← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ذلك وقد أخبر عن نفسه أن الأرض قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، فليس هناك جهة تخلو من علم الله تعالى وإحاطته بها وقدرته عليها ويقرر هذا قوله إن الله ﴿واسع عليم﴾، إنه واسع الذات والعلم والفضل والجود والكرم عليم بكل شيء لأنه محيط بكل شيء. (١) ويقول ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ (٢) لكمال ذاته ثم ذكر في نهر الخير قوله: أورد ابن كثير عن ابن عباس ﵂ قوله: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٣) وفي بعض الآيات المشكلة مثل قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ (٤) اكتفى فيها بقوله: ما ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وعند ذلك يؤمنون، ومثل هذا الإيمان الاضطراري لا ينفع حيث يكون العذاب لزاما بقضاء الله العادل. (٥) ولم يذكر شيئا في الحاشية. ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: وهو غير مكثر في ذلك ويتعرض له في الحاشية مثل قوله ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ (٦) هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. ثم قال في الحاشية: ورد هذا البيان في قوله تعالى من سورة النساء ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ (٧) ومثل قوله: ﴿ثم يقول للملائكة﴾ وهم أمامهم تقريرا للمشركين وتأنيبا ﴿أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ (٨) فتتبرأ الملائكة من ذلك. ثم قال في الحاشية: هذا كقوله تعالى ﴿وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ (٩) ... الخ. (١٠)

стр. 772

رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: لا يذكر الأحاديث كثيرا في صلب الكتاب وربما يذكرها في الحاشية ومن ذلك قوله في صلب الكتاب: وفي الحديث" الدعاء هو العبادة " ثم ذكر في الحاشية قوله: رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي عن النعمان بن بشير ﵁. (١) وفي موضع آخر يقول عند قوله تعالى ﴿بل أحياء ولكن لاتشعرون﴾ (٢) أما الآية فقد تضمنت نهيه تعالى لهم أن يقولوا معتقدين: إن من قتل في سبيل الله ميت إذ هو حي في البرزخ وليس بميت بل هو حي يرزق في الجنة كما قال رسول الله ﷺ : "أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش" رواه مسلم. (٣) وقوله في في هداية الآيات: فضيلة الاسترجاع عند المصيبة وهو قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وفي الصحيح يقول ﷺ : "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له منها". رواه مسلم (٤) ويقول تحت قوله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ (٥) يقول رسول الله ﷺ : "فلا وصية لوارث" (٦). ونسخ الوجوب وبقي الاستحباب ولكن لغير الوالدين والأقربين الوارثين إلا أن يجيز ذلك الورثة وأن تكون الوصية ثلثا فأقل فإن زادت وأجازها الورثة جازت لحديث ابن عباس عند الدارقطني: "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" (٧) ودليل

стр. 773

استحباب الوصية حديث سعد في الصحيح حيث أذن له الرسول في الوصية بالثلث، وقد تكون الوصية واجبة على المسلم وذلك إن ترك ديونا لازمة، وحقوقا واجبة في ذمته فيجب أن يوصي بقضائها واقتضائها بعد موته لحديث ابن عمر في الصحيح: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" (١) أسباب النزول: يكثر المصنف من ذكرها في الأصل والحاشية (٢)، ومن ذلك قوله في نهر الخير: ذكر ابن كثير في سبب نزول قوله تعالى ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ (٣) أن عكرمة قال: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة وسيخلفنا فيها آخرون يعنون محمدا وأصحابه فقال رسول الله ﷺ بيده على رؤوسهم: "بل أنتم خالدون لا يخلفنكم فيها أحد" فأنزل الله ﴿وقالوا لن تمسنا النار الآية﴾. (٤) وقوله: روى الترمذي في سبب نزول ﴿قل من كان عدوا لجبريل﴾ (٥) الآية أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي فمن صاحبك حتى نتبعك؟ قال جبريل قالوا: ذلك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ذلك عدونا لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك فأنزل الله الآية إلى قوله ﴿للكافرين﴾. (٦) ويقول في الأصل: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ (٧) هذه الآية نزلت في حيين من العرب كان أحد الحيين يرى أنه

стр. 774

أشرف من الآخر فلذا يقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة تطاولا وكبرياء فحدث بين الحيين قتل وهم في الإسلام فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية تبطل ذحل (١) الجاهلية، وتقر مبدأ العدل والمساواة في الإسلام فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ فلا يقتل بالرجل رجلان، ولا بالمرأة رجل ولا امرأتان، ولا بالعبد حر ولا عبدان. (٢) ويقول: روي أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله ﷺ قائلين: ما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد حتى يعظم ويصبح بدرا، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما كان أول بدئه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ (٣) وأمر رسول الله ﷺ أن يقول لهم: ﴿هي مواقيت للناس﴾. (٤) فضائل السور والآيات: يتعرض لها في نهر الخير مثل قوله: الحمد لله أعظم سورة في القرآن لحديث البخاري عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي ﷺ قال له: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، وقوله له ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها". (٥) وقوله: ورد وصح في فضل سورة البقرة قوله ﷺ : "اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة" (٦) ويقول: صح أن النبي ﷺ قال: " يا أبا المنذر - أبي بن كعب - أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم

стр. 775

فضرب في صدري وقال: " ليهنك العلم يا أبا المنذر ". (١) وروى أحمد أن آية الكرسي تعدل ربع القرآن وأن الزلزلة والكافرون والنصر كل واحدة تعدل ربع القرآن وأن الصمد تعدل ثلث القرآن. (٢) خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: والمصنف لا ينسب شيئا من الأقوال للمفسرين من السلف في صلب الكتاب أما في الحاشية فربما نسب بعض ذلك مثل قوله: قال رجل لابن عباس ﵄: إنا نصيب في العمد من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ونقول ليس علينا في ذلك بأس فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾ (٣) إنهم إذا أدوا الجزية لا تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم. (٤) وقد مر وسوف يأتي في النقول الآتية روايات منسوبة لبعض الصحابة والتابعين. سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: وهو يتعرض للسيرة أثناء الآيات المتعلقة بالغزوات مثل غزوة بدر وأحد وتبوك والأحزاب وغيرها. ومن مواضع ذلك عند قوله تعالى ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ (٥) ذكر قصة أبي لبابة ومن معه. (٦) وعند قوله تعالى ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا﴾ (٧) ذكر قصة مسجد الضرار وما كان من أبي عامر الفاسق. (٨) وعند قوله تعالى ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾ (٩) ذكر قصة توبة كعب بن مالك ومن معه باختصار. (١٠)

стр. 776

ومن تحريره لبعض المسائل التاريخية قوله: ذهب الشيخ محمد الطاهر بن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير إلى أن القائل لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ (١) الآية هو موسى ﵇ وأنه أرسل جواسيس يكتشفون أمر العدو ويقدرون قوته قبل إعلان الحرب عليهم فرجعوا وهم يهولون من شأن العدو وقوته وينشرون الفزع والرعب في بني إسرائيل ما عدا اثنين منهم وهما: يوشع بن نون قريب موسى، وطالب بن قته الذين ذكرا في سورة المائدة ﴿قال رجلان﴾ (٢) الآية وخالف في هذا جمهور المفسرين وادعى الغلط لهم، وما حمله على ذلك سوى أن السياق ما زال مع موسى وقومه مع أن الله تعالى لم يذكر موسى بل قال: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾ (٣) والرسول ﷺ في حديث البخاري قال: قيل لبني إسرائيل. ولم يقل: قال موسى لبني إسرائيل ونص الحديث: " قيل لبنى إسرائيل: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم فبدلوا وقالوا: حنطة حبة في شعرة " (٤). والآمر لهم حقيقة هو الله تعالى على لسان يوشع، إذ هو الذي قاد الحملة ونصره الله، ودخل بيت المقدس، وأحاديث الرسول ﷺ شاهدة. (٥) سابعا: موقفه من الإسرائيليات: تقدم ما ذكره المصنف في المقدمة عن موقفه من الإسرائيليات لكنه لم يلتزم به وذكر منها طرفا في الحاشية ومن ذلك: قوله: اشتهر بين علماء السلف أن ما تتلوه الشياطين على عهد سليمان كان سببه أن مردة من الشياطين كتبوا كتابا ضمنوه الكثير من ضروب السحر والشعوذة والأباطيل ونسبوه إلى كاتب سليمان - وهو آصف - ودفنوه تحت كرسي سليمان حين ابتلي بنزع ملكه، ولما مات سليمان أخرج الكتاب شياطين الجن بالتعاون مع شياطين الإنس، وأعلنوا في الناس أن سليمان كان ساحرا، وما غلب الجن والإنس إلا بالسحر فصدقهم أناس وكذب آخرون، ولما بعث محمد ﷺ وكفر به اليهود وتنكروا للتوراة لاتفاقها مع القرآن أنزل الله تعالى قوله ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ (٦) فبرأ سليمان وكفر اليهود.

стр. 777

وكذا قوله: الملكان - وهما هاروت وماروت - ذكر قصتهما علماء السلف ورواها مثل أحمد وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن جرير وخلق كثير ولم يصح فيها حديث عن النبي ﷺ ولكنها مروية عن ابن عمر، وابن عباس وعلي ﵃ ولعلها مروية عن كعب الأحبار، وفي الآيات عبارة وإشارة ولا مانع شرعا ولا عقلا من هذه القصة، ومفادها أن الملائكة أنكروا على بني آدم ما يرتكبون من الذنوب والمعاصي ويعجبون من ذلك فأمرهم تعالى أن يختاروا ملكين منهم ويركب فيهم غرائز بني آدم ويكافئهم وينزلهم إلى الأرض يعبدون الله كبني آدم ثم ينظرون هل يعصون الله أولا يعصونه فلما نزلا إلى الأرض ارتكبا كبائر الذنوب فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا فجعلا في بابل يعلمان الناس السحر فإذا أتاهما من يريد ذلك نصحا له بأن تعلم السحر كفر فإذا أصر وجهاه إلى شيطان فأتاه فعلمه كيفية السحر وما يصل إليه إلا بعد أن يكفر أفظع أنواع الكفر. وقوله: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ (١) قال: الشجرة شجرة من أشجار الجنة وجائز أن تكون كرما أو تينا أو غيرهما وما دام الله تعالى لم يعين نوعا فلا ينبغي السؤال عنها. (٢) وقوله في الحاشية ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ...﴾ (٣) قال: ذكر القرطبي أن اسم هذه القرية دارودان وهي من نواحي شرق واسط بينهما فرسخ. (٤) وقوله في الحاشية أيضا ﴿إذ قالوا لنبي لهم﴾ (٥) قال: هو شمويل بن بال بن علقمة هكذا ذكره القرطبي في تفسيره ويقال فيه: شمعون أيضا ويعرف بابن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد فوهبها إياه بعد عقم كبر سن. (٦) ﴿وقال لهم نبيهم﴾ (٧) شمويل (٨) وقال: وأما كيفية حمل الملائكة للتابوت فإن الأخبار تقول إن العمالقة تشاءموا بالتابوت عندهم إذ

стр. 778

ابتلوا بمرض البواسير وبآفات زراعية وغيرها، ففكروا في أن يردوا هذا التابوت لبني إسرائيل، وساق الله أقدارا لأقدار، فجعلوه في عربة يجرها بقرتان أو فرسان ووجهوها إلى جهة منازل بني إسرائيل فمشت العربة فساقتها الملائكة حتى وصلت بها إلى منازل بني إسرائيل فكانت آية وأعظم آية وقبل بنو إسرائيل بقيادة طالوت، وبسم الله تعالى قادهم. (١) وقال: لم يقص الله تعالى علينا شيئا عن كيفية قتل داود لجالوت لعدم الفائدة الكبيرة منها وخلاصتها كما يلي: كان والد داود في جيش طالوت وله ستة أبناء معه واسمه إيشا، وكان داود أصغرهم وكان يرعى الغنم، وكان لنبيهم درع وأوحى الله أن من استوت عليه درعك هو الذي يقتل جالوت، فاستوت على داود. وقبل البراز قال طالوت: من قتل جالوت أشاطره ملكي وأزوجه ابنتي، وكان داود قد مر بحجر فناداه أن خذني ياداود وقاتل بي، فجعله في مخلاته واحتفظ به، فلما برز لجالوت جعل الحجر في مقلاعه وكان راميا فرمى جالوت فقتله. وهذه بداية أمره ﵇. (٢) ثامنا: موقفه من اللغة: يهتم الجزائري بشرح المفردات في كل مجموعة من الآيات من غير تعرض لشواهد شعرية ثم يبين في حاشيته اشتقاق الكلمة ويسوق بعض الشواهد الشعرية ومثال ذلك قوله: السورة: قطعة من كتاب الله تشتمل على ثلاث آيات فأكثر. ثم يقول في حاشيته: لفظ السورة مشتق إما من سور البلد لارتفاعها الخ ثم قال: ويشهد لذلك قول الشاعر: ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب (٣) وكقوله: الرب السيد المالك المصلح المعبود بحق ﷻ ثم قال في نهر الخير: مما شهد لإطلاق لفظ الرب على المعبود قول الشاعر:

стр. 779

أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب (١) ويتعرض في الحاشية إلى كثير من القضايا النحوية والبلاغية ومن ذلك قوله: ﴿ومن الناس﴾ (٢) خبر، والمبتدأ: ﴿من يقول﴾، والسر في تقديم الخبر هنا هو إخفاء المخبر عنه لأنه ذو صفات ذميمة. (٣) وقوله في ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ (٤) الاستفهام هنا إنكاري. (٥) وقوله: أصل لقوا: لقيوا نقلت الضمة إلى القاف وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وقوله: عدي فعل خلوا بـ إلى ولم يعد بالباء إذ يقال خلا بكذا لأن خلوا هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا. (٦) ومن مواضع تعرضه للمتشابه اللفظي: قال في قوله ﴿ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ (٧) يلاحظ: تقديم الشفاعة في النداء الثاني على أخذ العدل وتأخير الشفاعة في هذا النداء وتقديم العدل وما هو إلا تفنن في الأسلوب إذهابا للسآمة. وهذا شأن الكلام البليغ. (٨) وقال في الإعجاز القرآن البياني: بلاغة القرآن الكريم إذ كان حكماء العرب في الجاهلية يقولون: القتل أنفىللقتل، فقال القرآن: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (٩) فلم يذكر لفظ القتل بالمرة فنفاه لفظا وواقعا. (١٠) وقد يرجح الشيخ خلاف قول الجمهور في بعض الآيات ومن ذلك قوله: الجمهور على تفسير الضمير في ﴿وإنها لكبيرة﴾ (١١) بالصلاة وخالفتهم في ذلك لوجود من قال: إنها ما أمروا به ونهوا عنه وهو أعم من الصلاة. (١٢) تاسعا: موقفه من القراءات: اعتمد قراءة حفص كما في ذكر في المقدمة وربما ذكر شيئا من القراءات في نهر الخير مثل قوله قرأ حفص ﴿مالك﴾ (١٣) باسم الفاعل وقرأ نافع ﴿ملك﴾ بدون ألف وهما قراءتان سبعيتان. والله حقا هو الملك

стр. 780

المالك. (١) قرأ نافع ﴿يومنون﴾ بتخفيف الهمزة جمعا وإفرادا في كامل القرآن وقرأها حفص مهموزة في كل القرآن. (٢) قرأ نافع والجمهور ﴿وما يخادعون﴾ (٣) بألف بعد الخاء وقرأ حفص يخدعون بسكون الخاء (٤) ومن تعرضه للقراءات في أصل الكتاب قوله: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ (٥) ولا تسأل قرئ بالتاء للجمهور ولا نافية والفعل مرفوع، وقرئ بالبناء للمعلوم ولا ناهية والفعل مجزوم (٦). ثم علق عليها في النهر بأن القراءة الثانية لنافع وحده. عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: كما أنه يتعرض لبعض الأحكام الفقهية كقوله: حكم الاستعاذة: يسن لكل من يريد قراءة شيء من القرآن سورة فأكثر أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ. ثم بين في نهر الخير الدليل فقال: لقوله تعالى ﴿فإذا قرأت القران فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (٧) (٨) كما تكلم عن حكم البسملة فقال: مشروع للعبد ومطلوب منه أن يبسمل عند قراءة كل سورة من كتاب الله تعالى إلا عند قراءة سورة التوبة. (٩) وفي نهر الخير يستطرد أكثر فيقول مثلا عند قوله تعالى ﴿قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ (١٠) الآيات استدل الجمهور بهذه الصفات المذكورة للبقرة على جواز بيع السلم في الحيوان كما استدلوا بقول الرسول ﷺ في الصحيح: " لا تنعت المرأة المرأة لزوجها، كأنه ينظر إليها " (١١) وخالف أبو حنيفة وقال بعدم صحة السلم في الحيوان (١٢) وعند قوله: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ (١٣) وفي هذه الآية شاهد لمالك في أن الجريح إذا أخبر عن جرحه ومات أن إخباره يعد لوثا وتجري في الحادث القسامة وخالف

стр. 781

الجمهور وقالوا: إخبار القتيل لا يكفي في وجود اللوث المقتضي للقسامة ولرأي مالك شاهد من السنة وهي الجارية التي رض اليهودي رأسها كما في البخاري. (١) وكقوله أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم السائل من فرجها، فإن كان أسود خاثرا تعلوه حمرة فذلك الحيض ويحرم عليها الصوم والصلاة ويحرم وطؤها، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وأكثر الحيض خمسة عشر يوما وأقله لا حد له على الصحيح وأقل الطهر أيضا خمسة عشر يوما ليكمل الشهر حيضا وطهرا، وإن كان الدم زائدا على مدة الحيض فهو الاستحاضة وتصلي معه وتصوم وتوطأ أيضا والحكم الثالث دم النفاس وأكثره أربعون يوما وأقله يوم وليلة وحكمه حكم الحيض (٢) وقد يخالف قول الجمهور ومن ذلك: قوله: ﴿وعلى الوارث﴾ (٣): الوارث هو الرضيع نفسه إن كان له مال وإلا فعلى من يكفله من عصبته. ثم قال في النهر: الجمهور على أن المراد بالوارث، ورثة الرضيع إذا هلك من نساء ورجال ذكره القرطبي في تفسيره وقال غيره: إن الوارث هو الرضيع إذا مات والده وترك مالا أجرة المرضع من ماله فإن كان لا مال له فمن مال وارثه هو ولا تضار هي في واجب نفقتها ولا الوالد أو وارثه في أدائها وما فسرنا به الآية واضح ومستقيم والحمد لله رب العالمين. (٤) وهو يتميز باختيار القول الراجح في مواضع عدة مع الإضراب عن القول المرجوح مثل قوله في هداية الآية: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ (٥) حرمة نكاح المشركات أما الكتابيات فقد أباحهن الله تعالى بآية المائدة إذ قال ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ (٦) وفي هداية آية ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ (٧) قال: حرمة نكاح المرأة في دبرها لقوله تعالى ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ وهو القبل. (٨)

стр. 782

وفي هداية آية ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ (١) يقول: نسخ القتال في الشهر الحرام بدليل قتال الرسول ﷺ هوازن وثقيف في شوال وأول القعدة وهما من الأشهر الحرم (٢) كما أنه يتعرض للقضايا الأصولية تارة في الكتاب مثل تفصيله في قضية النسخ تحت قوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية﴾ (٣) فقال: يخبرنا تعالى رادا على الطاعنين في تشريعه الحكيم الذين قالوا: إن محمدا يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غدا، أنه تعالى ما ينسخ من آية تحمل حكما شاقا على المسلمين إلى حكم أخف كنسخ الثبوت لعشرة في قتال الكافرين إلى اثنين، أو حكما خفيفا إلى شاق زيادة في الأجر كنسخ يوم عاشوراء بصيام رمضان، أو حكما خفيفا إلى حكم خفيف مثله كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، أو حكما إلى غير حكم آخر كنسخ صدقة من أراد أن يناجي رسول الله ﷺ فإن الحكم رفع ولم يشرع حكم آخر بدلا عنه، أو نسخ الآية بإزالتها من التلاوة ويبقى حكمها كآية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله فقد نسخ اللفظ من التلاوة وبقي الحكم، أو بنسخ الآية وحكمها وهذا معنى قوله: أو ننسها وهي قراءة نافع، فقد ثبت أن قرآنا نزل وقرأه رسول الله ﷺ وبعض أصحابه ثم نسخه الله تعالى لفظا ومعنى فمحاه من القلوب بالمرة فلم يقدر على قراءته أحد، وهذا مظهر من مظاهر القدرة الإلهية (٤). وتارة في الحاشية مثل قوله عن تفسير ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (٥) في الآية دليل على بطلان التقليد وهو قبول قول الغير بلا دليل وفي الآية أن من ادعى شيئا نفيا أو إثباتا يطالب بالدليل وإلا بطلت دعواه (٦) وقوله ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ (٧) في هذه الآية دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به لعدالة الأمة بشهادة ربها فإذا اجتمعت على أمر وجب الحكم به وفي أي عصر من العصور إلى قيام الساعة. (٨) وفي قوله: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا﴾ (٩) استدل بهذه الآية على

стр. 783

حرمة التقليد في العقائد مطلقا، أما في الفروع فهو أهون والتقليد هو قبول الحكم بلا دليل ولا حجة. (١) حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية: لم يظهر لي اهتمام للشيخ بهذا المجال ولعل السبب في ذلك ما شرطه على نفسه في مقدمة التفسير. ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب: وقد تفرد كتاب الشيخ بذكر ما سماه هداية الآيات: ويسوق تحتها ما يستفاد من الآية بأسلوب دراسي وعظي وهو الغرض الأصلي من تفسيره كما بين في المقدمة مثل قوله في تفسير ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم﴾ (٢) من هداية الآيتين: ١ - بيان سنة الله تعالى في أهل العناد والمكبرة والإصرار بأن يحرمهم الله تعالى الهداية وذلك بتعطيل حواسهم حتى لا ينتفعوا بها فلا يؤمنوا ولا يهتدوا. ٢ - التحذير من الإصرار على الكفر والظلم والفساد الموجب للعذاب العظيم. ٣ - تقديم السمع على البصر في عدة آيات من القرآن يفيد أن حاسة السمع أنفع من حاسة البصر وهو كذلك والعقل أعظم من ذلك. (٣) ويقول: ومما يؤسف ويحزن أن المسلمين لما ابتلاهم الله باستعمار النصارى لهم كانوا كلما استقل شعب أو إقليم طلب قانون الكافرين فحكم به المسلمين، وبنو إسرائيل لما استقلوا على يد موسى ذهب بقانون الرب ليحكم به. (٤) ويقول في نهر الخير: يتساءل البعض هل آدم أرتكب بأكله من الشجرة كبيرة وهل يجوز في حق الأنبياء ارتكاب الكبائر؟ والجواب: أن آدم ما نبئ إلا بعد أن هبط إلى الأرض، إذ هي دار التكليف أما وهو في السماء فما

стр. 784

كان قد نبئ بعد وأكله من الشجرة لم يترتب عليه عقاب أكثر من الخروج من الجنة لأنها ليست دار إقامة لمن يخالف فيها أمر الله تعالى، أما الأنبياء فلا يجوز في حقهم ارتكاب الكبائر ولا الصغائر لعصمة الله تعالى لهم لأنهم محل أسوة لغيرهم (١) وبقول: مواطن الصبر ثلاثة: صبر على الطاعة فلا تفارق، وصبر عن المعصية فلا ترتكب، وصبر على المصائب فلا يجزع منها ولا يتسخط، ولكن يصبر، ويسترجع أي: يقول: إنا إليه راجعون. ويقول: من الأوقات التي يرحى فيها استجابة الدعاء: ما بين الأذان والإقامة، والسحر، ووقت الفطر، وحال السفر، والمرض، وفي السجود، ودبر الصلوات، وعند اشتداد الكرب من ظلم وغيره، فقد ورد من الأحاديث والآثار ما يصدق هذا ويؤكده. (٢)

стр. 785

المبحث الثاني: أمثلة الرأي المذموم تفسير هود بن محكم الهواري الإباضي من خلال كتابه تفسير كتاب الله العزيز مؤلف هذا التفسير هو هود بن محكم الهواري إباضي من علماء النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة والنصف الأول من القرن الثالث جزائري من أهل المنطقة (١). التعريف بالتفسير: وتفسير الكتاب العزيز من التفاسير المطبوعة حديثا، تمت طباعته في أربعة مجلدات بدار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى ١٩٩٠ م، بتحقيق بالحاج بن سعيد الشريفي وهو إباضي أيضا (٢).

стр. 786

ولقد ظل هذا التفسير أكثر من أحد عشر قرنًا منسيا مغمورًا إلى أن ظهرت مخطوطاته المتفرقة في بعض الخزائن الخاصة، وهي خزائن لعلماء من القرون الأربعة الأخيرة يحتفظ بها أبناؤهم وحفدتهم وهي موجودة في وادي ميزاب جنوب الجزائر بمدن العطف، وبني يسجن، والقرارة، وفي جزيرة جربة، بالبلاد التونسية (١). إن المصادر الإباضية القديمة هي وحدها التي أشارت إلى هذا التفسير وأول مصدر مطبوع ذكره هو كتاب السير للبدر الشماخي وبعد ذلك بقليل ذكره موتلانسكي (٢) في بحث له أورد فيه قائمة بأسماء كتب للإباضية لمؤلف مجهول وهي لأبي القاسم البرادي الإباضي. وقد ذكر محقق تفسير كتاب الله العزيز أن هناك صلة وثيقة بين تفسير هود وبين تفسير يحيى بن سلام البصري وبينهما قرن من الزمان، ويؤيد ذلك بكثرة الروايات فيه عن علماء البصرة صحابة وتابعين، ثم عقد مقارنة بينهما تثبت العلاقة الوثيقة. (٣) ثم قال: واليوم وبعد أكثر من عشر سنوات من التحقيق والمقارنة والاستقراء، أستطيع أن أقول بدون تردد أن الشيخ هودًا الهواري اعتمد اعتمادًا كثيرا إن لم أقل اعتمادًا كليا، على تفسير ابن سلام البصري. ولو جاز لي أن أضع للكتاب عنوانًا غير الذي وجدته في المخطوطات لكان العنوان هكذا: تفسير الشيخ هود الهواري

стр. 787

مختصر تفسير ابن سلام البصري، لأن تفسير ابن سلام أصل لتفسير الشيخ هود الهواري مافي ذلك شك، وهذا هو عين الحقيقة والصواب. والأمانة العلمية تقتضيني أن أجلو هذا وأبينه في تقديمي للكتاب (١). وقد يكون الهواري رحل إلى القيروان طلبًا للعلم فتلقاه مباشرة من محمد بن يحيى بن سلام أو من أبي داود العطار تلميذ يحيى، والذي أضافه هو تحريف عقيدة ابن سلام السلفية في تفسيره إلى عقيدة الإباضية. وقال البدر الشماخي - وهو إباضي - عن هذا التفسير: وهو كتاب جليل في تفسير كلام الله لم يتعرض فيه للنحو والإعراب بل هو على طرق المتقدمين. (٢) وقد كان له منزلة كبيرة في قومه؛ ذكر الشيخ ميمون حمودي أن رجلين اختصما على تفسير هود بن محكم الهواري حتى بلغ تشاجرهما قبيلتيهما، وحتى كادت الثورة تقوم بينهم. وتصاف الفريقان، وكاد الشر يقع بينهم. فلما رأى ذلك أبو محمد جمال نزع المصحف (التفسير) من بينهم فقسمه نصفين، فوافق قرطاسًا بين النصفين لم يكتب، وأعطى لكل نصفًا، وزال الشر واصطلحوا. (٣) نبذة عن الإباضية وعلاقتهم بالتفسير: (٤) سبق أن ذكرت في التمهيد أصل الخوارج ودخولهم المنطقة وانقاسمهم إلى فرق عدة، (٥) وقد دخل المغرب منهم فرقتان فقط هما: الإباضية والصفرية، وكان ظهورهما في مطلع القرن الثاني. وتنسب فرقة الإباضية إلى عبد الله بن إباض المري (٦)، ومن أهم مبادئهم: تكفير مخالفيهم من المسلمين كفر النعمة، وتكفير مرتكب الكبيرة وخلوده في النار، ونفي رؤية الله في الآخرة، والقول بخلق القرآن، وتأويل صفات الله ، وإنكار الشفاعة

стр. 788

لمرتكب الكبيرة، وتكفير بعض الصحابة. وهم يكثرون من التأويلات الباطلة كتأويل الميزان بأنه العدل، وتأويل الصراط بأنه الدين القيم. وهم أفضل من غيرهم من فرق الخوارج في بعض الأمور ومنها تحريم دماء مخالفيهم من المسلمين وعدم جواز سبي ذراريهم، واعتبار دارهم دار توحيد إلا معسكر السلطان، وتجويزهم مناكحتهم وموارثتهم، وهذا ماجعلهم أقدر من غيرهم على الاستمرارية في المجتمعات السنية. وفي تاهرت انقسم الإباضيون على أنفسهم، وظهرت فرقة النكار الذين أنكروا إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ومن زعمائهم: أبو يزيد صاحب الثورة الشهيرة ضد العبيديين، وقد كان له منكرات لايفعلها حتى أعداء الدين؛ لأن مذهبه تكفير أهل السنة واستباحة أموالهم ونسائهم (١). وقد نقل محقق تفسير هود عن ناصر المرموري ما نصه: كان علماء الإباضية يهابون تفسير القرآن. قال لي الإمام غالب رواية عن بعض مشايخه: إن الشيخ أبا نبهان جاعد بن خميس حاول ذلك فبدأ من سورة الناس، فلما بلغ سورة الحاقة عند قوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) قطع أوراقه وترك التفسير هيبة وخوفًا. (٣) ولا يعرف من مفسري الإباضية في منطقتنا - بل على الإطلاق - غير قلة سبق ترجمتهم في المفسرين من أهل المنطقة، وليس لهم تراث تفسيري باق ولا لغيرهم من الخوارج؛ سوى هذا التفسير الذي بين أيدينا، والتفاسير الثلاثة التي ألفها إطفيش من القرن الرابع عشر، وقد قام بدراسة منهج تفسير إطفيش الدكتور حسين الذهبي (٤) والدكتور فهد الرومي (٥) وها أنا أقدم دراسة لهذا التفسير والله المستعان.

стр. 789

المنهج العام للتفسير: (١) لا شك أن منهج هذا التفسير أثري إذ كان مختصرا لتفسير ابن سلام كما قدمت، لذا فمنهجه هو نفس منهج ابن سلام (٢)، لا يختلف عنه إلا في تدخل هود في المواضع التي يريد فيها تأييد مذهبه اعتقادا وفقها. والملاحظ على هذا التفسير أنه ينتقل كثيرًا عن علماء الإباضية في روايات كثيرة جاءت منسوبة إلى جابر بن زيد وإلى عبيدة بن مسلم خاصة وإلى عامة علماء الإباضية وفقهائهم الذين يصفهم بقوله أصحابنا. (٣) [المنهج التفصيلي للمؤلف:] وأما في تفصيل المنهج الذي سار عليه هود فسأكتفي بقليل من الأمثلة لأنه هو نفسه منهج ابن سلام (٤)، إلا أنني سوف أركز على مفارقته لمنهج ابن سلام لاختلافهما في العقيدة، ولكون هذه النقطة هي التي نقلت تفسير هود بن محكم من مصاف التفاسير الأثرية السلفية إلى التفاسير المذمومة التي يجب التحذير منها وإظهار عوارها. وقد قدم المؤلف لكتابه بمقدمة حوت بعضًا من علوم القرآن وقد فقد أولها لأن المخطوطات الموجودة اتفقت على عدم وجود بداية المقدمة مثل أول ما نزل وآخر ما نزل ونزول القرآن على سبعة أحرف وقراء القرآن في عهده ﷺ وعدد سور القرآن والمكي والمدني وفي القول في القرآن بغير علم وما يلزم من تكلم في التفسير من علوم وفضل ابن عباس في التفسير. ويورد في ذلك كله آثارا فقط يبدؤها بقوله ذكروا، ذكروا ويسندها لصاحبها بدون ذكر سنده إليه (٥) ومن ذلك قوله: ذكروا أن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (٦). وهذا هو منهجه في سائر الكتاب.

стр. 790

وهو يعتبر بحق أول مختصر لتفسير ابن سلام وقد حفظه في صورته الكاملة أو القريبة من الكمال فهو أقرب زمنًا من المؤلف من ابن أبي زمنين كما أنه حوى من الآثار والأخبار ما لا يوجد فيه. (١) وهناك آيات أغفل تفسيرها المصنف جملة مثل ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (٢) وكذا لم يفسر قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لاتسفكون دمائكم﴾ (٣) ... إلى قوله ﴿تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾ (٤) ومما لم يفسره ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ (٥) وهي موجودة في مختصر ابن أبي زمنين ويبدو أنه أعرض عنها لأنها تورطه في إثبات الميزان. كما يلاحظ أنه يسرد الأقوال دون ترجيح. (٦) وله بعض التفسيرات غير الوجيهة. (٧) المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: لا يهتم بعد الآي، ولكنه يذكر المكي والمدني . (٨) وبالنسبة لأسماء السور يتعرض لها وقد تفرد فيها بغريبة من الغرائب حيث قال في سورة التوبة: ذكر بعضهم قال: كانت هذه السورة تسمى جاهرة أي: جهرته وبعضهم يقول: حافرة، أي حفرت ذنوب القوم، يعني المنافقين. وقال بعضهم: كانت هذه السورة تسمى فاضحة المنافقين لأنها أنبتت بمقالتهم وأعمالهم. وقال الحسن: كانت تسمى حافرة، أنبأت بما في قلوب المنافقين يعني سورة التوبة. (٩) ثانيا: موقفه من العقيدة: ووقوف الهواري ضد من يقول بالإرجاء شيء بارز في ثنايا الكتاب ولكنه يرد على إرجاء أهل السنة وليس إرجاء المرجئة ويقرر عقيدة الخوارج بطريقة غير جائزة.

стр. 791

قال ابن سيرين في الخوارج: إنهم عمدوا إلى آيات الوعيد النازلة في المشركين فوضعوها على المسلمين فجاءوا ببدعة القول بالتكفير بالذنب. (١) عندما يقول ابن سلام مثلاً في قول الله تعالى ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم﴾ (٢) قال الحسن: كما صنع المنافقون، فلا تصنعوا كما صنع المنافقون، فتظهروا الإيمان وتسروا الشرك، والدخل إظهار الإيمان وإسرار الشرك. يقول الهواري: ﴿دخلا بينكم﴾ أي: خيانة وغدرًا كما صنع المنافقون الذين خانوا الله إذا نقضوا الإيمان فقالوا ولم يعملوا، وتركوا الوفاء بما أقروا لله به والدخل الخيانة. وإذا قال ابن سلام في قوله تعالى ﴿وارتابت قلوبهم﴾ (٣) أي شكت في الله وفي دينه (٤) قال الهواري: أي: وشكت قلوبهم في أن لا يعذبهم الله بالتخلف عن الجهاد بعد إقرارهم بالله وبالنبي ... ولم يكن ارتيابهم شكًا في الله وإنما كان ارتيابهم وشكهم في أن لايعذبهم الله بتخلفهم عن نبي الله بعد إقرارهم وتوحيدهم. (٥) ويقول ابن سلام في تفسير قول الله تعالى ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (٦) أي التوحيد ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ التوحيد، لا يرتفع العمل إلا بالتوحيد. يزيد الهواري: ولا التوحيد إلا بالعمل، كقوله تعالى: ﴿وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾ (٧) والإيمان قول وعمل، لاينفع القول دون العمل. (٨) وأحيانا نجد الهواري يضيف زيادات لتأكيد هذا المعنى، ويحمل الآية ما لاتحتمل. فقال في قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ (٩) فهو يرى في معنى التكذيب الذي ورد في الآية رأيًا خاصا. قال: وقال بعضهم: هم المنافقون وليس تكذيبهم هذا تكذيبًا بالبعث، ولكنه بالعمل الذي لم يكملوه، ولم يتموا

стр. 792

فرائضه. ومن قال إنها في المنافقين فيقول: التكذيب تكذيبان: تكذيب بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، وهو تكذيب المشركين، والمنافقون منه برآء. وتكذيب آخر، هو تكذيب المنافقين وهو ترك الوفاء وانتقاص الفرائض التي لا يكون أهلها مؤمنين إلا باستكمالها فالمنافقون مكذبون بهذه الجهة، وبهذا المعنى لا على الإنكار والجحود، لكن على ترك الوفاء واستكمال الفرائض كان تكذيبهم. والحق أن من تدبر هذه الآية من سورة الأنعام يدرك أنها لاتعني المنافقين بالمعنى العام للنفاق، الذي نقرأ صورًا عنه في سورة براءة مثلا، فإن السورة هنا مكية. وسياق الآيات قبلها وبعدها يوحي بأنها نزلت في مشركي قريش الذين ينكرون نبوة محمد ﷺ ورسالته، وينكرون البعث ويكذبون به، ولكن هودًا يرى في هذا التكذيب هنا معنى انتقاص الفرائض، ويسمي أصحابه منافقين، وهو معنى بعيد متكلف أملاه عليه فكره المنحرف. ومن كلامه في تقرير عقيدة الخوارج قوله: ثم ذكر الله صنفًا آخر من الناس، يعني المنافقين فقال: ﴿ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ (١) يقول: أقروا لله بألسنتهم وخالفت أعمالهم وما هم بمؤمنين، أي: حتى يستكملوا دين الله ويوفوا بفرائضه ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ (٢) أي الذي أكمل الإيمان وأكمل الفرائض. قوله: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ (٣) أي بما أعطوهم من الإقرار والتصديق، وأعطوا الحقوق من الزكاة، يخادعون بذلك رسول الله ﷺ والمؤمنين، فجعل الله مخادعتهم رسوله والمؤمنين كمخادعة منهم لله. وهو كقوله: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ (٤). والإيمان بالنبي ﵇ إيمان بالله، والكفر به هو كفر بالله، وكذلك مخادعة الله قال: ﴿وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ أي: إن ذلك يرجع إليهم عذابه وثواب كفره. وتفسير خدعة الله إياهم في سورة الحديد، وما يشعرون أي: أن ذلك يصير عليهم. ثم قال: ﴿في قلوبهم مرض﴾ (٥) يعني بذلك النفاق. يقول: في قلوبهم نفاق، فنسب النفاق إلى القلب كما نسب الإثم إليه، كقوله في الشهادة: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ (٦) قال: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ أي

стр. 793

الطبع على قلوبهم بكفرهم. ﴿ولهم عذاب أليم﴾: يعني عذابًا موجعا. ﴿بما كانوا يكذبون﴾ مخففة؛ أي: بقولهم: إنا مؤمنون وليسوا بمؤمنين إذ لم يستكملوا فرائض الله ولم يوفوا بها. فهذا تفسير من قرأها بالتخفيف. ومن قرأها بالتثقيل: ﴿بما كانوا يُكَذِّبون﴾ فهو يريد: بعض العمل أيضًا تكذيب؛ إن التكذيب تكذيبان: تكذيب بالقول، وتكذيب بالعمل. ومثله في اللغة أن يقول القائل للرجل إذا حمل على صاحبه فلم يحقق في حملته: كذب الحملة، وإذا حقق قالوا: صدق الحملة. فمن قرأها بالتخفيف فهو يريد الكذب على معنى ما فسرناه أولا. وأخت هذه الآية ونظيرتها التي في براءة: ﴿فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ (١) يقول: أعقبهم، بالخلف والكذب الذي كان منهم، نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه. ومن قرأها بالتثقيل فهو بالمعنى الآخر الذي وصفناه آخرًا، ولا يعني به جحدًا ولا إنكارا، لأن مرض النفاق غير مرض الشرك، وكذلك كفر النفاق غير كفر الشرك. قوله: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض﴾ (٢) بالعمل بالمعصية ﴿قالوا إنما نحن مصلحون﴾ يزعمون أنهم بمعصية الله والفساد في الأرض مصلحون. قال الله تعالى: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ أي: لا يشعرون أن الله يعذبهم في الآخرة ولا ينفعهم إقرارهم وتوحيدهم. وهذا يدل على أن المنافقين ليسوا بمشركين. قوله: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس﴾ (٣) يعني: وإذا قال لهم النبي ﷺ والمؤمنون آمنوا كما آمن الناس أي: أكملوا إيمانكم بالفعل الذي ضيعتموه. كما آمن الناس أي: كما آمن المؤمنون المستكملون القول والعمل ﴿قالوا﴾ يقول بعضهم لبعض ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان ممن آمن ووفى، يعيبونهم بالوفاء والكمال، ولم يعلنوا ذلك للنبي ﵇. قال الله: ﴿ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾ إنهم سفهاء في تفسير الحسن. وفي تفسير السدي: ولا يعلمون أن الله يخبر نبيه بقولهم. والذي جاء في تفسير ابن أبي زمنين: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في

стр. 794

الأرض﴾ (١) يعني لا تشركوا. ﴿قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي أظهروا الإيمان ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ (٢) أن الله يعذبهم في الآخرة. وهذا تفسير ابن سلام ولا شك. وما جاء من تغيير في التأويل أو من زيادة فهو لهود الهواري. ومن تحريفه حتى يوافق عقيدته قوله في الشفاعة: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ (٣) أي لا ينفع لها أحد عند الله لأنه لا تكون الشفاعة إلا للمؤمنين خاصة. (٤) وقوله: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ (٥) وهو المنافق الذي يقر بالإيمان ولا يعمل بالفرائض ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾ أي من ترك الوفاء بما أقر به ﴿وهو ألد الخصام﴾ أي: كذاب. إذ لم يوف لله بما أقر به إذ لم يعمل بفرائضه. (٦) وقد خالف في هذا الموضع يحيى بن سلام تأيدا لمذهبه الباطل وأما ابن سلام فقد قال: وهو المنافق الذي يقر بالإيمان في العلانية ﴿ويشهد الله على مافي قلبه﴾ من الكفر والجحود بما أقر به في العلانية ﴿وهو ألد الخصام﴾ أي كاذب القول. (٧) وقوله: ﴿بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ (٨) أي: أنفسهم وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم. فالآية محتملة لظلم الشرك وظلم النفاق. (٩) ﴿وما كانوا بآياتنا يجحدون﴾ (١٠) يعني أنه ليس أصحاب النار كلهم جاحدين يقول: ﴿وماكانوا﴾ أي: ولم يكونوا أي أهل النار جميعا بآياتنا يجحدون. أي إن من أهل النار الجاحد بآياتنا وغير الجاحد. وهذا حقيقة التأويل، لأنه قد دخلت النار بغير الجحود دخلها أكلة الربا وراكبوا الزنا، وقاتلوا الأنفس، وآكلوا أموال اليتامى وأموال الناس بالباطل وغير ذلك من الكبائر الموبقة. والآية جامعة لجميع الكفار من كافر مشرك، وكافر منافق على المعنى الذي فسرنا. فمن قال: إن أهل النار كلهم جاحدون أكذبه الوجود، فقد دخلها بغير جحود من وصفنا. ومن قال: إنهم جميعا غير

стр. 795

جاحدين لقول الله ﴿وماكانوا بآياتنا يجحدون﴾، أي: إنهم جميعا لم يكونوا جاحدين أكذبه الوجود أن أهل الجحد والإنكار من أهل النار. قال الله: ﴿وماكانوا بآياتنا يجحدون﴾، فانقطعت قصة أهل الجنة وأهل النار هاهنا. (١) وهذا تحريف واضح فإن "ما" هنا مصدرية وليست نافية. وقال أيضا: وقال بعضهم: الآية جامعة محتملة لفسق الشرك والنفاق، يقول: ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (٢) أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند الله، من فاسق مشرك أو منافق؛ وهو فسق فوق فسق، وفسق دون فسق. (٣). ويقول: وفي هذه الآية دليل على أهل الفراق أن هؤلاء الذين وعدوا بالعذاب ممن ناداهم الله بالإيمان، وسماهم بما قبلهم من خصال الإيمان كلما قيل المؤمنون فقال: ﴿إلا تنفروا﴾ (٤) أنتم الذين نودوا بالإيمان وسموا به، ﴿يعذبكم عذابا أليما﴾ (٥) فلا يجوز لواصف أن يصف الله أنه يعذبهم إن لم ينفروا كما استنفرهم وهم مؤمنون (٦) قوله: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (٧) أي: إلا ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم. وذكر هاهنا ما افترت الفرقة الشاكة من أن قومًا يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة؛ فإن هذا موضعه وموضع الرد عليهم. (٨) ومن المواضع التي سلك فيها مسلك التأويل قوله ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾ (٩) يوم القيامة ﴿في ظلل من الغمام والملائكة﴾ أي وتأتيهم الملائكة ﴿وقضي الأمر﴾ يعني الموت ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ يعني عواقبها. قال بعض المفسرين ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾ أي بأمره ﴿في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر﴾ أي الموت. ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن (١٠): يقول: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ (١١) يعني بالإسلام. قال

стр. 796

بعضهم: الذين أنعمت عليهم هم الأنبياء، وهو كقوله: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين .. إلى آخر الآية﴾ (١) والإسلام يجمعهم جميعا. (٢) ويقول: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ (٣) وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. وتفسيره في سورة الأعراف. (٤) وقد تقدم شيء من ذلك أيضا فيما سبق. رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: وقد قام الهواري بحذف كثير من الأحاديث والأخبار الواردة في تفسير ابن سلام. والتي لا تتفق وأصول مذهبه. ومن ذلك: حذف أحاديث في تفسير قوله تعالى ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ (٥) وهي أحاديث في الشفاعة. حذف أحاديث متتابعة في تفسير قوله تعالى ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ (٦) وهي أحاديث الجهنميين، أو عتقاء الرحمن. كما اختصر هود أغلب سلاسل الإسناد أو حذفها، واكتفى بذكر الصحابي الذي روى الحديث عن رسول الله ﷺ . ومن الأحاديث التي تفرد بذكرها أو وهم فيها: قال: ذكر أبو زيد قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة نمشي في بعض طرق المدينة ويدي في يده، إذ مررنا برجل يتهجد من الليل وهو يقرأ فاتحة الكتاب، فذهبت أكلم النبي ﵇ فأرسل يدي من يده وقال: صه، وجعل يستمع. فلما فرغ الرجل منها قال لي رسول الله ﷺ : مافي القرآن مثلها. (٧) وهو يذكر أحاديث لا أصل لها ومن ذلك تكراره لحديث نسبه لرسول الله ﷺ قال: السنة سنتان، وما سوى ذلك فريضة: سنة في فريضة، الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة. (٨) ومن ذلك قوله: ذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ قال: "العقل

стр. 797

على العصبة والدية على الميراث". (١) ومن ذلك قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٢) قال بعض المفسرين: قال رسول الله ﷺ : "إنما هي حج وعمرة فمن قضاها فقد قضى الفريضة أوقضى ما عليه، فما أصاب بعد ذلك فهو تطوع". (٣) قوله: ذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ قال: " لاتدفعوا حتى يدفع الإمام فإنها السنة". (٤) ومما انفرد به أيضا قوله: ويذكر أن النبي ﵇ قال لثابت بن قيس: "شاطرها الصداق وطلقها". (٥) يعني حين اختلعت منه زوجته. وفي قوله تعالى: ﴿فضرب بينهم بسور﴾ (٦). ذكروا أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدًا جبل يحبنا ونحبه. وإنه يمثل يوم القيامة بين الجنة والنار، يحشر عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم، هم إن شاء الله من أهل الجنة ". (٧) وهو يهتم بذكر أسباب النزول وانظر ذلك عند قوله ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ (٨)، ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (٩)، ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ (١٠) وفي قوله ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ (١١) قال: قال بعض المفسرين: ذكر لنا أن واقد ابن عبد الله التيمي وكان من أصحاب النبي ﷺ قتل عمرو ابن الحضرمي رجلاً من المشركين في أول يوم من رجب فعير المشركون أصحاب النبي ﵇ فأنزل الله ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله﴾ يقول الصد عن سبيل الله والكفر بالله أشد من القتل في الشهر الحرام وإخراج أهله - يعني محمدا ﷺ وأصحابه - أكبر عند الله. وذكر روايات كثيرة بعدها. (١٢) ومن تركه لبعض الروايات الباطلة إهماله لقصة ثعلبة بن حاطب التي

стр. 798

يذكرها المفسرون تحت قوله تعالى ﴿ومنهم من عاهد الله﴾ (١). (٢) وأما فضائل القرآن فسوف يأتي في أقوال السلف التعرض لشيء من فضائل الفاتحة. خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: وقد حذف هود أسانيد الروايات أيضا من تفسير ابن سلام وعلقها عن أصحابها أو ذكرها بدون نسبة. وكان يبدأ الكلام أحيانًا بقوله: قال بعضهم، أو: ذكر عن بعضهم ... وربما قال أحيانًا: بلغني كذا وكذا فيظن القارئ أن العبارة من قوله هو، ولكن عند المقارنة يتبين أن العبارة لابن سلام. وهذا خطأ منهجي ما كان ينبغي أن يقع فيه الهواري خاصة وهو يؤلف في عهد كان فيه الإسناد والرواية من العلوم التي يعنى بها عناية بالغة. (٣) ومن مواضع نقله للآثار قوله: ﴿يوم الدين﴾ (٤) هو يوم الحساب في تفسير مجاهد والحسن. وقال بعضهم: يوم يدين الله الناس فيه بأعمالهم. وقولهم جميعًا في هذا واحد. (٥) ومن كلامه معلقًا على الآثار قوله في الفاتحة: غير واحد من العلماء قال: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب وإنما سميت السبع المثاني لأنهن يثنين في كل قراءة يعني في كل ركعة. (٦) سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات (٧): يذكر هود بعض مواقف السيرة وذلك مثل قوله في تفسير ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ...﴾ (٨) وقال مجاهد: هذا حين شتمهم النبي وقال: "يا إخوان القردة والخنازير" (٩) وقال في قوله ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ (١٠): وقال بعض المفسرين لا نعلم أحدًا من اليهود أسلم على عهد النبي إلا رجل واحد. والحسن يذكر آخر، ولا ندري من هو. وقال في قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ (١١) ذكروا عن رفاعة القرظي في قوله ﴿الذين آتيناهم الكتاب من

стр. 799

قبله هم به يؤمنون﴾ قال: نزلت في عشرة من اليهود ... بعد ما أسلم الرجلان اللذان ذكر بعض أهل التفسير، فيكونون تمام اثني عشر كما قال كعب. والله أعلم. (١) سابعا: موقفه من الإسرائيليات (٢): لقد تبع هود الهواري ابن سلام في سوق الإسرائيليات فملأ كتابه منها. وأكثرها عن الكلبي ومن ذلك قوله: وفي تفسير الكلبي قال: خلق الله كل شيء قبل ءادم ﵇، فجعل الملائكة هم عمار السماوات. وفي كل سماء ملائكة. ولكل أهل سماء دعاء وتسبيح وصلاة. وكل أهل سماء فوق سماء أشد عبادة وأكثر دعاء وتسبيحًا وصلاة من الذين تحتهم. فكان إبليس في جند من الملائكة في السماء الدنيا: قال: وكانوا أهون أهل السماوات عملاً. وكان الجن بنو الجان الذي خلقه الله من مارج من نار عمار الأرض؛ وهو عند الحسن: إبليس. وقال الكلبي: فلما وقع بينهم التحاسد والفتن اقتتلوا. فبعث الله جنداً من السماء الدنيا فيهم إبليس، وهو رأسهم. فأمروا أن يهبطوا إلى الأرض فيجلوا منها الجن بني الجان. فهبطوا فأجلوهم عن وجه الأرض، فهان عليهم العمل فيها، وأحبوا المكث فيها. ثم أحب الله ﵎ أن يخلق آدم ﵇ وذريته، فيكونوا هم عمار الأرض فقال للملائكة الذين كانوا في الأرض، يعني إبليس وأصحابه، إني جاعل في الأرض خليفة ورافعكم منها. فوجدوا من ذلك وقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفكوا الدماء كما سفكوا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. وقد علم أنه سيكون من بني آدم من يسبح بحمده ويقدس له ويطيع أمره. فخلق آدم وصور جسدًا ينظرون إليه ويعجبون منه، ولم يكونوا رأوا فيما خلق الله شيئًا يشبهه. (٣) وقوله: ذكر بعضهم قال: أول ما خلق الله في الأرض طير وحوت،

стр. 800

فجعل الطير يخبر الحوت خبر السماء، وجعل الحوت يخبر الطير خبر الأرض. فلما خلق الله آدم جاء الطير إلى الحوت فقال: لقد خلق الله اليوم خلقًا كذا وكذا. فقال الحوت للطير: فإن كنت صادقًا ليستنزلنك من السماء وليستخرجني من الماء قال الكلبي: فأشفق إبليس عدو الله منه وقال: إني لأرى صورة مخلوق سيكون له نبأ. فقال لأصحابه: أرأيتم هذا الذي لم تروا على خلقه شيئًا من الخلق إن فضل عليكم ما تفعلون؟ قالوا: نطيع ربنا ونفعل ما يأمرنا به. قال إبليس في نفسه: إن فضل علي لا أطيعه. وإن فضلت عليه لأهلكنه. فلما نفخ الله الروح في آدم جلس فعطس فقال: الحمد لله رب العالمين. فكان أول شيء تكلم به. فرد الله عليه عند ذلك: يرحمك الله، لهذا خلقتك؛ لكي تسبح باسمي وتقدس لي. ذكر بعضهم قال: لما نفخ في آدم الروح فعطس فحمد ربه قال الله له: يرحمك ربك، فكانت هي الرحمة التي سبقت لآدم ﵇. (١) ومن الإسرائيليات أيضا كلام الكلبي في قصة خاتم سليمان والسحر عند قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين ...﴾ (٢) وفي قصة هاروت وماروت. (٣) ثامنا: موقفه من اللغة: ومن كلامه في اللغويات: قوله: ﴿مثلا ما﴾ (٤) قال: "ما" هاهنا كلمة عربية ليس لها معنى زيادة في الكلام. وهو في كلام العرب سواء: بعوضة فما فوقها، وما بعوضة فما فوقها. (٥) وقلما يتعرض المؤلف إلى وجوه الإعراب في تفسيره ومن ذلك قوله عند قوله تعالى ﴿وقولوا حطة﴾ (٦) ويقولوا حطة وهو كقولك: احطط عنا خطايانا. وإنما ارتفعت لأنها حكاية قال: قولوا: كذا وكذا. (٧)

стр. 801

ومن التفسيرات اللغوية الغربية قوله: ﴿قردة خاسئين﴾ (١): الخاسئ الذي لا يتكلم. (٢) وقال في قوله: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه﴾ (٣) اللام هنا صلة. وقال في قوله ﴿وإن منها لما يهبط﴾ واللام هنا صلة. (٤) وهنالك جانب نقص آخر في أسلوب هود وهو التكرار الممل أحيانًا، أو وجود بعض عبارات في التفسير بلغت من الركاكة والقلق حدًا (٥) لا يليق بمستوى تفسير كتاب الله. وهو يتعرض للمعرب في القرآن: ففي قوله ﴿متبر ماهم فيه﴾ (٦) قال بعضهم: بلغنا إنها نزلت بالسريانية. (٧) تاسعا: موقفه من القراءات وتوجيهها: وبالنسبة للقراءات يتعرض لها أحيانًا ويوجهها ومن ذلك قوله ﴿مالك يوم الدين﴾ (٨) ذكروا أن رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر كانوا يقرأونها ﴿ملك يوم الدين﴾ وتفسيرها على هذا المقرأ مالكه الذي يملكه، من قبل الملك. وبعضهم يقرؤها " مالكَ يوم الدين " يجعلها نداء. وتفسيره على الدعاء: يا مالك يوم الدين. ويوم الدين هو يوم الحساب في تفسير مجاهد والحسن. وقال بعضهم: يوم يدين الله الناس فيه بأعمالهم. وقولهم جميعًا في هذا واحد. (٩) قال الله: ﴿ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون﴾ (١٠) وهي تقرأ على ثلاثة أوجه: بالتاء جميعًا: تردون وتعملون، والوجه الآخر بالياء؛ يقول للنبي: يردون ويعملون. والوجه الثالث يقوله لهم: فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون جميعًا. (١١)

стр. 802

قوله تعالى ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ (١) قال: قال بعض المفسرين: وهي تقرأ على وجهين بفتح الغين ورفعها: ﴿غَرفة﴾ و ﴿غُرفة﴾ فمن قرأها غَرفة فهو يعني الغرفة التي اغترف مرة واحدة كما تقول: إلا من فعل الفعلة. ومن قرأها غُرفة فهو يعني الغرفة بعينها ملء اليد وبعضهم يقرأها بمقرأ ثالث: إلا من اغترف غِرفة يقول: إلا من فعل فعلة اغترف اغترافًا. (٢) ويذكر القراءات الشاذة مثل ﴿قالوا نعبد إلهك وإله آبائك﴾ (٣) قال: ذكروا عن الحسن أنه كان يقرؤها وإله أبيك. (٤) عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: ومن المواضع الفقهية في تفسيره - وهو مما يؤكد سطوه على تفسير ابن سلام - قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ (٥) يعني الزكاة المفروضة على ما سن رسول الله ﷺ في الذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، والبر والشعير، والتمر والزبيب. وفي قول الحسن وغيره من أصحابنا: وما سوى ذلك فليس فيه زكاة حتى يباع فتكون فيه زكاة الأموال يزكيه مع ماله إذا زكى إذا كان له مال. وبعض أصحابنا يجعل الذرة مع البر والشعير. وقد فسرنا ذلك في أحاديث الزكاة. ولا يعرف لهود الهواري كتاب في الحديث ويبدو أن هذه الجملة من تفسير ابن سلام نقلت حرفيًا وأراد بها كتابه الجامع الذي صنفه في الحديث وقد رجح ذلك المحقق (٦). وفي قوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ (٧) أضرب صفحًا عن ذكر شيء من الآثار التي تنهى عن قتل النساء والصبيان لأن الخوارج يرون جواز ذلك فقال: ﴿ولا تعتدوا﴾ أي في حربكم فتقتلوا من لا يقاتلونكم، وتقتلوا من قد آمنتموه وتحرم بحرمتكم ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ ثم أمر بقتالهم في سورة براءة فقال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (٨) ومن مواضع ترجيحه لمذهبه كلامه في الصلاة لغير القبلة. (٩)

стр. 803

وأما موقفه من النسخ فإيجابي فهو يقول في قوله تعالى ﴿قل قتال فيه كبير﴾ (١) وهذا منسوخ كان قبل أن يؤمر بقتالهم عامة. (٢) وفي الختام نذكر شيئا من غرائبه في تفسيره وقد تقدم بعضها (٣): قال: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ (٤) يعني الكعبة لأنها مسجد جميع الخلق، إليها يؤمون ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وءاتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ وعسى من الله واجبة. (٥) ومن الفوائد الاستطرادية التي ذكرها قوله: وسئل بعض السلف عن الرجل العالم الفقيه الذي قد اتخذه المسلمون سلفا وإماما، فاستقل بأمور المسلمين والنظر في حوائجهم، وهو فقير، هل ينظر المسلمون له نظرًا يغنونه عن المسألة ويفضلونه على من سواه ممن لم يحتمل من أمور المسلمين مااحتمل؟ فقال: نعم وهل ينبغي للمسلمين إلا هذا؟ وهل يجوز لهم أن يحتاج فيهم مثل هذا؟ وقد كان عمر بن الخطاب يفضل أهل الفضل في الإسلام ويخصهم من الصدقة والفيء بما لايخص به غيرهم لما يحتملون من المسلمين، ويشغلون أنفسهم بحوائج المسلمين عن حوائجهم، فأهل أن يفضلوا، وأهل أن يشرفوا، وأهل أن ينظر لهم المسلمون بما يسعهم ويقوتهم ويقوت عيالهم (٦).

стр. 804

تفسير ابن حيون الشيعي من خلال كتابيه أساس التأويل وتأويل الدعائم مؤلف هذا التفسير هو أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور ابن حيون القاضي المغربي الشيعي الباطني الإسماعيلي ت ٣٦٣ هـ، ويعرف في تاريخ أدب الدعوة الإسماعيلية المستعلية بسيدنا قاضي القضاة وداعي الدعاة النعمان بن محمد، وقد يختصره المؤرخون فيقولون (القاضي النعمان) تمييزا له عن أبي حنيفة صاحب المذهب الحنفي، وهو من أهل المنطقة ولد بالقيروان ونشأ بها وتوفي بالقاهرة. تعريف مختصر بالإمامية الإسماعيلية: هي فرقة من فرق الشيعة الإمامية يرون أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه إسماعيل نصا من أبيه ثم إلى ابنه محمد المكتوم وهو أول الأئمة المستورين وبعده تتابع أئمة مستورون إلى أن ظهر بالدعوة عبد الله المهدي رأس الفاطميين، ولهم أسماء عدة منها الباطنية والقرامطة. (١) وهؤلاء يبطلون الشريعة جملة وتفصيلا، ويعتقدون أن لها بواطن غير هذه الظواهر، ويستحلون المحرمات. واعتقادهم في الله والأنبياء من أبطل الباطل وينكرون القيامة والمعاد، ويعادون الإسلام وأهله أشد العداوة، وقد قتلوا الحجيج وألقوهم في بئر زمزم، وسرقوا الحجر الأسود. وهم دائما عون لأعداء الإسلام عليه، واتفق العلماء على كفرهم وخروجهم من الملة. (٢) وأصول مذهبهم مبنية على:

стр. 805

القرآن: ويتأولونه حسب أهوائهم. الحديث المروي عن رجالهم: وجله موضوع أو مؤول على غير وجهه. اجتهاد الأئمة: فالإمام عندهم هو المصدر الثالث للتشريع، وكما أن الرسول مختص بعلم الظاهر فالأئمة مختصون بعلم الباطن. (١) والمصادر الرئيسية عند الفاطميين هي خمسة كتب: أولا: دعائم الإسلام للنعمان بن محمد قاضي قضاة المعز لدين الله الفاطمي. ثانيا: تأويل الدعائم للنعمان بن محمد أيضا. ثالثا: راحة العقل لداعي دعاة الفاطميين أحمد حميد الدين بن عبد الله الكرماني في عهد الحاكم بأمر الله. رابعا: الأنوار اللطيفة في الحقيقة للداعي اليماني طاهر بن إبراهيم الحارثي. خامسا: المجالس المؤيدية، وملخصها "جامع الحقائق" لداعي الدعاة الفاطميين هبة الله بن موسى المؤيد في عهد الخليفة المستنصر بالله. ومن الكتب الهامة الأخرى كتاب الذخيرة وكنز الولد وأسرار النطقاء وسرائر النطقاء وقد نشر منها كتابان: دعائم الإسلام وراحة العقل. أما أعلام الدعوة وأئمة المذهب عند الفاطميين فهم ثلاثة: أولا: صاحبنا قاضي قضاة المعز لدين الله النعمان بن محمد المغربي. ثانيا: أحمد بن عبد الله حميد الدين الكرماني. ثالثا: داعي الدعاة الفاطميين في عهد الخليفة المستنصر بالله هبة الله بن موسى المؤيد الشيرازي. ويدعي بعض المؤرخين أن الحركة الإسماعيلية نشأت سنة ١٢٨ هـ في العراق وفاس كحركة دينية أوجدها الإمام جعفر الصادق ١٤٨ هـ تحولت فيما

стр. 806

بعد إلى حركة عقلية تدل على أصحاب مذاهب دينية مختلفة وأحزاب سياسية واجتماعية متعددة وآراء فلسفية وعلمية متنوعة (١). غير أن بعض الإسماعيليين يرجعون بحركتهم إلى ما قبل هذا التاريخ، إلى عهد إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، ويستدلون على ذلك بنظريات فلسفية وعقائدية. واشتط بعضهم في الغلو فقال: إن دعوتهم قديمة قدم الوجود (٢). التعريف بالتفسير: وتفسير أساس التأويل تفسير شيعي باطني وهو مطبوع بتحقيق عارف ثامر بدار الثقافة بيروت، وكذلك كتاب تأويل دعائم الإسلام مطبوع. وكتاب " أساس التأويل " للنعمان يعتبر أساس المذهب الباطني، كما أن كتاب دعائم الإسلام له يعتبر أساس للفقه والشريعة عند الإسماعلية (٣). وتأويل دعائم الإسلام هذا هو العنوان المتداول لهذا الكتاب ولكن اسمه: "تربية المؤمنين بالتوفيق على حدود باطن علم الدين". وهو تأويل الدعائم المعروف والكتاب في جزأين في التأويل الباطني للأحكام التي جاءت في كتاب دعائم الإسلام نشرته دار المعارف بالقاهرة، وإن كان النعمان لحقته المنية قبل إتمام الكتاب وهو يعد ثاني كتاب هام بعد الدعائم. ولا يزال هذا الكتاب هو الوحيد الذي يسيطر على حياة طائفة البواهر: أتباع الخلفاء الفاطميين في شبه القارة الباكستانية الهندية، واليمن وحضرموت في الهند والباكستان وغيرهما. وعليه المعول في أحوالهم الشخصية وأحكام الأسرة، ومن عجب أن التشريع الإسلامي بالهند الآن يحافظ على شيء من القوانين التي كانت تطبق بمصر في عهد الفاطميين. والتأويل عند الإسماعيلية كما قال عارف تامر في مقدمة تحقيقه للكتاب: هو باطن المعنى أو رمزه أو جوهرة، وهو حقيقة مستورة وراء لفظة لا تدل

стр. 807

عليها، وما سمي التأويل عند الإسماعلية مقصور على أئمتهم دون غيرهم (١). وقد جعلوا محمدا ﷺ صاحب التنزيل، فالتنزيل اختص به الناطق في حياته. وهو علم الظاهر وأحكام الشريعة والعلم المصرح بتعليمه وتبيينه واعتناقه لطبقات العامة. والباطن اختص به الإمام أو الأساس، وهو علم التأويل والحقيقة ومرموزاتها وتعاليمها التي لا يمكن الإفصاح عتها إلا لجنود الدعوة المخلصين الذين تدرجوا في مراتبها وتربعوا في مناصبها وهم طبقات الخاصة. (٢) المنهج العام للتفسير: (٣) لم يتناول ابن حيون في تفسيره القرآن كله، بل أخذ بعض الآيات التي ظهر له أنها تؤيد المذهب الذي يدعو إليه. وقد تعرض في كتابه تأويل الدعائم لتأويل كم هائل من الآيات والأحاديث. وتجدر الإشارة إلى أن التأويل عند الإسماعيلية يختلف عن التفسير بمعناه الشرعي الصحيح لدى أغلب الفرق الإسلامية الأخرى، فهو تأويل غريب لا يتلاءم مع مفهوم اللغة والشرع والعقل، ولذا فسوف أكتفي بعرض بعض النماذج التي لا أزمة لها وهي تبين عن نفسها. قال في أساس التأويل: في قوله تعالى ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾ (٤)، قال: الطريقة هي النبي الناطق في زمانه، والإمام في أوانه من بعده، والماء الغدق هو العلم الغزير (٥). وفي تأويل قوله جل ذكره ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (٦) قال: فصاحب العصر سواء كان نبيا أو إماما يدعى ناطقا، لأنه ينطق بالظاهر، ويقوم به، وحجته يدعى صامتا لأنه صامت عن الظاهر قائم بالباطن.

стр. 808

فالإمام والحجة يتعاقبان تعاقب الليل والنهار ... وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ (١)، إن آيات الله في الباطن حجج على خلقه، وهم الذين افترض عليهم طاعتهم. وفي تأويل آيات الفاتحة قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (٢): والصراط في اللغة: الطريق. ممثل هنا بالطريق لأن من لزم الطريق يصل، وكذلك من لزم الإمام يصل، والمراد ههنا بالطريق الإمام لا الطريق المسلوك في الأرض. وقد أثبت النعمان وجود الظاهر والباطن في القرآن مستشهدًا بقوله تعالى ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾ (٣) وبقوله تعالى ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (٤). ويقول: إن من معجزات القرآن أن يأتي بالشيء الواحد، وله معنى في ظاهره ومعنى في باطنة، وبذلك كان ظاهره معجزة الرسول، وباطنه معجزة الأئمة من أهل بيته (٥). وقال في قوله تعالى ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (٦) قال: عنى به شرح الظاهر (٧). ويؤول قوله تعالى ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ (٨) بأنهم الأئمة، ثم قال: وقد بينا في غير موضع أن اسم الإيمان يقع على الرسول والأسس والأئمة وجميع المؤمنين المتصلين بهم. (٩) وذكر أنهم الذين اتبعوه بالحقيقة وآمنوا به وصدقوه بظاهره وباطنه وقاموا بأمره في حياته وبعد مماته من أسبابه الذين كانوا في عصره والأئمة من بعده منهم ﴿معه﴾ باتباعهم إياه وتمسكهم بأمره واتصالهم به لأنهم في نظام واحد معه، فهم حبل الله المتصل طرفه بيد الله وطرفه بيد العباد كما وصفه رسول الله ﷺ فالرسول هو أول حدّ من الحبل في العالم السفلي والأساس متصل به، والأئمة يتصلون بالأساس واحدا بعد واحد، والطرف الأدنى الذي هو بيد العباد إمام كل زمان في زمانه فمن تمسك به فقد تمسك بحبل الله،

стр. 809

وكل واحد منهم في زمانه هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، كالسلسلة، كل عروة منها متصلة بالأخرى فمن تمسك بأدناها فقد تمسك بها كلها وبعضها مع بعض وذلك قول الله : ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ (١) وذكر في تأويل قوله تعالى ﴿فصلّ لربك وانحر﴾ (٢) أن معناها: أقم الدعوة لله باطنا، وهي باطن الصلاة وأقمها في الظاهر ولا الظاهر دون الباطن ﴿وانحر﴾ أي خذ عهد الأساسية على أساسك ونصبه للبيان تتصل ذريتك الباطنة ويكثر المستجيبين لدعوتك وينبتر أمر شانئك وقائل ذلك فيك. فكان كما وعد الله جل ذكره، والنحر إنما يكون للجمال وهي أمثال الأئمة، والذبح للغنم وهي أمثال المؤمنين، والبقر أمثال الحجج، فضرب مثل أساس إبراهيم بالكبش وأساس موسى بالبقر وأساس محمد بالبعير وذلك الذي ذكره من قول إبراهيم لأساسه إسماعيل. (٣) وقال في قوله تعالى ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ (٤) أي الأئمة السبعة (٥)، أئمة الإسماعيلية. وقال في تأويل قوله تعالى ﴿فإن مع العسر يسرا﴾ (٦) مع التنزيل الظاهر بيان باطني يوضحه وييسره لمن عسر عليه أمره بالبيان الذي هو التأويل (٧). وقال في تأويل قوله تعالى ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون والشهداء عند ربهم﴾ (٨) فالشهداء الأئمة والصدّيقون هم أيضا. ومن ذلك قول الله ﴿وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون﴾ (٩) وقوله تعالى ﴿أيها الصديق﴾ (١٠)، وقوله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (١١) يعني الإمام (١٢)

стр. 810

ويقول في تأويل الدعائم: كذلك يرفض المؤمن المستجيب ما كان عليه من ظاهر أهل الباطن ويتمسك بظاهر أهل الحق وباطنهم ومثل ما يترك من سرته عند قطعها ويربط ويكوى طرفه إلى أن يجف ويسقط مثل ما يترك المستجيب عليه من توحيد أهل الظاهر الذي هو إلى الشرك أقرب كما قال تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ (١) فيترك على ذلك في وقت الأخذ عليه إلا أنه يعرف أنه سيوقف على حقيقة توحيد الله وتنزيهه عن كل مثل وضد لئلا يعتقد ما كان عليه من ذلك من التشبيه والشرك وذلك مثل ربط السرة وحسمها فإذا عرف حقيقة توحيد الله وتبين له ذلك سقط عنه ما كان يعتقده من افتراء المبطلين على الله في ذلك وهذا مثل سقوط سرة المولود بعد أيام من ولادته. (٢) ويقول: وقد سمعتم فيما بسط لكم من الأصول وقرئ عليكم من حد الرضاع في الباطن أن لكل جنس من الحيوان أمثالا من الناس يرمز في الباطن بهم لهم ويكنى عنهم بذكرهم في القرآن وفي الكلام ومن ذلك قول الله: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (٣) فأخبر تعالى جل من مخبر أن جميع الدواب والطير أمثال للعباد الآدميين فضرب من ذلك أمثالا كثيرة قد سمعتم بعضها وتسمعون من ذلك ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وقد سمعتم أن أمثال حشرات الأرض وخشاشها والهوام أمثال الحشو والرعاع من الناس وأن النحل أمثال المؤمنين. ومن ذلك الحديث المأثور (٤): "المؤمنون كالنحل لو علمت الطير ما في بطونها لأكلتها" كذلك المؤمن لو علم الكافر ما فيه من الفضل والعلم والحكمة لقتله حسدا له والزنابير أمثال حشو أهل الباطل الذين يتشبهون بأهل الإيمان كما أن الزنبور يشبه النحل ويحكي صنعة بيتها الذي تصنعه بالشمع
следующие страницы →