرين تونسيين غيرهم (٢) في الفترة التي قامت بدراستها، وهي مع ذلك لم توف بعضهم حقه وهو النعمان ابن حيون الذي تحدثت عن تفسيره ومنهجه في صفحتين فقط.
كما أنها قد فاتها الحديث عن الاتجاه الصوفي في التفسير مع اشتهاره في المنطقة.
وأما كتاب طبقات المفسرين للأدنوي فقد وقع فيه بعض الأوهام خاصة في سني الوفيات (٣) كما وقع فيه بعض التخليط ومن ذلك قوله:
محمد بن ... (٤) أبو الشكر المغربي
الإمام العالم الفاضل بهاء الدين قد
стр. 126
صنف أحكام التأويل وهو على مقدمة وثلاثة وعشرين بابا وخاتمة وشرحه أبو معشر البلخي في سبع (مجلدات) في كشف الظنون ... وشرحه الشيخ أحمد بن عبد الجليل السحري المتوفى ٣٢٤ هـ (١)
والذي في كشف الظنون (٢):
أحكام تحاويل سني العالم ليحيى بن محمد بن أبي الشكر المغربي وهو على مقدمة وثلاثة ... الخ وبين هناك أن أبا معشر البلخي اسمه جعفر بن محمد المنجم فالكتاب ليس في التفسير وإنما في الهيئة والتنجيم.
وأما كتاب نيل السائرين في طبقات المفسرين فوقع فيه أيضا على اختصاره الشديد بعض من الأوهام ومن ذلك خلطه في ترجمة ابن برجان حيث ذكره في ثلاثة مواضع، وحدث به بعض التصحيفات مثل تصحيف المغيلي بالغيلي وغير ذلك، وقد نبهت عليه عند التراجم المذكورة، كما أنه لم يذكر من بداية القرن الحادي عشر وحتى تاريخ تأليفه للكتاب وهو سنة ١٣٨٦ هـ غير علماء الهند وباكستان ونحوها.
وأما سائر كتب طبقات المفسرين فما وقفت عليه فيها من تكرار أو أوهام فقد نبهت عليه في موضعه فمثلا محمد بن ظفر ذكره الداوودي في موضعين فنبهت على ذلك.
ومن الأوهام التي وقفت عليها أيضا أثناء البحث:
محمد بن يحيى الباهلي أبو عبد الله البجائي (٣)
ذكره الدكتور عمار الطالبي في مقدمة تفسير الثعالبي ضمن المفسرين بالمنطقة ونعته بقوله: المفسر البجائي الذائع الصيت. (٤)
وهو غير معروف بالتفسير وإنما هو مشهور بالمسفر - بتقديم السين المهملة على الفاء - حيث كان يعمل في السفارة ودخل فاسا سفيرا، فالتبس عليه المسفر بالمفسر.
كما يلاحظ أنني قد واجهت أثناء البحث بعض الصعوبات وذلك في ضبط المعنيين بالدراسة فربما نسب الرجل مغربيا وليس من أهل المنطقة بل لم يدخلها في حياته أصلا وإنما كانت نسبته لأصله ومن هؤلاء:
- محمد بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الملك بن
стр. 127
عبد الغني المغربي المراكشي البيباني بدر الدين الحسني
محدث الشام في عصره، أصله من مراكش من ذرية الجزولي صاحب دلائل الخيرات، انتقل أحد أسلافه إلى الديار المصرية، فولد فيها أبوه بقرية بيبان (من البحيرة) ورحل إلى تونس فقرأ في جامع الزيتونة وعاد إلى الشرق فأقام بدمشق واشتهر بالمغربي. وولد محمد في دمشق فأقام بها. ولم أقف على دخوله منطقة المغرب. (١)
- الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد المغربي ولد بالشام ولم أقف على دخوله المغرب وإنما نسبته لهم من الجدود. (٢)
- عبد الله بن محمد بن أبي القاسم أبو محمد ابن فرحون اليعمري عالم بالحديث مفسر من فقهاء المالكية أصله من تونس ولد ونشأ وتعلم بالمدينة المنورة ودرس بالحرم النبوي قال في الديباج: انفرد آخر عمره بعلو الإسناد لم يكن بالمدينة أعلى منه وانتهت إليه الرئاسة هناك مع جاه لم يشاركه فيه أحد له أسئلة وأجوبة عن آيات من القرآن. ولد سنة ٦٩٣ هـ وتوفي سنة ٧٦٩ هـ. (٣)
- محمد بن أحمد بن علي القسطلاني التوزري نسبته إلى توزر بإفريقية لكنه ولد بمصر ونشأ بمكة. (٤)
- عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر العدواني القيرواني ابن أبي الأصبع ت ٦٥٤ هـ له: البرهان في إعجاز القرآن، بديع القرآن، الخواطر السوانح في كشف أسرار الفواتح. (٥)
ذكر الزركلي أنه بغدادي ثم مصري وأن مولده ووفاته بمصر فلا أدري ماوجهة جعله قيروانيا؟ (٦)
وانظر أيضا الجزائري (٧)، المكناسي (٨)،
стр. 128
المغربي (١)، المراكشي (٢).
وبالطبع تمييز هؤلاء يتطلب تتبعا وجهدا كبيرا.
كذلك كان من العسير معرفة أهل المنطقة لعدم اشتهار نسبتهم بل إنني لم أجد كثيرا من أنسابهم في كتب الأنساب وضبط المؤتلف والمختلف منها ومن الألقاب وغيرها.
وممن اشتبهت نسبتهم مع شهرتها:
خلف بن جامع بن حاجب - وقيل حبيب - الباجي
من أهل باجة ذكره إبراهيم بن محمد الباجي
كان مفتياً ومفسراً. توفي سنة عشرين وثلاثمائة. (٣)
وهو من باجة الأندلس لا القيروان لاختصاص أهل الأندلس بترجمته.
وهناك بعض المترجمين توهم نسبتهم أنهم من المنطقة أو وجدت كتبهم بها ولم أقف على ما ينفي أنهم منها أو أنهم ينتسبون لغيرها وبناء عليه ذكرتهم ونبهت على ذلك في الحاشية.
كما أنه يلاحظ أن منهجي في اعتبار الرجل من المفسرين مبني على ذكره في أي مرجع متخصص في تراجم المفسرين أو وصف أحد أهل العلم له بأنه مفسر أو كان له نتاج تفسيري يزيد عن ثلاث آيات قصار وهو حد الإعجاز عند كثير من أهل العلم مع اعتبار البسملة لتكرارها والآيات الطويلة كآية الدين مثلا.
وقد أضربت صفحا عن ذكر من هم دون ذلك ومن هؤلاء:
- الحسن بن محمد بن أحمد الفلالي الدرقاوي الدادسي كان حيا ١٢٤٢ هـ له شرح قول المهدوي (٤) في تفسير آية ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾ (٥).
- عبد العزيز بن محمد المالكي أبو محمد البوفرحي ت ٨٩٩ هـ. (٦)
له: رسالة في تفسير (٧) قوله تعالى ﴿يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم
стр. 129
الكتاب﴾ (١)
ومنهم الجمالي (٢) وحسين البارودي (٣) وغيرهما.
كذلك لم أعتبر المصنفين في قصص القرآن من المفسرين إلا أن أقف على من نص على اندراجه فيهم ومن هؤلاء:
عبد السلام بن غالب المسراتي القيرواني المالكي ت ٦٤٦ هـ
له: مختصر الزهر الأنيق في قصة يوسف الصديق. (٤)
ويوجد خلط بينه وبين سراج الدين أبو حفص عمر بن إبراهيم الأنصاري المرسي ت ٧٥١ هـ له: زهر الكمام في قصة يوسف ﵇. (٥)
كما لم أعتبر من وقفت على ذكر أهل العلم له بأنه درس أو درس التفسير أو أجيز في شيء من كتب التفسير لأن غالب المشتغلين بالعلم لابد لهم من دراسة التفسير وكثير منهم يشتغل بتدريسه ويجاز ويجيز فيه ولا يعد بذلك مفسرا وهو واضح معلوم.
أما المتأخرون من المعاصرين المشتغلين بالتفسير فليس في الإمكان استقصاؤهم خاصة وقد كثرت الأبحاث العلمية المتعلقة بالتفسير وليست في نظري بمسوغ لكي يدرج أصحابها في عداد المفسرين ولكني اكتفيت بذكر البعض منهم دلالة على البقية وعلى وجه الخصوص من كان له تفسير جامع أو دراسات تفسيرية متعددة مع وصف أهل قرنه له بالاضطلاع في التفسير ونحو ذلك.
أما بالنسبة للوافدين على المنطقة فقبل حديثي عنهم أحب أن أعرج على العلاقة بين الرحلة من الأندلس للمشرق ومن المشرق للأندلس وبين الوافدين على هذه البلاد من المفسرين.
فالأندلسي إذا قيل رحل إلى المشرق أو حج اقتضى ذلك مروره بإفريقية ولذا قال ابن بشكوال مثلا في ترجمة أحمد بن محمد السبتي: سمع بالشرق من أبي محمد بن أبي زيد. (٦)
وقال في ترجمة عبدالله بن الوليد بن سعد: رحل إلى المشرق فأخذ في طريقه بالقيروان عن أبي محمد بن أبي زيد الفقيه. (٧)
وقال في ترجمة أحمد بن
стр. 130
أيوب الإلبيري: رحل إلى المشرق وحج ولقي أبا الحسن القابسي بالقيروان. (١)
وقال في ترجمة أحمد بن سعيد بن دينال: ورحل إلى المشرق فأدى الفريضة ولقي أبا محمد بن أبي زيد بالقيروان فأخذ عنه مختصره في المدونة وغير ذلك من تواليفه. (٢)
وقال: ومن الغرباء القادمين من المشرق إلى الأندلس (٣) ... ويذكر من قدم من تاهرت وغيرها من بلاد المغرب.
وقال ابن الفرضي في ترجمة محمد بن وضاح: رحل إلى المشرق حاجا فروى بالقيروان تفسير القرآن ليحبى بن سلام. (٤)
ولاشك أن طريق الحج (٥) والرحلة للمشرق لابد من مروره بالمغرب وإفريقية، ولاشك أيضا أن أهل العلم الذين رحلوا لينهلوا من منابع العلم بالمشرق لن يفوتهم المرور على مراكز العلم المتاخمة لهم كالقيروان وغيرها.
ولأجل ذلك يعتبر كل من نص على حجه أو رحلته للمشرق من الأندلسيين وافدا على هذه البلاد وكذا كل من رحل من المشارقة للأندلس وافدا أيضا عليها.
كما يلاحظ أن من القادمين إلى المنطقة من هاجر إليها هجرة استيطان، وبعضهم زاد مقامه بها عن المدة التي نص عليها العلماء في تحديد أوطان العلماء.
قال المقري: إن جميع المؤرخين من أئمتنا السالفين والباقين دون محاشاة لأحد، بل قد تيقنا إجماعهم على ذلك، متفقون على أن ينسبوا الرجل إلى مكان هجرته التي استقر بها ولم يرحل عنها رحيل ترك لسكناها ... فمن هاجر إلينا من سائر البلاد فنحن أحق به ... ومن هاجر منا إلى غيرنا فلا حظ لنا فيه والمكان الذي اختاره أسعد به. (٦)
وقال ابن المبارك وغيره: من أقام في بلدة أربع سنين نسب إليها. (٧)
وقد اعتبر بعض العلماء أن الرحلة إلى بلد تسوغ نسبة العالم إليها. (٨)
وهذا أوان الشروع في المقصود وبالله التوفيق.
стр. 131
الفصل الأول
تراجم المفسرين من أهل المنطقة
стр. 132
١ - إبراهيم بن أحمد بن خلف بن الحسن بن الوليد السلمي أبو إسحق ابن فرتون (١)
محدث مفسر من فقهاء المالكية ولد بفاس وسمع بها وبسجلماسة والأندلس.
وصفه مخلوف بقوله: الفقيه الأصولي المفسر الحافظ العالم المتفنن (٢).
روى عن أبي علي الصدفي وأبي علي الغساني وابن عتاب وغيرهم.
وحدث عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن منظور وغيره.
وهو جد أحمد بن يوسف ابن فرتون صاحب كتاب الذيل. (٣)
توفي بفاس في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.
٢ - إبراهيم بن أحمد بن علي بن مسلم أبو إسحق الجبنياني البكري المالكي (٤)
من بكر بن وائل، أحد أئمة المسلمين، وأولياء الله تعالى الصالحين وقد جمع الفقيه أبو القاسم اللبيدي، وأبوبكر المالكي من أخباره وسيره
стр. 133
كثيرا.
وكان سلفه (١)
من أهل الخطط (٢) بالقيروان ولهم مسجد يعرف بمسجد ابن سالم، وولي والده أبو بكر أحمد بن علي خراج إفريقية في عهد بني الأغلب وارتفع إلى الوزارة. (٣)
ولد سنة تسع وسبعين ومائتين واهتم أبوه بتعليمه في صغره مع ما كان فيه من رفاهة العيش وحج سنة أربعة عشر وثلاثمائة بعد أن هرب من أبيه وتزهد.
قيل له: لم اخترت سكنى جبنيانة على غيرها؟ قال: أردت أن يخمل ذكري فيها، لأني رأيتها من أقل القرى ذكرا. (٤)
أخذ العلم عن جماعة منهم عيسى بن مسكين وأبي بكر بن اللباد وأبي علي حمود ابن سهلون. وله أخبار عجيبة في الورع، وكان يسرد الصوم، شديد الإقبال على الصلاة.
وكان من أعلم الناس باختلاف العلماء، عالما بعبارة الرؤيا ويعرف حظا من اللغة العربية حسن القراءة للقرآن يحسن تفسيره وإعرابه وناسخه ومنسوخه، لم يترك حظه من دراسة العلم بالليل إلا عند ضعفه قبل موته بقليل، وكان لايفتي إلا أن يسمع أحدا يتكلم بما لايجوز فيرد عليه، أويرى من يخطىء في صلاته فيرد عليه. (٥)
وكان أبو الحسن القابسي يقول: الجبنياني إمام يقتدى به. وكان أبو محمد بن أبي يزيد يعظم شأنه ويقول: طريق أبي إسحق خالية لايسلكها أحد في الوقت. وكان أبو إسحق قلما يتغير على أحد فيفلح، وإذا رؤي ذكر الله تعالى من هيبته، قد جف جلده على عظمه، واسود لونه، كثير الصمت، قليل الكلام، فإذا تكلم نطق بالحكمة، وكان قلما يترك ثلاث كلمات جامعة للخير، وهي: اتبع ولاتبتدع، اتضع ولاترتفع، من ورع لم يقع. (٦)
стр. 134
وكان العلماء بالقيروان وغيرها والفضلاء يقصدونه ويسألونه الدعاء لهم. (١)
ومن شعره:
إن القنوع بحمد الله يمنعنى ... من التعرض للمنانة النكد
إني لأكرم وجهي أن أعرضه ... عند السؤال لغير الواحد الصمد (٢)
قال ابنه أبو طاهر: قال لي أبي: إن إنسانا أقام في آية سنة لم يتجاوزها وهي قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ (٣) فقلت له: أنت هو؟ فسكت، فعلمت أنه هو. (٤)
توفي ﵀ سنة تسع وستين وثلاثمائة وسنه تسعون سنة، وما وجد له من الدنيا قليل ولا كثير غير أمداد شعير في قلة مكسورة، وقبره بجبنيانة معروف يتبرك به العوام. (٥)
٣ - إبراهيم بن إدريس الحسني السنوسي الفاسي (٦)
فقيه مالكي، عارف بالحديث والتفسير، ولد بفاس، ثم انتقل إلى الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة وتوفي بها سنة ألف وثلاثمائة وأربعة.
شرع في تفسير القرآن ولم يكمله. (٧)
وله أيضا:
سيف النصر بالسادة الكرام أهل بدر. نظما ونثرا. (٨)
٤ - إبراهيم بن عمر بن بابة بن إبراهيم بن حمو الملقب بَيُّوض (٩)
عالم إباضي (١٠) مفسر مجاهد من أكابر علمائهم، واعتبر من رجال
стр. 135
الإصلاح في وقته.
من أهل القرارة بالجزائر مولدا وإقامة ولد سنة ألف وثلاثمائة وستة عشر.
اشتغل بالتعليم الديني مدة طويلة، وشارك في النهضة الإصلاحية السياسية الدينية التي مهدت لقيام الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.
توفي بمسقط رأسه اليوم الثالث من ربيع الأول سنة ألف وأربعمائة وواحد (١)، وقيل: سنة ألف وأربعمائة. (٢)
من آثاره:
تفسير القرآن الكريم اشتغل به تدريسا زهاء خمسة وأربعين عاما. (٣)
٥ - إبراهيم بن فائد بن موسى بن عمر بن سعيد بن علال بن سعيد الزواوي النجار القسنطيني (٤)
قال مخلوف: الإمام الفقيه العالم العمدة الكامل (٥).
ولد في سنة ست وتسعين وسبعمائة في جبل جرجرا (٦)، ثم انتقل إلى بجاية (٧) فقرأ بها القرآن،
стр. 136
واشتغل بها في الفقه على أبي الحسن علي بن عثمان ثم رحل إلى تونس فأخذ الفقه أيضا وكذا التفسير عن القاضي أبي عبد الله القلشاني والفقه وحده عن يعقوب الزعبي والأصول عن عبدالواحد الفريابي ثم رجع إلى جبال بجاية، فأخذ العربية عن الأستاذ عبد العال بن فراج، ثم انتقل إلى قسنطينة فقطنها وأخذ بها الأصلين والمنطق عن حافظ المذهب أبي زيد عبد الرحمن الملقب بالباز، والمعاني والبيان عن أبي عبد الله اللبسي الحكمي الأندلسي - ورد عليهم حاجا -، والأصلين والمنطق والمعاني والبيان مع الفقه وغالب العلوم المتداولة، عن أبي عبد الله ابن مرزوق الحفيد المفسر (١) عالم المغرب - قدم عليهم قسنطينة - ولم ينفك عن الاشتغال والأشغال حتى برع في هذه الفنون لاسيما الفقه.
وحج مرارا وتلا لنافع على الزين بن عياش بل حضر مجلس ابن الجزري في سنة ثمان وعشرين، وممن أخذ عنه الشهاب ابن يونس وكان عليه سمت الزهاد وسكونهم. (٢)
مات سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
له:
تفسير القرآن. (٣)
وله أبضا:
شرح ألفية ابن مالك، تلخيص المفتاح، تسهيل السبيل في مختصر الشيخ خليل، فيض النيل. (٤)
٦ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم القيسي الفارقي المغربي المالكي برهان الدين أبو إسحق السفاقسي (٥)
стр. 137
النحوي الفقيه العلامة المالكي صاحب إعراب القرآن.
كانت ولادته في حدود سنة سبع وتسعين وستمائة - وقيل: سنة ثمان
- بسفاقس (١).
قرأ ببلده، ثم رحل في طلب العلم إلى تونس مع أخيه محمد (٢) فقرآ بها على الحافظ عبد العزيز بن الدروال (٣)، ثم قصدا بجاية فتفقها على ناصر الدين المشدالي، ثم حجا معاً، واستقر إبراهيم بالقاهرة ولازم شيخ العربية أبا حيان. وبعد حين سافر إلى الشام وسمع بدمشق من كبار رواة الحديث مثل المزي والفاضلة زينب بنت الكمال وغيرهما.
مهر في العلوم وتخصص في العربية والأصول، وبلغ فيهما شأواً بعيداً. وتصدر لتدريس العربية فأخذ عنه جماعة لا يحصون.
وكان فاضلا وماهرا وكاملا في جميع الفنون، وأفتى ودرس سنين. (٤)
قال تلميذه الخطيب ابن مرزوق (٥): من شيوخي برهان الدين أحد أئمة القاهرة، قرأت عليه وأجازني وأحمل عنه مصنفاته. (٦)
وقال ابن عرفة (٧): برهان الدين عالم كبير بالأصول. (٨)
ثم رجع صحبة أخيه إلى إفريقية واجتمع بأعيان العلماء التونسيين
стр. 138
وقد أكرموا وفادتهما. قال بدر الدين الدماميني: أخبرني بعض الثقات أن الأخوين السفاقسيين كان أحدهما حافظاً لفروع المالكية والآخر متفنناً في الأصول والعلوم اللسانية فكانا إذا حضرا في مجلس يجتمع فيهما عالم كامل. فاتفق أن حضرا مجلس ابن عبد الرفيع قاضي الجماعة، فسألهما عن مسألة، فأجابا عنها بنقل ذكراه عن ابن رشد وتكلما عليها بكلام استحسنه الحاضرون. (١)
ثم إن إبراهيم أقام بوطنه إفريقية وبها توفي في ثامن عشر ذي القعدة سنة ثنتين وأربعين وسبعمائة (٢) وقيل في التي بعدها (٣).
ولم يذكر أصحاب التراجم مكان وفاته، والظن الغالب أنه مدفون برباط المنستير (٤) ويعرف قبره الآن بسيدي إبراهيم السفاقسي (٥).
له مصنفات منها:
المجُيد في إعراب القران المَجيد (٦)
ويسمى إعراب
стр. 139
القرآن. أوله: الحمد لله
الذي شرفنا بحفظ كتابه ... الخ (١)
اشترك في تأليفه معه أخوه محمد (٢)، وإن كانت نسبته إلى إبراهيم أشهر وقد سمعه منه ابن مرزوق الجد فقال: وسمعت من لفظه كتابه الذي أعرب فيه وأغرب في إعراب القرآن العظيم. قال حسن حسني: ويقال: إنهما لخصاه من التفسير المسمى بالبحر المحيط تصنيف شيخهما أثير الدين أبي حيان، وإياه يعنيان بلفظ الشيخ في كتابهما، وكثيراً ما يتعقبان بالبحث والنقد عباراته ومدلولاته. (٣)
قال أحمد بابا: كان أبو عبدالله ابن آجروم يثني على فهم السفاقسي ويراه مصيباً في أكثر تعقباته وانتقاداته لأبي حيان. (٤)
قال محمد مخلوف: هو من أجل كتب الأعاريب وأكثرها فائدة، وبنحوه قال حسن حسني. (٥)
قال الأدنوي: وكتابه أحسن ماألف ... وهو مؤلف جليل القدر والشأن في مجلدين ضخمين جمع بين التفسير والإعراب وهو في الحقيقة منهاج صعب ذكر فيه البحر لشيخه أبي حيان ومدحه ثم قال: لكنه سلك سبيل المفسرين في جمعه بين التفسير والإعراب فتفرق فيه المقصود واستخار في تلخيصه وجمع ما أشكل إعرابه في كتاب الشيخ أبي البقاء لكونه كتابا قد عكف الناس عليه وضمه إلى كتابه بحرف الميم (٦)، وأورد ما كان له بقوله: قلت. فجاء كبير الحجم في عشر مجلدات فاختصره الشيخ سليمان الصرخدي الشافعي المتوفى
стр. 140
سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة في مجلدين ولكن اعترض عليه في مواضع كثيرة. (١)
وقد اختصره أيضا عبد الكريم بن محمد الحمروني (٢) وسماه: اختصار إعراب القرآن. وله غير ذلك من الاختصارات (٣).
قال عبد الكبير الفاسي عن مختصر السفاقسي: وقد تبرأ منه أبو حيان. وكذا قال ابن القاضي (٤).
وله أيضا:
أحكام القرآن (٥).
ولبرهان الدين من المؤلفات كذلك:
شرح على مختصر ابن الحاجب الفقهي، الروض الأريج في مسألة الصهريج، إسماع المؤذنين خلف الإمام (٦).
٧ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف أبو إسحاق إطفيش (٧)
أديب من علماء الإباضية
ولد سنة ألف وثلاثمائة وخمسة في قرية بني يسجن بوادي ميزاب في الجزائر.
وقرأ الفقه والنحو والتفسير بعد حفظ القرآن الكريم على شيخه عم والده الشيخ المفسر الإباضي محمد بن يوسف ولازمه إلى أن توفي. فانتقل إلى تونس وحضر دروسا في جامع الزيتونة وشارك في الحركة الوطنية فأبعده الفرنسيون فتوجه إلى القاهرة.
واشتغل بالسياسة فكان ممثلا لدولة إمامة عمان في جامعة الدول العربية ورئيسا لوفدها في هيئة الأمم المتحدة، وأسس أول مكتب سياسي لدولة إمامة عمان في القاهرة، وشهد بعض المؤتمرات الإسلامية في القدس وبغداد.
وكان مرجعا للفتوى في المذهب الإباضي عند المشارقة والمغاربة.
توفي بالقاهرة سنة ألف وثلاثمائة وخمسة وثمانين.
стр. 141
أنشأ مجلة المنهاج ونشر كتبا علمية لبعض أعلام الإباضية وصنف كتاب الدعاية إلى سبيل المؤمنين وشرع في كتابة تاريخ الإباضية وعاجلته المنية قبل إتمامه وعمل في دار الكتب المصرية فشارك في تحقيق بعض مطبوعاتها الكبيرة كتفسير القرطبي وأجزاء من نهاية الأرب (١).
ومن أقواله التي تدل على تعمقه في التفسير قوله عن تفسير عمه: لقد رأيت في هذا التفسير من التحقيق ما لم أره في غيره. (٢)
٨ - إبراهيم بن محمد بن عبد القادر بن محمد الحسني الطالبي أبو إسحق التادلي (٣)
شيخ مشايخ الرباط في عصره من كبار فقهاء المالكية، عارف بالتفسير، من أرباب التصوف والطرق الصوفية.
ولد بالرباط سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف، وتعلم بها وبفاس ومكناس، ومكث بفاس أكثر من خمسة عشر عاما، ورحل إلى المشرق مرتين وحج وجاور بالحرمين، وعاد مارا بالبلاد الأسبانية فقرأ فيها بعض العلوم الحديثة، ودرس بالرباط أكثر من ثلاثين سنة.
توفي بالرباط يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة سنة أحد عشر وثلاثمائة وألف ودفن بداره التي كان يسكنها (٤).
بلغت تصانيفه مائة وعشرين، بعضها لم يتم ومنها:
حاشية على الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٥).
وله أيضا: تفسير اللغات، حساب الفرائض والتركات، قواعد علم اللغة، علم الدول، أغاني السيقا في علم الموسيقا، شرح لامية الأفعال، تحفة الأحباب بأعمال الحساب، شرح إيساغوجي في المنطق (٦).
стр. 142
- الأحسن بن محمد (١)
٩ - أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي (٢)
فقيه عارف بالتفسير من المعاصرين.
ولد في موريتانيا سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف، وحفظ القرآن الكريم ودرس مبادىء من علوم الدين واللغة العربية ثم درس مختصر خليل والتكميل في قواعد المنهج في أصول الفقه ورحل إلى المملكة العربية السعودية ليأخذ العلم عن الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي (٣) فلازمه ودرس عليه التفسير وأصول الفقه والنحو وأجازه في التفسير وغيره، ولم يدرس الدراسة النظامية.
عمل مدرسا بالحرم المكي سنين عديدة حتى أحيل إلى التقاعد سنة ثمان وأربعمائة وألف ثم استقر في موريتانيا.
قال الطيب بن عمر: هو من أبرز الدعاة السلفيين المعاصرين علما ونشاطا ومن أشدهم في انتقاد البدع لاسيما بدع المتصوفة ومؤلفاته تشهد بذلك (٤).
له عدة مؤلفات طبع منها:
إكمال تحفة الألباب شرح الأنساب، مواهب الجليل على مختصر خليل، إعداد المهج للاستفادة من المنهج.
١٠ - أحمد بن أحمد بن زياد أبو جعفر الفارسي القيرواني (٥)
الإمام العالم النظار الثقة الأمين (٦)
مولده بالقيروان سنة مائتين وأربعة وثلاثين.
قرأ على محمدبن عبدوس، وسمع من محمد بن يحيى بن سلام
стр. 143
تفسير القرآن الذي ألفه والده، فكان به مولعا. وصحب القاضي عيسى بن مسكين وكان يكتب له السجلات والأحكام، وروى عنه أبو العرب وابن حارث الخشني وربيع القطان وهبة الله ابن عقبة وغيرهم.
قال الخشني: كان عالماً عارفاً بالوثائق فقيهاً نبيلاً. وكان مذهبه النظر في المسائل ونقدها ولا يرى التقليد. ويتكلم في ذلك كلاماً حسناً. وكان بصيراً باللغة وأوضاعها بليغ القلم، وكان من ذوي الجاه والمروآت والنعم. وامتحن آخر عمره بمغارم السلطان المحدثة على أهل الضياع في أيام عبيد الله المهدي فانكشف فأكب عليه الغرم وتراكمت عليه المطالب فلجأ إلى محمد بن أحمد البغدادي ليتوسل له عند عبيد الله في تخفيف ذلك عنه، فقال له البغدادي: هذا ما يفعله المهدي مع أحد، ولكن أسأله لك صلة تعينك على المغارم، فاستجاز له في ستين مثقالاً ذهباً استعان بها في دفع المغارم. (١)
ودارت عليه دائرة على يد قاضي الشيعة إسحاق بن أبي المنهال وذلك أنه كتب في كتاب صداق شرطاً معمولاً به في القيروان وجرت به العادة من قديم من تمليك الزوجة طلاقها بيدها إن تسرى عليها الزوج بغيرها. وقد كان بنو عبيد منعوا أهل إفريقية من كتب ذلك في عقود النكاح فلما ارتكب أبو جعفر النهي أرسل إليه القاضي إسحاق المتقدم وحبسه مدة. (٢)
توفي سنة ثلاثمائة وتسعة عشر (٣)، وقيل: وستة عشر، وقيل: وسبعة عشر، وقيل: وثمانية عشر، ورجح حسن حسني الأول. (٤)
له من المصنفات:
أحكام القرآن في عشرة أجزاء (٥).
وله أيضا: الوثائق والشروط، ومواقيت الصلاة (٦).
стр. 144
١١ - أحمد بن أحمد بن محمد الشَّدّادي الإدريسي الحسني أبو العباس الفاسي (١)
قاض من العلماء في التفسير والحديث والنحو من فقهاء المالكية ولي الإفتاء والتدريس بفاس والقضاء والإمامة بزاوية زرهون. (٢)
وصفه محمد مخلوف بقوله: العالم الكبير، المتبحر في النحو والفقه والحديث والتفسير، صدر المحافل في جمع الأفاضل، المرجوع إليه في النوازل، المحتج بما يقوله إذا خفيت الدلائل (٣).
أخذ على محمد بن عبد القادر الفاسي وغيره، وعنه أخذ الشيخ التاودي وغيره.
توفي في خامس عشر جمادى الثانية سنة ست وأربعين ومائة وألف.
له:
تقييد على تحفة ابن عاصم، وشرح على لامية الزقاق في أحكام القضاء، تقييد على عمليات عبد الرحمن الفاسي، فتاوى كثيرة (٤).
١٢ - أحمد بن حمى الله أبو عبد الله الشنقيطي (٥)
من علماء التكرور
قال فيه ابنه عبد الله الفقيه النحوي اللغوي:
كان والدي - رحمه الله تعالى - رجلا صالحا عابدا سرا زاهدا جدا ... كان يلبس لباس العبيد عبيده، ويسعى في مرضاة معبوده، رأته امرأة صالحة في المنام طالعا السماء فقالت - وقد رأت رجليه وساقيه وفخذيه ذهبًا - فقالت: بم نال هذا؟ فقال لها قائل: بعبادة السر.
وكان لايصلي في الصف الأول متذهبا بمذهب بعض أشياخ الطريق القائل: إنه لا يصلي فيه إلا من يستوي عنده طبق ذهب وطبق تراب، ثم صار يصلي فيه فقيل له: لم صليت فيه؟ فقال: استويا
стр. 145
عندي.
وكان يضرب به المثل في العقل والفعل واللسان. قال: كان أزهد الناس، وكان يحفظ الجامع الصغير عن ظهر قلب، وبلغ الغاية في علم التفسير والنحو وعلم القضاء، وكان متوسطًا في غير ذلك.
وكان صاحب نوازل، ولا يبارى في الأدب ولا في علم التصوف، وكان صاحب مكاشفات.
أخذ عن شيوخ، منهم أحمد بن الشيخ سيدي، أحمد بن الوافي، عبد الله بن محمد ابن القاضي. ومحمد بن مولود، ومعتمده شيخ الحقيقة والطريقة الفقيه محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الغلاوي المساوي.
توفي رحمه الله تعالى في رجب الفرد سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف.
له تواليف عديدة مفيدة منها:
متشابه القرآن.
فوائد من الإتقان.
ومنها:
معينته في المحمول والموضوع، وكتاب في الصلاة على رسول الله ﷺ .
١٣ - أحمد بن سعيد القَيجَميسي المكناسي الورزيغي أبو العباس الحباك (١)
فقيه مالكي صوفي عارف بالتفسير أديب.
ولد بمكناس سنة أربع وثمانمائة، وسكن فاسا، وولي الخطابة بجامع القرويين، ودرس التفسير بالمدرسة المتوكلية. قال تلميذه محمد بن محمد اليسيتني: قرئ
عليه تفسير ابن عطية وما أدركت أورع منه.
أخذ عن جماعة منهم الجاناتي وعنه ابن غازي وغيره.
توفي سنة سبعين وثمانمائة.
له:
نظم مسائل ابن جماعة في البيوع (٢).
١٤ - أحمد بن العباس أبو العباس النقاوسي (٣)
عالم بالتفسير والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو والمنطق.
من أهل