لقد أخبر النبي ﷺ أن أول عروة من الإسلام تنقض هي الحكم بما أنزل الله فقال في حديثه: " لتنقضن عرى الإسلام عروةً عروةً أولهن نقضاً الحكم وآخرهن نقضاً الصلاة " (١).
ولقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ من هجر الحكم بالشريعة وحل مكانها في معظم البلاد العربية والإسلامية الحكم بالقوانين الوضعية وأقوال الرجال في الدماء والحقوق والأعراض.
والناظر إلى واقع المسلمين يجد أن أسباباً كثيرة وراء هذه الظاهرة منها (٢):
١ - الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية.
٢ - انعدام الإيمان وضعفه.
٣ - الجمود الفكري والتعصب المذهبي.
٤ - عقبة أعداء الإسلام.
стр. 317
والآن مع شرح مجمل لهذه الأسباب:
أولاً: الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية:
الذي يطلع على أحوال العالم الإسلامي يجد (أن أكثر المسلمين اليوم يتوارثون الإسلام توارثاً تقليدياً، وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم؛ لهذا فشا الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية لدى الكثير من أبناء الأمة الإسلامية قيادات وشعوباً، حتى أصبح منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه: فلا يعرف أحكامه وعقائده، ولا أخلاقه وآدابه) (١).
(وإني لأعتقد أننا لم نترك أحكام الشريعة الإسلامية إلا لجهلنا بها، وقعود علمائنا أو عجزهم عن تعريفنا بها، ولو أن كل مسلم عرف واجبه نحو الشريعة لما تأخر عن القيام به، ولتسابقنا في العمل لخدمة الشريعة، وتطبيق أحكامها) (٢).
العوامل التي أدت إلى الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية:
١ - مناهج الدراسة في معظم البلاد الإسلامية بالتعليم العام شملتها موجة التغريب، فانطمست فيها معالم المواد الدينية ولا تشمل خطتها سوى مادة واحدة لا يزيد نصيبها عن ساعة أو ساعتين في الأسبوع وذلك حتى المرحلة الثانوية أما في الجامعة فلا تكاد تجد لها أثراً يذكر إلا في بعض التخصصات الشرعية واللغوية على الرغم من تدريس اللغة الأجنبية والحرص على إتقانها.
стр. 318
٢ - تقصير بعض العلماء وطلبة العلم والدعاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ارتكبت المظالم، واستحلت المحارم، وأريقت الدماء، وانتهكت الأعراض، وظهر الفساد في الأرض، ونفذت القوانين الوضعية في بلاد الإسلام، وعطلت الشريعة الإسلامية، وطال هذا الأمر بالمسلمين حتى ظن كثير من المسلمين أن ما نحن فيه من مخالفات هو الإسلام الصحيح.
٣ - وسائل الإعلام بشتى أشكالها صارت أدوات هدم ووسائل تدمير فهي تعرض ما يفسد الأخلاق وينشر الرذيلة ويخرب العقيدة ويقوض مفهوم الأسرة بنشر الشبهات والشهوات أمام المسلمين (١).
نماذج من الجهل بأحكام الشريعة:
وهي نماذج متعددة تشمل العديد من طوائف المجتمع منها:
١ - ما نراه في كثير من البلاد الإسلامية (٢) حول القبور والأضرحة يطلبون من أصحابها جلب النفع ودفع الضر ويعتقدون أنهم يكشفون الكربات ويدفعون البليات.
٢ - طالب بالمرحلة الثانوية سئل من الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين؟ فأجاب: أنه علي بن أبي بكر؟! وبمن تزوج؟ قال: تزوج من هاجر ﵍؟!!.
٣ - جامعي يستغرب اسم سورة الحديد؟! وآخر يقرأ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (ألف لام ميم) ثم يكمل السورة، وآخرون من
стр. 319
خريجي الجامعة يُسْأَلون أين الله؟ فيقولون: في كل مكان!.
٤ - (طلب المحامي من القاضي في إحدى البلاد العربية تطبيق الحكم الشرعي في القضية، فوافق القاضي على ذلك، ولكنه طلب من المحامي أن يملي عليه الحكم الشرعي، ليحكم به، لأنه يجهله، فإذا بالمحامي يجيب أنه الآخر لا يعرف الحكم الشرعي في هذه القضية) (١).
ثانياً: انعدام الإيمان وضعفه:
بَيَّنّ الرسول ﷺ مسئولية كل راعٍ عن رعيته وأنه مسئول عنها يوم القيامة أحفظ ذلك أم ضيع؟ فقال:
" ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع ومسئول عن رعيته " (٢).
إن تحكيم الشريعة ليس أمراً يخص الحكام والولاة فحسب كما يظن الكثير، بل هو مسئولية كل مسلم ومسلمة أن يطبق أحكام الإسلام على نفسه أولاً، ثم أهل بيته، ثم يدعو الناس إليها ويحثها على الالتزام بها (٣).
стр. 320
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٦) سورة التحريم.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (٣٦) سورة الأحزاب. ولو طبق كل منا تعاليم الإسلام وأحكامه وآدابه لقامت فينا دولة الإسلام يحكمها القرآن والسنة كما قال أحد الدعاة (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم).
(أما أن لا يتجاوز الإيمان الادِّعاء، أو لا يتجاوز النطق بكلمة الإيمان، فإذا فَتَّشْتَ عن مدلوله في نفس مُدَّعِيهِ، لا تجده شيئاً، فمثل هذا الإيمان لا يُحَرِكُ ساكناً، ولا يُنْتِجُ أثراً، ولا يُشْعِرُ صاحبه بحلاوته، وإنما هو إيمان اعتراه فتورٌ أو موتٌ، ويتبع هذا - والعياذ بالله - المرضُ القلبيُّ الذي يجعل المريضَ معرضاً عن حكم الله وحكم رسوله، ويقبل على حكم البشر مع قصوره، وثبوت عجزه، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (٤٧ - ٤٨) سورة النور. (١)
стр. 321
ثالثاً: الجمود الفكري والتعصب المذهبي:
قال الإمام ابن القيم ﵀ واصفاً فتنة التقليد التي أصابت العالم الإسلامي: (تالله إنها فتنة عَمَّت فأعْمَتْ، وَرَمت القلوبَ فأَصَمَّت، ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، واتُّخِذَ القرآنُ لأجلها مهجوراً، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطوراً، ولما عَمّت بها البلية، وعَظُمَت بسببها الرزية، بحيث لا يعرف الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومُؤْثِره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد) (١).
(والذي زاد الطين بلة جمود المتفقه المفتين والمعلمين والواعظين على نصوص كتب متبوعيهم المتأخرين بدون تبصر وإعمال روية ورجوع إلى أصول الشريعة وأقوال السلف، وجهلهم بمقتضى الزمان والعمران، ونفورهم من كل جديد بدون أن يزنوه بميزان الشريعة، ومناوأتهم المجددين بدون إصغاء إلى براهينهم، ومكافحتهم العلوم العقلية والكونية، وتحذير الناس من دراستها، وتحجرهم على غيرهم الاستهداء من الكتاب والسنة لزعمهم أن ذلك كله مخالف للدين، لجهلهم بحقيقة الدين، لأن هذه الشريعة الغراء السمحة تسير مع العلم جنباً إلى جنب، واسعة تسع قواعدها العامة كل جديد من مقتضيات الزمان والعمران، لأنها محض رحمة وسعادة.
وأغرب من هذا أن هؤلاء الجامدين من أُسَرَاء التقليد لا يتأثمون من مداهنة الحكام والتجسس لهم، وغشيان ولائمهم التي يتخللها من المنكرات ما تقطع
стр. 322
الشريعة بتحريمه، وتوقيعه المقررات المستمدة من القوانين الوضعية، أو الأوضاع الإدارية، أو الاستحسان الكيفي حرصاً على رواتبهم التي يتقاضونها من خزينة الحكومة، أو تعزيزاً لجاههم ومكانتهم، ويتورعون من الاجتهاد في نازلة نزلت بالمسلمين لأنها غير منصوص عليها بصريح العبارة في كتب المتأخرين من متبوعيهم.
فنجم عن تورعهم هذا هجر الشريعة والاستعاضة عنها بالقوانين وتشتت شمل المسلمين ... ، وخُيِّلّ إلى الجاهلين بالشريعة أنها عقبة كؤود في سبيل الرقي والتجدد والسعادة) (١).
(ومن الثابت تاريخياً أن القوانين الأوربية نقلت إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل، وأنه كان يود أن يضع لمصر مجموعات تشريعية مأخوذة من الشريعة ومذاهب الفقه الإسلامي المختلفة وقد طلب من علماء الأزهر أن يضعوا هذه المجاميع، ولكنهم رفضوا إجابة طلبه، لأن التعصب المذهبي منعهم من أن يتعاونوا على إظهار الشريعة في أجمل صورها، فضحوا بالشريعة جميعها، واحتفظ كل بمذهبه، والتعصب له وأضاعوا على العالم الإسلامي فرصة طالما بكوا على ضياعها، وحق لهم أن يبكوا عليها حتى تعود) (٢).
(إن أهم الانحرافات والمآخذ والعيوب التي أصابت المذاهب الفقهية في القرون المتأخرة، والتي نأخذها عليها وندعو لإصلاحها هي:
١ - مخالفة النصوص الثابتة من الكتاب والسنة تعصباً للمذهب، وتقديم الرأي المحض أحياناً عليها.
стр. 323
٢ - امتلاؤها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، والاحتجاج بها واستنباط الأحكام منها.
٣ - تقديم أقوال العلماء المتأخرين على أقوال الأئمة والمتقدمين.
٤ - الانحباس في مذهب واحد، وعدم الاستفادة من علم المذاهب الأخرى، وجهود رجالها وكتبهم تعصباً للمذهب.
٥ - خلو كثير من الكتب المذهبية من الأدلة الشرعية، ورغبة الكثيرين عن دراسة الكتاب والسنة إليها.
٦ - شيوع التقليد والجمود، وإقفال باب الاجتهاد.
٧ - الخوض في المسائل الخيالية، والانشغال بالافتراضات السخيفة.
٨ - فتح باب الحيل المحرمة للتخلص من التكاليف الشرعية.
٩ - نشر الخلاف والانقسام بين المسلمين، والتسبب في وقوع الفتن والكوارث بينهم.
١٠ - تدخل الظروف والمصالح السياسية في انتشار بعض المذاهب وانحسار أخرى.
١١ - الأخذ بجزء من النص دون الجزء الآخر.
١٢ - مخالفتهم في الفروع لما قرروه بأنفسهم في الأصول.
١٣ - الوقوع في أخطاء اجتهادية فاحشة.
١٤ - التشدد في بعض المسائل مما فيه عنت كبير على الناس.
١٥ - فساد طريقة التأليف، والتعقيد في الأسلوب.
стр. 324
١٦ - مخالفة المقلدين للمذاهب لما هو مذكور في كتبهم أنفسهم) (١).
فهذه دعوة إلى العودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الإمام الشافعي ﵀: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد) (٢).
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) (٣).
وينطبق كثير مما سبق من حيث التعصب المذموم الذي يؤدي إلى الفرقة والخلاف على حال الكثير من الجماعات الإسلامية على الساحة نسأل الله أن يجمع كلمتهم على كلمة التوحيد.
رابعاً: عقبة أعداء الإسلام:
ومن الممكن أن نقسم الأعداء التي تقف حاجزاً لمنع تطبيق الشريعة إلى ما يلي:
١ - دعاة على أبواب جهنم.
٢ - عقبة الحكام.
٣ - عقبة الكفار.
والآن مع هذه الأقسام بشيء من التفصيل.
стр. 325
١ - دعاة على أبواب جهنم:
أناس من بني جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، يعيشون بيننا، يعملون ليلاً ونهاراً للصد عن سبيل الله، ومنع تحكيم القرآن والسنة بين المسلمين، فهم كما أخبر عنهم الرسول ﷺ : "دعاة على أبواب جهنم مَنْ أجابهم قذفوه فيها" (١).
فهم يمثلون طائفة المنافقين على عهد رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤) سورة المنافقون.
استطاع أعداء المسلمين استقطاب مجموعة كبيرة من أبناء المسلمين عن طريق البعثات الخارجية والشهادات العلمية فهم يمثلون الطابور الخامس لهدم الإسلام ونشر الشبهات حوله وذلك من باب سياسة (لن يكسر الشجرة إلا جذع منها) والواقع يشهد بكثير من النماذج التي كان لها أكبر الأثر في تغيير مسار الأمة المسلمة نحو الانحراف عن تطبيق الشريعة (٢).
(وما أرى مثل هؤلاء من ذوي الأبصار المطموسة، والبصائر المعكوسة، إلا مثل الجُعْل يتأذى من رائحة المسك والورد الفَوَّاح، ويحيا بالعُذرة والغائط في المُسْتَرَاح، فسحقاً لأمثال هذه العقول سُحْقاً، ومُحْقاً لهن اللهم مُحْقاً) (٣).
стр. 326
٢ - عقبة الحكام:
(أكثر الحكام في ديار المسلمين - إلا مَنْ رحم الله - يرون الإسلام وشريعة الإسلام عقبة في سبيل التطور والتقدم والرقي، وسبيل التقدم عندهم الأخذ بالحضارة الغربية والقوانين الأوربية.
عندما سنحت الفرصة لبعضهم خلع الإسلام من جذوره في البلاد التي حكمها، وأبرز الحكام الذين يضرب بهم المثل في هذا مصطفى كمال الذي حكم تركيا باسم (أتاتورك) فإنه عندما استلم مقاليد الحكم، ألغى الخلافة الإسلامية، وطرد خليفة المسلمين من البلاد، ونبذ الشريعة الإسلامية، وألغى منصب شيخ الإسلام، وألغى المحاكم الشرعية، وألغى المدارس الدينية، وحدد عدد المساجد التي يجوز الصلاة فيها، وحَّول مسجد أيا صوفيا إلى متحف، وحَّول مسجد الفاتح إلى مستودع.
وألغى الكتابة بالحروف العربية والأرقام العربية وحَّرم الكتابة بها، وألزم الكتابة بالحروف اللاتينية، ومنع الأذان بالعربية، وألزم الشعب التركي بلبس القبعة الأوربية وخلع الطربوش التركي من فوق رأسه. حتى القرآن ترجمه وفرض قراءته دون الأصل العربي) (١).
ترى كيف فعل حاكم ظالم بشعب مسلم كانت بلاده هي مصدر هداية ومنبع نور وعاصمة الخلافة الإسلامية فصارت كما ترى في أسوأ حال.
٣ - عقبة الكفار:
(أعظم عقبة تحول دون تطبيق الشريعة الإسلامية هي جهود أعداء
стр. 327
الإسلام، وهي جهود هائلة بذلها أعداء الإسلام لإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم في ديار المسلمين وإحلال القوانين الوضعية محلها، وقد كان واضحاً لقادة الصليبيين والشيوعيين واليهود ومفكريهم أهمية زلزلة عقيدة الإسلام في نفوس المسلمين، وأهمية إزاحة التعاليم الإسلامية والقوانين الإسلامية من مناهج التعليم والمحاكم التي تقضي بين المسلمين في ديار الإسلام) (١).
ومن الطرق التي اتبعوها إثارة الشبهات حول الشريعة الإسلامية أنها جامدة وقاصرة ولا تواكب العصر الحاضر وأن لا علاقة له بالحكم وغيرها (٢).
стр. 328
الفصل الثاني
وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية
стр. 329
إن الناظر في القرآن الكريم يجد أن الآيات التي تدل على وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية مستفيضة وبأساليب متعددة ولكنا نقتصر على هذه الآيات من باب الدلالة على هذا الأمر فقط.
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٤٩ - ٥٠) سورة المائدة.
قال سماحة الإمام عبد العزيز بن باز ﵀: (وإن القارئ لهذه الآية والمتدبر لها يتبين له أن الأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله أُكَّدَ بمؤكدات ثمانية:
الأول: الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
الثاني: أن لا يكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال، وذلك في قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾.
الثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾.
стр. 330
الرابع: أن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم، موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾.
الخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإن الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.
السادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.
السابع: تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا﴾.
الثامن: أن مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب الانقياد له، مع الرضا والتسليم، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. (١)
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (ينكر تعالى على مَنْ خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام
стр. 331
أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) (١).
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٦٥) سورة النساء.
قال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀:
(وقد نفي الله الإيمان عن مَنْ لم يُحَكِمّوُا النبيَّ فيما شجر بينهم نفياً مؤكداً بتكرار أداة النفي والقسم قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. ولم يكتف - تعالى وتقدس - منهم بمجرد التحكيم للرسول ﷺ حتى يُضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.
والحرج: الضيق بل لابد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف - تعالى - أيضاً هنا بهذين الأمرين حتى يضموا إليها التسليم، وهو كمال الانقياد لحكمه ﷺ بحيث يخلون ههنا من أي تعلق بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك المصدر المؤكد، وهو
стр. 332
قوله جل شأنه: ﴿تَسْلِيمًا﴾ المبين أنه لا يكتفي ههنا بالتسليم، بل لابد من التسليم المطلق) (١).
الدليل الثالث:
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ...﴾ (١٠٥) سورة النساء.
قال الإمام الطبري ﵀: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ لتقضي بين الناس فتفصل بينهم ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾. (٢)
ويقول ابن عطية ﵀: (﴿بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ معناه على قوانين الشرع؛ إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي، وقد تضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة) (٣).
الدليل الرابع:
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٦٢) سورة الأنعام.
قال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀:
(﴿ثُمَّ﴾ بعد الموت والحياة البرزخية وما فيها من الخير والشر ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ أي: الذي
стр. 333
تولاهم بحكمه القدري، فنفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير، ثم تولاهم بأمره ونهيه، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء، ويثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على الشرور والسيئات، ولهذا قال: ﴿أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ لكمال علمه وحفظه لأعمالهم، بما أثبته في اللوح المحفوظ، ثم أثبتته ملائكته في الكتاب الذي بأيديهم، فإذا كان تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، وهو القاهر فوق عباده، وقد اعتنى بهم كل الاعتناء في جميع أحوالهم، وهو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي - فأين للمشركين العدول عن من هذا وصفه ونعته، إلى عبادة مَنْ ليس له من الأمر شيء، ولا عنده مثقال ذرة من النفع ولا له قدرة وإرادة؟!.
أما والله لو علموا حلم الله عليهم وعفوه ورحمته بهم، وهم يبارزونه بالشرك والكفران، ويتجرؤون على عظمته بالإفك والبهتان، وهو يعافيهم ويرزقهم، لانجذبت دواعيهم إلى معرفته، وذهلت عقولهم في حبه، ولمقتوا أنفسهم أشد المقت، حيث انقادوا لداعي الشيطان، الموجب للخزي والخسران، ولكنهم قوم لا يعقلون) (١).
الدليل الخامس:
قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢٦) سورة ص.
стр. 334
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (هذه وصية من الله لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد ﵎ من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد. روى ابن أبي حاتم عن إبراهيم أبي زرعة - وكان قد قرأ الكتاب - أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفقهت، فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المرمنين أنت أكرم على الله أو داود ﵊؟! إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وقال عكرمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ هذا من المقدم والمؤخر، لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا.
وقال السدي: لهو عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب. وهذا القول أمشى على ظاهر الآية. والله الموفق للصواب) (١).
الدليل السادس:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٥٩) سورة النساء.
стр. 335
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا سنته ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله. كما تقدم في الحديث الصحيح: " إنما الطاعة في المعروف " (١).
وقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي: أحسن عاقبة ومآلاً، كما قال السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. وهو قريب) (٢).
стр. 336
ثانياً: ثمرات تطبيق الشريعة الإسلامية:
من الثمرات المباركة لتطبيق الشريعة الإسلامية ما يلي:
١ - (خير وسيلة للقضاء على الجريمة، والإجرام، والتجربة خير برهان على ذلك.
٢ - ومتى قضى على الجريمة أو اختنقت فإن الأمر يستقر، وتتوفر في البلاد روح السكينة والطمأنينة.
٣ - وحينما يقل الإجرام والجرائم تتوفر أيد عاملة فتتجه إلى الإنتاج بدل أن كانت تتجه إلى الإفساد والعدوان.
٤ - وبذلك يتوفر الرخاء وتتسع أرزاق البلاد. وفي هذا تصديق واقعي لما يفهم من أن إقامة الحد خير للبلاد وللعباد من أن يمطروا أربعين صباحاً (١).
٥ - وكذلك يصير المجتمع مستقراً هادئاً، ولا قلاقل فيه ولا اضطرابات.
٦ - تسعد الأمة - حكامها ومحكوموها - باستجابتها لأمر الله تعالى ورسوله وفي ذلك حياة طيبة لها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤) سورة الأنفال.
стр. 337
٧ - هذا فضلاً من أن إقامة الحدود تعتبر نوعاً من العبادة لله تعالى - بامتثال أمره والاحتكام إلى شرعه - وهذه العبادة هي الغاية السامية التي من أجلها خلق الله الجن. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) سورة الذاريات.
٨ - وقد يكون من نافلة القول أو من المقرر الذي لا منازعة فيه أن في إقامة الحدود:
أ - احترام لحق الحياة، وحق الدماء.
ب - صيانة للأنساب، وطهارة للأعراض.
جـ - حفظ للأموال وللممتلكات من العدوان عليها.
د - وقاية للعقل من الخلل، وللأخلاق من الفساد.
هـ - تقديس للدين ولما أمر الله أن يقدس ويصان) (١).
تجربة واقعية في العصر الحاضر:
قال الأستاذ / عبد القادر عودة ﵀:
(فأما التجربة الكلية: فقد بدئ بها في (مملكة الحجاز) حيث طبقت الشريعة الإسلامية تطبيقاً تاماً ونجحت نجاحاً منقطع النظير في القضاء على الإجرام وحفظ الأمن والنظام، ولا يزال الناس يذكرون كيف كان الأمن مختلاً في الحجاز، بل كيف كان الحجاز مضرب الأمثال في كثرة الجرائم، وشناعة الإجرام.
стр. 338
فقد كان المسافر فيه كالمقيم لا يأمن على ماله ولا على نفسه في بدو أو حضر في ليل أو نهار.
وكانت الدول ترسل مع رعاياها الحجاج قوات مسلحة لتأمين سلامتهم ورد الاعتداء عنهم، وما كانت هذه القوات الخاصة ولا القوات الحجازية بقادرة على إعادة الأمن وكبح جماح العصابات ومنعها من سلب الحجاج أو الرعايا الحجازيين وخطفهم والتمثيل بهم، وظل حماة الأمن في الحجاز عاجزين عن حماية الجمهور حتى طبقت الشريعة الإسلامية. فانقلب الحال بين يوم وليلة، وساد الأمن بلاد الحجاز وانتشرت الطمأنينة بين المقيمين والمسافرين، وانتهى عهد الخطف، والنهب وقطع الطريق، وأصبحت الجرائم القديمة أخباراً تروى، فلا يكاد يصدقها من لم يعاصرها أو يشهدها وبعد أن كان الناس يسمعون أشنع أخبار الإجرام عن الحجاز أصبحوا يسمعون أعجب الأخبار عن استتباب الأمن والنظام فهذا يفقد كيس نقوده في الطريق العام، فلا يكاد يذهب إلى دار الشرطة ليبلغ حتى يجد كيسه كما فقد منه، معروضاً للتعرف عليه، وهذا يترك عصاه في الطريق فتنقطع حركة المرور حتى تأتي الشرطة لرفع العصا من مكانها، وهذا يفقد أمتعته وييأس من ردها ولا يبلغ عنها، ولكنه يجد الشرطة يبحثون عنه ليردوا إليه ما فقد منه، وبعد أن كان الأمن يعجز عن حفظه قوات عسكرية عظيمة من الداخل، وقوات عسكرية كبيرة من الخارج أصبح الأمن محفوظاً بعدد يسير من الشرطة المحليين) (١).
стр. 339
قال فضيلة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين ﵀ في رسالة الجهاد ١٤١١ هـ: (أُشهِدُ اللهَ تعالى على ما أقول وأشهدكم أيضاً أنني لا أعلم أن في الأرض اليوم من يطبق من شريعة الله ما يطبقه هذا الوطن أعني المملكة العربية السعودية وهذا بلا شك من نعمة الله علينا فلنكن محافظين على ما نحن عليه اليوم لأنني لا أدّعي الكمال وأننا في القمة بالنسبة لتطبيق شريعة الله. لا شك أننا نخل بكثير منها ولكننا خير - والحمد لله - مما نعلمه من البلاد الأخرى). (١)
انظر - رحمنا الله وإياك - إلى الآثار المباركة لتطبيق الشريعة في المملكة العربية السعودية بالإضافة إلى نعمة الأمن والأمان ترى رغد العيش والخيرات الكثيرة، والنعم الوافرة.
стр. 340
الفصل الثالث
الحكم بغير ما أنزل الله في الميزان
وفيه أربعة مباحث:
أولاً: خطورة التكفير.
ثانياً: أقوال علماء الإسلام في تحكيم القوانين.
ثالثاً: أحوال الحاكم بغير ما أنزل الله.
رابعاً: الآثار السيئة المترتبة على الحكم بغير ما أنزل الله.
стр. 341
أولا: خطورة التكفير
ونحن إذ نتكلم عن خطورة التكفير فإننا لا ندافع بذلك عن أنظمة فاسدة أو قوانين جائرة، ولكننا نخاف على إخواننا أن يذهب بهم الحماس المفرط إلى مخالفة مذهب أهل السنة والجماعة فيقعوا فيما وقعت فيه الخوارج المارقة؛ فقد كانت مسألة الحكم والحاكمية سبب فسادهم وضلالهم، لذا فإننا نذكر أنفسنا وإخواننا فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قال الرجل لأخيه: (يا كافر) فقد باء بها أحدهما " (١).
وعن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك " (٢).
قال الشيخ الدكتور / غانم بن صالح السدلان - حفظه الله -:
(إن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من مهمات المسائل العلمية الواقعية، كُتِبَ فيها رُكام من الكتيبات والرسائل، أغلبها الأعم انتصار لتصورات سابقة، أو استجابة لحماسة طاغية، وإن مسألة خطيرة كهذه، دعت الحاجة الملحة للكتابة فيها يجب أن تبحث بإخلاص
стр. 342
وتجرد وموضوعية على منهاج سلف الأمة في فهم نصوص القرآن والسنة) (١).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
(والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه، لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم والمحكوم عليه في الوصف الذي نبذه به.
الثاني: الوقوع فيما نبذ به أخاه إن كان سالماً منه ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا كَفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» وفيه عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ «مَنْ دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك حار عليه» وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:
أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.
الثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي موانعه) (٢).
стр. 343
أقوال علماء الإسلام في تحكيم القوانين (١):
هذا بعض ما قاله علماء الإسلام المعتبرين على مدار القرون تسليم كف بكف وكابر عن كابر .. في تأويل آيات الحكم بغير ما أنزل الله، من الصدر الصالح وعلى رأسهم ابن عباس ﵄ إلى التابعين كعكرمة وغيرهما ... من أئمة التفسير والأثر إلى علماء الملة المعاصرين الذين شهدوا على العصر، وشهد لهم بالعلم والصلاح - رحم الله الجميع -.
١ - روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال: مَنْ جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومَنْ أقر به، ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (٢).
٢ - قال القرطبي: وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله، أي معتقداً ومستحلاً له) (٣).
وكذلك قال السدي وإبراهيم النخعي (٤).
٣ - وقال مجاهد في هذه الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله رداً لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق (٥).
стр. 344
٤ - وقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به فقد كفر، ومَنْ أقر به، ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (١).
قال الخازن وهو قول ابن عباس - أيضاً -.
٥ - وهو اختيار الزجاج (٢).
٦ - وقال شيخ المفسرين الطبري: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب مَنْ قال: (نزلت هذه الآيات في كُفَّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولى.
فإن قال قائل: فإن الله - تعالى ذكره - قد عَمَّ بالخبر بذلك عن جميع مَنْ لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلتها خاصاً؟
قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرين، وكذلك القول في كل مَنْ لم يحكم بما أنزل جاحداً به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس (٣).
٧ - وقال أبوالسعود: أي مَنْ لم يحكم بذلك مستهيناً منكراً. ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. (٤).
٨ - وقال النسفي: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ مستهيناً به لاستهانتهم به (٥).
стр. 345
٩ - وقال أبو بكر الجصاص: وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ لا يخلو من أن يكون مراده الشرك والجحود، أو كفر النعمة من غير جحود، إن كان المراد جحود حكم الله، أو الحكم بغيره مع الإخبار بأن حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة، وفاعله مرتد وإن كان قبل ذلك مسلماً.
وعلى هذا تأوله مَنْ قال: إنها أنزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون: (أن من جحد حكم الله، أو حكم بغير حكم الله ثم قال: إن هذا حكم الله فهو كافر، كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا).
وإن كان المراد به كفر النعمة، فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود، فلا يكون فاعله خارجاً من الملة.
والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله).
١٠ - وقال شارح الطحاوية: (وهنا أمر يجب التفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر وذلك حسب حال الحاكم:
فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مُخَيَّر فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر.
وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَه في هذه الوقعة، وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاصٍ، ويُسَمَّى كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر) (١).
стр. 346
١١ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله هو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله ، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر، فإن كثيراً من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالاً) (١).
١٢ - وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً، وقال ههنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا) (٢).
١٧ - (*) وقال علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀:
(كفر الحاكم بغير ما أنزل الله بقيد الاستهانة والجحود له، هو الذي نحاه كثيرون
стр. 347
وآثروه عن عكرمة وابن عباس) (١).
١٨ - وقال صاحب المنار ﵀:
(وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين من قبلهم، وتركوا - بالحكم بها - بعض ما أنزل الله عليهم، فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحته، فإنه يصدق عليهم ما قاله الله في الآيات الثلاث أو في بعضها، كل بحسب حاله:
- فمَنْ أعرض عن الحكم بحد السرقة، أو القذف، أو الزنى، غير مذعن له لاستقباحه إياه، وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعاً.
- ومَنْ لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط.
- فإننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدون أن قضاة المحاكم الأهلية الذين يحكمون بالقانون كفاراً أخذاً بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ويستلزم الحكم بتكفير القاضي الحاكم بالقانون تكفير الأمراء والسلاطين الواضعين للقوانين، فإنهم وإن لم يكونوا ألفوها بمعافهم، فإنها وضعت بإذنهم، وهم الذين يولون الحكام ليحكموا بها ..
أما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد (قط)!!! (٢).
стр. 348
١٩ - وقال العلامة الشنقيطي ﵀:
(واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق، كل واحد منها أطلق في الشرع مراد به المعصية، ... ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معارضة للرسل، وإبطالاً لأحكام الله، فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج عن الملة.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معتقداً أنه مرتكب حراماً، فاعل قبيحاً، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملة) (١).
٢٠ - وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ - رحمه الله تعالى -:
(.. وجاءت السنة بأن الطاعة في المعروف، وهو ما أمر الله به ورضيه من الواجبات والمستحبات. وإنما يحرم التحكيم إذا كان المستند إلى شريعة باطلة تخالف الكتاب والسنة، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك سوالف البادية وعاداتهم الجارية، فمَنْ استحل الحكم بهذا في الدماء أو غيرها فهو كافر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وهذه الآية ذكر فيها بعض المفسرين: أن الكفر المراد هنا كفر دون الكفر الأكبر، لأنهم فهموا أن تتناول من حكم بغير ما أنزل الله، وهو غير مستحل لذلك، ولكنهم لا ينازعون في عمومها للمستحل، وأن كفره مخرج عن الملة ..) أ. هـ (٢).
стр. 349
٢١ - وقال المفتي العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة العربية السعودية الأسبق ﵀:
(وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من قوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها أو حاكم إليها معتقداً صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة) أ. هـ (١).
٢٢ - وقال العلامة الشيخ السعدي ﵀:
(فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفراً ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد .. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، فهو ظلم أكبر عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند فعله غير مستحل له) (٢).
٢٣ - وقال العلامة الإمام عبد العزيز بن باز ﵀:
(فقد اطلعت على الجواب المفيد القيم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وفقه الله المنشور في صحيفة (المسلمون) (نقلاً عن المجلة السلفية) الذي أجاب به فضيلته على من سأله عن (تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل) فألفيتها كلمة قيمة أصاب فيها الحق وسلك فيها سبيل المؤمنين وأوضح - وفقه الله -
стр. 350
أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس ﵄ وعن غيره من سلف الأمة ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وهو الصواب. وقد أوضح - وفقه الله - أن الكفر كفران أكبر وأصغر فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنى أو الربا أو غيرها من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفراً أكبر وظلم ظلماً أكبر وفسق فسقاً أكبر ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفراً أصغر وظلمه ظلماً أصغر وهكذا فسقه لقول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر "، أراد بهذا ﷺ الفسق الأصغر والكفر الأصغر وأطلق العبارة تنفيراً من هذا العمل المنكر.
أحوال الحاكم بغير ما أنزل الله:
قال العلامة ابن باز ﵀:
(من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أمور:
١ - مَنْ قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفراً أكبر.
٢ - ومَنْ قال: أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية فالحكم بهذا جائز، وبالشريعة الإسلامية جائز، فهو كافر كفراً أكبر.
٣ - ومن قال أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل ولكن
стр. 351
الحكم بغير ما أنزل الله جائز فهو كافر كفراً أكبر.
٤ - ومن قال: أنا أحكم بهذا وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل أو يفعل هذا الأمر أو يفعل هذا الأمر صادر عن أحكامه فهو كافر كفراً أصغر ولا يخرج من الملة ويعتبر من أكبر الكبائر) (١).
سئلت اللجنة الدائمة للبحوث في المملكة العربية السعودية السؤال التالي:
س: مَنْ لم يحكم بما أنزل الله هو مسلم أم كَفَرَ كُفْراً أكبر وتقبل منه أعماله؟
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ... وبعد:
ج - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لكن إن استحل ذلك واعتقده جائز فهو كفر أكبر وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم ويعتبر كافراً كفراً أصغر، وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملة، كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة. أ. هـ. (٢)
الآثار السيئة المترتبة على الحكم بغير ما أنزل الله:
قد أنزل الله القرآن الكريم لتسعد به البشرية من خلال تطبيق أحكامه وتنفيذ ما جاء فيه، ولما أعرض الناس عنه - إلا مَنْ رحم الله - وحكموا
стр. 352
أقوال الرجال في الأموال والأعراض والدماء نزل بهم عقاب الله من سخط وغضب وها هي بعض الآثار المترتبة على الحكم بغير ما أنزل الله في واقع الناس:
١ - فساد عقيدة التوحيد بين المسلمين، وانتشار مظاهر الشرك في بلاد الإسلام حيث يُذْبَحُ لغير الله ويُنْذَر ويُطْلَبُ جلبُ النفع ودفع الضر من الأولياء والصالحين ...
٢ - انتشار المذاهب العلمانية والكفرية بين أبناء المسلمين والانتساب لها والعمل في صفوفها.
٣ - ظهور البدع في الدين والأقوال والأعمال المحدثة في العبادات التي قلما يسلم منها مسلم إلا من اتبع الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة بفهم السلف الصالح.
٤ - السخرية والاستهزاء بشريعة الإسلام ومَنْ يدعو إليها ويطبقها في واقع الحياة، بل وصل الحال في بعض الأحيان إلى السخرية من الله - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - ومن الرسول ﷺ ومن القرآن الكريم.
٥ - صارت الغلبة والمكانة لأهل الكفر والنفاق وصارت بلاد الإسلام كما أخبر الرسول ﷺ : " يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها " قالوا: فمن قلة يومئذ؟ قال: " لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم؛ لحبكم الدنيا وكراهية الموت " (١).
وهكذا عندما نحيت الشريعة الإسلامية عن واقع الحياة نُكَّسَتْ معها راية الجهاد في سبيل الله فأصاب المسلمين الذل والصغار، قال رسول الله ﷺ : " إنما
стр. 353
جُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي، وجُعِلَ الذلُّ والصغارُ على مَنْ خالف أمري ".
٦ - تعطيل تطبيق الحدود الشرعية كعقوبة ربانية لبعض الذنوب والمعاصي مما أدى إلى الكثير من العواقب الوخيمة ومنها:
أ - اجتراء الناس على محارم الله ومواقعتهم لحمى الله، والله يغار أن تنتهك محارمه أو يعتدى على حماه.
فترى الحوادث والجرائم تكثر بشكل مذهل وبنسبة عظيمة متزايدة عاماً بعد عام، وهذا ما يلمس واضحاً من واقع أرقام الإحصائيات الرسمية للجرائم والجنايات في الأقطار والبلاد المبتلاة بتلك الأنظمة والقوانين سواءً من البلاد غير الإسلامية أو بلاد المسلمين التي تطبق القوانين الوضعية.
ب - انتشار الخوف وظاهرة القلق والاكتئاب مما ترتب عليه انتشار العيادات النفسية، وارتفاع نسبة الانتحار، والإفراط في شرب الخمور والمسكرات والتدخين.
جـ - انعدام الروح الجماعية في الأسرة والمجتمع وشدة بروز الروح الفردية والأنانية.
د - انقسام المجتمع إلى طبقات اجتماعية متفاوتة بدرجة كبيرة جداً في نظام المعيشة، وارتفاع معدل الفقر والبطالة بين الناس.
٧ - إهمال الشعائر الإسلامية وعدم الحرص على إقامتها بين الناس مثل: الصلاة عمود الدين فترى أعداداً لا حصر لها من المسلمين لا يدخلون المساجد ولا يعرفون شيئاً من أحكام الصلاة، وكذلك الزكاة فقد عطلت ولم تقم الحكومات على جمعها وتوزيعها على مصارفها الشرعية، حتى لم تعنف تاركها ومانعها، فضلاً عن قتاله كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ مع مانعي الزكاة بعد وفاة الرسول ﷺ -
стр. 354
وقال: (والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه).
٨ - عدم الاستقرار، والتفرق والاختلاف، والتنازع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وإذا خرج ولاة الأمور عن الحكم بغير ما أنزل الله، وقع بأسهم بينهم، قال النبي ﷺ : " ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم " وهذا من أعظم أسباب تغير الدول كما جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه، فإن الله يقول في كتابه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤٠ - ٤١) سورة الحج.
فقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم) (١).