← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17066

فتح الرحمن في بيان هجر القرآن

محمود الملاح

Полный текст (360 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أسباب هجر التلاوة إن أسباب هجر القرآن كثيرة ومتعددة تختلف من شخص لآخر وكذلك تختلف حسب نوع هجر القرآن وسيأتي بيان أسباب هجر كل نوع من أنواع هجر القرآن في مكانه ولكننا نذكر أهم الأسباب العامة التي تؤدي إلى هجر التلاوة وهي: أولاً: الجهل بفضل تلاوة القرآن الكريم . ثانياً: الانشغال بالدنيا. ثالثاً: الفتور وضعف الهمة. رابعاً: تقديم طلب العلوم الأخرى على القرآن. خامساً: الغزو الفكري والحرب المعلنة ضد القرآن. وسوف نتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل وذلك بعون الله وتوفيقه. أولاً: الجهل بفضل تلاوة القرآن الكريم: إن جهل الكثير من أبناء المسلمين بفضل تلاوة القرآن الكريم، والثواب المترتب عليه، من أكبر الدواعي لهجر تلاوة القرآن، وعدم الاعتناء بتحصيله، والمداومة على تلاوته. ولو يعلم المرء ما في هذا القرآن الكريم من الفضل العظيم، والثواب الجزيل، ومنزلة قارئه في الدنيا والآخرة؛ لجعله أنيسه آناء الليل وأطراف النهار، وما غفل عنه طرفة عين، ويكفي أن تعلم - أخي الحبيب - حديث النبي ﷺ : «مَنْ قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، بل ألف

стр. 37

حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١) وحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٢). قال خباب بن الأرت ﵁: (تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه). وقال ابن مسعود ﵁: (من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر, فإن كان يحب القرآن, فهو يحب الله ورسوله ﷺ ) (٣). وقال بعض السلف لأحد طلابه: أتحفظ القرآن؟ قال: لا. قال: واغوثاه لمؤمن لا يحفظ القرآن فَبِمَ يترنم؟ فَبِمَ يتنعم؟ فَبِمَ يناجي ربه؟ . وسيأتي مزيد بيان لفضائل تلاوة القرآن وسوره في الفصل الرابع من هذا الباب.

стр. 38

ثانياً: الانشغال بالدنيا: إن الواقع الذي يعيشه بعض هذه الأمة من البعد عن الله، والجرأة على ما حرم الله، والتعامل بالربا، وغير ذلك من المعاصي والآثام؛ أوقعهم في المعيشة الضنك التي توعد الله بها أمثالهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (١٢٤ - ١٢٦) سورة طه فبدأ الناس يلهثون وراء الدنيا، ويواصلون الليل بالنهار، لسد تلك الاحتياجات الضرورية فضلاً عن الكمالية وقلما يجد أحدهم وقتاً يقرأ فيه القرآن أو يستمعه، فما أن يعود إلى بيته فيجد نفسه منهكاً متعباً يتمنى رؤية الفراش، فمثله كما روي ذلك عن النبي: ﷺ : «إن الله يبغض كل جعظري جواظ (١)، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة» (٢). ولو يعلم هؤلاء الغاية التي خلقوا من أجلها - لتغير حالهم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٦ - ٥٨) سورة الذاريات. - لوجب عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام، فملكها يفنى، وجديدها يبلى، وكثيرها يقل، وعزيزها يذل، وحيها يموت، وخيرها يفوت،

стр. 39

ولهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٤٥) سورة الكهف فينبغي للعاقل أن يعمل للآخرة، ويسعى لها، وأن يأخذ من الدنيا بقدر ما يوصله إلى الآخرة قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٧٧) سورة القصص ولقد أحسن القائل: إن لله عباداً فطناً ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلمَّا علموا ... أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا (١) ثالثاً: الفتور وضعف الهمة: إن الفتور وضعف الهمة من الأمراض التي تكاد تعصف بالكثير منا، فلا تكاد تجد من يحافظ على شيء، أو يهتم به _ إلا من رحم الله _، فما أن يمسك المرء المصحف يوماً حتى يتركه أياماً. قال الإمام ابن القيم ﵀ في شأن ضعيف الهمة: (لا شيء أقبح بالإنسان أن يكون غافلاً عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال

стр. 40

الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهمج الرعاع، الذين يكدرون الماء، ويغلون الأسعار، إن عاش عاش غير حميد، وإن مات مات غير فقيد، فقدهم راحة للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحش لهم الغبراء) وقال أيضاً: (وهذا الصنف شر البرية، رؤيتهم قذى العيون، وحمى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الدار، ويغلون الأسعار، لا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار، وعند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون، ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، وينطقون ولكن عن الهوى ينطقون، ويتكلمون ولكن بالجهل يتكلمون ..) (١). ومن الأدوية النبوية لعلاج ضعف الهمة: المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها وإن قلت. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة فقال: «مَنْ هذه؟» قالت: فلانة تذكر من صلاتها. قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا» وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (٢). قال الإمام النووي ﵀: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة.

стр. 41

وقال الإمام ابن الجوزي ﵀: إنما أحب الدائم لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها (١)، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه. ثانيهما: أن مداومة الخير ملازم للخدمة، وليس مَنْ لازم الباب في كل يوم وقتاً ما كمَنْ لازم يوماً كاملاً ثم انقطع. وزاد المصنف ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «ما دووم عليه وإن قل» (٢) رابعاً: تقديم طلب العلوم الأخرى على القرآن: (إن عدم المنهجية في طلب العلم لدى كثير من طلاب العلم، وعدم التلقي عن العلماء؛ أدى إلى ذلك التخبط، وذلك الغبش الذي أصاب الكثير منهم، حتى قدموا كلام البشر على كلام رب البشر، وأقبلوا على حفظ المتون في شتى الفنون، وما حفظوا كلام الله الذي هو أساس العلوم، وما هكذا فعل السلف الصالح، ولا هذه طريقتهم في طلب العلم) (٣).

стр. 42

دخل أحد فقهاء مصر على الإمام الشافعي ﵀ في المسجد وبين يديه المصحف، فقال له الشافعي: (شغلكم الفقه عن القرآن! إني لأصلي العتمة وأضع المصحف في يدي فما أطبقه حتى الصبح) (١). قال شعبة بن الحجاج ﵀ لأصحاب الحديث: (يا قوم إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن) (٢). وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: (الذي أرى في طلب العلم أن يبدأ الإنسان ولاسيما الشاب الصغير بحفظ القرآن العظيم قبل كل شيء، أرأيت لو أنك تكلمت في مجمع وتريد أن تستدل بالقرآن، وأنت لم تحفظه؛ إنك لا تتمكن من الاستدلال بالقرآن) (٣). سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الذي يقدم في الطلب حفظ القرآن أو العلم؟ فأجاب: (أما العلم الذي يجب على الإنسان عيناً كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن، فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب، وأما طلب حفظ القرآن: فهو مقدم في التعليم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن،

стр. 43

فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدعة من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم: من الكلام، أو الجدال والخلاف، أو الفروع النادرة، أو التقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله، فلابد في هذه المسألة من التفصيل، والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه، والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين) (١). خامساً: الغزو الفكري والحرب المعلنة ضد القرآن: لما عجز أعداء الله عن السيطرة على بلاد المسلمين عن طريق الغزو العسكري، إذا بهم يلجؤون إلى حيل ماكرة، وطرق ملتوية؛ للقضاء على الإسلام والمسلمين عن طريق الغزو الفكري، وركزوا على إبعاد المسلمين عن كتابهم - القرآن الكريم - الذي منه يستمدون منهجهم، وأسلوب حياتهم، ويتضح ذلك من خلال تصريحات الأعداء المعلنة ومنها: ما قاله جلادستون - رئيس وزراء إنجلترا - وقد وقف في أواخر القرن الماضي في مجلس العموم البريطاني، وقد أمسك بيده القرآن المجيد وصاح في أعضاء البرلمان قائلاً: (إن العقبة الكؤود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد المسلمين هي شيئان، ولابد من القضاء عليهما مهما كلفنا الأمر: أولهما: هذا الكتاب، وسكت قليلاً، بينما أشار بيده الأخرى نحو الشرق، وقال هذه الكعبة) (٢).

стр. 44

وقال أيضاً: (مادام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) (١). وقال أيضاً: (لن تستقيم حالة الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن) (٢). وهذا اللورد كرومر يقول: (جئت لأمحو ثلاثاً: القرآن، والكعبة، والأزهر) (٣) وكان الجندي الإيطالي يرتدي لباس الحرب قادماً لاحتلال بلاد الإسلام، وهو ينشد بأعلى صوته (يا أماه! أتمي صلاتك ... ولا تبكي ... بل اضحكي وتأملي ... ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني ... وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحاً مسروراً ... لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة ... ولأحارب الديانة الإسلامية ... سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن ...) (٤). وفي ذكرى مرور مئة عام على احتلال الجزائر قال الحاكم الفرنسي في الجزائر: (إننا لن ننتصر على الجزائريين ماداموا يقرؤون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم) (٥).

стр. 45

واتخذوا في ذلك أساليب شتى منها: ١ - الازدراء بحفظة القرآن الكريم، والعلماء، والدعاة، وتصويرهم بصور قبيحة حتى يحال بينهم وبين مجتمعاتهم. ٢ - السخرية من اللغة العربية - لغة القرآن الكريم -، ومهاجمتها من حين لآخر، ورفع شأن اللغات الأخرى؛ مما أدى إلى إهمال تدريسها في المراحل التعليمية المختلفة حتى نشأ جيل من أبناء المسلمين يجهل القراءة في المصحف، ولا يكاد يقرأ سطراً صحيحاً على الرغم من حصوله على أعلى الشهادات، وإتقانه العديد من اللغات الأخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٣ - إغراق المجتمعات المسلمة بالحشد الهائل من الصحف والمجلات، التي تبعد عن الله، وتقرب من الشيطان، وتنشر الفاحشة والرذيلة، وأصدق وصف لها أنها (حمَّالة للكذب، قتَّالة للوقت). ٤ - تدمير عقيدة المسلمين وأخلاقهم وذلك من خلال البث المباشر، والقنوات الفضائية، فضلاً عن البرامج الهدامة التي تعرض على شاشات التلفاز. ٥ - صرف الناس عن القرآن والصلاة ومجالس العلم عن طريق الرياضة وبخاصة كرة القدم التي تحولت إلى عبادة! وليس أدل على ذلك من الولاء والبراء لهذه الأندية، فضلاً عن متابعة المباريات والحرص عليها - حتى ولو كانت في السحر - مع تضييع الصلاة.

стр. 46

الفصل الثاني صور من هجر التلاوة وفيه ستة مباحث: أولا: التلحين في القراءة. ثانيا: جمع القراءات في مجلس واحد. ثالثا: بدع قراءة الفاتحة. رابعا: بدعة أخذ الفأل من المصحف. خامسا: قراءة القرآن عند القبر. سادسا: قراءة القرآن للأموات.

стр. 47

هذه بعض الصور من هجر تلاوة القرآن الكريم نذكرها تحذيراً للمسلمين من الوقوع فيها أو العمل بها: أولاً: التلحين في القراءة: شاع في هذا الزمان بدعة قراءة القرآن على الألحان الموسيقية بل وقع في ذلك كثير من مشاهير القراء حتى سمعنا من بعضهم في الإذاعة عندما كان يُسْألُ عن سبب شهرته فأجاب: الفضل في ذلك يرجع إلى تعلم الألحان الموسيقية! ولقد تعلمت السلم الموسيقي من بعض الفنانين!. فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل. وإليك نقول من كلام العلماء في هذه المسألة. الإمام أحمد في رواية علي بن سعيد في قراءة الألحان: ما تعجبني وهو مُحْدَث. وفي رواية المروزي: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع. الإمام الشافعي قال: لَمَّا ذُكِرَ له حديث معاوية بن قرة في قصة قراءة سورة الفتح والترجيع فيها، فأنكر أبو عبد الله أن يكون على معنى الألحان، وأنكر الأحاديث التي يُحتج بها في الرخصة في الألحان. وروى ابن القاسم، عن مالك، أنه سُئِلَ عن الألحان في الصلاة، فقال: لا

стр. 48

تعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم. ومَنْ رُوِيَت عنهم الكراهة: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وقال النووي في فتوى عن التلحين في القرآن: ذلك حرام يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، لأنه عدل عن النهج القويم. ونقل الفوراني من الشافعية الإجماع على التحريم فقال: إذا اختل بالتحسين شيء من الحروف عن مخرجه حَرُمَ بالإجماع. وقال القسطلاني في إرشاد الساري: (وقد عُلِمَ مما ذكرناه أن ما أحدثه المتكلفون بمعرفة الأوزان والموسيقى في كلام الله تعالى من الألحان والتطريب، والتغني المستعمل في الغناء بالغزل على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، من أشنع البدع، وأسوأ المنكرات، وأنه يوجب عليهم التعزير، وعلى سامعيهم النكير). قال الشيخ حسنين مخلوف - مفتي الديار المصرية سابقاً - (ومما لا ريب فيه أنه لن يكون مع رعاية توقيعات الغناء خشية، ولا رهبة، بل تكون القراءة لهواً ولعباً، ومَنْ أضل ممن اتبع هواه واتخذ آيات الله هزواً) (١) قال الإمام القرطبي ﵀ في مقدمة تفسيره بعدما ذكر كلاماً طويلاً عن حرمة القراءة بالألحان والغناء: (وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات، وكثرة الترجيعات، فإن زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه؛ فذلك حرام باتفاق، كما يفعل القُرَّاءُ بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز،

стр. 49

ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب عملهم، فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه جهلاً بدينهم، ومروقاً عن سنة نبيهم، ورفضاً لسير الصالحين فيه من سلفهم، ونزوعاً إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فهم في غيهم يترددون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون) (١). ثانياً: جمع القراءات في مجلس واحد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما جمعها - القراءات - في الصلاة، أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة، وأما جمعها لأجل الحفظ والدرس فهو من الاجتهاد الذي فعله طوائف في القراءة) (٢). قال الإمام النووي ﵀: (إذا ابتدأ بقراءة أحد القراء؛ فينبغي أن يزال على القراءة بها ما دام الكلام مرتبطاً، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة آخر من السبعة، والأَوْلى دوامه على الأُولى في هذا المجلس) (٣). قال الشيخ محمود خليل الحصري ﵀: (إذا كان التواصي بالحق، والتناهي عن المنكر، من سنن الإسلام، فليعلم إخواننا القراء - وفقهم الله - أن الله - تعالى - قد حمَّلهم أمانة تلاوة كتابه، وألزمهم فيها التأدب بآدابه، والإتباع لسنة رسوله فيها، والنهي عما فيه إخلال بحقها، أو ابتداع فيها، والقراءة سنة

стр. 50

مأثورة، وجعل جزاء تقصيرهم في ذلك مضاعفاً بقدر ما منحهم الله من العلم بأحكام التلاوة؛ لذلك أدعوهم - هداني الله وإياهم - إلى القيام بحق كتابه وترك ما اعتادوه في هذا العصر من الجمع بين القراءات في المحافل، فإنه كما نص عليه الأئمة الثقات، وهم القدوة في هذا الشأن، بدعة مستحدثة، غير معروفة، لا عند السلف، ولا عند الخلف) (١). ثالثاً: بدع قراءة الفاتحة: ١ - قراءة الفاتحة زيادة في شرف النبي ﷺ بدعة لا أصل لها. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥٦) سورة الأحزاب. ولم يقل اقرءوا عليه. ٢ - قراءة الفاتحة بنية قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وهلاك الأعداء، بدعة لم يأذن بها الدين. ٣ - قراءة الفاتحة بالسماح كما يفعله الفقراء، بدعة. ٤ - قراءة الفاتحة عند شرط خِطْبة الزواج، واعتقادهم أن قراءتها عهد لا ينقض، أو بأنها بأربعة وأربعين يميناً، بدعة واعتقاد فاسد وجهل (٢). ٥ - قول بعضهم بعد قراءة القرآن: الفاتحة (٣).

стр. 51

٦ - وقول بعضهم: (الفاتحة لروح فلان) (١). ٧ - قراءة الفاتحة بعد الدعاء بدعة. (٢) ٨ - قراءة الفاتحة بعد الصلاة يعني الفريضة. (٣) رابعاً: بدعة أخذ الفأل من المصحف: قال الشيخ محمد بن أحمد بن عبد السلام ﵀: (فمن ذلك أخذ الفأل والبخت من المصحف، ولا أدري ماذا يصنع صاحب البخت إن وقف على آية ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢٧٩) سورة البقرة، أو ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (١٥) سورة العلق، أو ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (١٦) سورة العلق، أو ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (١٨) سورة العلق. مثلاً. وفي كتاب أدب الدنيا والدين (٤) أن الوليد بن يزيد تفاعل يوماً في المصحف فخرج له قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (١٥) سورة إبراهيم، فمزق المصحف، وأنشأ يقول: أتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث إلا أياماً حتى قُتِلَ شر قِتْلَة، وصُلِبَ رَأْسُه على قصره، فنعوذ بالله فهذا فعل مذموم جداً، يجب تركه ومحاربته). (٥)

стр. 52

خامساً: قراءة القرآن عند القبر: قال العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵀: (وقراءة القرآن عند زيارة المقابر، أو عندها، لا أصل له في السنة، إذ لو كانت القراءة مشروعة لفعلها رسول الله ﷺ وعلمها أصحابه، لاسيما وقد سألته عائشة ﵂ وهي من أحب الناس إليه، عما تقول إذا زارت المقابر، فعَلَّمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن؛ فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه ﷺ علَّمهم شيئاً من ذلك لنُقِلَ إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع. ومما يقوي عدم المشروعية قوله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» (١) فقد أشار ﷺ إلى أن القبور ليست موضعاً للقراءة شرعاً، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعاً للصلاة أيضاً، وهو قوله: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً» (٢)، أخرجه مسلم وغيره عن ابن عمر، وهو عند البخاري بنحوه، وترجم له بقوله: (باب كراهية الصلاة في المقابر) فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر ولا فرق. ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة

стр. 53

عند القبور، وهو قول الإمام أحمد، فقال أبو داود في مسائله (١): وسمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): (ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة، وقال مالك: ما علمت أحداً يفعل ذلك، فعُلِمَ أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه). وقال شيخ الإسلام (٣): (والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بـ يس). قال الألباني: لكن حديث قراءة (يس) ضعيف، والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصنفاته) (٤). قال الإمام ابن القيم ﵀: (ولم يكن ﷺ يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم - ثم ذكر حديث التلقين وبين ضعفه -) (٥). وقال أيضاً: (هديه ﷺ تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء، ويقرأ له القرآن، لا عند قبره، ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة) (٦).

стр. 54

سادساً: قراءة القرآن للأموات: ذهب الجمهور إلى عدم وصول ثواب القراءة للأموات إذا كان بالأجرة، والمال المأخوذ على ذلك حرام، ويأثم الآخذ والمعطي. وقال الإمام الشافعي ﵀ بعدم وصول ثواب قراءة القرآن بأجرة أو بغير أجرة وهو الصواب الذي ندين لله - تعالى - به، قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣٩) سورة النجم، وقال النبي ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أوعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١). وإذا كانت القراءة تصل إلى الموتى فما بال الأحياء لا يضعون آلات التسجيل على القبور يتلى فيها القرآن ليل نهار ﴿فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٧٨) سورة النساء (٢). قال الحافظ ابن كثير ﵀: (ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حَثَّهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنصٍ ولا إيماء، ولم يُنْقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃ بسند صحيح، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء) (٣)

стр. 55

الفصل الثالث أحوال الناس مع القرآن الكريم

стр. 56

لقد وضح النبي ﷺ أحوال الناس مع القرآن، وأثر القرآن فيهم فقال: " إن مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كالتمر لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر " (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀ -: قوله: " طعمها طيب وريحها طيب " قيل: خص صفة الإيمان بالطعم وصفة التلاوة بالريح لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن إذا يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح فقد يذهب ريح الجوهر ويبقى طعمه، ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة لأنه يتداوى بقشرها وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضاً من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة

стр. 57

هضم ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات. ووقع في رواية شعبة عن قتادة كما سيأتي بعد أبواب (المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به) وهي زيادة مفسرة للمراد وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التلاوة، فإن قيل: لو كان كذلك لكثر التقسيم كأن يقال الذي يقرأ ويعمل وعكسه والذي يعمل ولا يقرأ وعكسه، والأقسام الأربعة ممكنة في غير المنافق وأما المنافق فليس له إلا قسمان فقط لأنه لا اعتبار بعمله إذا كان نفاقه نفاق كفر، وكأنه الجواب عن ذلك أن الذي حذف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق فيمكن تشبيه الأول بالريحانة والثاني بالحنظلة فاكتفي بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذكرا. قوله: " ولا ريح فيها " في رواية شعبة " لها ". قوله: " ومثل الفاجر الذي يقرأ " في رواية شعبة " ومثل المنافق " في الموضعين. قوله: " ولا ريح لها " في رواية شعبة " وريحها مر " واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح؟ وأجيب بأن ريحها لما كان كريهاً استعير له وصف المرارة، وأطلق الزركشي هنا أن هذه الرواية وهم وأن الصواب ما في رواية هذا الباب " ولا ريح لها " ثم قال في كتاب الأطعمة لما جاء فيه " ولا ريح لها " هذا أصوب من رواية الترمذي " طعمها مر وريحها مر " ثم ذكر توجيهها وكأن ما استحضر أنها في هذا الكتاب وتكلم عليها فلذلك نسبها للترمذي. وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن. وضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه). (١)

стр. 58

قال رسول الله ﷺ : " تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله " (١). روى ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار: حدثنا بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن الحسن، قال: (قُرَّاءُ القرآنِ ثلاثة: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس، وقوم حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم. ورجل قرأ القرآن، فبدأ بما يعلم من دواء القرآن فوضعه على داء قلبه، فسهر ليله، وهملت عيناه، وتسربلوا بالخشوع، وارتدوا الحزن، وركدوا في محاريبهم، وحثوا في برانسهم، فبهم يسقي الله الغيث، وينزل المطر، ويرفع البلاء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن أقل من الكبريت الأحمر) (٢). عن إياس بن عمر قال: أخذ علي بن أبي طالب بيدي ثم قال: (إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا، ومن طلب أدرك) (٣). قال الإمام ابن القيم ﵀ -: (والناس في هذا أربع طبقات: الأولى: أهل القرآن والإيمان وهم أفضل الناس. والثانية: من عدم القرآن والإيمان.

стр. 59

والثالثة: من أوتي قرآناً ولم يؤت إيماناً. والرابعة: من أوتي إيماناً ولم يؤت قرآنا. قالوا: فكما أن من أوتي إيماناً بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبراً وفهما في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر). (١) وبعد .. فمن أي الأقسام نحن، وما هو حالنا مع كتاب الله، نسأل الله أن يردنا إلى كتابه رداً جميلاً. هؤلاء هجروا تلاوة القرآن ؟! إن المعرضين عن القرآن طوائف كثيرة منهم: (٢) الطائفة الأولى: (بعض الأئمة) ويرجع هجر بعض الأئمة للقرآن وإعراضهم عنه إلى سببين هما: السبب الأول: الكتب التي يقرأونها ويتدارسونها والتي تمتلئ بالمسائل المنطقية والبيانية والفلسفية، وغيرها من القضايا الجدلية التي لا توصلهم إلى إدراك عظمة الله ، ولا تحقق لهم الترغيب في الطاعة، والترهيب من المعصية، ولذلك ترى بعضهم - إلا مَنْ رحم الله - يخالف قوله فعله، بل أحياناً يتهاون في الطاعة، ويقع في المنكر، فهم المسئولون أمام الله عن ضياع هذه الأمة بسبب إعراضهم عن القرآن. فوالله لو ذاق هؤلاء طعم القرآن وحلاوته، ولذة مناجاة الله تعالى لما وقعوا في

стр. 60

محارم الله، ولأدى بهم إلى الجهاد في سبيله ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وخصوصاً في عصرنا هذا الذي سالت فيه سيول الفتن والأباطيل، وكادت عواصف الملحدين والزائفين والمبتدعين تنسف أنوار الهداية المحمدية نسفاً، - لولا حفظ الله لهذا الدين - وهذا مقتضى القرآن والإيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١٥) سورة الحجرات. السبب الثاني: المرتبات الضخمة، والأموال الكثيرة التي تدفعهم إلى الاستزادة من متاع الدنيا الفاني من عقارات وسيارات وغيرها، وهذا يحتاج ضرورة إلى ضياع أكثر الأوقات، ونحن لا نريد أئمتنا فقراء ينشغلون بطلب الرزق عن طلب العلم، وكذلك لا نريد أن يشغلهم المال والمتاع عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نطالبهم بما يلي حفاظاً على عودة القرآن إلى حياة الأمة كما كانت من قبل. ١) الجمع بين العلم والعمل ليكونوا قدوة حسنة. ٢) نشر علوم القرآن بين المسلمين. ٣) إعلاء شأن أهل القرآن والدعوة إلى احترامهم وتوقيرهم. ٤) الاهتمام بمكاتب تحفيظ القرآن بوقف الأموال للإنفاق عليها وتحسين أحوالها. ٥) إرسال الدعاة والوعاظ إلى القرى والأرياف. ٦) إنشاء المساجد في الأماكن التي تحتاج لذلك. الطائفة الثانية: بعض الأغنياء هؤلاء أطغتهم الأموال، وألهتهم الآمال، فكانوا ممن أو كمن قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (٢٨) سورة إبراهيم. منعوا

стр. 61

الزكاة المفروضة والنفقات الواجبة والمندوبة، فعشوا عن القرآن الكريم، والذكر الحكيم، فسُلِّطَت عليهم الشياطين، يدعونهم إلى الشر، ويأمرونهم بالمنكر، وينهونهم عن المعروف، ويصدونهم عن الجمعة والجماعات، وسماع القرآن والمحاضرات، فهم يجاهدون في سبيل الشيطان بأموالهم وأنفسهم، معرضون عن الحق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣٦) سورة الزخرف. فيا أغنياء المسلمين: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١٦) سورة الحديد. الطائفة الثالثة: بعض قُرَّاءُ القرآن: أقصد القُرَّاء الذين لا يقرؤون القرآن إلا لجمع حطام الدنيا، فيتلونه في سرادقات المآتم، وفي الختمات والليالي، وكثير منهم يتعلم القراءات لأجل التعيش، ولأجل أن يرغبوا فيه أكثر من غيره، ولو سألتهم عن معنى كلمة واحدة لعجزوا، وهؤلاء يصدق عليهم قول النبي ﷺ : «أكثر منافقي أمتي قراؤها» (١). الطائفة الرابعة: المتصوفة: والسبب في إعراض هؤلاء الناس عن القرآن إنما هو اشتغالهم بأحزاب مشايخهم، وبالبيارق والبازات، والليالي والختمات، والموالد والحضرات والمنامات، فترى الجماعات من الرجال والنساء - بزعم أنهم إخوة على الطريق - يطوفون حول المقامات، ويقدمون لها النذور، يذبحون لها الذبائح، ويعتقدون فيها جلب

стр. 62

النفع، ودفع الضر، ويطلبون منها المدد والولد، ويُقَبِّلُون الأعتاب، ويزعمون أن مَنْ قبل الأعتاب ما خاب، فهؤلاء قد انتكست فطرتهم، وضلت عقولهم، وخابت أعمالهم وخسرت، وصدق عليهم قول الله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١٠٣ - ١٠٤) سورة الكهف. الطائفة الخامسة: بعض المثقفين: وهؤلاء قد شغلوا أنفسهم بقراءة الجرائد السياسية، والمجلات الفكاهية والهزلية، وكتب الحكايات والروايات، والقصص والأشعار، فتراهم يحفظون الكثير منها، ولا يحفظون قليلاً ولا كثيراً من علوم الإسلام، بل يعدون المقبلين على فهمها والعمل بها مجانين أو عقولهم متأخرة، وهؤلاء كل آية نزلت فيمن يعرضون عن ذكر الله تصفعهم على نواصيهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٥٧) سورة الكهف. الطائفة السادسة: بعض العامة: وهؤلاء يحفظ أحدهم مئة موال ومئة قصة وكثيراً من الأمثال والنوادر، ويذكر لك كل ما يسمعه من الحكايات ... ، ثم إذا خاطبته في حفظ شيء من القرآن ليصحح به صلاته يعتذر لك بعدم القراءة والكتابة، هذا جوابهم على الرغم أنني أعرف أناساً أميين يجيدون قراءة وكتابة اللغات الأجنبية، ولا يحسنون النطق (بسمع الله لمن حمده) ولا بالفاتحة، فالمسألة راجعة إلى العناية والاجتهاد، فلو اجتهد رجل أمي في حفظ ما يسمعه من أوامر الدين ونواهيه، ومن آيات القرآن وسنن النبي ﷺ كبعض محافظته على التعاليم الأجنبية لحفظ شيئاً كثيراً، بل لو

стр. 63

شاء حفظ القرآن كله، وألف حديث نبوي لكان ذلك سهلاً عليه جداً. وجماعة العميان أكبر شاهد على ذلك، ولكنهم أعرضوا ونأوا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣١) سورة النور. واذكروا قول ربكم لنبيه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (٩٩ - ١٠٢) سورة طه. الطائفة السابعة: جماعة اللهو والعبث إن طائفة من المجتمع - للأسف الشديد - تظن أنها خلقت بلا هدف وغاية، وكما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١١٥ - ١١٦) سورة المؤمنون. فإذا بهم يقضون أوقاتهم بين اللهو والطرب، ولعب النرد والشطرنج، وتناول الخمور والمخدرات والمسكرات، وهذه الأشياء الخبيثة الملعونة قد أضرت وأفسدت أخلاق كثير من الشبان، بل والشابات، وكم خربت من بيوت كانت عامرات، فإلى الله المشتكى ومنه الهداية وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فاحذر أخي الحبيب. أن تكون من هؤلاء الذين هجروا القرآن الكريم، فإن عاقبة الهجر وخيمة، ونهايته أليمة. أما علم هؤلاء الذين هجروا قراءة القرآن الكريم فضله في الدنيا والآخرة ولذلك سوف نذكر طرفاً من هذه الفضائل ترغيباً لطالب الأجر والثواب.

стр. 64

الفصل الرابع فضل تلاوة القرآن الكريم وفيه ثلاثة مباحث: أولاً: فضل تلاوة القرآن الكريم. ثانياً: الترغيب في قراءة سور وآيات مخصوصة. ثالثاً: أحاديث ضعيفة في فضل تلاوة القرآن الكريم للتحذير منها.

стр. 65

المبحث الأول: فضل تلاوة القرآن الكريم: إن فضل تلاوة القرآن كثيرة لا تحصى ولو يعلم الناس ما في تلاوته من الفضائل لما تركوا كتاب الله من بين أيديهم، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار. ومن هذه الفضائل ما يلي: ١ - تلاوة القرآن الكريم تحصيل للأجر العظيم: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢٩ - ٣٠) سورة فاطر قال قتادة: كان مطرف بن عبد الله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) (١).

стр. 66

انظر - أخي الكريم - إلى الأجر العظيم لمن قرأ كتاب الله فالحرف بعشر حسنات والله يضاعف لمن يشاء فما بالك إذا قرأت سطراً أو صفحة أو ربعاً .. كم تحصل من الحسنات إذا أخلصت نيتك لخالق الأرض والسموات. وهذه إحصائية تقريبية لسورة الفاتحة والتي لا تستغرق تلاوتها أكثر من دقيقة وعلى الرغم من ذلك كم تحصل من الأجر والثواب، سورة الفاتحة (كلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مئة وثلاثة عشر حرفاً) (١) والحرف كما علمنا بحسنة والحسنة بعشر أمثالها أي المجموع ١١٣ × ١٠ = ١١٣٠ حسنة ويضاعف الله لمن يشاء، هذا عن الفاتحة فما بالك إذا قرأ غيرها من السور، كم يحصل من الأجر والثواب. فلا إله إلا الله كم ضيع المسلمون من حسنات بتضييع الأوقات فيما لا يجدي ولا ينفع. عن عقبة بن عامر ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن بالصُّفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم» فقلنا: يا رسول الله!، كلنا يحب ذلك. قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين وثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل» (٢).

стр. 67

٢ - تلاوة القرآن سبب لتنزل السكينة: عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» (١) وقال النبي ﷺ : «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٢). فيا من تشكون من ضيق الصدور، ومن الاضطرابات والقلق والأرق، اعلموا أنه لا راحة لكم إلا في القرآن لأن سعادة القلوب في تلاوة كتاب علام الغيوب ولذلك قال عثمان بن عفان ﵁: (لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧) سورة يونس. ٣ - كرامة قارئ القرآن. لقد رفع الله - جل وعلا - من شأن القرآن وقارئه، وأعطاه من الكرامة والمنزلة العالية ما لا يعطي لغيره وهذه الفضائل بعض منها:

стр. 68

أ - في الدنيا: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١) سورة المجادلة. عن أبي الطفيل أن نافع بن الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان وكان قد استعمله على أهل مكة، فقال: له عمر: (مَنْ استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى. فقال: من ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟! فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض. فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين» (١). وصدق القائل: ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء ب - في القبر: عن هشام بن عامر قال: لما كان يوم أحد أُصِيبَ مَنْ أُصِيب من المسلمين، وأصاب الناس جراحات، فقلنا: يا رسول الله!، الحفر علينا لكل إنسان شديد، فكيف تأمرنا؟ قال: «احفروا وأوسعوا وأعمقوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر،

стр. 69

وقدموا أكثرهم قرآناً» قال: فكان أبي ثالث ثلاثة وكان أكثرهم قرآناً فَقُدِّمَ. (١) جـ - في يوم القيامة: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القرآن اقرأ، وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها» (٢). قال الإمام الخطابي: وجاء في الأثر (أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة) فيقال للقارئ: ارتق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى (٣) على أقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءاً منه، كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة) (٤). عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (٥).

стр. 70

عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه قال: فيشفعان» (١). عن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» (٢). تفكر - أخي الحبيب - في يوم القيامة وبخاصة في ذل الخلائق وانكسارهم واستكانتهم انتظاراً لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة، وأنت فيما بينهم منكسراً كانكسارهم، متحيراً كتحيرهم، فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بُدِّلت الأرض غير الأرض والسموات، وطمس الشمس والقمر، وأظلمت الأرض، واشتبك الناس وهم حفاة عراة غرلاً، وازدحموا في المواقف شاخصة أبصارهم، منفطرة قلوبهم، فتأمل يا مسكين! في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه والخجل والحياء من الافتضاح عند العرض على الجبار تعالى، وأنت عارٍ مكشوف ذليل متحير مبهوت منتظر ما يجرى عليك القضاء بالسعادة والشقاوة، وأعظم بهذه الحال فإنها عظيمة، واستعد لهذا اليوم العظيم شأنه، والقاهر سلطانه، القريب

стр. 71

أوانه، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (١). وفي أثناء هذه الشدائد العظام كأني بسورة البقرة وآل عمران تأتيان في صورة سحابة عظيمة تظلان صاحبهما، وكأني بالقرآن يجيء يوم القيامة كالرجل الشاحب (٢)، يأتي وقد أخذ بيد صاحبه ليشفع له عند الله ويقول يا رب إني أشهد لهذا الرجل بالصلاح والتقى، فقد كان في الدنيا لا يشغله شيء عن ذكرك وتلاوة كتابك، فقد كان يتلوه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك، يا رب لقد منعته من النوم بالليل فشفعني فيه، وعندها يأذن الله - جل وعلا - للقرآن أن يشفع في صاحبه في تلك اللحظات التي يتخلى فيها عن الإنسان أقرب الناس إليه ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٤ - ٣٧) سورة عبس. فيا حسرة على أولئك المحرومين الذين حرمهم الله من شفاعة القرآن لأنهم حرموا أنفسهم من تلاوته في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً.

стр. 72

المبحث الثاني: الترغيب في قراءة سور وآيات مخصوصة: هذه فضائل بعض السور والآيات لتكون حافزاً على قراءتها والمواظبة عليها: ١ - الفاتحة أعظم سورة في القرآن: عن أبي سعيد رافع بن المُعَلَّى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟» فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (١). وقال ﷺ : " ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " (٢). قال الباجي: يريد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧) سورة الحجر. وسُمِّيَت بالسبع، لأنها سبع آيات والمثاني، لأنها تثنى في كل ركعة (أي تعاد)، وإنما قيل لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم وإن كان كل شيء من القرآن قرآناً عظيماً، كما يقال في الكعبة (بيت الله) وإن كانت البيوت كلها لله، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم) (٣). ٢ - سورة البقرة حصن يمنع من الشيطان: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان

стр. 73

ينفر (١) من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة " (٢). معنى (لا تجعلوا بيوتكم مقابر): أي مثل المقابر في عدم اشتغال من فيها من الموتى بالصلاة والقراءة أي: لا تكونوا كالموتى في ترك القراءة ونحوها. وأما عن فضل خواتيم سورة البقرة، عن أبي مسعود البدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " مَنْ قرأ بالآيتين في سورة البقرة في ليلة كفتاه " (٣) قيل: كفتاه عن المكروه تلك الليلة، وقيل: كفتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه عما ورد من الأدعية الكثيرة لأن الدعاء بما فيها متكفل لخيري الدنيا والآخرة. وقيل غير ذلك. ٣ - آية الكرسي أعظم آية في القرآن: عن أُبَيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا المنذر!، أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟ " قلت: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فضرب في صدري وقال: " لِيَهْنَكَ العلم أباالمنذر " (٤). قال الإمام النووي ﵀: (وفيه منقبة عظيمة، ودليل على كثرة علمه، وفيه تبجيل العالم لفضلاء أصحابه، وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان

стр. 74

في مصلحة، ولم يخف عليه الإعجاب ونحوه لكمال نفسه ورسوخه في التقوى) (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي. وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد، وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة) (٢). ويستحب قراءة آية الكرسي في المواطن الآتية: أ - دبر كل صلاة مكتوبة: عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت " (٣). ب - أذكار الصباح والمساء: عن أُبَيّ بن كعب أن الجِّنيَّ قال له: (إذا قرأتها - يعني آية الكرسي - غدوة أُجرت مني حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أجرت مني حتى تصبح) قال أُبَيُّ: فغدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: " صدق الخبيث " (٤) جـ - عند النوم: عن أبي هريرة ﵁ أن الشيطان قال له: (إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية

стр. 75

الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: (لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح) وكانوا أحرص شيء على الخير. فلما أخبر النبي ﷺ بذلك قال: " صدقك وهو كذوب " (١). ٤ - فضل سورة آل عمران: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ... اقرءوا الزهراوين (٢): البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان كأنهما غمامتان أو غيايتان (٣)، أو كأنهما فرقان (٤) من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة (٥) " قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة السحرة. (٦) عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، أن النبي ﷺ قال: " اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه ". قال القاسم بن عبد الرحمن: فالتمست ذلك فوجدت في سورة البقرة آية
следующие страницы →