← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

بعد إلى حركة عقلية تدل على أصحاب مذاهب دينية مختلفة وأحزاب سياسية واجتماعية متعددة وآراء فلسفية وعلمية متنوعة (١). غير أن بعض الإسماعيليين يرجعون بحركتهم إلى ما قبل هذا التاريخ، إلى عهد إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، ويستدلون على ذلك بنظريات فلسفية وعقائدية. واشتط بعضهم في الغلو فقال: إن دعوتهم قديمة قدم الوجود (٢). التعريف بالتفسير: وتفسير أساس التأويل تفسير شيعي باطني وهو مطبوع بتحقيق عارف ثامر بدار الثقافة بيروت، وكذلك كتاب تأويل دعائم الإسلام مطبوع. وكتاب " أساس التأويل " للنعمان يعتبر أساس المذهب الباطني، كما أن كتاب دعائم الإسلام له يعتبر أساس للفقه والشريعة عند الإسماعلية (٣). وتأويل دعائم الإسلام هذا هو العنوان المتداول لهذا الكتاب ولكن اسمه: "تربية المؤمنين بالتوفيق على حدود باطن علم الدين". وهو تأويل الدعائم المعروف والكتاب في جزأين في التأويل الباطني للأحكام التي جاءت في كتاب دعائم الإسلام نشرته دار المعارف بالقاهرة، وإن كان النعمان لحقته المنية قبل إتمام الكتاب وهو يعد ثاني كتاب هام بعد الدعائم. ولا يزال هذا الكتاب هو الوحيد الذي يسيطر على حياة طائفة البواهر: أتباع الخلفاء الفاطميين في شبه القارة الباكستانية الهندية، واليمن وحضرموت في الهند والباكستان وغيرهما. وعليه المعول في أحوالهم الشخصية وأحكام الأسرة، ومن عجب أن التشريع الإسلامي بالهند الآن يحافظ على شيء من القوانين التي كانت تطبق بمصر في عهد الفاطميين. والتأويل عند الإسماعيلية كما قال عارف تامر في مقدمة تحقيقه للكتاب: هو باطن المعنى أو رمزه أو جوهرة، وهو حقيقة مستورة وراء لفظة لا تدل

стр. 807

عليها، وما سمي التأويل عند الإسماعلية مقصور على أئمتهم دون غيرهم (١). وقد جعلوا محمدا ﷺ صاحب التنزيل، فالتنزيل اختص به الناطق في حياته. وهو علم الظاهر وأحكام الشريعة والعلم المصرح بتعليمه وتبيينه واعتناقه لطبقات العامة. والباطن اختص به الإمام أو الأساس، وهو علم التأويل والحقيقة ومرموزاتها وتعاليمها التي لا يمكن الإفصاح عتها إلا لجنود الدعوة المخلصين الذين تدرجوا في مراتبها وتربعوا في مناصبها وهم طبقات الخاصة. (٢) المنهج العام للتفسير: (٣) لم يتناول ابن حيون في تفسيره القرآن كله، بل أخذ بعض الآيات التي ظهر له أنها تؤيد المذهب الذي يدعو إليه. وقد تعرض في كتابه تأويل الدعائم لتأويل كم هائل من الآيات والأحاديث. وتجدر الإشارة إلى أن التأويل عند الإسماعيلية يختلف عن التفسير بمعناه الشرعي الصحيح لدى أغلب الفرق الإسلامية الأخرى، فهو تأويل غريب لا يتلاءم مع مفهوم اللغة والشرع والعقل، ولذا فسوف أكتفي بعرض بعض النماذج التي لا أزمة لها وهي تبين عن نفسها. قال في أساس التأويل: في قوله تعالى ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾ (٤)، قال: الطريقة هي النبي الناطق في زمانه، والإمام في أوانه من بعده، والماء الغدق هو العلم الغزير (٥). وفي تأويل قوله جل ذكره ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (٦) قال: فصاحب العصر سواء كان نبيا أو إماما يدعى ناطقا، لأنه ينطق بالظاهر، ويقوم به، وحجته يدعى صامتا لأنه صامت عن الظاهر قائم بالباطن.

стр. 808

فالإمام والحجة يتعاقبان تعاقب الليل والنهار ... وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ (١)، إن آيات الله في الباطن حجج على خلقه، وهم الذين افترض عليهم طاعتهم. وفي تأويل آيات الفاتحة قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (٢): والصراط في اللغة: الطريق. ممثل هنا بالطريق لأن من لزم الطريق يصل، وكذلك من لزم الإمام يصل، والمراد ههنا بالطريق الإمام لا الطريق المسلوك في الأرض. وقد أثبت النعمان وجود الظاهر والباطن في القرآن مستشهدًا بقوله تعالى ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾ (٣) وبقوله تعالى ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (٤). ويقول: إن من معجزات القرآن أن يأتي بالشيء الواحد، وله معنى في ظاهره ومعنى في باطنة، وبذلك كان ظاهره معجزة الرسول، وباطنه معجزة الأئمة من أهل بيته (٥). وقال في قوله تعالى ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٦) قال: عنى به شرح الظاهر (٧). ويؤول قوله تعالى ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ (٨) بأنهم الأئمة، ثم قال: وقد بينا في غير موضع أن اسم الإيمان يقع على الرسول والأسس والأئمة وجميع المؤمنين المتصلين بهم. (٩) وذكر أنهم الذين اتبعوه بالحقيقة وآمنوا به وصدقوه بظاهره وباطنه وقاموا بأمره في حياته وبعد مماته من أسبابه الذين كانوا في عصره والأئمة من بعده منهم ﴿معه﴾ باتباعهم إياه وتمسكهم بأمره واتصالهم به لأنهم في نظام واحد معه، فهم حبل الله المتصل طرفه بيد الله وطرفه بيد العباد كما وصفه رسول الله ﷺ فالرسول هو أول حدّ من الحبل في العالم السفلي والأساس متصل به، والأئمة يتصلون بالأساس واحدا بعد واحد، والطرف الأدنى الذي هو بيد العباد إمام كل زمان في زمانه فمن تمسك به فقد تمسك بحبل الله،

стр. 809

وكل واحد منهم في زمانه هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، كالسلسلة، كل عروة منها متصلة بالأخرى فمن تمسك بأدناها فقد تمسك بها كلها وبعضها مع بعض وذلك قول الله : ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ (١) وذكر في تأويل قوله تعالى ﴿فصلّ لربك وانحر﴾ (٢) أن معناها: أقم الدعوة لله باطنا، وهي باطن الصلاة وأقمها في الظاهر ولا الظاهر دون الباطن ﴿وانحر﴾ أي خذ عهد الأساسية على أساسك ونصبه للبيان تتصل ذريتك الباطنة ويكثر المستجيبين لدعوتك وينبتر أمر شانئك وقائل ذلك فيك. فكان كما وعد الله جل ذكره، والنحر إنما يكون للجمال وهي أمثال الأئمة، والذبح للغنم وهي أمثال المؤمنين، والبقر أمثال الحجج، فضرب مثل أساس إبراهيم بالكبش وأساس موسى بالبقر وأساس محمد بالبعير وذلك الذي ذكره من قول إبراهيم لأساسه إسماعيل. (٣) وقال في قوله تعالى ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ (٤) أي الأئمة السبعة (٥)، أئمة الإسماعيلية. وقال في تأويل قوله تعالى ﴿فإن مع العسر يسرا﴾ (٦) مع التنزيل الظاهر بيان باطني يوضحه وييسره لمن عسر عليه أمره بالبيان الذي هو التأويل (٧). وقال في تأويل قوله تعالى ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون والشهداء عند ربهم﴾ (٨) فالشهداء الأئمة والصدّيقون هم أيضا. ومن ذلك قول الله ﴿وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون﴾ (٩) وقوله تعالى ﴿أيها الصديق﴾ (١٠)، وقوله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (١١) يعني الإمام (١٢)

стр. 810

ويقول في تأويل الدعائم: كذلك يرفض المؤمن المستجيب ما كان عليه من ظاهر أهل الباطن ويتمسك بظاهر أهل الحق وباطنهم ومثل ما يترك من سرته عند قطعها ويربط ويكوى طرفه إلى أن يجف ويسقط مثل ما يترك المستجيب عليه من توحيد أهل الظاهر الذي هو إلى الشرك أقرب كما قال تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ (١) فيترك على ذلك في وقت الأخذ عليه إلا أنه يعرف أنه سيوقف على حقيقة توحيد الله وتنزيهه عن كل مثل وضد لئلا يعتقد ما كان عليه من ذلك من التشبيه والشرك وذلك مثل ربط السرة وحسمها فإذا عرف حقيقة توحيد الله وتبين له ذلك سقط عنه ما كان يعتقده من افتراء المبطلين على الله في ذلك وهذا مثل سقوط سرة المولود بعد أيام من ولادته. (٢) ويقول: وقد سمعتم فيما بسط لكم من الأصول وقرئ عليكم من حد الرضاع في الباطن أن لكل جنس من الحيوان أمثالا من الناس يرمز في الباطن بهم لهم ويكنى عنهم بذكرهم في القرآن وفي الكلام ومن ذلك قول الله: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (٣) فأخبر تعالى جل من مخبر أن جميع الدواب والطير أمثال للعباد الآدميين فضرب من ذلك أمثالا كثيرة قد سمعتم بعضها وتسمعون من ذلك ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وقد سمعتم أن أمثال حشرات الأرض وخشاشها والهوام أمثال الحشو والرعاع من الناس وأن النحل أمثال المؤمنين. ومن ذلك الحديث المأثور (٤): "المؤمنون كالنحل لو علمت الطير ما في بطونها لأكلتها" كذلك المؤمن لو علم الكافر ما فيه من الفضل والعلم والحكمة لقتله حسدا له والزنابير أمثال حشو أهل الباطل الذين يتشبهون بأهل الإيمان كما أن الزنبور يشبه النحل ويحكي صنعة بيتها الذي تصنعه بالشمع

стр. 811

فيبنيه الزنبور بالطين وليس فيه عسل كذلك أمثاله من حشو أهل الباطل لا خير عندهم وإن تشبهوا بأهل الحق، والضب أحد الحشرات فضرب ﷺ جحر الضب وخشرم الدبر والدبر جماعة الزنابير كما قلنا مثلا لدعوة أشرار الناس وأوباشهم وأخبر الأمة أنهم سيسلكون في أتباعهم أمثالهم مسلك من تقدمهم من الأمم وقد فعلوا واتبعوا السفلة والأشرار وأوباش الخلق وائتموا بهم وكذبوا عليه ﷺ فزعموا أنه قال: "أطع إمامك وإن كان أسود مجدعا " (١) فائتموا بالسودان والعبدان والأوباش والأشرار ونصبوهم أئمة من دون أولياء الله فهذا تأويل الحديث ومنه قول يعقوب ليوسف: ﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ (٢) فأما جحر الضب وخشرم الدبر فليس مما يدخله الناس ولا يصح القول بذلك في الظاهر وقول الله تعالى: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (٣) له تأويل سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. (٤) ويقول: والصلاة مثلها مثل إبراهيم ﷺ وهو الذي بنى البيت الحرام ونصب المقام فجعل الله البيت قبلة والمقام مصلى وحكى قوله تعالى: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ (٥) وكان هذا القول هو افتتاح الصلاة للمصلين، والزكاة مثلها مثل موسى ﴿إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ (٦) فكان أول ما أمره الله أن يدعوه إليه أن يزكى، والصوم مثله عيسى ﵇ وهو أول ما خاطب به أمه أن تقول لمن رأته من البشر وهو قوله الذي حكاه تعالى عنه لها: ﴿فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ (٧) وكان هو كذلك يصوم دهره ولم يكن يأتي النساء كما لا يجوز للصائم أن يأتيهن في حال

стр. 812

صومه والحج مثله مثل محمد ﷺ وهو أول من أقام مناسك الحج وسن سنته وكانت العرب وغيرها من الأمم تحج البيت في الجاهلية ولا تقيم شيئا من مناسكه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ (١) ... وكان الحج خاتمة الأعمال المفروضة وكان هو ﷺ خاتم النبيين فلم يبق بعد الحج من دعائم الإسلام غير الجهاد وهو مثل سابع الأئمة الذي يكون سابع أسبوعهم الأخير الذي هو صاحب القيامة ... قال: ففضله الله بذلك على سائر من تقدمه من المرسلين وجعل له دونهم فضيلتين ومثلين الحج والجهاد وإذا كان الذي مثله مثل الجهاد من أهل دعوته وشريعته وأحد أولاده وأئمة دينه فلذلك قام هو أيضا بالجهاد مع إقامة الحج، والجهاد ليس من أصل الأعمال إنما هو دعاء إلى اتباع الشريعة وقتل من امتنع من ذلك وكذلك مثله الذي هو خاتم الأئمة لا يكون في وقته عمل كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ (٢) ... قال: وكذلك يجري هذه الأمثال في أسابيع الأئمة يكون أول كل أسبوع منهم مثله مثل الولاية لأنه أول من افترض الله منهم ولايته والثاني مثله مثل الطهارة والثالث مثله مثل الحج على ما تقدم من أمثال النطقاء والسادس منهم يسمى متما كما سمى محمد ﷺ خاتم النبيين ويكمل به أمر الأسبوع ويكون السابع أقواهم ويتم الأمر به ومثله مثل الجهاد على ما تقدم به القول. فهذه أمثال السبع الدعائم التي هي دعائم الإسلام وأمثالها الذين هم النطقاء والأئمة كذلك هم دعائم الدين التي استقر عليها فافهموا الأمثال أيها المؤمنون تكونوا من العالمين فإن الله يقول: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ (٣). (٤) ويقول: وكل ما أظهر من الباطن على ألسنة الأنبياء والأئمة صار ظاهرا وكان قبل ذلك باطنا ولا يزال ذلك حتى يقوم آخر قائم من أئمة محمد

стр. 813

صلى الله عليه وعلى آله الأئمة من ذريته الذي هو صاحب القيامة فيكشف الباطن كله ويرتفع الظاهر والعمل كما قال تعالى: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ (١) وكما قال تعالى ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ (٢) والساق من الباطن لأنها مما يستر ولا يكشف ﴿ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ يعني أنه قد ارتفع العمل والانتفاع بالطاعة فلا يستطاع ذلك. (٣) ويقول: والعرب في لغتها والمعروف من لسانها تسمى الشيء باسم ما صحبه ولاءمه وألفه ومن ذلك أيضا كان الكتاب مثل الإمام لأن القرآن هو أليف كل إمام وبه يعمل وعليه يعول وعنده علمه قال الله لرسوله ﷺ : ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (٤) يعني وصية عليا صلى الله عليه الذي أودعه ذلك والأئمة من ولده الذين انتقل ذلك عنه إليهم، والعرب تسمى الكتاب إماما قال أصحاب التفسير في قول الله: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ (٥) قالوا: يعني في كتاب. (٦) ويقول: قول الله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (٧) وإنما خاطب الله بهذا الخطاب المؤمنين جميعا وكذلك قال تعالى ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٨) وقد ذكرنا أن الولاية دعامة من دعائم الإسلام وأمر الله في كتابه بطاعة أولي الأمر وقرن ولايتهم بولاية رسوله بقوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ (٩) وذلك فرض فرضه الله على المؤمنين، والولاية أصلها السمع والطاعة، فلو كان القول في ذلك ما قالته العامة؛ من أن المراد بالولاية ها هنا وبالمؤمنين جميع من آمن بالله ورسوله، لم يدر من المأمور منهم بالسمع والطاعة، ومن يجب ذلك له من جميعهم، ولكانت طاعة جميعهم واجبة على جميعهم، وأهواؤهم مختلفة وقلوبهم وآراؤهم شتى، ومنهم المطيع والعاصي والمؤالف والمخالف. وقد علم الله ذلك منهم فلم يكن سبحانه ليوجب من ذلك ما لا يعرف حقيقته ولا يصح أمره ولا يثبت واجبه، ولكن اسم الإيمان

стр. 814

يقع على جميع من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من أنبيائه وأئمة دينه وجميع أوليائه وجميع من صدق بذلك وأصل الإيمان التصديق قال الله تعالى ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ (١) أي ما أنت بمصدق لنا وإن صدقنا ومعلوم في لسان العرب الذي نزل به القرآن وخوطبوا منه بما يعرفون في لغاتهم ولسانهم أن الخطاب قد يكون عاما عندهم ويراد به الخاص كما قال الله تعالى ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ (٢) فأراد أن بعض الناس قال ذلك وأنه أراد أن بعض الناس هم الذين جمعوا لهم وذلك ما لا يجوز غيره لأن القائلين ذلك والمخاطبين به هم من الناس فلا يجوز أن يراد بقوله ﴿قال لهم الناس﴾ جميع الناس والذين جمعوا لهم هم جميع الناس والذين جمعوا لهم من الناس فهذا مما ظاهره يقع على العموم وباطنه يراد به الخاص دون العام وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب وما يجري منه بين الناس ويتداولونه بينهم كما يقول القائل منهم لقيت العلماء ورأيت الملوك وسمعت كلام الناس وركبت الخيل وشاهدت الأعمال وأشباه ذلك من القول وهو لم يرد بذلك الجميع وإنما أراد البعض ممن لقيه ورآه وشاهده فكذلك قول الله ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ (٣) ولم يرد به جميع المؤمنين لأن الخطاب بذلك لمن أوجب عليه ولاية من أوجب ولايته منهم وإنما أراد بالمؤمنين ها هنا الأئمة الذين قرن الله طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله بقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ (٤) كما قرن ولايتهم بولايته وولاية رسوله وقد تقدم البيان فيما سمعتموه أن اسم الإيمان يقع على جميع من آمن بالله ورسوله قال الله حكاية عن موسى ﷺ : ﴿سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ (٥) وقال: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله﴾ (٦) وقال ﴿وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب﴾ (٧) ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم﴾ (٨) وقد أخبر الله أن الشهداء إنما هم واحد في كل أمة بقوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ (٩) وقال: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء﴾ (١٠) فليس كل من آمن بالله وبرسوله يكون صديقا

стр. 815

وشهيدا بل أكثرهم وإن آمنوا في الظاهر فقد أشركوا كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ (١) والمراد بالصديقين والشهداء من المؤمنين الأئمة منهم وكذلك قوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢) فالأئمة أولياء من دونهم من المؤمنين، وولايتهم مفترضة على سائر من دونهم من المؤمنين وهم أولياء المؤمنين الذين ولايتهم فرض عليهم، وبعض الأئمة أولياء بعض لأنه لم يكن منهم إمام يستحق الإمامة إلا من بعد أن كان مأموما وكان من قبله إمامه والرسول إمام جميع الأئمة ووليهم فهذا معنى قول الله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وولاية من له الولاية منهم من يولي منهم عليه واسم الإيمان كما ذكرنا يجمعهم والخطاب وإن جمعهم في الظاهر فإنه يخص بعضهم دون بعض في الباطن وقوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (٣) وكل المؤمنين القائمين بما افترضه الله عليهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويركعون في الظاهر وقد نص الله على ولاية من وصفه بهذه الصفة ودل بها عليه فلو حمل ذلك أيضا على ظاهره لرجع إلى المعنى الذي بينا فساده، ولكن الصلاة والزكاة كما بينا ذلك في كتاب الدعائم من الإيمان ومما يوجبه وهما مفروضتان مع سائر الفرائض على الأئمة وعلى كافة المؤمنين، ولكن المراد ها هنا بالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون الأئمة صلى الله عليهم وسلم لأنهم هم الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة بالحقيقة ظاهرا وباطنا فأما في الظاهر فإن الصلاة الظاهرة التي هي الركوع والسجود والقيام والقعود والتشهد أفضلها ما كان في جماعة ومنها ما لا يجزى إلا كذلك كصلاة الجمعة والعيدين، ولا تكون جماعة إلا بإمام، فالأئمة هم الذين يقيمون الصلاة بالحقيقة وإيتاؤهم الزكاة هو أن العباد قد تعبدوا بدفع مايلزمهم منها إليهم وتعبدوهم بإيتائها من تجب له وصرفها في وجوهها فهم الذين يؤتون الزكاة بالحقيقة من يستحقها وركوعهم طاعتهم لله ولرسوله والصلاة في الباطن هي الدعوة فهم صلى الله عليهم وسلم يقيمونها والمال في الباطن هو العلم وإخراج الزكاة منه في الباطن هو إخراج ما أوجب الله على أهله الذين هم أئمة دينه أن يبذلوه لمستحقه.

стр. 816

ومن ذلك قول النبي ﷺ : "لكل شيء زكاة وزكاة العلم نشره " (١) فهم المقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة والراكعون بالحقيقة ظاهرا أو باطنا وإياهم عنى الله بذلك. وقد روت العامة أن هذه الآية نزلت في علي ﷺ وذلك قالوا: إنه تصدق بخاتمه على سائل مر به وهو راكع. وقد جاء في كتاب الدعائم عن محمد بن علي ﷺ أنه سئل عن قول الله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ (٢) من عنى بالذين آمنوا؟ فقال: إيانا عنى بذلك وأنه سئل عن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ (٣) في مواضع كثيرة من القرآن من مثل هذا مما لا يجوز أن يعنى بها جميع المؤمنين وقال: إيانا عنى بذلك. وقال في بعضها: وعلي ﷺ أولنا وأفضلنا وأخيرنا بعد رسول الله ﷺ . فكان ذلك من قوله مما يؤيد ما ذكرناه من أن الأئمة هم الذين عنى الله بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فيما يرتفع من حدود المؤمنين دونهم وأن اسم الإيمان يجمعهم وإياهم وكذلك المعنيون صلى الله عليهم بكثير من القول في القرآن مما قد ادعته العامة لأنفسها مثل قوله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ (٤) ومثل قوله: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ (٥) ومثل قوله ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (٦) ومثل قوله ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ (٧) ومثل قوله ﴿هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٨) ومثل قوله: ﴿الصديقون والشهداء﴾ (٩) ومثل قوله: ﴿ولكل قوم هاد﴾ (١٠) ومثل قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾ (١١) ومثل قوله ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ (١٢) ومثل هذا كثير. (١٣) ويقول: فالمراد بالعلم في ذلك العلم المأثور عن أولياء الله وأنبيائه

стр. 817

وأئمته صلى الله عليهم والمراد بالعلماء هم صلى الله عليهم ومن تعلم منهم فهو يعد من العلماء على سبيل المجاز باتباعه لهم وتوليه إياهم كقوله تعالى: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ (١) وقوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ (٢) فهم العلماء بالحقيقة صلى الله عليهم وقد يقع اسم العلماء على المجاز على كل عالم بشيء ما كان، فليس أولئك وإن وقع عليهم اسم العلماء ممن يعني بالعلماء في الحقيقة ... قال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ (٣) يعني أولياءه ولا يكون أهل العلم ها هنا كل من علم شيئا ما كان وكذلك قوله: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (٤) وإنما عنى بالعلم ها هنا العلم الحقيقي الذي قد قدمنا ذكره المأثور عن أولياء الله. (٥) قال: ومما ذكرناه من أن العلماء بالحقيقة هم أولياء الله ما جاء في كتاب الدعائم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تعلموا من عالم أهل بيتي أو ممن تعلم من عالم أهل بيتي تنجوا من النار". (٦) قال: ومنه قول نوح ﷺ : ﴿ولمن دخل بيتي مؤمنا﴾ (٧) وقد ذكرنا أن لسان العرب يسمى فيه الشيء باسم ما صحبه ولاءمه فمثل صلى الله عليه بيته الذي هو دعوته بأهل بيته القائمين بها والمعنى الذي أراد تمثيل دعوته بدعوة نوح هو أنه كما هلك من تخلف عنها، كذلك يهلك من تخلف عن دعوته، وكما نجا من دخلها كذلك ينجو من دخل دعوته، لأن نوحا أول أصحاب الشرائع وأول أولي العزم ومحمد ﷺ آخر أصحاب الشرائع وآخر أولي العزم. (٨) ويقول: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون﴾ (٩) وقال:

стр. 818

﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (١) فالكتاب في الظاهر هاهنا كتاب الله، والحكمة مابينه رسول الله ﷺ وجاء من عنده والكتاب في الباطن الإمام كما ذكرنا والحكمة في الباطن التأويل الباطن فعلمهم رسول الله ﷺ ذلك ظاهرا وباطنا على درجاتهم ومنازلهم والواجب لأهل كل طبقة منهم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (٢) وهذا من أعظم نعمه فلم يكن الرسول ﷺ ليعلمهم من ذلك ظاهرا دون الباطن ولا باطنا دون ظاهر بل أسبغ الله عليهم به كما أخبر نعمه ظاهرة وباطنة، فعلمهم مما علمه الله تعالى ظاهر العلم وباطنه بأن علمهم تنزيل الكتاب وأخبرهم بواجب السنة وأوقفهم على إمام زمانهم من بعده وعلى واجب الإمامة للصفوة من ولده وأودع علم التأويل من أقامه مقامه لهم ليكون معجزة له وبأن ينقله كذلك واحد من بعد واحد منهم فيمن يخلفه للأمة ويقوم فيها مقامه من بعده. (٣) ويقول: والطهارة في الباطن التطهر بالعلم وبما يوجبه العلم من أحداث النفوس قال الله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (٤) وقال ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام﴾ (٥) وقد تقدم القول بأن الماء مثله مثل العلم فكما يطهر الماء الظاهر من أحداث الأبدان الظاهرة، كذلك يطهر العلم من أحداث النفوس الباطنة وأفاعيلها الردية الموبقة وكذلك يكون الطهور بما يوجبه العلم من الواجبات قال تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم﴾ (٦) ... (٧) وقال: وقال تعالى: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ (٨) فلم يسكنه إلا الصفوة من ولد إسماعيل ﷺ ولما تغيرت الأمور من بعده وسكن الحرم المشركون وبعث الله نبيه ﷺ كان فيما أنزله عليه قوله: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (٩) فنفاهم رسول الله ﷺ عن الحرم فكان طهور البيت إسكان أولياء الله فيه وإخراج أعدائه

стр. 819

منه ولم يكن ذلك بالماء في الظاهر هو كما يكون الطهور الظاهر وقال الله تعالى لرسوله محمد ﷺ ﴿ياأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر﴾ (١) فكان أول ما افترض عليه بعد إنذاره أن يبدأ بتطهير ثيابه والثياب في التأويل الظاهر لأن الثياب ظاهرة فأمره الله بإقامة ظاهر الشريعة وتطهيره من أنجاس الكفرة الجاهلية وما كانت تعبده وتذهب إليه في ظاهر ماتتدين به وكذلك يجب كما ذكرنا على المؤمنين أن يبدأ ويبتدئ به من يعلمه الإيمان بإقامة ظاهره وتطهيره مما كان يذهب إليه من ظاهر أهل الباطن وقد فسر ذلك كثير من المفسرين من العامة على غير الطهر الظاهر المتعارف عندهم الماء فقال بعضهم قوله: ﴿وثيابك فطهر﴾ (٢) أي طهر نفسك من الذنوب فكنى عنها بثيابه. وقال آخرون: أراد أن لا تلبس ثيابك على كذب ولا فجور ولا إثم، البسها وأنت طاهر من ذلك. وقال آخرون: أي قصرها. وقال آخرون: العرب تقول ألبست فلانا ثوب خزية وعار، إذا ألبسته ذما ونقيصة. فكلهم تأولوا ذلك على غير الطهارة من أنجاس الأبدان في الظاهر بالماء ومن أنجاس الأرواح في الباطن بالعلم. (٣) ويقول: فالإيمان على ضربين براءة من الباطل وأهله ودخول في الحق وأهله، وقد ذكرنا أن مثل الصلاة مثل البراءة من الباطل وأهله والصلاة تدعى إيمانا وقد جاء أن القبلة لما صرفت إلى جهة الكعبة قال المسلمون لرسول الله ﷺ : يارسول الله أفيذهب ثواب صلاتنا من قبل؟ فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (٤) يعني صلاتكم (٥) فسمى صلاتكم إيمانا وكذلك هي في الباطن إيمان لأن الدعوة جماع الإيمان. (٦) ويقول: وقد جاء أن عورة الرجل مابين السرة والركبتين وأن المرأة عورة كلها فباطن ذلك أن أمثال الرجال كما ذكرنا أمثال المفيدين وهم الذين يفيدون من دونهم من المؤمنين العلم والحكمة، وهم في ذلك على طبقات بعضها فوق بعض فكل مفيد مثله مثل الذكر وكل مستفيد مثله مثل الأنثى، والمستفيد يجب

стр. 820

عليه ستر جميع مايفيده المفيد فمثله في ذلك مثل المرأة التي يجب سترها كلها والمفيد لا ينبغي له كشف جملة ماعنده من ذلك لمن يفيده وإنما ينبغي له أن يفيده أطرافا من الحكمة والعلم ويكشف من ذلك لكل من يفيده بقدره ويكون عنده من ذلك ما يستره عمن دونه ليستحق به الفضل عليه وكان الذي يجب ستره على الرجل ثلاثة أشياء من بدنه فخذاه وفرجاه وفكاه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم﴾ (١) فعني بالذين آمنوا هاهنا: المفيدين، وبالذين ملكت أيمانكم: المستفيدين منهم غير المأذون لهم، وبالذين لم يبلغوا الحلم: المحرمين المستفيدين والمأذونين الذين لم يبلغوا حد الإطلاق. فأمر المفيدين أن يستروا عنهم من هذه الثلاث العورات كلها فلا يفاتحوهم بما في حدودها من العلم حتى يجب ذلك لهم. (٢) ويقول: مثل الصلاة مثل أول قائم بالدعوة التي افترضت فيها وهو محمد ﷺ وهذا مما ذكرنا أن الشيء يسمى باسم ماصحبه ولاءمه وأن الطهارة مثلها مثل أساسه وهو علي ﷺ وقيل إن ذلك يدل عليه حروفهما فقيل صلاة أربعة أحرف ومحمد أربعة أحرف وطهر كذلك ثلاثة أحرف وعلي ﷺ ثلاثة أحرف فلا يصح إقرار بنبوة محمد ﷺ إلا لمن أقر بأن عليا ﷺ وصيه من بعده وكذلك لا تكون صلاة في الظاهر من مصل إلا بطهارة ومن ذلك أيضا قولهم الوضوء مفتاح الصلاة كذلك لا يولي النبي إلا من قبل وصيه كما قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم وعلي ﷺ بابها فمن أراد العلم فليأت الباب" (٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ (٤) ... (٥)

стр. 821

ويقول: فالقبلة في التأويل مثلها مثل الحجة لأهل دعوة الباطن وأساس الشريعة وهو وصي النبي ﷺ ومن ذلك قوله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ (١) يعني عليا ﷺ ونصبه للحجة وأساسا لإمامة من بعده وأمر الناس بالتوجه إليه وأن يوليه رسول الله ﷺ شطر المسجد الحرام وهو وجهه الذي قال فيه ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (٢) وقد ذكرنا أن مثل المسجد الحرام مثل الناطق ودعوته وحجة الناطق وهو وجهه الذي يتوجه إلى الناس به في التأويل وتوليته شطر المسجد الحرام هو توليته باطن الدعوة وهي نصفها لأنها دعوتان ظاهرة وباطنة، فظاهر الدعوة تكون للناطق يقيم بها ظاهر الدين وأحكامه. وباطنها وهي الدعوة الباطنة يقيم بها حجته ويقيم الحجة لها نقباءه ودعاته يدعون إليها فهذا تأويل قوله: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي ول أمر وصيك أمر الدعوة الباطنة ثم قال لجميع المؤمنين: ﴿وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ أي حيث ما كنتم فاقبلوا على دعوة الحق. (٣) وقال: الوفد في اللغة جمع وافد وهو الذي يأتي الملك عن القوم فكذلك الأئمة هم الذين يفدون إلى الله بأهل أزمانهم وهم الشهداء عليهم كما قال جل من قائل: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ (٤) وقال: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء﴾ (٥) وقال: ﴿أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم﴾ (٦) وكذلك الدعاة هم وفود أهل زمانهم إلى أئمتهم عندهم عليهم بأعمالهم التي طلعوا فيها عليهم. (٧) ويلاحظ فيما ذكرنا من النقول ما يقوم عليه تأويل هؤلاء من جعل كل شيء في الأئمة ودعوتهم وطاعتهم ومن هذا المنطلق يصلون لربط الشريعة ككل بما يمليه عليهم أئمتهم وهذا هو الأساس الذي هدموا به الدين وانسلخوا منه كلية والعياذ بالله ومن أراد الاستزادة عن المراحل التالية لتلك المرحلة وما وصل إليه الأمر عندهم عليه بمراجعة كتاب الحركات الباطنية في العالم الإسلامي.

стр. 822

تفسير ابن برجان الصوفي من خلال كتابه الإرشاد مؤلف هذا التفسير هو أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال محمد ابن برجان اللخمي الإفريقي الإشبيلي الصوفي من الوافدين على المنطقة ت ٥٣٦ هـ بمراكش. (١) وقد ذكرت في ترجمته أنهم عابوا عليه الإمعان في علم الحرف واستخدامه إياه في التفسير وقرروا أنه مبتدع. نبذة عن موقف الصوفية (٢) من التفسير: (٣) قال الحافظ ابن الصلاح ﵀ عندما سئل عن كلام الصوفية في القرآن: وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي "حقائق التفسير" فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. قال ابن الصلاح: وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولاذهب مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم

стр. 823

تنظير لما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير ... ومع ذلك فياليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك لما فيه من الإبهام والإلباس. (١) وقد قسم الدكتور حسين الذهبي التفسير الصوفي إلى قسمين: التفسير الصوفي النظري: وهو مابني على مباحث نظرية وتعاليم فلسفية وهو يقوم على مذهب وحدة الوجود. التفسير الصوفي الفيضي أو الإشاري: وهو تأويل لآيات القرآن على خلاف الظاهر بمقتضى إشارات خفية تظهر لمن يطلق عليهم أرباب السلوك، ويفترض فيه إمكانية التطبيق بينه وبين الظواهر المرادة. (٢) وهذا الأخير له شروط عند من قبله وقد تقدم شيء من ذلك في كلام ابن باديس ﵀ إلا أن تلك الشروط لا تكاد تنطبق عند النقد. وأضيف هنا قسما ثالثا: وهو التفسير الصوفي الحرفي: وهو استعمال الحروف وأسرارها التي هي من وحي الشياطين في تفسير كتاب الله تعالى، وتفسير ابن برجان من هذا النوع، وأما النوع الأول فسوف نتعرض له في تفسير ابن عربي، والنوع الثاني سوف نتعرض له في تفسير ابن عجيبة، نسأل الله السلامة. التعريف بالتفسير: وتفسيره المسمى "الإرشاد" من التفاسير المخطوطة وقد ذكر الزركلي أنه لم يكمله وأن أكثر كلامه فيه على طريق الصوفية، وفي كشف الظنون أنه ذكر فيه من الأسرار والخواص ما هو مشهور فيما بين أصحاب هذا الشأن. وقد وقفت على نسخة على الميكروفيلم بمكتبة الجامعة الإسلامية جاء عليها: النصف الأول من تفسير القرآن العظيم للشيخ الإمام العارف الرباني أبي الحكم عبدالسلام بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن اللخمي عن السليمانية بتركيا ٨٩٥١/ ١ - ٢، وهي التي اعتمدتها في دراسة الكتاب، وهي من سورة الفاتحة إلى سورة الكهف.

стр. 824

وقد افتتح المؤلف الكتاب بخطبة ثم عقد فصلا يدل على انحراف فكره قال فيه: ثم قد يكشف الله ﷻ لبصائر بعض عباده المؤمنين فيرون بها ما غاب عن أبصار رءوسهم ... فرأوا بنور الإيمان وحقيقة الإيقان ما ليس بشخص ولا جوهر ولا عرض ولا هو من قبيل ذلك .. ثم قد يرون أيضا ما ليس كالأجسام المعهودة ... .مرائي روحانية يصورها مصور العقل في باطن الذكر ... وكذلك يزيل الوقر عن أسماع قلوبهم فيسمعون بها ما غاب عن آذان رءوسهم ... إلى أن قال: وأما الإلهام ... الخ وأما التوسم ... الخ فلم يكن الله ﷻ ليجعل كلامه الكريم ظاهرا كله للحكمة والحكم اللذين في كلامه ولئلا يصل إلى فهم رفيع خطابه إلا من صرف همته إليه ... ثم ذكر الظاهر والباطن. ثم شرع في الحديث عن البسملة. وهذا التفسير في الجملة تفسير صوفي يركز على الحرف وشيء من الإشارة وأنواع من الهذيان، وهو لا ينقل عن أحد سبقه البتة، ولا يهتم باللغويات والنحو. ويبدأ بذكر اسم السورة كقوله سورة البقرة ... .ولا يذكر مكية أو مدنية ولا عدد آي ولا مناسبات ... . وربما خالف ذلك مثل قوله سورة الأنعام مكية غير تسع آيات نزلت هذه السورة ليلا المنسوخ منها أربع عشرة آية (١). ويتعرض للكلام في العقائد فقال تحت قوله تعالى: ﴿إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك﴾ (٢) بعد أن ذكر كلاما كثيرا عن المسيح والمسيح الدجال تطرق للكلام عن علي بن أبي طالب وقال: وحتى هذا اعتقد قوم أنه حي وأنه تكون منه رجعه فيفعل ما يفعل الوصي فإنهم ادعوا أن رسول الله ﷺ جعله وصيا وهذا لم يثبت وإنما يكون في نسله ومنهم يكون الرجل الصالح المهدي المبشر به فهذا أوقع أولئك في هذيانهم من قولهم بالرجعة (٣). وهو يذكر الآيات القرآنية بكثرة في نسق واحد وفي الغالب يكون لا تعلق لها بالآية المراد تفسيرها أو تعلقها طفيف جدا وربما ذكر تفسيرا مقبولا لآية بآية كما هو منهج المفسرين ومثل ذلك قوله: ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم

стр. 825

إلا النار﴾ (١) ذكر بعض المفسرين في ذلك أنه على المال ولهذا نظير قوله تعالى: ﴿الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ (٢) ثم استطرد بآيات على طريقته فقال: ومثله قوله تعالى: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ... .. لا يبصرون﴾ (٣) وقوله ﴿أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم ... خالدون﴾ (٤). (٥) وقد يذكر بعض الأحاديث الصحيحة كقوله: جاء في الصحيح المأثور أن جبريل ورسول الله صلوات الله وسلامه عليهما (٦) كانا قاعدين معا إذ سمع جبريل نقيضا في السماء. (٧) فذكر الحديث في فضل الفاتحة وأواخر البقرة. وقال: فصل: فذكر فيه حديث أبي بن كعب فقال قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب ﵁: "يا أبي إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد ... .الخ " (٨) الحديث في فضل الفاتحة. ومن الأحاديث غير الصحيحة قوله: قال رسول الله ﷺ : "إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا" وفي أخرى "فجعل سورة يس جزءا" (٩). (١٠) وقد يتعرض لأسباب النزول: ومن ذلك قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ (١١) قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾ (١٢) ونحن نعبد ما تعبدون فأنزل الله ﴿ياأيها الذين

стр. 826

آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ (١) (٢) وأما السيرة والتاريخ فمن مواضع تعرضه لها: قال في قوله ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ (٣): اختلف الناس فيمن هو المعني بهذا المعنى فقال قوم: هو بلعام بن باعوراء وقيل: باعر وقال آخرون: هو البسوس عابد من بني إسرائيل قالوا: كانت له ثلاث دعوات استفذهن على ما ذكروه في امرأة والله أعلم أكان ذلك أم لا؟ وقال قوم: هو أمية بن أبي الصلت وقال قوم: نزلت في راهب بن صيفي وقال قوم: إنها نزلت مثلا في اليهود والنصارى وكل من آتاه الله من آياته وعلمه كتابه فانسلخ من ذلك فهو المعنى بهذا ثم اختلفوا في القصص عن هؤلاء المذكورين وأنا ذاكر طرفا من قصص أمية بن الصلت لقرب طريقه وتارك ذكر قصص ما قص في شأن أولئك لبعد الطريق وتعذر الوقوف على صحته وسقمه ... .فذكر طرفا وذكر شعرا كثيرا له في التوحيد. (٤) والعجيب أنه عندما أتى على قصة موسى والخضر اختصرها اختصارا شديدا ولم يتعرض لا لماهية الخضر ولا لحقيقة العلم اللدني الذي كان من المتوقع إسهابه فيه ولم يزد عن ذكر القصة مختصرة وبدأها بقوله: العلم اللدني هو خاص الخاص من العلم ولما سأله الصحبة وأعلمه سبب رحلته إليه قال ياموسى أنت على علم ملكه الله لا أعلمه أنا وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت ... .الخ ومما ذكره قبل سوقه للآيات عن سبب القصة قوله: رأى ﷺ أنه أوتي العلم دون أهل الأرض إذ لم يعلم في الأرض رسولا غيره فأراد الله أن يكشف له عن علم هو أرفع من علم الرسالة التي هي للبشر فأعلمه بصاحبه. (٥) وأما الإسرائيليات فقد انفرد برأي غريب بالنسبة لهاروت وماروت فقال: وكان الغالب ما أنزل عليهما ما هو من سبيل علم الأسماء وما يقتضيه وما يكون دواء من السحر وعلى الأقرب فالأقرب من معانيها وخاصة كل اسم منها في منافعه ... . إلى أن قال: وكلاهما من عند الله جل وعز ومن

стр. 827

رسله وملائكته لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فافهم مرسل الله من فضله ... .. فكانا ﵉ لأجل ذلك يقولا للمتعلمين منهما إنما نحن فتنة فلا تكفر أي لا تزغ ولا تعدل عن الطريق فيعدل بك ... فمن آمن منهم واتقى الله أعلم رقية العلم ونال ذروة شرفه ونجا من الفتنة ووصف الله المتعلمين منهم على السبل المذمومة أنهم إنما كانوا يتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه بدل الذي يوجب الألفة وكرم الوداد في الله ثم ما يتبع ذلك لا محالة مما يضاده ... .الخ (١) وأما اللغويات: فربما تعرض لشرح المفردات مثل قوله: الهداية: التسديد والإرشاد وإتمام النعمة على المهدي. (٢) ويتعرض للقراءات أحيانا مثل قوله: قرئ الحمد لله بالنصب على المصدر والحمد لله بضم الدال واللام على الاتباع وبالكسر أيضا. فذكر القراءات المتواتر منها والشاذ عن جعفر الصادق وثابت البناني وأيوب السختياني والمخالف منها لرسم المصحف. كما ذكر القراءات في الملكين في قوله ﴿على الملكين ببابل﴾ (٣) وذكر القراءات في ﴿ماننسخ من آية أو ننسها﴾ (٤) ونذكر هنا مثالا لأسلوبه في معالجة الآيات الفقهية يقول: قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ...﴾ (٥) إلى آخر المعنى أعلم الله جل ذكره عباده بكتب الصيام عليهم مجملا لا يدري من لفظ الصيام ماهو قدره إلا ما قال الله ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ (٦) فتوجه على المسلمين أن يصوموا صيام من كان قبلهم فكانوا يصومون ويفطرون قبل غروب الشمس كصيام أهل الإنجيل فبين الله ﷻ هذا المجمل بقوله ثم أتموا الصيام إلى الليل وكانوا يصومون إذا أفطروا فرفع أحدهم يده عن الطعام أو نام عنه لم يرجع إليه إلى مثلها فضر ذلك بعضهم فبين الله ﷻ بقوله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وكانوا لا يمسون النساء ولا يجامعوهن في الصيام

стр. 828

وكانوا مع ذلك يتهافتون فيه ويحرجهم ذلك فبين الله جل ذكره ذلك بقوله ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ...﴾ (١) إلى أن قال: وليس من القرآن في هذا كله شيء منسوخ ... .ثم قال ﴿ومن كان مريضا أو على سفر﴾ (٢) فعليه أن يصوم عدة ما أفطر أياما أخر من غيره وفي الخطاب ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ (٣) فوجب على المريض والمسافر عدة أيام أخر وبقي على المطيقين وهي الحامل إذا خافت على ما في بطنها أفطرت وأطعمت وإن كانت هي مطيقة للصوم وكذلك المرضع إذا خافت على رضيعها أفطرت وأطعمت وأما الهرماء والزمنى الذين لا ترجى صحتهم فهم يطعمون ولا يكلفون صوما لعذرهم الدائم وفيه فمن تطوع خيرا ... .الخ (٤) ﴿أحل لكم﴾ قال: وقد تقدم ذكر هذه الثلاثة الأحوال أنها نسخت بالقرآن العزيز فالمنسوخ بالقرآن هو شرع من كان قبلنا وكتابهم كما قال تعالى ﴿كتب عليكم ... .قبلكم﴾ فكان ذلك شيء للكتاب المتقدم لا نسخا للقرآن. (٥) وقد تكلم عن النسخ عند قوله تعالى: ﴿ماننسخ من آية ...﴾ (٦) ومما قاله: وماورد في القرآن العزيز من ناسخ ومنسوخ فمعلوم وهو قليل قد يسر الله جل ذكره ناسخه عند منسوخه كنسخ الصدقة عند مناجاة الرسول بالآية التي أعقبها بها ... .. فذكرها ثم بين أن ذلك ليس نسخا وإنما إنساء. وقد ظهر أنه يرجح عدم وجود النسخ في القرآن وفسر الآية تفسيرا جديدا وربطها بقصة هاروت وماروت فقال: وإن كان الكلام في نسخ القرآن ما أنزل على الملكين ﵉ فتقديره ﴿ما ننسخ من آية﴾ مما أنزل عليهما ﴿نأت بخير منها﴾ أي أعظم مثوبة وأبعد من الفتنة وأقرب إلى السلامة. (٧) هذا عرض شبه تفصيلي لمنهج المفسر وهو يشم منه الانحراف عن الجادة وننقل هنا بعض النقول التي تتحدث عن نفسها في بيان انحراف هذا

стр. 829

التفسير فمن ذلك: ذكر كلاما كثيرا به تخليط وتخبيط يشتمل على أحاديث كثيرة صحيحة وآيات قرآنية بعضها في محلها وبعضها ليس في محلها ليقرر أن الفاتحة سبعة فصول تنفصل هذه السبعة فصول إلى مائة فصل عدد أسمائه جل ذكره وعددها عدد درجات الجنة عنها انفصل العلم كله وإليها رجع. قال: وهذه الفصول الأربعة للقرآن شبيهة بالفصول السبعة للأسماء وقد تقدم ذكرها في شرح الأسماء (يعني كتابه الذي ألفه في شرح الأسماء الحسنى) وهي أيضا شبيهة بالأيام السنة سابعها يوم الجمعة وهو جامعها وموضع فريدها، عنه انفصلت وإليه ترجع على نحو ما تقدم من العبرة في اسم الشهيد وهذه الفصول السبعة وما تفصلت إليه ترجع كلها إلى فصلين فصل الإلهية وفصل النبوة ويرجعان معا إلى فصل الإلهية، الأعلى ينتظم الأسفل. (١) ثم يقول: إنباه إياي أعني ونفسي أخاطب أين يذهب بك أيها اللاعب المتلاهي والبطال المتغافل أغفلت حظك ولهيت عن فوزك رب العالمين الرحمن الرحيم ذو العرش العظيم يذكرك ويثني كلامه على تلاوتك ... .. إلى أن قال: إنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله نحتسب غفلة التخلف ﴿وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله﴾ (٢) ﴿إن ربنا لغفور شكور﴾. (٣) وقال في تفسير كلمة ﴿الرحيم﴾ (٤) فصل: كان الله ﷻ ولا شيء قبله ولا موجود سواه ولما كتب في الذكر كل شيء ثم أوجد أوائل ما كتبه فكان ذلك ثناء لفردانيته ثم استوى على العرش فحمد كل شيء باستوائه على العرش إذ حيي باستوائه ذلك العبد الكلي واستوى أي كمل وتم كما شاءه المستوي العلي الكبير فهو جل ذكره لا يعزب عنه من موجودات عبده الكلي والجزئي مثقال ذرة في العلو ولا في المنتهى ولا ماهو أصغر من ذلك ولا أكبر فكان مقتضى اسمه الرحمن شامل للجملة ومقتضى اسمه الرحيم عام للمطيعين. (٥)

стр. 830

ويقول في ﴿إياك نعبد﴾ (١) وهي كلمة مركبة من أربعة أحرف هن حروف المعرفة الهمزة والباء والألف والكاف والهمزة صادرة من ذات المخاطب إلى الكاف التي هي لمواجهة المخاطب والياء والألف سبيل إلى ذلك وعماد له أشار بها السر المخاطب بالاخلاص للعبادة على حكم التوحيد المحض .. الخ. ويقول: ﴿الم﴾ (٢) ثلاثة حروف مرسومة ظاهرة وأربعة رءوس وستة توالي دخلت لضرورة النطق بالرءوس المرسومة الرءوس ولما كانت الهمزة إنما دخلت لضرورة النطق بالألف لحقت بالتوالي إذا سبعة والمرسومة ثلاثة فهي عشرة كانت هذه التوالي ... إلى أن قال: فصل فالهمزة يعطي معناها هاهنا كلما ما أفهمته من معنى وما أعلمته من معلوم وكذلك الألف وكذلك اللام إذ هي أوائل المعاني في كل ما دخلت عليه كل صحيح معتبر ... .. الخ (٣) فذكر في الحروف حوالي خمس صفحات: قال فيها: وعلى هذا السبيل تأولها حبر العرب عبد الله بن عباس ﵁ حيث قال: ﴿الم﴾ أنا الله أعلم، ﴿الر﴾ (٤) أنا الله أعلم وأرى. ولإمعانه في العلم بالحروف لما سئل عن تفسير قوله جل وعز ﴿كهيعص﴾ (٥) قال: لو أخبرتكم بتفسيرها لكفرتموني وفي أخرى لكفرتم أي بتكذيبكم الحق. وقال: وأما دلالة الميم المتأخرة الموجودة في حرف لام وحرف الميم فنقول هو الله لا إله إلاهو الحليم الحكيم ... .الماضي والمضاء والمتمادي والأمر النافذ والتدبير المبرم هكذا ويدخل في الاعتبار والأحكام والقصص ... .الخ (٦) ورجع للحروف مرة أخرى بعد أن تكلم عن نزول القرآن على سبعة أحرف. وعقد عدة فصول تحت قوله ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ (٧) قال في بعضها: ومصداق هذا قول الله ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾ (٨) وأخبر ﷻ أن ذلك من أمره أنزله إلينا وأعظم اليسر ما يفتحه الله

стр. 831

على بواطن المتقين وينزله عليهم من فتوحاته وإلهامه ... .الخ (١) قال: ثم درجة أخرى منها تترقى إليها إن سمت بك همة وهي ستة معالم احتوت على معارف أحكام الملكوت التي أطلع الله جل ثناؤه عليها خصوص عباده وكلفهم تعلم علمها ... الخ (٢) فذكر قرابة عشرين صفحة في الغيب. وعندما مر بقوله تعالى ﴿إن الصفا والمروة﴾ (٣) تركه ومضى ولم يفسره إلى أن جاء قوله تعالى ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ (٤) فأسهب فيه فذكر قرابة اثنتين وخمسين صفحة (٥) وتكلم عن الفلك والظواهر الكونية فأطال جدا. وقال في قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (٦) أحد وجهي الخطاب معناه وهو الأظهر إرادة التشديد والزجر في حرمة للدماء بقتل القاتل من كان وهو الحق والصواب والحكمة. والوجه الثاني وهو الأظهر في آخر الآية: القصاص من الأنفس قوله ﴿لعلكم تتقون﴾ إنه القصاص من الأنفس وتلك سنة أولي الألباب من كانت ذنوبه بكثرة الضحك يقاص منها بكثرة البكاء ومن سهر في البطالة فليسهر في العبادة والاجتهاد ... الخ (٧)

стр. 832

تفسير ابن عربي الصوفي من خلال التفسير المنسوب إليه وكتابيه فصوص الحكم والفتوحات المكية مؤلف هذا التفسير هو محيي الدين محمد بن علي بن محمد ابن عربي الحاتمي الأندلسي الصوفي ت ٦٣٨ هـ وهو من الوافدين على المنطقة، دخل سبتة وبجاية وغيرهما (١). التعريف بالتفسير: وتفسيره المنسوب إليه تفسير باطني صوفي اتحادي فلسفي لا علاقة له بالتفسير، وهو تفسير مطبوع باسم تفسير القرآن الكريم لابن عربي ويقع في مجلدين من منشورات دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر ط. ١ بيروت ١٣٨٧ هـ ويؤيد اتجاهه فيه النقول التفسيرية التي سوف نذكرها من الفصوص والفتوحات المكية، وكلاهما له بلا جدال. المنهج العام للتفسير: بذكر المصنف في هذا التفسير مجموعة من الآبات يقوم بتفسيرها بناء على فكرة وحدة الوجود وكل همه منصب على تقرير تلك الفكرة الإلحادية التي ليست بمعزل عن منهج ابن عربي العام، لذا فإن الطعن في نسبة الكتاب له لا أرى لها وحها حيث إن المنهج واحد والأفكار متشابهة. وربما ذكر حديثا أو تعرض لشيء من اللغوبات وأبيات الشعر. وأنقل هنا نصا من الفتوحات قرر فيه ابن عربي عقيدته ومنها يكون الانطلاق للحديث

стр. 833

عن النصوص التفسيرية: يقول: فقلنا: العزة الإنسانية كالحضرة الإلهية لا بل هي عينها. (١) وبعد أن ذكر عقيدة تقارب عقيدة المسلمين وأشهد على نفسه باعتقادها قال: فهذه عقيدة العوام من أهل الإسلام أهل التقليد وأهل النظر ... . ثم أتلوها إن شاء الله بعقيدة الناشية الشادية ... ثم أتلوها بعقيدة خواص الله من أهل طريق الله - من المحققين - أهل الكشف والوجود ... .. وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض ... فمن رزقه الله الفهم فيها يعرف أمرها ... فإنها العلم الحق والقول الصدق ... ويستوي فيها البصير والأعمى تلحق الأباعد بالأداني وتلحم الأسافل بالأعالي والله الموفق لا رب سواه. (٢) وكما سبق في شبيهه النعمان بن حيون الباطني أقول هنا فلندع النصوص تحدث عن نفسها: في الفتوحات يقول في قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان ... .فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ (٣): هل بالبحر الذي أوصله به فأفناه عن الأعيان؟ أو بالبحر الذي فصله عنه وسماه بالأكوان؟ أو بالبرزخ الذي استوى عليه الرحمن؟ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ يخرج من بحر الأزل اللؤلؤ، ومن بحر الأبد المرجان، ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ﴿وله الجوار﴾ (٤) الروحانية ﴿المنشئات﴾ من الحقائق الأسمائية ﴿في البحر﴾ الذاتي الأقدسي ﴿كالأعلام فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ (٥) ... يسأله العالم العلوي على علوه وقدسه والعالم السفلي على نزوله ونجسه كل خطرة في شأن ... .. الخ ويقول: فهكذا لو اعتبر القرآن لما اختلف اثنان ولا ظهر خصمان ولا تناطح عنزان فتدبروا آياتكم ولا تخرجوا عن ذاتكم ... . (٦). ويقول: واعلموا أن بسملة سورة براءة هي التي في سورة النمل فإن الحق إذا وهب شيئا لم يرجع فيه ولا يرده إلى العدم فلما خرجت

стр. 834

رحمة براءة وهي البسملة حكم التبري من أهلها برفع الرحمة عنه فوقف الملك بها لا يدري أين يضعها فقال تعالى أعطوا هذه البسملة للبهائم التي آمنت بسليمان ... . الخ (١) ويقول تحت فصل بدو العالم ومناله الهباء والحقيقة المحمدية: فلما أراد تعالى وجود العالم وبدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية نقول انفعل عنها حقيقة تسمى الهباء ... .. وهذا أول موجود في العالم وقد ذكره علي بن أبي طالب ﵁ وسهل بن عبد الله التستري ﵀ وغيرهما من أهل التحقيق أهل الكشف والوجود ثم إنه سبحانه تجلى بنوره إلى ذلك الهباء ... . أصحاب الأفكار الهيلولي الكلي ... .. قال تعالى ﴿مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾ (٢) فشبه نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه تعالى قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد ﷺ ... . بالعقل فكان سيد العالم بأسره وأول ظاهر في الوجود فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ومن الهباء والحقيقة الكلية وفي الهباء وجد عينه وعين العالم من تجليه وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب وأسرار الأنبياء. (٣) ومن تفسيره ننقل هذه المقاطع: قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ (٤) إشارة إلى أن الشقاوة العلمية الاعتقادية مخلدة لا تتدارك أبدا دون العملية أي لايستر بوجوده ولا يفنى بذاته من يثبت غيره في الوجود (٥). قال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم﴾ (٦) أي فرضنا عليهم ﴿أن اقتلوا أنفسكم﴾ بقمع الهوى الذي هو حياتها وإفناء صفاتها ﴿أو اخرجوا من دياركم﴾ مقاماتكم التي هي الصبر والتوكل والرضا وأمثالها لكونها حاجبة عن التوحيد كما قال الحسين بن منصور قدس الله روحه لإبراهيم بن أدهم ﵀ لما سأله عن حاله وأجابه بقوله: أدور في الصحاري وأطوف في البراري حيث لا ماء ولا شجر ولا روض ولا مطر هل يصح حالي في التوكل أم لا؟ فقال: إذا

стр. 835

أفنيت عمرك في عمران بطنك فأين الفناء في التوحيد (١). قال: ﴿وإذا ضربتم في الأرض ... ..﴾ (٢) وإذا سافرتم في أرض الاستعداد بالطريق العلمي لطلب اليقين فليس عليكم جناح أن تقصروا من الأعمال البدنية وأداء حقوق العبودية من الشكر والحضور لقوله ﵊ "من أوتي حظه من اليقين فلا يبالي بما انتقص من صلاة وصوم" (٣). وقال: ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ (٤) بالجمع والتفصيل ولا تقولوا ثلاثة بزيادة الحياة والعلم على الذات فيكون الإله ثلاثة أشياء ويكون عيسى جزء من حياته بالنفخ أو بالتفرقة بين ذات الحق وعالم النور وعالم الظلمة ويكون عيسى متولدا من نوره بل قولوا بالكل من حيث هو كل فيكون العلم والحياة عن الذات وكذا عالم النور والظلمة ويكون عيسى فانيا غير موجودا بوجوده حيا بحياته عالما بعلمه وذلك وحدته الذاتية المعبر عنها بقوله ﴿إنما الله إله واحد سبحانه﴾ (٥) نزهه أن يكون موجود غيره فيتولد منه وينفصل ويجانسه بأنه موجود مثله بل هو الموجود من حيث هو موجود (٦). وقال: ﴿لن تراني﴾ (٧) إشارة إلى استحالة الاثنينية وبقاء الإنية في مقام المشاهد كقوله إذا تغيبت بدا ... وإن بدا غيبني (٨) وعند قوله تعالى ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ... إلى قوله ... كأنهم لا يعلمون﴾ (٩) يقول: والظاهر أن جبرئيل هو العقل الفعال وميكائيل هو روح الفلك السادس وعقله المفيض للنفس الحيوانية الكلية الموكلة بالحيوانات وعزرائيل هو روح الفلك السابع الموكل بالأرواح الإنسانية كلها يقبضها بنفسه أو بالوسائط التي هي أعوانه ويسلمها إلى الله تعالى. (١٠)

стр. 836

قال: ﴿ق:﴾ (١) إشارة إلى القلب المحمدي الذي هو العرش الإلهي المحيط بالكل كما أن ﴿ص:﴾ (٢) إشارة إلى صورته على مارمز إليه ابن عباس في قوله: ﴿ص:﴾ جبل بمكة كان عليه عرش الرحمن حيث لاليل ولا نهار. ولكونه عرش الرحمن قال: "قلب المؤمن عرش الله" (٣). وقال: "لايسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن" (٤). قال: ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ (٥) رب الناس هو الذات مع جمع الصفات لأن الانسان هو الكون الجامع الحاصر لجميع مراتب الوجود فربه الذي أوجده وأفاض عليه كماله هو الذات باعتبار جميع الأسماء بحسب البداية المعبر عنها بالله ولهذا قال تعالى ﴿مامنعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ (٦) بالمتقابلين من الصفات كاللطف والقهر والجمال والجلال الشاملين لجميعها (٧) وهذه أمثلة لبعض نقوله الأثرية خلا ماتقدم في كلامه: قال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ (٨) ولهذا قال أمير المؤمنين ﵇: لا بد للناس من إمام بر أو فاجر. قال رسول الله ﷺ : "من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنة" (٩). وقال: "الله مع الجماعة" (١٠). ولما نزل قوله تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيما ... . سبيله﴾ (١١) خط رسول الله ﷺ خطا فقال: "هذا سبيل الرشد " ثم خط عن يمينه وشماله خطوطا فقال: "هذه سبل الشيطان يدعوه إليه" (١٢) قال: عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال

стр. 837

"أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد ". وهو معنى صمديته. (١) ومن مواضع ذكره للشعر قوله: لأن المتوكل على الله الصابر على بلائه المستعين به لا بغيره ظافر في طلبته ... .. الخ كما قال الشاعر من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان (٢) وقوله تحت قوله ﴿وليمحص مافي قلوبكم﴾ (٣) وقال رسول الله ﷺ بيانا لفضله: "ماأوذي نبي مثل ما أوذيت" (٤) ... ولقد أحسن من قال لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار وهذه النقول من الفصوص والفتوحات على نفس الأسلوب المتقدم في معالجة التفسير: يقول في قوله تعالى في شأن إدريس ﵇: ﴿ورفعناه مكانا عليا﴾ (٥) وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك وهو فلك الشمس وفيه مقام روحانية إدريس وتحته سبعة أفلاك وفوقه سبعة أفلاك وهو الخامس عشر ثم ذكر الأفلاك التي تحته والتي فوقه ثم قال: وأما علو المكانة فهو لنا أعنى المحمديين كما قال تعالى: ﴿وأنتم الأعلون والله معكم﴾ (٦) في هذا العلو وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة. ويقول في قوله تعالى ﴿ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ (٧): وقوله عند ربه العامل في الظرف في طريقنا، قوله ومن يعظم أي من يعظمها عند ربه، أي في ذلك الموطن كان خيرا له ... والمؤمن إذا نام على طهارة فروحه عند ربه، فيعظم هناك حرمة الله، فيكون الخير الذي له في مثل هذا الموطن المبشرة التي تحصل له في نومه أو يراها له غيره. والمواطن

стр. 838

التي يكون العبد فيها عند ربه كثيرة فيعظم فيها حرمات الله على الشهود. (١) وفي قوله تعالى ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ (٢) يقول: فعلماء الرسوم يحملون لفظ قضى على الأمر، ونحن نحمله على الحكم كشفا ... . وهو الصحيح؛ فإنهم اعترفوا أنهم ما يعبدون هذه الأشياء إلا لتقربهم إلى الله زلفى، فأنزلهم منزلة النواب الظاهرة بصورة من استنابهم، وما ثم صورة إلا الألوهية فنسبوها إليهم. ولهذا يقضى الحق حوائجهم إذا توسلوا بها إليه غيرة منه على المقام أن يهتضم، وإن أخطأوا في النسبة فما أخطأوا في المقام، ولهذا قال: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها﴾ (٣) أي أنتم قلتم عنها: إنها ألهة ... .. وإلا فسموهم، فلو سموهم لقالوا: هذا حجر، أو شجر، أو ما كان، فتتميز عندهم بالاسمية؛ إذ ما كل حجر عبد ولا اتحذ إلها، ولا كل شجر، ولا كل جسم منير، ولا كل حيوان. فلله الحجة البالغة عليهم بقوله: ﴿قل سموهم﴾ (٤). وإنما الخطأ في إثبات الغير وهو القول بالشرك، فهذا القول بالعدم: لأن الشريك ليس ثم، وذلك لا يغفره الله، لأن الغفر الستر، ولا يستر إلا من له وجود، والشريك عدم فلا يستر ... فهي كلمة تحقيق ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ (٥) لأنه لا يجده. فلو وجده لصح وكان للمغفرة عين تتعلق بها، وما في الوجود من يقبل الأضداد إلا العالم من حيث ما هو واحد، وفي هذا الواحد ظهرت الأضداد، وما هي إلا أحكام عين الممكنات في عين الوجود التي بظهورها علمت الأسماء الإلهية المتضادة وأمثالها. (٦) وفي تفسيره لقوله تعالى ﴿فادخلي في عبادي وادحلي جنتي﴾ (٧) يقول: وادخلي جنتي التي هي ستري وليست جنتي سواك فأنت تسترني بذاتك الإنسانية فلا أعرف إلا بك كما أنك لا تكون إلا بي فمن عرفك عرفني أنا لا أعرف فأنت لا تعرف، فإذا دخلت جنته دخلت نفسك فتعرف نفسك معرفة أخرى غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربك بمعرفتك إياها فتكون صاحب معرفتين معرفة به من حيث أنت ومعرفة بك من حيث

стр. 839

هو لا من حيث أنت، فأنت عبد أنت رب، وأنت رب لمن فيه أنت عبد، وأنت رب وأنت عبد لمن في الخطاب عهد ... الخ (١) ونختم تلك النقول بما ذكره في قوله تعالى ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم ...﴾ (٢) يقول: يا محمد ... .. ﴿إن الذين كفروا﴾ ستروا محبتهم فيّ ... .دعهم فسواء عليهم ءأنذرتهم بوعيدك الذي أرسلتك به، أم لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك فإنهم لا يعقلون غيري، وأنت تنذرهم بخلقي وهم ما عقلوه ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك وقد ختمت على قلوبهم فلم أجعل فيها متسعا لغيري، وعلى سمعهم فلا يسمعون كلاما في العالم إلا مني، وعلى أبصارهم غشاوة من بهائي عند مشاهدتي، فلا يبصرون سواي، ولهم عذاب عظيم عندي .. أردهم بعد هذا المشهد السنى إلى إنذارك وأحجبهم عني، كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى قربا ... أنزلتك إلى من يكذبك، ويرد ما جئت به إليه مني في وجهك، وتسمع في ما يضيق له صدرك، فأين ذلك الشرح الذي شاهدته في إسرائك؟ فهكذا أمنائي على خلقي الذين أخفيتهم رضاي عنهم. (٣) وهذا التفسير الذي ذهب إليه ابن عربي في فتوحاته قد خالفه في كتاب آخر سلك فيه منهج التفسير الظاهر وهو إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن وهو مخطوط منه نسخة مصورة على الميكروفيلم بالجامعة الإسلامية قد رجعت إليها وهي تقع في ثمانية أجزاء وخطها جميل واضح ١٥٨ ورقة تنتهي عند قوله ﴿تلك الرسل ... .﴾ (٤) منقولة من أصل بخط المؤلف ١٣٢٣ هـ فقال: قوله: ﴿إن الذين كفروا﴾ (٥) - الآية يقول: بكل ماتقدم ذكره، الكافر هو الساتر للحق والساترون للحق على قسمين قسم يسترون الحق مع معرفتهم بأنه الحق فلا يمكن أن يستروه عن نفوسهم بل ستروه عن الغير بما يوردونه من الشبه المضلة والتشكيكات الصارفة عن ظهوره وهو قوله ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ (٦) فهؤلاء جاحدون. والقسم

стр. 840

الآخر هو الذي ستر الحق عن نفسه بما ظهر له من الشبه فقامت له سترا بينه وبين الحق فيسمى أيضا بهذا كافرا لأنه ماوفى النظر حقه في الأدلة فالأول معاند والثاني مفرط قال الله لنبيه ﵇: ﴿سواء عليهم﴾ (١) ولم يقل: عليك، ﴿ءأنذرتهم﴾ يقول: خوفتهم وأعلمتهم بأسباب السعادة والشقاء ﴿أم لم تنذرهم﴾ يقول: أو سكت عنهم ﴿لا يؤمنون﴾ يقول: لا يصدقون إما عنادا وجحدا وإما جهالة ... . الخ (٢) ويبدو أن الرجل متخبط أو متظاهر بموافقة أهل العلم في التفسير بالظاهر وقت الاحتياج إلى ذلك، ويكتب مايكتب من القول بالباطن لمن هو على شاكلته وقد قدمت في ترجمته مايمكن أن يبرر له ذلك فقد كان علماء مصر قد أفتوا بإراقة دمه ولم ينج إلا بصعوبة.

стр. 841

تفسير ابن عجيبة الصوفي من خلال كتابه البحر المديد مؤلف هذا التفسير هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي ابن عجيبة الأنجري الصوفي الفاسي ت ١٢٢٤ هـ من أهل المنطقة وتوفي ببلدته أنجرة (١). التعريف بالتفسير: وتفسيره هذا المسمى "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" من التفاسير المخطوطة وقد طبع قديما بدار الثناء للطباعة بمصر سنة ١٣٧٣ هـ جزء من أوله ينتهي عند قوله تعالى ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ (٢) والكتاب تحت الطبع الآن في دار الكتب المصرية. وقد اعتمدت في هذه الدراسة الجزء المطبوع. المنهج العام للتفسير: وتفسير البحر المديد تفسير صوفي إشاري لايغفل التفسير بالظاهر وطريقة مؤلفه فيه أنه يقسم السورة إلى مقاطع ثم يقوم بتفسير كل مقطع حسب مايقنضيه الظاهر ويتبع ذلك بالنفسير الإشاري. وقد ذكرت في ترجمة المصنف السبب الباعث له على تأليف هذا التفسير، ومما قاله في مقدمته: فإن علم تفسير القرآن من أجل العلوم، وأفضل ما ينفق فيه نتائج الأفكار وقرائح الفهوم ولكن لايتقدم لهذا الخطر الكبير إلا العالم النحرير، الذي رسخت أقدامه في العلوم الظاهره عربية وتصريفا، ولغة وبيانا وفقها وحديثا وتاريخا يكون أخذ ذلك من أفواه الرجال ثم غاص في علوم التصوف ذوقًا وحالا

стр. 842

ومقالا، بصحبة أهل الأذواق من أهل الكمال، وإلا فسكوته عن هذا الأمر العظيم أسلم، واشتغاله بما يقدر عليه من علم الشريعة الظاهرة أتم، واعلم أن القرآن العظيم له ظاهر لأهل الظاهر وباطن من لأهل الباطن، وتفسير أهل الباطن لا يذوقه إلا أهل الباطن، ولا يفهمه غيرهم ولا يذوقه سواهم، ولا يصح ذكره إلا بعد تقدير الظاهر ثم يشير إلى علم الباطن بعبارة رقيقه وإشارة دقيقة، فمن لم يبلغ فهمه لذوق تلك الأسرار، فليسلم ولا يبادر بالإنكار، فإن علم الأذواق من وراء طور العقول، ولا يدرك بتواتر النقول. قال في لطائف المنن: اعلم أن تفسير هذه الطائفة - يعنى الصوفية - لكلام الله وكلام رسوله ﷺ بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له عليه في حرف اللسان وثم أفهام باطنه تفهم من الآية والحديث لمن فتح الله قلبه. وقد جاء أنه ﵇ قال: لكل آيه ظاهر وباطن، وحد ومطلع - فلا يصدنك عن تلقى المعاني الغربية منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله ﷺ فليس ذلك بإحالة وإنما يكون إحالة لكلام الله لو قالوا لا معنى للآية إلا هذا، وهم لا يقولون ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها ومراداتها وموضوعاتها ويفهمون عن الله ماأفهمهم. (١) وهو ينقل في هذا التفسير عن أساتذة التصوف ومشاهيره مثل أبي العباس المرسي (٢) والقشيري (٣) وأبي الحسن النوري (٤)، وابن الفارض ويقول ﵁ (٥)، والحلاج ويقول ﵁ (٦)، وأبي يزيد البسطامي (٧)، وشيخ المشايخ القطب الجيلاني (٨)، وأبي الحسن الشاذلي (٩)، ومحي الدين ابن عربي (١٠)، والجنيد (١١)، وذي النون (١٢)، وابن الفارض (١٣)، ورابعة العدوية (١٤)،

стр. 843

والحارث المحاسبي (١)، ابن أبي مدين (٢)، صاحب الحكم العطائية (٣)، الششتري (٤)، وغيرهم. ومن المصادر التي يحيل عليها من التفاسير تفسير الفاتحة الكبير له (٥) وينقل عن الرازي (٦)، والبيضاوي (٧) والواحدي والإقليشي (٨) وابن جزي (٩)، والمحشي الفاسي (١٠)، والزمخشري (١١)، وابن عطية (١٢)، والثعلبي (١٣)، والسيوطي (١٤). كما ينقل عن الغزالي (١٥)، وابن البنا (١٦)، وغيرهما المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات: يتعرض ابن عجيبة لعد الآي قوله: قال سيدنا علي كرم الله وجهه: أول سورة نزلت بالمدينة سورة البقرة، وفيها ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة، ومائتان وستة وثمانون آية، وقيل سبع وثمانون. (١٧) وقد ذكر أسماء الفاتحة وعدد الآيات عند الشافعي ومالك. وهو يحاول الربط بين الآيات بمناسبات مختصرة مثل قوله: ولما أراد الله تعالى أن يتكلم على الحج قدم الكلام على الأحوال لأنها سبب في وجوبه والوصول إليه. (١٨) وقال: ولما أراد الحق تعالى أن يتكلم عن أحكام الحج قدم الكلام على الهلال لأنه معتبر في الحج أداء وقضاء (١٩)

стр. 844

ثانيا: موقفه من العقيدة: هذا هو الباب الأساسي في زيغ هذا التفسير فانظر مثلا إلى قوله في حديثه عن الفاتحة: حمد نفسه بنفسه، ومجد نفسه بنفسه، وعظم نفسه بنفسه، ووحد نفسه بنفسه، ولله در السعدوى حيث قال: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد فقال في تمجيد نفسه بنفسه مترجما نفسه بنفسه: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (١). (٢) وهذا انحراف عقدي خطير إن لم يكن كفرا والعياذ بالله لأن "ما" النافية مع "من" تفيد الاستغراق وتنكير لفظة "واحد" تدل على شمول ذلك للرسل صلوات الله عليهم وهم قد وحدوا الله حق توحيده. أما توحيد هؤلاء فلاشك أن الرسل لم يوحدوا به الله لأنه عين الشرك وقد قال تعالى ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ (٣) وقال تعالى عن رسله ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (٤) وقال أيضا مما يوحي بتأثره بوحدة الوجود وهو مايظهر كثيرا في كلامه وإن خالفه غيره: لا عبرة بظواهر الأشياء وإنما العبرة بالسر المكنون وليس ذلك إلا بظهور الحق وارتفاع عطاياه، وزوارل أستاره وخفاياه، فإذا تحقق ذلك التجلى والظهور، استولى على الأشياء الفناء والدثور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عين اليقين، ويحق الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين. وليت شعرى أي وقت كان الملك لسواه حتى يقع التقييد ﴿الملك يومئذ لله﴾ (٥) وقوله: ﴿والأمر يومئذ لله﴾ (٦) لولا الدعاوي العريضة من القلوب المريضة. (٧) ويقول: الطريق المستقيم الذي أمرنا الحق بطلبه، هو طريق الوصول إلى

стр. 845

الحضرة، التي هي العلم بالله على نعت الشهود والعيان، وهو مقام التوحيد الخاص الذي هو أعلى درجات في التوحيد، وليس فوقه إلا مقام توحيد الأنبياء والرسل، ولابد فيه من تربية على يد شيخ كامل عارف بطريقة السير، قد سلك المقامات تذوقا وكشفا، وجاز مقام الفناء والبقاء، وجمع بين الجذب والسلوك، لأن الطريق عويص، قليل خطاره، كثير قطاعه، وشيطان هذه الطريق فقيه بمقاماته ونوازله، فلا بد فيه من دليل وإلا ضل سالكه عن سواء السبيل. (١) أقول: والحمد لله الدليل هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والصراط الذي أمرنا بطلبه هو صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، لا الأقطاب والأغواث والمجاذيب!!! ويقول: ثم افتتح السورة برموز رمز بها بينه وبين حبيبه فقال: ﴿الم﴾ (٢) وقد حارت العقول في رموز الحكماء، فكيف بالأنبياء؟ فكيف بالمرسلين؟ فكيف بسيد المرسلين؟ فكيف يطمع أحد في إدراك حقائق رموز رب العالمين؟ قال الصديق ﵁: في كل كتاب سر وسر القرآن فواتح السور أ. هـ فمعرفة أسرار هذه الحروف لا يقف عليها إلا الصفوة من أكابر الأولياء، وكل واحد يلمع له على قدر صفاء شربه. قال: قلت: والأظهر أنه حروف تشير للعوالم الثلاثة: فالألف لوحدة الذات في عالم الجبروت، واللام لظهور أسرارها في عالم الملكوت، والميم لسريان أمدادها في عالم الرحموت، والصاد لظهور تصرفها في عالم الملك وكل حرف من هذه الرموز يدل على ظهور أثر تصرف الذات في عالم الشهادة فالألف يشير إلى سريان الوحدة في مظاهر الكوان، واللام يشير إلى فيضان أنوار الملكوت من بحر الجبروت، والميم يشير والميم يشير إلى تصرف الملك في عالم الملك. قال جعفر الصادق: لقد تجلى الله تعالى لخلقه في كلامه ولكن لا يشعرون. وقال أيضا وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا
следующие страницы →