← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17066

فتح الرحمن في بيان هجر القرآن

محمود الملاح

Полный текст (360 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

فتح الرحمن في بيان هجر القرآن تأليف أبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز أبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح تقديم فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن مفسر القحطاني، فضيلة الشيخ عبد الله بن مانع الروقي دار ابن خزيمة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة فضيلة الشيخ الدكتور / سعيد بن مسفر القحطاني الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد أنزل الله كتابه الكريم ليكون نوراً وهدى للناس وأوجب على عباده تلاوته وتدبره والعمل به، وتحكيمه وصبغ حياتهم بأحكامه في جميع شؤونهم عقيدة وعبادة وشريعة وسلوكاً وأخلاقاً، ويوم تمسكت الأمة بالكتاب الكريم وعملت به دانت لها الدنيا وعاشت حياة العزة والقوة ودخل الناس في دين الله أفواجاً لينعموا بالعيش في ظلاله الوارف. وما لبث الزمان يدور حتى فقدت الأمة عزتها وخسرت مكانتها، وأصبحت في ذيل الأمم؛ وما ظلمها الله ولكن كانت هي الظالمة حين أعرضت عن كتاب ربها وعنوان رقيها ورمز عزتها أعرضت عنه عملاً وتطبيقاً وأعرضت عنه تحاكماً وتحكيماً؛ وحق عليها قول النبي ﷺ لربه يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان وقد تناول المصلحون من العلماء والدعاة بالبحث والتحذير والنهي والترهيب حتى تعود الأمة إلى القرآن الكريم ومنهم صاحبا الفضيلة الشيخ / أبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز، والشيخ / أبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح في كتابهما المبارك (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) والذي تضمن بياناً شافياً لحكم هجر القرآن وأنواع الهجر وجمعا فيه أقوال أهل العلم في هذه المسألة المعتمدة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة.

стр. 3

وإنني بهذه المناسبة لأدعو إلى اقتناء هذا الكتاب وقراءته في حلقات العلم ودروس القرآن وعقب الصلوات في المساجد وفي المجالس الخاصة لنعرف كيف نتعامل مع كتاب الله الكريم كما أدعو الله للأخوين الفاضلين بأن يتقبل منهما هذا الجهد المبارك وأن يجزل لهما الأجر. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه،،، كتبه الشيخ الدكتور / سعيد بن مسفر القحطاني الداعية المعروف

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة فضيلة الشيخ / عبد الله بن مانع الروقي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد: فلقد اطلعت على كتاب (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) الذي أعده صاحبا الفضيلة / أبو عبد الرحمن محمود الملاح وأبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز، فوجدته مؤلفاً متقناً أفاد فيه مؤلفاه وأجادا في هذا الموضوع المهم، وسدا ثغرة في المكتبة الإسلامية ... وحسب علمي لم يسبق أن جمع فيه أحد قبلهما كجمعهما ... ومن أتى بعدهما فهو عالة عليهما ... وفي هذا الكتاب من النقول المتكاثرة، والتحقيقات المفيدة؛ ما يجعله من الكتب التي يتسابق إلى اقتنائها والاستفادة منها. فجزى الله مؤلفيه خيرا، ونفع بهما، ورزقنا وإياهم العلم النافع والعمل الصالح. وصلى الله على خير خلقه ونبيه ومجتباه. والحمد لله رب العالمين. كتبه الشيخ / عبد الله بن مانع الروقي ٨/ ٦ / ١٤٢٩ هـ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة فضيلة الدكتور / محمود بن أحمد الدوسري (مؤلف كتاب هجر القرآن العظيم: أنواعه وأحكامه) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أكرم عباده المؤمنين وشرفهم بكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجعله هدى ونوراً ورحمةً وفرقاناً وروحاً، وموعظةً وشفاءً، فهو أحسن الحديث، جعله بلاغاً وحجةً على الخلق أجمعين. فما أعظمه من كتاب، فهو عظيم لعظمة من تكلم به، وعظيم لمكانة من نزل به، وعظيم لمقام من أنزل عليه، وعظيم لخيريِّة من خوطب به، وعظيم لفضل الزمان، وحرمة المكان الذي نزل فيهما، وهو عظيمٌ بتشريعاته الشاملة، عظيم بمقاصده السامية، عظيمٌ في تأثيره وأثره، عظيم في لغته وبيانه، فيه الكمال المطلق؛ لأنه كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود، تكلم به حقيقةً، فله الحمد والمنة، وله الشكر والإنعام .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والجلال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أعلى الله مكانته، وأعطاه الوسيلة، والفضيلة، وجعله الخاتم لرسله، والمنزَّل عليه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٥٢) سورة الشورى. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لكن هذا القرآن العظيم زهد فيه كثيرٌ من المسلمين في شتى أنحاء المعمورة

стр. 6

- فضلاً عن غيرهم من أمم الأرض - ووقعوا في أنواع شتى من هجر القرآن؛ كهجر تلاوته، والاستماع إليه، وتعلمه وتعليمه، وتدبره، والعمل به، والاستشفاء به، والتحاكم إليه، والدعوة إليه ... وإن الاشتغال بالقرآن العظيم؛ والتعريف به، ونشره، وتحبيبه إلى النفوس، وتشويق الأفئدة إليه، والتبصير به ولفت الأنظار إليه، والتحذير من هجره، وإقامة الحجة به على الآخرين، لمن أفضل ما يشتغل به، وتنفق فيه الأوقات، وتبذل فيه الأموال، ويضحى فيه بالمهج. وإن من توفيق الله تعالى للشيخين الفاضلين / أبي عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح وأبي أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز أن وجدا أنفسهما مشدودين ومندفعين في تحذير المسلمين من هجر القرآن الكريم, فنالا هذا الشرف في تأليف كتابهما القيم: (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) وهو بحقٍ أول كتاب تطرَّق لهذا الموضوع بالتفصيل حسب علمي، وقد أفدت منه إبان إعدادي لرسالة الدكتوراه: (هجر القرآن العظيم: أنواعه وأحكامه) فجزاهما الله خيراً، وجعله في موازين أعمالهما يوم القيامة. وصلى الله على نبينا الكريم وآله وصحبه أجمعين كتبه د / محمود بن أحمد الدوسري الداعية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد حرر في ٥/ ٦ / ١٤٢٩ هـ

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثالثة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن من نعم الله علينا أن وفقنا لتأليف كتاب (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) رغبةً في الأجر، وتحذيراً للأمة من الوقوع في هجر القرآن بأنواعه المتعددة، وحتى يكون دافعاً للتمسك بكتاب الله، والاستقامة على هديه، والعمل بتعاليمه وأوامره. ونحمد الله فإن واقع كثير من الأمة يشهد بعودتها إلى تعلم كتاب الله وتلاوته, والتسابق إلى حفظه ومدارسته, وليس أدل على ذلك من الأعداد المتزايدة في حلقات حفظ القرآن الكريم, للبنين والبنات على اختلاف أعمارهم. ومما يشرح الصدر أن كتابنا هو أول كتاب في المكتبة الإسلامية تناول موضوع هجر القرآن الكريم بالدراسة المستفيضة كما شهد بذلك الكثير من أهل العلم والفضل الذين اطلعوا على الكتاب، وقد اعتمد عليه أحد الباحثين في رسالة الدكتوراه وهو د. محمود بن أحمد الدوسري في رسالته (هجر القرآن العظيم: أنواعه وأحكامه) , كما شهد بذلك في مقدمته, فإنه قد اعتمد خطة بحثه بصورة كبيرة من كتابنا ونقل أبحاثاً كاملة, مثل: مبحث أسباب هجر التلاوة, ونماذج من استماع القرآن ... وغيرها, وقد أعددنا تقريراً تفصيلياً عن ذلك يزيد صفحاته عن عشرين صفحة, لكننا أعرضنا عن ذكره هنا؛ مخافة الإطالة على القارئ, واكتفاء بما ذكره الدكتور في مقدمته, وبالاطلاع على فهرس الكتابين يتضح لكل ذي

стр. 8

عينين مدى استفادة الدكتور من الكتاب. نسأل الله أن ينفع بالكتابين ويكتب لهما القبول. وهذه الطبعة الثالثة لكتابنا وهي مزيدة ومنقحة وتتميز عن سابقتيها بما يلي: - زيادة بعض الأبحاث والفتاوى, كما في فتاوى في استماع القرآن, والاستعانة بالجن في العلاج, وتعريف التلاوة لغة واصطلاحاً ... وغيرها مما سيراه القارئ في موطنه. - إعادة التنسيق ومراعاة الفقرات وزيادة بعض العناوين الجانبية، وخاصة في باب هجر التلاوة. - تجنب الأخطاء المطبعية, وإحالة الكلام إلى مصدره حيث سقطت بعض الهوامش في الطبعة الثانية. وأخيراً: لا يشكر الله من لا يشكر الناس فإن الفضل بعد الله في إخراج الكتاب وإعداده ومراجعته إلى مجموعة من الأفاضل وعلى رأسهم: ١ - فضيلة الشيخ / محمد حسان - حفظه الله - حيث كان له أكبر الأثر في التشجيع على جمع مادة هذا الكتاب. ٢ - فضيلة الشيخ / محمد صفوت الشوادفي ﵀ رئيس تحرير مجلة التوحيد المصرية, الذي قام بمراجعة بعض أبحاث الكتاب, وقد وافته المنية قبل كتابة مقدمته. ٣ - فضيلة الشيخ / إبراهيم بن محمد عبد العزيز ﵀ صاحب دار أم القرى للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة.

стр. 9

٤ - فضيلة الشيخ / محمد نبيه ضيف الله - حفظه الله - الواعظ بالأزهر الشريف والداعية المعروف بمحافظة الشرقية بمصر. ٥ - فضيلة الشيخ / جمال عبد الرحمن, مدير شؤون القرآن والسنة بجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر. وغيرهم كثير؛ فجزى الله كل من ساعدنا بكلمة أو جهد أو دعاء، ونسأل الله أن ينفع بهذه الطبعة، وأن يكتب لها القبول, وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن في الدنيا والآخرة. كتبه أبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز أبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح عصر الجمعة الموافق ٢٣/ ٦ / ١٤٢٩ هـ الرياض - المملكة العربية السعودية

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١٠٢) سورة آل عمران ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) سورة النساء. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٧٠ - ٧١) سورة الأحزاب أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١). إن الله - جل وعلا - أنزل إلينا كتاباً فيه خبر ما قبلنا، وحكم ما بيننا، ونبأ ما بعدنا، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن

стр. 11

دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم (١). أنزل الله هذا القرآن ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١٥ - ١٦) سورة المائدة لقد تمسك السلف الصالح بالقرآن الكريم، وحولوا تلك الآيات إلى منهج حياة متكامل، بأوامره يأتمرون، وبنواهيه ينتهون، بل حولوها إلى رجال تتحرك في واقع البشر؛ فكان القرآن مصدر عزهم وشرفهم وسيادتهم، ومن ثَمَّ جعلهم القرآن قادة وسادة للأمم بعد أن كانوا رعاة للإبل والغنم، ولكن شتان ما بين الخلف الطالح والسلف الصالح، فإننا نشهد هجراً للقرآن على جميع المستويات بشتى الأشكال: هجراً للتلاوة، والاستماع، والتدبر، والعمل، والتحاكم،

стр. 12

والتداوي والاستشفاء بالقرآن، حتى صدق على الكثير منا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان فالذي يرفع الشكوى هو الرسول الأمين ﷺ والذي يشكى إليه هو الله رب العالمين، ويشكو قومه الذين هجروا القرآن، وأعرضوا عن ذكر الواحد الديان، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. سبب تأليف الكتاب: لقد هجر القرآن تلاوة .. وأعرض الكثير عن مذاكرته وحفظه، ومجالس تدارسه بالرغم من حرصهم الشديد على مطالعة الصحف والمجلات ليتابعوا بلهف وشوق أخبار من لا خلاق لهم من الساقطين والساقطات!!. لقد هجر القرآن استماعاً .. بل ارتبط استماع القرآن في أذهان كثير من المسلمين بالأحزان والسرادقات التي تقام للمآتم!! بل أقبل الناس على سماع اللهو والغناء والمزمار وهجروا قرآن العزيز الغفار!! لقد هجر القرآن تدبراً .. القرآن الذي لو أنزله الله على الجبال الرواسي الشامخات لتصدعت من خشية الله، إذا به يقرأ، وآيات الوعد والوعيد تسمع، ولكن قلوب قاسية، وأبدان جامدة، وعيون متحجرة، فلا قلب يخشع، ولا بدن يخضع، ولا عين تدمع!! لقد هجر القرآن عملاً .. فإذا بالقرآن الذي هو منهاج حياة متكامل يصير في واقع الناس آيات تقرأ عند القبور، ويهدى ثوابها للأموات، أو تصنع منه التمائم والأحجبة تعلق على صدور الغلمان والصبيان، أو يوضع في البيوت والمحلات والسيارات للحفظ والبركة!!

стр. 13

لقد هجر القرآن تحاكماً .. ووقع المنكر الأعظم .. وذلك بتنحية كتاب الله عن الحكم بين الناس، واتهام الشريعة الإسلامية بالضعف والعجز والقصور والتخلف والرجعية .. وحل محلها القانون الوضعي وأقوال الرجال تحكم في الدماء والأموال والأعراض!! لقد هجر القرآن استشفاءً وتداوياً .. ولجأ بعض الناس إلى السحرة والعرافين والدجالين يطلبون منهم الشفاء والدواء لأمراضهم!!. ومن أجل هذا كله؛ استعنا بالله وحده في جمع مادة هذا الكتاب رغبة في الأجر، ونصحاً للأمة، وتحذيراً من هجر القرآن، وبيان عواقبه في الدنيا والآخرة لعله يكون دافعاً إلى العودة إلى القرآن الكريم مصدر العز والشرف والسيادة منهج الكتاب: ولقد اتبعنا منهجاً مرضياً - إن شاء الله - في جمع مادة هذا الكتاب، وقد جمعنا أقوال أهل العلم السابقين والمعاصرين ونسقنا بينها ورتبناها، وقد عزونا كل نقل إلى مصدره في هوامش الكتاب؛ مكتفين بذلك عن ثبت المراجع في آخر الكتاب. ولم نتدخل بأسلوبنا إلا في النزر اليسير إذا اقتضى الحال، وذلك لبيان غامض أو شرح ما خفي على القارئ، وقد عزونا الآيات القرآنية إلى مواضعها من كتاب الله موضحين اسم السورة، ورقم الآية، وخرجنا الأحاديث النبوية، ووضحنا درجتها من الصحة أو الضعف، معتمدين - في الغالب - على كتب علامة الشام ومحدث ديار الإسلام الشيخ / محمد ناصر الدين الألباني ﵀؛ وذلك لسهولة التعامل مع كتبه والأخذ منها. لقد سمينا الكتاب بعد مشورة الإخوان (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن).

стр. 14

والكتاب يتضمن تمهيداً وستة أبواب وخاتمة على النحو التالي: التمهيد: هجر القرآن (معناه - عاقبته - أنواعه). الباب الأول: هجر التلاوة. ... الباب الثاني: هجر الاستماع. الباب الثالث: هجر التدبر. ... الباب الرابع: هجر العمل. الباب الخامس: هجر التداوي والاستشفاء. الباب السادس: هجر التحاكم. ... والخاتمة: نسأل الله أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همنا وغمنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل، وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنا، وأن يوفقنا للعمل به، والتحاكم إليه. ونسأله أن ينفع بهذا الكتاب، ويكتب له القبول، وأن يجزي كل من ساهم في إخراجه خير الجزاء، وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ، أو زلل، أو تقصير فمنا، ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وجزى الله خيراً من رأى فيه خللاً فأرشدنا إليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. كتبه أبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز أبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح

стр. 15

تمهيد هجر القرآن وفيه فصلان: الفصل الأول: معنى هجر القرآن. الفصل الثاني: عاقبة هجر القرآن.

стр. 16

الفصل الأول معنى هجر القرآن

стр. 17

يتضح معنى هجر القرآن من خلال هذا العرض لأقوال العلماء والمفسرين في بيان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: (واختلف أهل التأويل في معنى اتخاذهم القرآن مهجوراً، القول الأول: كان اتخاذهم ذلك هُجراً، قولهم فيه السيئ من القول، وزعمهم أنه سحر، وأنه شعر. عن مجاهد قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان قال: يهجرون فيه بالقول، يقولون: هو سحر. وعن مجاهد أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ ...﴾ الآية. يهجرون فيه بالقول، قال مجاهد: وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٦٧) سورة المؤمنون. قال: مستكبرين بالبلد سامراً مجالس تهجرون، قال: بالقول السيئ في القرآن غير الحق. عن إبراهيم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قال: قالوا غير الحق، ألم تر إلى المريض إذا هذى قال غير الحق. القول الآخر: بل معنى ذلك الخبر عن المشركين أنهم هجروا القرآن وأعرضوا عنه ولم يسمعوا به. قال ابن زيد في قول الله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ

стр. 18

مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان. لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله قالوا: لا. وقرأ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢٦) سورة الأنعام. قال: ينهون عنه، ويبعدون عنه. ترجيح ابن جرير الطبري: (قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنه أنهم قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت. وذلك هجرهم إياه) (١). قال الإمام الألوسي البغدادي ﵀: (والمراد بالرسول نبينا - صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وعظم وكرم -، وإيراده ﵊ بعنوان الرسالة لتحقيق العدل والرد على نحورهم حيث كان ما حكى عنهم قدحاً في رسالته ﷺ أن قالوا: كيت وكيت، وقال الرسول إثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية الطغيان بطريق البث إلى ربه والشكوى عليهم ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ الذين حكى عنهم ما حكى من الشنائع ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ الجليل الشأن المشتمل على ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم: ﴿مَهْجُورًا﴾ أي متروكاً بالكلية، ولم يؤمنوا به ولم يرفعوا إليه رأساً ولم يتأثروا بوعيده ووعده، فمهجوراً من الهَجر بفتح الهاء بمعنى الترك وهو الظاهر، وروي ذلك عن مجاهد والنخعي وغيرهما، واستدل ابن الفرس بالآية على كراهة هجر المصحف وعدم تعهده بالقراءة فيه، وكان ذلك لئلا يندرج من لم يتعاهد القراءة فيه تحت ظاهر النظم الكريم، فإن ظاهره ذم الهجر مطلقاً وإن كان المراد به عدم

стр. 19

القبول لا عدم الاشتغال مع القبول ولا ما يعمهما فإن كان مثل هذا يكفي في الاستدلال فذاك وإلا فليطلب دليلاً آخراً للكراهة. وأورد بعضهم في ذلك خبراً وهو " مَنْ تعلَّم القرآن وعلَّق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه " وقد تعقب هذا الخبر العراقي بأنه روي عن أبي هدبة وهو كذَّاب، والحق أنه متى كان ذلك مخلاً باحترام القرآن، والاعتناء به كَرِه، بل حرم وإلا فلا. وقيل: مهجوراً من الهُجر بالضم على المشهور أي الهذيان وفحش القول، والكلام على الحذف والإيصال أي جعلوه مهجوراً فيه إما عن زعمهم الباطل نحو ما قالوا أنه أساطير الأولين اكتتبها، وإما بأن هجروا فيه ورفعوا أصواتهم بالهذيان لما قرئ لئلا يسمع كما قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٢٦) سورة فصلت. وفي هذه الشكوى من التخويف والتحذير ما لا يخفى فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا) (١). قال الإمام ابن الجوزي ﵀: وفي المراد بقوله: ﴿مَهْجُورًا﴾ قولان: أحدهما: متروكاً لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون به، وهذا معنى قول ابن عباس، ومقاتل. والثاني: هجروا فيه، أي: جعلوه كالهذيان، ومنه يقال: فلان يَهْجُر في منامه، أي: يَهْذي، قاله ابن قتيبة، وقال الزجاج: الهُجْر: ما لا ينتفع به من القول ..). (٢)

стр. 20

قال الإمام الشنقيطي ﵀: (معنى هذه الآية الكريمة ظاهر، وهو أن نبينا ﷺ شكى إلى ربه هجر قومه وهم كفار قريش لهذا القرآن العظيم، أي تركهم لتصديقه والعمل به، وهذه شكوى عظيمة وفيها أعظم تخويف لمن هجر القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من عقائد، ويعتبر لما فيه من الزواجر والقصص والأمثال) (١). الخلاصة: مما سبق يتضح أن هجر القرآن يقع على المعاني الآتية: ١ - القول السيئ في القرآن، والزعم الباطل بأنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين (قول مجاهد والنخغي وغيرهما). ٢ - الإعراض والبعد عن القرآن، وعدم سماعه، ورفع أصواتهم بالهذيان إذا قرئ لئلا يسمع. (قول ابن زيد، وابن جرير). ٣ - الترك كلياً: أي تركهم للإيمان به، وتركهم للعمل به، وكذلك عدم الالتفات إليه. (قول ابن عباس، ومقاتل). ٤ - وسيأتي مزيد بيان لمعنى هجر القرآن عند ذكر أنواعه.

стр. 21

الفصل الثاني عاقبة هجر القرآن وفيه مبحثان: الأول: حكم هجر القرآن. الثاني: أنواع هجر القرآن.

стр. 22

تعال معنا - أخي الحبيب - لنتعرف على عاقبة من هجر القرآن، وأعرض عنه في الدنيا والآخرة: ١ - إن صاحب الهجر والإعراض من أعظم الناس ظلماً. ٢ - يجعل الله على قلبه الأكنة - أغطية وغشاوة - حتى لا تفقه الحق، وعلى الآذان الوقر - الصمم المعنوي عن الرشاد -. ٣ - صاحب الهجر من الضالين، وأخبر الله عن عدم اهتدائه أبداً إلى الحق. الدليل على هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٥٧) سورة الكهف ٤ - انتقام الله من المعرضين عن القرآن، ووصفهم بالإجرام. قال تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ (٢٢) سورة السجدة ٥ - كون المعرض كالحمار قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ (٤٩ - ٥١) سورة المدثر ٦ - ينذر الله من هجر القرآن ويتوعده بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (١٣) سورة فصلت

стр. 23

٧ - المعيشة الضنك في الدنيا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (١٢٤) سورة طه. إن مَنْ هجر القرآن يعيش معيشة ضنكاً، وهذه الكلمة صعبة في النطق كأنها تشير إلى صعوبة تلك الحياة. قال الإمام ابن كثير ﵀ في بيان حال من هجر القرآن: (في الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد فهذا من ضنك المعيشة .. وجاء أيضاً في تفسير الضنك بأنه الكسب الحرام، والعمل السيئ، والرزق الخبيث، وأنه عذاب القبر وضمته). (١) قال الإمام الشنقيطي ﵀: (وهذه الأقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً، والأولى شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة). (٢) ٨ - يحشر يوم القيامة أعمى. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (١٢٤ - ١٢٦) سورة طه سبحان الله! يحشر من أعرض عن القرآن يوم القيامة أعمى، بعد أن كان بصيراً في الدنيا، لكنه ما نظر بعينه إلى القرآن فتلاه، وعمل بمقتضاه، لكنه أعرض عنه، وهجره، وتناساه؛ فصار كالأعمى الذي حرم نعمة البصر؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

стр. 24

قال مجاهد، وأبو صالح، والسدي: ﴿أَعْمَى﴾: لا حجة له. وقال عكرمة: عُمِّيَ عليه كُلُّ شيء إلا جهنم. وقال الإمام ابن كثير ﵀: (ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث، أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضاً، كما قال تعالى ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (٩٧) سورة الإسراء) (١). ٩ - يسلكه الله عذاباً صعداً. قال تعالى: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (١٧) سورة الجن. قال الإمام ابن كثير ﵀: (أي عذاباً مشقاً، شديداً، موجعاً، مؤلماً. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي مشقة لا راحة معها، وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر فيها) (٢). لا إله إلا الله! مَنْ منا يقوى على هذا العذاب؟ فهل من توبة إلى الله؟. ١٠ - يقيض الله له قريناً من الشيطان. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣٦) سورة الزخرف (يقول تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ﴾ أي: يتعامى، ويتغافل، ويعرض ﴿عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ والعشا في العين: ضعف بصرها، والمراد هنا: عشا البصيرة ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ قال تعالى: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا﴾ (٣٨) سورة النساء. أي هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم،

стр. 25

فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرأ من الشيطان الذي وُكِّلَ به: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (٣٨) سورة الزخرف) (١). ١١ - الحسرة والندامة يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (٢٧ - ٢٩) سورة الفرقان. ١٢ - وقوعه تحت شكوى النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان قال الإمام الشنقيطي ﵀: (وهذه شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال) (٢). فكيف يكون حال من هجر القرآن مع الرسول ﷺ يوم القيامة؟ وإذا به يتجه مع المسلمين - وكله شوق وحنين - لرؤية النبي الأمين ﷺ ليشرب من يده شربة هنيئة، لا يظمأ بعدها أبداً، فإذا به يفاجأ بالملائكة تطرده عن الحوض، وتبعده عن رسول الله ﷺ ، فيقول النبي ﷺ : «أمتي أمتي» فتقول الملائكة: إنك لا تدري ماذا أحدثوا من بعدك، فيدعو عليهم رسول الله بالهلاك والدمار فيقول: «سُحْقاً سُحْقاً».

стр. 26

١٣ - حرمان شفاعة القرآن يوم القيامة. قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (١). وقال أيضاً: «القرآن حجة لك أو عليك» (٢). بالله عليك كيف يشفع القرآن في رجل هجره، وأعرض عنه، وأقبل على غيره من كلام البشر يقرأه، أو يسمعه؟ فإن المحروم حقيقةً من حرم شفاعة القرآن يوم القيامة. ١٤ - يختم لمن هجر القرآن بسوء الخاتمة. إن نصيب الإنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن الاستفادة منه فيما ينفعه في دار القرار فقد ربحت تجارته، وإن استغله في المعاصي والسيئات حتى لقي الله على تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، والعاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله، وخاف من ذنوبه قبل أن تكون سبباً في هلاكه. والإنسان يعيش على ما نشأ عليه، ويموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من وفقه الله إلى عمل صالح ثم يقبضه عليه، والشقي من حرم ذلك، ومنهم من هجر القرآن، ونسوق قصة واحدة على ذلك: قال الشيخ محمد حسان - حفظه الله -: (وهذه قصة رجل ينقلها إليَّ أحد إخواننا في المنصورة فيقول: لقد كان جاري لا يصلي، ومدمناً للغناء، وذكرته مراراً فلم يتذكر، فلما نام على فراش الموت صعدت إليه، ولا زال الغناء يسمع في

стр. 27

البيت، فقلت لأهله: اتقوا الله أبوكم يحتضر والغناء لا ينقطع ! ضعوا شريطاً للقرآن. يقول: فلما أخرجت شريط الغناء من الكاسيت، ووضعت شريطاً للقرآن، كشف الرجل الغطاء عن وجهه ونظر إليَّ، وقال: دع الغناء، فإنه ينعش قلبي . ومات عليها. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (١). وبعد هل تريد - أخي الحبيب - أن تكون مع هؤلاء؟ وتكون منهم في يوم من الأيام؟ تتصف بأوصاف من هجر القرآن؟ وتحشر معهم يوم القيامة؟ هل تريد أن تكون في الدنيا: ظالماً، ضالاً، مجرماً، كالحمار، قريناً للشيطان، تعيش معيشة ضنكاً، ثم الخاتمة السيئة؟ نعوذ بالله من الخذلان. أم تريد أن تكون في الآخرة: ممن يعذب في القبر، ويحشر أعمى يوم القيامة، ويكون من أهل الحسرة والندامة والحزن والأسف، وممن يدعو النبي ﷺ عليه، ويشكو منه، أو ممن يحرم من شفاعة القرآن، ثم العذاب الصعد الصعب الشاق في جبل في جهنم أو في بئر منها. نسأل الله السلامة والعافية. هل من توبة؟ يغفر الله بها الذنوب، ويستر بها العيوب، ويصلح بها فساد القلوب، ويبدل بها السيئات حسنات. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥٣) سورة الزمر

стр. 28

يا مَنْ هجرت القرآن، تب إلى الله، والحق قافلة العائدين إلى الله، التي تزداد يوماً بعد يوم، ورافق أهل القرآن حتى تكون منهم، تفز بالسعادة في الدارين. حكم هجر القرآن سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن حكم هجر القرآن؟ وهل هو حرام أم مكروه؟. فأجابت: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد: أنزل الله القرآن للإيمان به وتعلمه وتلاوته وتدبره والعمل به وتحكيمه والتحاكم إليه والاستشفاء به من أمراض القلوب وأدرانها إلى غير ذلك من الحكم التي أرادها الله من إنزاله. والإنسان قد يهجر القرآن فلا يؤمن به ولا يسمعه ولا يصغي إليه، وقد يؤمن به ولكن لا يتعلمه، وقد يتعلمه ولا يتلوه، وقد يتلوه ولكن لا يتدبره، وقد يحصل التدبر ولكن لا يعمل به، فلا يحل حلاله ولا يحرم حرامه ولا يحكمه ولا يتحاكم إليه ولا يستشفي به مما فيه من أمراض في قلبه وبدنه، فيحصل الهجر للقرآن من الشخص بقدر ما يحصل منه من الإعراض كما سبق (١). فعلى العبد أن يتقي الله في نفسه وأن يحرص على الانتفاع بالقرآن في شتى وجوه الانتفاع، ويفوته من الخير بقدر ما يتصف به من الهجر). وإلى نفس المعنى وهو أن الهجر لا يأخذ حكماً واحداً، ولكن يختلف باختلاف الأشخاص، وعلى حسب ما فيه من الهجر، أشار الإمام ابن القيم ﵀

стр. 29

فقال بعد ما ذكر أنواع هجر القرآن: (وإن كان بعض الهجر أهون من بعض). (١) وسيأتي مزيد بيان لحكم هجر القرآن عند ذكر أنواعه. أنواع هجر القرآن قال الحافظ ابن كثير ﵀ موضحاً أنواع هجر القرآن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان. يقول تعالى مخبراً عن رسوله ونبيه محمد ﷺ أنه قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي ...﴾ الآية. وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت. فكانوا إذا يتلى عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه، فهذا من هجرانه، وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، وأن يخلصنا مما يسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه، آناء الليل وأطراف النهار، على الوجه الذي يحبه ويرضاه إنه كريم وهاب). (٢) وبَيَّن الإمام ابن القيم ﵀ أنواع هجر القرآن فقال: هجر القرآن أنواع: أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

стр. 30

والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به. والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم. والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به. وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان. وإن كان بعض الهجر أهون من بعض). (١) ومما سبق يتضح أن أنواع هجر القرآن والتي ستكون موضوع كتابنا - إن شاء الله - ستة أنواع: الأول: هجر التلاوة. الثاني: هجر الاستماع. الثالث: هجر التدبر. الرابع: هجر العمل. الخامس: هجر التحاكم. السادس: هجر التداوي والاستشفاء. (اعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره؛ ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله والرمز

стр. 31

إلى بعض فصوله؛ فإن الصناعة طويلة والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير) (١).

стр. 32

الباب الأول هجر التلاوة وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: أسباب هجر التلاوة. الفصل الثاني: صور من هجر التلاوة. الفصل الثالث: أحوال الناس مع القرآن الكريم. الفصل الرابع: فضل تلاوة القرآن الكريم. الفصل الخامس: آداب وأحكام تلاوة القرآن الكريم.

стр. 33

الفصل الأول أسباب هجر التلاوة

стр. 34

تمهيد لقد هجر كثير من الناس كتاب ربهم هجراً لم تعرفه الأمة من قبل، فإذا بالواحد منا - إلا مَنْ رحم الله - في هذه الأوقات لا نقول تمر عليه الساعات لكن الأيام والأسابيع بل الشهور، وهو لا يتذكر أنه فتح مصحفاً أو قرأ آيات من كتاب ربه على الرغم من حرصه الشديد على قراءة الجرائد والصحف والمجلات ليتابع بلهف وشوق أخبار من لا خلاق لهم من اللاعبين واللاعبات، والفنانين والفنانات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكم من بيوت خربة وصدور جوفاء تعيش بيننا ولا تدري عن هذا الخراب شيئاً. معنى التلاوة لغة واصطلاحًا التلاوة لغة: مصدر تلا الشيء يتلوه, وهذا المصدر مأخوذ من مادة (ت ل و) التي تدل بحسب وضع اللغة على معنى واحد هو الإتباع, يقال: تلوته إذا تبعته, ومنه تلاوة القرآن لأن القارئ يتبع آية بعد آية, ويختلف مصدر الفعل (تلا) باختلاف الشيء المتلو. يقول الراغب: تلا الشيء أي تبعهم متابعة ليس بينها ما ليس منها, وذلك

стр. 35

يكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم, والمصدر حينئذ هو التُّلُوُّ والتِّلْوُ, وتارة بالقراءة وتدبر المعنى, والمصدر في هذه الحالة هو (التلاوة). (١) وقال ابن منظور: تلوته أتلوه وتلوت عنه تلواً, كلاهما: خذلته وتركته, وتلوته تلواً: تبعته. يقال: ما زلت أتلوه حتى أتليته أي تقدمته وصار خلفي. وأتليته: أي سبقته، وتلوت القرآن: تلاوة: قرأته, وعمَّ به بعضهم كل كلام. وقوله : ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قيل: هم الملائكة, وجائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ (١٢١) سورة البقرة. معناه يتبعونه حق اتباعه ويعملون به حق عمله. وقوله : ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (١٠٢) سورة البقرة. قال عطاء: على ما تُحَدِّث وتَقُصُّ, وقيل: ما تتكلم به كقولك فلان يتلو كتاب الله أي يقرأه ويتكلم به (٢). التلاوة اصطلاحاً: ويراد بترتيل القرآن: تلاوته تلاوة تبين حروفها ويتأنى في أدائها ليكون أدنى إلى فهم المعاني. والتلاوة عند القراء: قراءة القرآن الكريم متتابعاً كالأوراد والأسباع (٣) ".

стр. 36

أسباب هجر التلاوة إن أسباب هجر القرآن كثيرة ومتعددة تختلف من شخص لآخر وكذلك تختلف حسب نوع هجر القرآن وسيأتي بيان أسباب هجر كل نوع من أنواع هجر القرآن في مكانه ولكننا نذكر أهم الأسباب العامة التي تؤدي إلى هجر التلاوة وهي: أولاً: الجهل بفضل تلاوة القرآن الكريم . ثانياً: الانشغال بالدنيا. ثالثاً: الفتور وضعف الهمة. رابعاً: تقديم طلب العلوم الأخرى على القرآن. خامساً: الغزو الفكري والحرب المعلنة ضد القرآن. وسوف نتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل وذلك بعون الله وتوفيقه. أولاً: الجهل بفضل تلاوة القرآن الكريم: إن جهل الكثير من أبناء المسلمين بفضل تلاوة القرآن الكريم، والثواب المترتب عليه، من أكبر الدواعي لهجر تلاوة القرآن، وعدم الاعتناء بتحصيله، والمداومة على تلاوته. ولو يعلم المرء ما في هذا القرآن الكريم من الفضل العظيم، والثواب الجزيل، ومنزلة قارئه في الدنيا والآخرة؛ لجعله أنيسه آناء الليل وأطراف النهار، وما غفل عنه طرفة عين، ويكفي أن تعلم - أخي الحبيب - حديث النبي ﷺ : «مَنْ قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، بل ألف

стр. 37

حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١) وحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٢). قال خباب بن الأرت ﵁: (تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه). وقال ابن مسعود ﵁: (من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر, فإن كان يحب القرآن, فهو يحب الله ورسوله ﷺ ) (٣). وقال بعض السلف لأحد طلابه: أتحفظ القرآن؟ قال: لا. قال: واغوثاه لمؤمن لا يحفظ القرآن فَبِمَ يترنم؟ فَبِمَ يتنعم؟ فَبِمَ يناجي ربه؟ . وسيأتي مزيد بيان لفضائل تلاوة القرآن وسوره في الفصل الرابع من هذا الباب.

стр. 38

ثانياً: الانشغال بالدنيا: إن الواقع الذي يعيشه بعض هذه الأمة من البعد عن الله، والجرأة على ما حرم الله، والتعامل بالربا، وغير ذلك من المعاصي والآثام؛ أوقعهم في المعيشة الضنك التي توعد الله بها أمثالهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (١٢٤ - ١٢٦) سورة طه فبدأ الناس يلهثون وراء الدنيا، ويواصلون الليل بالنهار، لسد تلك الاحتياجات الضرورية فضلاً عن الكمالية وقلما يجد أحدهم وقتاً يقرأ فيه القرآن أو يستمعه، فما أن يعود إلى بيته فيجد نفسه منهكاً متعباً يتمنى رؤية الفراش، فمثله كما روي ذلك عن النبي: ﷺ : «إن الله يبغض كل جعظري جواظ (١)، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة» (٢). ولو يعلم هؤلاء الغاية التي خلقوا من أجلها - لتغير حالهم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٦ - ٥٨) سورة الذاريات. - لوجب عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام، فملكها يفنى، وجديدها يبلى، وكثيرها يقل، وعزيزها يذل، وحيها يموت، وخيرها يفوت،

стр. 39

ولهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٤٥) سورة الكهف فينبغي للعاقل أن يعمل للآخرة، ويسعى لها، وأن يأخذ من الدنيا بقدر ما يوصله إلى الآخرة قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٧٧) سورة القصص ولقد أحسن القائل: إن لله عباداً فطناً ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلمَّا علموا ... أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا (١) ثالثاً: الفتور وضعف الهمة: إن الفتور وضعف الهمة من الأمراض التي تكاد تعصف بالكثير منا، فلا تكاد تجد من يحافظ على شيء، أو يهتم به _ إلا من رحم الله _، فما أن يمسك المرء المصحف يوماً حتى يتركه أياماً. قال الإمام ابن القيم ﵀ في شأن ضعيف الهمة: (لا شيء أقبح بالإنسان أن يكون غافلاً عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال

стр. 40

الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهمج الرعاع، الذين يكدرون الماء، ويغلون الأسعار، إن عاش عاش غير حميد، وإن مات مات غير فقيد، فقدهم راحة للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحش لهم الغبراء) وقال أيضاً: (وهذا الصنف شر البرية، رؤيتهم قذى العيون، وحمى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الدار، ويغلون الأسعار، لا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار، وعند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون، ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، وينطقون ولكن عن الهوى ينطقون، ويتكلمون ولكن بالجهل يتكلمون ..) (١). ومن الأدوية النبوية لعلاج ضعف الهمة: المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها وإن قلت. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة فقال: «مَنْ هذه؟» قالت: فلانة تذكر من صلاتها. قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا» وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (٢). قال الإمام النووي ﵀: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة.
следующие страницы →