أشبع القرآن الكريم هذه الناحية بالحديث عن الغيبيات كالملائكة والجن والجنة والنار ... وغيرها. (١)
٥ - جهل كثير من المعالجين:
إن جهل كثير من المعالجين بحقيقة الجن والشياطين والأمراض العضوية أدى إلى عدم التفريق بينها مما زاد من حجم المشكلة وأدى إلى تفاقمها وسنعرض لشيء من أخطائهم في المباحث القادمة - إن شاء الله -.
стр. 282
الفصل الثالث
الرقية الشرعية
وفيه خمسة مباحث:
أولاً: تعريف الرقية الشرعية.
ثانياً: حكم الرقية وشروطها.
ثالثاً: أقسام الرقى.
رابعاً: بعض الرقى لعلاج الصرع والسحر والحسد وسائر الأمراض.
خامساً: بدع وأخطاء المعالجين.
стр. 283
أولاً: تعريف الرقية الشرعية:
(الرقية: العوذة، معروفة، قال رؤبة:
فما تركا من عوذة يعرفانها ... ولا رقية إلا بها رقياني (١)
والعوذة والمعاذات والتعويذ: الرقية ما يُرْقَى به الإنسان من فزع أو جنون، لأنه يُعَاذ بها وقد عوَّذه، يقال: عوذت فلاناً بالله، وبأسمائه، وبالمعوذتين، إذا قلت: أعيذك بالله، وبأسمائه من كل ذي شر) (٢).
ثانياً: حكم الرقية وشروطها:
الرقية مشروعة، وجائزة، دل على ذلك أحاديث كثيرة منها:
١ - عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة (٣) فقال: " استرقوا لها فإن بها النظرة " (٤).
стр. 284
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبالمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يداه من جسده). (١)
قال العلامة الألباني ﵀: عن عائشة: أن رسول الله ﷺ دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها فقال: " عالجيها بكتاب الله " (٢).
(وفي الحديث مشروعية الترقية بكتاب الله تعالى، ونحوه مما ثبت عن النبي ﷺ من الرقي ... وأما غير ذلك من الرقى فلا تشرع، لاسيما ما كان منها مكتوباً بالحروف المقطعة، والرموز المغلقة، التي ليس لها معنى سليم ظاهر، كما ترى أنواعاً كثيرة منها في الكتاب المسمى بـ (شمس المعارف الكبرى) ونحوه). (٣)
شروط الرقية الجائزة:
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
(وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
١ - أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
٢ - وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
٣ - وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.
واختلفوا في كونها شرطاً، والراجح أنه لابد من اعتبار الشروط المذكورة، ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا:
стр. 285
يا رسول الله كيف ترى ذلك؟ قال: " اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " وله من حديث جابر نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو ابن حزم فقالوا: يا رسول الله! إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال: فَعَرضُوا عليه فقال: " ما أرى بأساً، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه ") (١).
قال العلامة الألباني ﵀:
(وفي الحديث استحباب رقية المسلم بما لا بأس به من الرقى وذلك ما كان معناه مفهوماً مشروعاً، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز. قال المناوي: وقد تمسك ناس بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، وإن لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف الماضي أن ما يؤدي إلى شرك يمنع، وما لا يعرف معناه لا يؤمن أن يؤدي إليه، فيمنع احتياطاً). (٢)
ثالثاً: أقسام الرقى:
تنقسم الرقى إلى قسمين بهذه الاعتبارات:
أولاً: باعتبار الراقي .
ثانياً: باعتبار الزمن.
ويتضح هذا التقسيم من خلال العرض الآتي:
أولاً: باعتبار الراقي وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - أن يرقي الإنسان نفسه، وتعتبر هذه من أفضل المنازل، وأقربها للقبول، وذلك لأن المريض هو المضطر والله يقول: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
стр. 286
إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢) سورة النمل. والرقية كالدعاء تماماً، لكنها دعاء خاص بطلب الشفاء، فالأولى أن يدعو الإنسان لنفسه، وأن يرقي نفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦) سورة البقرة. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٦٠) سورة غافر.
وفي رقية الإنسان لنفسه فوائد منها:
١ - كمال الإتباع للنبي ﷺ فقد كان إذا اشتكى هو أو أحد من أهل بيته نفث عليه بالمعوذات.
٢ - أكمل للتوكل وتعلق القلب بالله.
٣ - أقرب إلى إجابة الدعاء لأن العبد الداعي هو المضطر.
٤ - أدعى للسلامة من الانخداع ببعض الدجالين.
٥ - أحفظ للنساء وأدعى لصيانتهن من التعرض للرجال الأجانب. (١)
٦ - رجاء أن يكون الشخص من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
٢ - أن يرقي الإنسان غيره:
وذلك أن يرى الإنسان شخصاً تظهر عليه علامات المرض، فيرقيه من قبل نفسه، بدون أن يطلب المريض منه ذلك لقوله ﷺ : " مَنْ استطاع منكم أن
стр. 287
ينفع أخاه فليفعل ". (١)
ومثلما فعل جبريل ﵇ مع النبي ﷺ حينما اشتكى فرقاه جبريل من غير طلب من الرسول - عليه الصلاة السلام - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد! اشتكيت. قال: " نعم ". قال بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك. (٢).
ولقد رخص النبي ﷺ لأهل المريض أن يطلبوا الرقية له، عن عائشة ﵂ قالت: أمرني النبي ﷺ أو أمر - أن يسترقي من العين. (٣)
وقال أيضاً: لما رأى في بيت أم سلمة جارية في وجهها سفعة: " استرقوا لها فإن بها النظرة " (٤).
قال العلامة الألباني في بيان معنى " استرقوا ": (أي أطلبوا الرقية لها لا لكم). (٥)
٣ - أن يطلب المريض من غيره أن يرقيه:
لقد مدح النبي ﷺ مَنْ لا يطلب الرقية من غيره، لكمال توكله على الله فقال في وصف السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: "أنهم لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " (٦) والإسترقاء هو
стр. 288
طلب الرقية من الغير، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن. (١)
عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " مَنْ اكتوى أو استرقى؛ فقد برئ من التوكل " (٢).
قال العلامة الألباني ﵀:
(وفيه كراهة الأكتواء والإسترقاء: أما الأول؛ فلما فيه من التعذيب بالنار، وأما الآخر؛ فلما فيه من الاحتياج إلى الغير فيما الفائدة فيه مظنونة غير راجحة، ولذلك كان من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. كما ثبت في حديث ابن عباس ﵁ عند الشيخين) (٣)
وقال أيضاً: (قال أهل العلم: لأن طلبك الرقية من غيرك علاج غير ناجح غالباً، أو قد ينجح، إذن في هذه الحالة يحسن بالمسلم أن يتوكل على الله، ولذلك أنهى الحديث بقوله: " وعلى ربهم يتوكلون ") (٤).
ثانياً: أقسام الرقي باعتبار الزمن:
تنقسم الرقي باعتبار الزمن إلى قسمين:
أ - رقية لدفع البلاء قبل وقوعه، ومن أدلتها:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يُعَوِّذُ الحسن
стр. 289
والحسين، ويقول: " إن أباكما يُعَوِّذُ بها إسماعيل وإسحق، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة " (١).
٢ - عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَنْ قال في أول يومه أو في أول ليلته بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء في ذلك اليوم أو في تلك الليلة " (٢).
ب - رقية لدفع البلاء بعد وقوعه ومن أدلتها:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي. (٣)
٢ - عن عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ " ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله، ثلاثاً، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " (٤).
رابعاً: بعض الرقى لعلاج الصرع والسحر والحسد وسائر الأمراض:
١ - الرقي من القرآن الكريم:
١ - القرآن كله شفاء لقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٨٢) سورة الإسراء.
стр. 290
٢ - سورة الفاتحة.
٣ - سورة الإخلاص.
٤ - المعوذتان.
٥ - آية الكرسي.
ومن الأدلة على ذلك:
قال البخاري ﵀: باب الرقى بالقرآن الكريم والمعوذات:
وذكر حديث أم المؤمنين عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه - في المرض الذي مات فيه - بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيده نفسه لبركتها) (١).
وعن ابن عابس قال: قال النبي ﷺ : " يا ابن عابس ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال:" قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ". (٢)
٢ - الرقى النبوية:
١ - عن عبد العزيز قال: (دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا حمزة اشتكيت. فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى. قال: اللهم رب الناس، مذهب الباس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقماً) (٣).
٢ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: " بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفي سقيمنا، بإذن ربنا " (٤).
стр. 291
٣ - عن عثمان بن أبي العاص الثقفي، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعاً يجده في جسده منذ أسلم. فقال له رسول الله ﷺ : "ضع يدك على الذي تألم من جسدك. وقل: بسم الله، ثلاثاً. وقل: سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ". (١)
٤ - عن محمد بن المنكدر قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فشكا إليه أهاويل يراها في المنام. فقال: " إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابة، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون " (٢).
٥ - عن أبي سعيد، أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد! اشتكيت؟ فقال: " نعم " قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك. من شر كل نفسِ أو عين حاسد الله يشفيك. باسم الله أرقيك. (٣)
خامساً: بدع وأخطاء المعالجين:
(دخل أمر العلاج بعض الشباب الذين لم تستو سوقهم في الاستقامة، ولم ينضج علمهم في الفقه، وأخذوا يعالجون بالقرآن بزعمهم متشبهين بأحمد بن حنبل وابن تيمية - رحمهما الله - وهم لم يتموا حفظ القرآن بعد، بل وقد لا يعرفون نواقض الوضوء، أو أركان الصلاة أو شروط صحتها فضلاً عن غيرها من أمور دينهم، فغاية أمر أحدهم أنه حفظ الرقية أو قرأ كتاباً أو كتابين ثم بدأ يعالج، فإذا
стр. 292
بهم يقعون في المحظورات وهم لا يدرون - لجهلهم - فانتشرت البدع في علاجهم، وكثرت الخرافات، وسبب ذلك أمران:
الأول: جهل المعالج بأمور الدين.
الثاني: تصديق الجني في كل ما يخبر به؛ لأنه أحياناً يقدم الجني نصائح للمعالج فيقول مثلاً: إن حالة كذا اقرأ لها آيات كذا، أو اكتب القرآن بطريقة معينة ثم افعل به كذا وكذا مثلاً، فيأخذ المعالج بنصيحة الجن، مما حدا بكثير منهم أن يقعوا في المحظورات) (١).
ومن هذه المخالفات والمحظورات:
أولاً: الحوار مع الجن وتصديقهم:
لقد كثر الحوار مع الجن وسؤالهم عن الكثير من الأشياء مثل: اسمه وسنه وديانته وتصديق الناس لذلك؛ مما أدى إلى كثير من المفاسد والمخالفات، متناسين أن الجن ليس مصدراً لتلقي العلم، لأن الغالب في كثير من الجن الكذب لقوله ﷺ لأبي هريرة ﵁ " صدقك وهو كذوب "، بالإضافة لمخالفته هدي النبي ﷺ في مثل هذه الحالات.
قال العلامة الألباني ﵀:
(لقد كان الذين يتولون القراءة على المصروعين أفراداً قليلين، صالحين فيما مضى، فصاروا اليوم بالمئات، وفيهم بعض النسوة المتبرجات فخرج الأمر عن كونه وسيلة شرعية - لا يقوم به إلا الأطباء عادة - إلى أمور ووسائل أخرى لا يعرفها الشرع ولا الطب معاً، فهي - عندي - نوع من الدجل والوساوس يوحي به الشيطان إلى عدوه الإنسان ﴿وَكَذَلِكَ
стр. 293
جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (١١٢) سورة الأنعام. وهو نوع من الاستعاذة بالجن التي كان عليها المشركون في الجاهلية المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٦) سورة الجن. فمن استعان بهم على فك السحر - زعموا - أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى؟ مسلم أو كافر؟ وصدقه المستعين به ثم صدقه الحاضرون عنده، فقد شملهم جميعاً وعيد قوله ﷺ " مَنْ أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد " وفي حديث آخر " لم تُقْبَلْ له صلاة أربعين ليلة" رواه مسلم وغيره وهو مخرج في غاية المرام رقم (٢٨٤) والحديث الذي قبله صحيح انظر الإرواء (٢٠٠٦) فينبغي الانتباه لهذا، فقد علمت أن كثيراً ممن ابتلوا بهذه المهنة هم من الغافلين عن هذه الحقيقة، فأنصحهم - إن استمروا في مهنتهم - أن لا يزيدوا في مخاطبتهم على قول النبي ﷺ :" اخرج عدو الله " مذكراً لهم بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) سورة النور.
والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (١).
وقد ترتب على هذه الحوارات مع الجان الكثير من المفاسد منها:
١ - الفتنة والوقيعة بين الناس، عندما يزعم الجن أن فلاناً هو الذي صنع السحر وذلك أمام الحاضرين مما يؤدي إلى إلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين، فكم من أرحام قُطِّعَتْ، وبيوت خُرِّبت، وأُسَر هُدِّمت، بسبب ذلك، وإلى الله المشتكى.
стр. 294
٢ - تمكين الجني المتلبس ببدن الإنسي بالبقاء أطول مدة ممكنة لترك قراءة القرآن والأذكار النبوية.
ثانياً: الاستعانة بالجن في العلاج:
قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -:
(الاستعانة بالجن سواءً أكانوا مسلمين أم غير مسلمين وسيلةً من وسائل الشرك، والاستعانة معناها: طلب الإعانة؛ ولهذا فمن المتقرر عند أهل العلم أنه لايجوز طلب الإعانة من مسلمي الجن؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يطلبوا ذلك منهم، وهم أولى أن تخدمهم الجن، وأن تعينهم.
وأصل الاستعانة بالجن: من أسباب إغراء الإنسي بالتوسل إلى الجني، وبرفعة مقامه، وبالاستمتاع به، وقد قال - جل وعلا -: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ (١٢٨) سورة الأنعام. فحصل الاستمتاع - كما قال المفسرون - من الجني بالإنسي: بأن الإنسي يتقرب إليه، ويخضع له، ويذل، ويكون في حاجته، ويحصل الاستمتاع من الإنسي بالجني بأن يخدمه الجني، وقد يكون مع ذلك الاستمتاع ذبحٌ من الإنسي للجني، وتقربٌ بأنواع العبادات، أو بالكفر بالله - جل وعلا - والعياذ بالله، بإهانة المصحف، أوبامتهانه أو نحو ذلك؛ ولهذا نقول إن تلك الاستعانة بجميع أنواعها لا تجوز، فمنها ماهو شرك - كالاستعانة بشياطين الجن - يعني: الكفار - ومنها ماهو وسيلةٌ إلى الشرك، كالاستعانة بمسلمي الجن.
وبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الجن قد تخدم
стр. 295
الإنسي. وهذا المقام فيه نظر وتفصيل؛ ذلك أنه ﵀ ذكر في آخركتاب النبوات: أن أولياء الله لا يستخدمون الجن إلا بما فعله معهم رسول الله ﷺ بأن أمرهم، ونهاهم، أي: بالأوامر، والنواهي الشرعية، أما طلب خدمتهم وطلب إعانتهم: فإنه ليس من سجايا أولياء الله، ولا من أفعالهم قال: مع أنه قد تنفع الجن الإنس، وقد تقدم له بعض الخدمة ونحو ذلك، وهذا صحيح من حيث الواقع.
فالحاصل أن المقام فيه تفصيل: فإذا كان الاستخدام بطلب الخدمة من الجني المسلم، فهذا وسيلة إلى الشرك، ولا يجوز أن يعالج عند أحد يعرف منه أنه يستخدم الجن المسلمين. وإذا كانت الجن تخدم بعض الناس بدون طلبه، فإن هذا قد يحصل، لكن لم يكن هذا من خلق أولياء الله، ولا مماسخره الله - جل وعلا - لخاصة عباده، فلا يسلم من هذا حاله من نوع خلل جعلت الجن تكثر من خدمته، وإخباره بالأمور، ونحو ذلك.
فالحاصل: أن هذه الخدمة إذا كانت بطلب منه، فإنها لاتجوز، وهي نوع من أنواع المحرمات؛ لأنها نوع استمتاع، وإذا كانت بغير طلبٍ منه فينبغي له أن يستعيذ بالله من الشياطين ويستعيذ بالله من شر مردة الجن؛ لأنه قد يؤدي قبول خبرهم، واعتماده، إلى حصول الأنس بهم، وقد يقوده ذلك الاستخدام إلى التوسل بهم والتوجه إليهم - والعياذ بالله - فإذا تبين ذلك: فإن خبر الجن عند أهل العلم ضعيف، لايجوز الاحتجاج به عند أهل الحديث، وذكر ذلك أيضاً الفقهاء. وهذا صحيح؛ لأن البناء على الخبر وقبوله: هو فرعٌ عن تعديل المخبر، والجني غائب، وعدالته غير معروفة، وغير معلومة عند السامع، فإذا بنى الخبر عمَّن جاءه به من الجن وهو لم يرهم، ولم يتحقق عدالتهم إلا بما سمع من خطابهم
стр. 296
- وهي لا تكفي - فإنه يكون قد قبل خبر من يحتمل أنه فاسق؛ ولهذا قال الله - جل وعلا -: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبإٍ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٦) سورة الحجرات. والذين يقبلون إخبار الجن، وإعلام الجن لهم ببعض الحوادث، تحصل منهم مفاسد متنوعة كثيرة ....
فهذه المسألة يجب على طلاب العلم أن يسعوا في إنكارها وبذل الجهد في إقامة الحجة على من يستخدم الجن، ويتذرع بأن بعض العلماء أباح ذلك، والواقع أن هذا العمل وسيلة من وسائل الشرك بالله - جل وعلا - واقرؤوا أول كتاب ((تاريخ نجد)) لابن بشر، حيث قال إن سبب دخول الشرك إلى قرى نجد أنه كان بعض البادية إذا أتى وقت الحصاد أو أتى وقت خرف النخيل، فإنهم يقطنون بجانب تلك القرى ومعهم بعض الأدوية والأعشاب فإذا كانوا كذلك فربما سألهم بعض جهلة تلك القرى حتى حببوا إليهم بعض تلك الأفعال المحرمة من جراء سؤالهم وحببوا إليهم بعض الشركيات أوبعض البدع حتى فشا ذلك بينهم فبسب هؤلاء المتطببين الجهلة، والقراء المشعوذين انتشر الشرك - قديماً - في الديار النجدية وما حولها، كما ذكر ابن غنَّام. وقد حصل أن بعض مستخدمي الجن، كثر عنده الناس، فلما رأى من ذلك، صار يعالج علاجاً نافعاً، فزاد تسخر الجن له، حتى ضعف تأثيره، فلما ضعف تأثيره ولم يستطع مع الحالات التي تأتيه للقراءة أوللعلاج شيئاً: صار تعلقه بالجن أكثر، ولا زال ينحدر مافي قلبه من قوة اليقين، وعدم الاعتماد بقلبه على الجن، حتى اعتمد عليهم شيئاً فشيئاً، ثم حرفوه - والعياذ بالله - عن السنة، وعما يجب أن يكون في القلب من توحيد الله، وإعظامه، وعدم استخدام الجن في
стр. 297
الأغراض الشركية، فجعلوه يستخدم الجن في أغراض شركية وأغراض لاتجوز بالاتفاق). (١)
ثالثاً: استرضاء الجن والذبح له:
وفي هذه الطريقة يقوم المعالج باسترضاء الجني الصارع، فيلبي له جميع طلباته، فأحياناً يطلب منه ذبح حيوان أو لبس ذهب أو شرب دخان أو غيرها من الأمور المحرمة. وسبب حرمة هذه الطريقة - والله أعلم - عدة أمور:
١ - أن الذبح للجن شرك بالله، قال رسول الله ﷺ : " لعن الله مَنْ ذبح لغير الله " (٢) والتداوي بالشرك والكفر لا خلاف بين العلماء في تحريمه، ولا يجوز التداوي به باتفاق.
٢ - لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حيث يطيع الجنيَّ ويلبس الذهب - إن كان رجلاً - أو يشرب الدخان، وهي من الأمور المحرمة شرعاً.
٣ - تلبية هذه الرغبات تزيد الجني طغياناً وكفراً وعتواً وتمرداً؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٦) سورة الجن (٣).
رابعاً: الاعتماد على التجربة:
وَسَّع المعالجون الباب في علاج الصرع الجني، ويستخدمون طرقاً تختلف من شخص لآخر، بزعم أنها مجربة، ونافعة أيضاً، ولذلك كثيراً ما تسمع عن هذه
стр. 298
الوسائل المجربة:
١ - القراءة على الماء والوضوء منه، والاغتسال به، والتوسع في ذلك.
٢ - الدهن بالزيت في مواضع معينة.
٣ - استعمال البخور والخرز وتعليقه.
٤ - إخافة الجني وإيذائه وسجنه وحرقه وقتله!! فتارة يستعملون الضرب والخنق، وتارة يحرقون بدن المصروع في أجزاء معينة، وإظلام المكان .. ، وبعضهم يدخلون المريض على بعض الحيوانات كالذئب مثلاً لإخافة الجني - زعموا - وغيرها كثير.
٥ - القراءة على الجماعات من الناس في وقت واحد لكسب الوقت، وذلك باستخدام مكبرات الصوت في المساجد، مع التركيز على آيات معينة ومحدودة بزعم أنها آيات الرقية.
قال العلامة الألباني ﵀:
(ليس كل تجربة نافعة يدل على شرعية هذه الوسيلة وإلا فتح لنا هذا باباً واسعاً من الدجل والبدعة والخرافة، بل من الشرك أحياناً.
الذين يتوسلون بالأنبياء والأولياء الصالحين، ويتضرعون عند قبورهم ويطلبون منهم قضاء حوائجهم يقولون جربنا مراراً وتكراراً حتى إنه سُطِّر في الكتب قبر (معروف) الترياق المجرب، وهذا هو المسجل تاريخياً، والمعروف عند الناس عملياً. (١) ... أنا أقول نجاح التجربة لا يكفي في الدلالة على شرعيتها، لابد
стр. 299
أن يكون هناك دليل يؤيد الشرعية، وإلا فلا.
قال سائل: التوسل عبادة محضة تحتاج إلى دليل، أما التداوي الأصل فيه المشروعية والجواز، والأصل فيه عدم التقيد، فما جوابكم على هذا التفريق؟
قال العلامة الألباني: (هذا الكلام أراه صحيحاً لو كان الأمر متعلقاً بمعالجة أمور لا تتعلق بالغيب، لا تتعلق بما يقال اليوم بما وراء المادة، والجن من هذا القبيل، فلا أرى هذا من هذا حتى نقول بالموافقة). (١)
قال الشيخ محمد صفوت نور الدين ﵀:
(ما يفعله كثير من الناس من ضرب أو خنق أو كي، وإسراف في استخدام ذلك، يخرجون بذلك عن الشرع الذي جاء، ويستدلون بما لا يصلح لذلك دليلاً، كقول منسوب للإمام أحمد بن حنبل ﵀ أو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهم يعلمون أن الضرب، أو الخنق ليس المؤثر، إنما المؤثر هو ذكر الله والدعاء، فما لهم ينتقلون من الأعلى إلى الأدنى، وينتقلون مما يعلم بالشرع نفعه إلى ما يخشى وقوع ضره، فيتأثر المريض بذلك الضرب والخنق، ولو كان الضرب هو المؤثر لكان النبي ﷺ يأمر مَنْ يجلد المصروع لا مَنْ يرقيه) (٢).
стр. 300
خامساً: التفرغ للرقية:
(لقد تفرغ كثير من المعالجين للرقية، وقصروا أوقاتهم على القراءة على المرضى، ووسعوا دورهم واستعدوا للزائرين، ورتبوا لهم مواعيد كما تفعل المستشفيات المتخصصة تماماً، واتخذوا هذا العمل حرفة لهم، وذلك لكثرة ما يدره عليهم من دخل مادي كبير. وهذه الصورة يترتب عليها مفاسد كثيرة منها:
١ - يظن الناس أن لهذا القارئ بعينه خصوصية، بدليل كثرة زحام الناس عليه، وتطغى حينئذ أهمية القارئ على أهمية المقروء وهو كلام الله، وكل ذريعة تضعف ثقة الناس بالقرآن ينبغي أن تسد ولا تفتح.
٢ - قد يتوهم القارئ نفسه أن الشياطين تخاف منه، وتخرج من المصروعين فيظن أنه من الأولياء الأبرار ويصيبه العجب والكبر ونحو ذلك.
٣ - لقد اشتهر كثير من الصحابة بإجابة الدعاء كسعد بن أبي وقاص ﵁، وبعض التابعين كأويس القرني ﵀ ومع هذا لم يؤثر أن المسلمين تزاحموا على أبوابهم أفواجاً إثر أفواج لطلب الدعاء مع حاجة المسلمين إلى إجابة دعائهم في صلاح دينهم ودنياهم.
٤ - إن المتفرغ للرقية على الناس فيه مشابهة بالذي يتفرغ للدعاء للناس، فالرقية والدعاء من جنس واحد، فهل يليق بطالب علم أن يقول للناس تعالوا إليّ ادع لكم!! فضلاً عن تعطيلها سنة رقية المريض لنفسه، وطلبه الشفاء من الله). (١)
стр. 301
سادساً: التوسع في أخذ الأجر على الرقية:
توسع القائمون على العلاج في أخذ الأجر على الرقية، مما أدى إلى ظهور صور مرفوضة:
١ - المطالبة بمبالغ كبيرة أحياناً.
٢ - يرفض أن يرقي إلا بعد أن يدفع أهل المريض الأجر.
٣ - التعمد في تكرار الجلسات، وإطالتها، حتى يأخذ أجراً عن كل جلسة.
٤ - ادعاء بعضهم أنه لا يأخذ أجراً، ولكنه في المقابل يبيع للمريض الماء المقروء عليه المخلوط ببعض الأعشاب!! بمبالغ طائلة، كل هذه الأمور على الرغم من عدم تحقق الشفاء في غالب الحالات، مما أدى إلى ظهور المعالجين بصورة سيئة، وأنهم (ماديون) أو (انتهازيون).
ويستدل أصحاب هذا الرأي بما ورد في السنة الصحيحة مثل حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عم خارجة بن الصلت، وغيرهما مما يفيد جواز أخذ الأجرة على الرقية، ولكن الناظر إلى هذه الأحاديث يجد أن الصحابة لم يأخذوا أجراً على الرقية إلا بعد تحقق الشفاء التام ففي حديث أبي سعيد: (فقرأ عليه أم الكتاب، حتى برأ كأنما نُشِّطَ من عقال، قال: فأوفوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه) (١)، وفي الحديث الآخر: (فرقيته بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوني مئة شاة) (٢)
ولذلك نرى - والله أعلم - أن يقيد الأجر على الرقية بتحقق الشفاء التام.
стр. 302
سابعاً: علاج النساء:
قال رسول الله ﷺ : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " (١) لقد استطاع الشيطان عن طريق النساء أن يوقع المعالجين في الكثير من المخالفات الشرعية بحجة أنهم معالجون كالأطباء - زعموا! - أنهم مضطرون لذلك! ومن هذه المخالفات ما يلي:
١ - النظر للنساء أثناء العلاج ليعرف نوع الجن - بزعمه - أو ما يسمى (بالكشف بالنظر) (٢).
٢ - وضع يده على جسم المريضة، وأحياناً يقوم بدهن بعض جسمها بالزيت!.
٣ - القراءة على المريضة بدون وجود محرم معها؛ مما أدى إلى الخلوة المحرمة.
٤ - كشف العورات، وانتهاك الأعراض والحرمات.
وذلك كله بسبب جهلهم أن (الاضطرار إنما يقع في الأسباب المادية، فقد يضطر الطبيب فيجرح المريض، أو يستأصل منه عضواً، أو يشق له جلداً، أو يصف له الدواء المر، أو يكشف له عورة، أو يلمس له موضعاً لا يحل له لمسه، أو ينظر إلى امرأة لا تحل له؛ لأنه لا سبيل لتشخيص المرض، أو وصف الدواء، أو العلاج إلا بذلك، فهو مضطر، فيرتكب الضرر الأدنى دفعاً للضرر الأكبر، أما الأسباب
стр. 303
الشرعية: فهي دعاء لله، وطلب منه سبحانه، وذلك لا يسبب اضطراراً، فلا تجوز فيه معصية - وإن صغرت -، بل يحرص فيه على الطاعة التي تعين على رفع الدعاء، فلا تجوز خلوة بغير محرم، ولا نظر إليها، ولا لمس لها، ولا غير ذلك من المخالفات
الشرعية). (١)
ثامناً: الابتداع في الأذكار:
(كثير من كتب العلاج بالقرآن قيدت الأذكار التي أطلقها الشرع بعدد محدود، أو أطلقت المقيد من هذه الأذكار، فنجد في بعض هذه الكتب أن الذكر أو الآية مثلاً تقال (٢٠) مرة أو (١٠٠) مرة (٢). ولم يثبت ذلك في نصوص الشريعة، وقد يحد المؤلف حداً من عنده كما في كتاب: (إثبات علاج جميع الأمراض بالقرآن الكريم) فبعد ما ذكر المؤلف آيات الشفاء في القرآن قال: تكتب في طبق صيني أبيض بدون نقوش بالزعفران وماء ورد ثم تمحى بماء ويسقى للمريض فإنه يشفى في وقته بإذن الله تعالى!!.ولا ندري من أين أتى بهذه التقيدات؛ فكتابة الآيات على مثل هذا النحو مختلف فيه بين العلماء، ومن قال بجواز ذلك، فما هو دليله على أن الطبق لابد وأن يكون من الصيني الأبيض غير المنقوش؟!. ماذا لو تأخر الشفاء، ولم يشف المريض في وقته؟. هذا مثل من أمثلة عديدة لو نقلناها من مصادرها لطال بنا الحديث، ثم بعض هذه الكتب، وبعض من يعالج أيضاً يذكر آيات وسور تقرأ بعدد معين محدد لأمراض معينة مثل: السرطان والروماتيزم
стр. 304
والأمراض الجلدية وأمراض الصدر (١) فمن أين أتى بهذا التحديد. هل قرأ هذا التوصيف في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ؟) (٢).
وأخيراً: هذه صيحة تحذير وصرخة نذير للمعالجين بالقرآن أن يتقوا الله في السر والعلن وأن يتقيدوا بما جاء في القرآن والسنة الصحيحة وألا يستخفنهم الشيطان فيلقي بهم في مهاوي الضلالة والبدعة والشرك. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) سورة النور.
стр. 305
الفصل الرابع
صور من هجر التداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم
وفيه خمسة مباحث:
أولاً: إتيان السحرة والعرافين.
ثانياً: تعليق التمائم.
ثالثاً: الاستشفاء بالقبور والأضرحة.
رابعاً: إتيان الكنائس.
خامساً: حرز أبي دجانة.
стр. 306
لما هجر الناس كتاب الله - جل وعلا - في باب التداوي والاستشفاء ضلوا ضلالاً بعيداً، ولجأوا إلى غير الله رب العالمين يلتمسون منهم الشفاء والدواء لأمراضهم، فخاب ظنهم، وضل سعيهم في الدنيا والآخرة، وهذه بعض الصور من هجر التداوي والاستشفاء التي تدل على الجهل وسوء المعتقد نذكرها تحذيراً لأمة القرآن منها.
أولاً: إتيان السحرة والعرافين:
لجأ كثير من الناس إلى السحرة والعرافين يطلبون منهم الشفاء لأمراضهم، وفك أعمالهم من السحر، وعلاج مصروعهم ... ، ومما لا شك فيه أن هذه الطريقة مخالفة لهدي النبي ﷺ للأمور الآتية:
١ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن النُّشرة؟ فقال: " هي من عمل الشيطان " (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀:
(النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:
стр. 307
أحدهما: قيل بسحر مثله، هو الذي من عمل الشيطان. وعليه يحمل قول الحسن (لا يحل السحر إلا ساحر). فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله في المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة. فهذا جائز. (١)
٢ - قال رسول الله ﷺ : " مَنْ أتى عَرَّافاً فسأله عن شيء، لم تُقْبَلْ له صلاة أربعين ليلة " (٢) وقال أيضاً: " مَنْ أتى كاهناً فَصَدِّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنْزَل على محمد ﷺ " (٣).
لقد ترتب على إتيان العرافين أمران هما:
١) الكفر بما أنزل على محمد ﷺ وهما الكتاب والسنة.
٢) لا تقبل للمرء صلاة أربعين ليلة.
٣ - قال تعالى: ﴿... وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ...﴾ (١٠٢) سورة البقرة.
وقال أيضاً: ﴿... وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٦٩) سورة طه. فبين الله تعالى أن طريق السحرة إلى الضلال والإفساد والضر وعدم الفلاح.
٤ - ورد عن الصحابة ﵃ بيان حكم الساحر في الشريعة الإسلامية، وهو القتل، فلو كان للساحر منفعة، لم يأمر بقتله.
عن جندب بن كعب ﵁ قال: (حد الساحر: ضربه بالسيف) (٤).
стр. 308
عن بجالة بن عبده قال: (كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة). (١)
علامات يعرف بها الساحر:
(إذا وجدت علامة واحدة من هذه العلامات في أحد المعالجين فهو ساحر بلا أدنى ريب، وهذه العلامات هي:
١ - يسأل المريض عن اسمه واسم أمه.
٢ - يأخذ أثراً من آثار المريض (ثوب - قلنسوة - منديل - فانيلة ...) وما يعرف (بالثمل).
٣ - أحياناً يطلب حيواناً بصفات معينة ليذبحه ولا يذكر اسم الله عليه وربما لطخ بدمه أماكن الألم من المريض، أو يرمي به في مكان خرب.
٤ - كتابة الطلاسم، وتلاوة العزائم غير المفهومة.
٥ - إعطاء المريض (حجاباً) يحتوي على مربعات بداخلها حروف أو أرقام.
٦ - يأمر المريض أن يعتزل الناس مدة معينة في غرفة لا تدخلها الشمس ويسميها العامة (الحجبة).
٧ - أحياناً يطلب من المريض ألا يمس ماء مدة معينة غالباً تكون أربعين يوماً، وهذه العلامة تدل على أن الجني الذي يخدم هذا الساحر نصراني.
٨ - يعطي المريض أشياء يدفنها في الأرض.
стр. 309
٩ - يعطي المريض أوراقاً يحرقها ويتبخر بها.
١٠ - أحياناً يخبر الساحر المريض باسمه واسم بلدته ومشكلته التي جاء من أجلها.
١١ - يكتب للمريض حروفاً مقطعة في ورقة (حجاب) أو في طبق من الخزف الأبيض ويأمر المريض بإذابته وشربه.
فإن علمت أن الرجل ساحر فإياك والذهاب إليه وإلا انطبق عليك قول النبي ﷺ : " مَنْ أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ") (١).
ثانياً: تعليق التمائم:
التمائم: جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام ونحوه، خوفاً من العين، وكانت التمائم منتشرة في الجاهلية فلما جاء الإسلام أبطلها ونهى عنها:
عن عبد الله بن مسعود ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
" إن الرقى والتمائم والتوله شرك " (٢) وذلك عندما دخل على امرأته فرأى عليها حرزاً من الحمرة، فقطعه قطعاً عنيفاً، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، ثم ذكر الحديث.
عن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة،
стр. 310
وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله!؛ بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: " إن عليه تميمة، فأدخل يده، فقطعها، فبايعه وقال: مَنْ علق تميمة؛ فقد أشرك " (١)
قال العلامة الألباني ﵀:
(ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو والفلاحين وبعض المدنيين ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارات يعلقونها على المرآة! وبعضهم يعلق نعلاً في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار والدكان؛ كل ذلك لدفع العين - زعموا -، وغير ذلك مما عمّ وطم بسبب الجهل بالتوحيد وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بُعِثَتْ الرسل وأُنْزِلَت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها، فإلى الله المشتكى، من جهل المسلمين اليوم، وبعدهم عن الدين) (٢)
أما إذا كانت التميمة من القرآن، والأدعية النبوية، فقد اختلف العلماء فيها بين الجواز والمنع، والصحيح أن يُمْنَع أن يعلق شيئاً من القرآن لوجوه ثلاثة:
الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم.
الثاني: سدُّ الذريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
الثالث: أنه إذا عُلِّق فلابد أن يمتهنه المُعَلِّق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك. (٣)
стр. 311
ثالثاً: الاستشفاء بتربة القبور:
(ويقع ذلك من الجاهلين على أنواع مثل أخذها، ومسح الجلد بها، أو التمرغ على القبور أو الاغتسال بها مع الماء أو شربها ... إلخ.
وهذا كله ناشئ عن اعتقادهم في صاحب القبر أنه ينفع ويضر حتى عدوا ذلك إلى تربته التي دفن فيها وبعضهم يعديه إلى التربة التي وضعت عليها جنازته). (١)
ووصل الأمر بهم إلى أن جعلوا لكل قبر خاصية، فهذا القبر لإخراج الجن، والآخر لقضاء الحوائج، وغيره لشفاء الأمراض ... وكذلك الاستشفاء بالأحجار والأشجار والآبار والعيون يطلبون منها الشفاء لأمراضهم.
رابعاً: إتيان الكنائس:
(انتشرت مصيبة كبرى في بعض الدول العربية لاسيما مصر، وهي الذهاب إلى القساوسة في الكنائس لعلاج المس والسحر؛ فيأمرهم القساوسة بلبس الصليب، فيفعلون ذلك ابتغاء الشفاء بزعمهم، ثم يقرءون عليهم ترانيم معينة، ويعطونهم أوراقاً فيها شرك عظيم). (٢)
(ومن قبيح جهال النساء أنهن يذهبن إلى القسيس بماري جرجس أو بدير العريان بمعصرة حلوان أو غيرهما يطلبن منه حجاباً للنظرة أو حجاباً لوقاية ابنها من الحسد والنكد، وأن هذا البلاء المبين، وإنما كان يكفي هذه الجاهلة المسكينة أن تقرأ المعوذتين أو الفاتحة على ولدها وتستريح من هم وعناء السفر والمصاريف) (٣).
стр. 312
خامساً: حرز أبي دجانة:
يقول الصحابي الجليل أبودجانة ﵁ (شكوت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله بينما أنا مضطجع في فراشي إذ سمعت في داري صريراً كصرير الرحى ودوياً كدوي النحل، ولمعاً كلمع البرق فرفعت رأسي فزعاً مرعوباً، فإذا أنا بظل أسود تدلى، يعلو ويطول في صحن داري، فأهويت إليه، فمسست جلده فإذا جلده كجلد القنفذ، فرمى في وجهي مثل شرر النار، فظننت أنه قد أحرقني وأحرق داري، فقال رسول الله ﷺ : " عامر دارك سوء يا أبا دجانة، ورب الكعبة مثلك يؤذي يا أبا دجانة، ثم قال: " ائتوني بداوة وقرطاس (ورقة) " فأتى بهما فناوله علي بن أبي طالب ﵁ وقال: " اكتب أبا الحسن "، قال: وما أكتب؟ قال: " اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا كتاب من محمد رسول الله رب العالمين إلى مَنْ طرق الباب من العُمار والزوار .... " إلخ.
لقد حكم علماء الحديث وأئمة الإسلام على هذا الحديث بأنه (موضوع).
قال ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٦٩): (هذا حديث موضوع بلا شك، وإسناده مقطوع (يعني: منقطعاً) وليس في الصحابة من اسمه موسى أصلاً، وأكثر رجاله مجاهيل لا يعرفون).
وكذا نقله ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/ ٣٢٤، ٣٢٥)، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٣٤٨)، والفتنى الهندي في تذكرة الموضوعات (٢١٢).
وقال الصغاني: حرز أبي دجانة: موضوع.
وقال الذهبي في السنن (١/ ٢٤٥): (وحرز أبي دجانة شيء لم يصح ما أدري مَنْ وضعه).
стр. 313
وقال البيهقي: وقد رُوي في حرز أبي دجانة حديث طويل، وهو موضوع لا تحل روايته) (١).
وإنما ذكرنا حرز أبي دجانة للتحذير منه، وبيان درجته، والذي دفعنا إلى ذلك أننا قرأنا في بعض الكتب التي تتناول علاج المس الشيطاني، ويوصي مؤلف هذا الكتاب باستعماله بخاصة بعد نجاح تجربته!!.
قال: (هذه الرسالة (حرز أبي دجانة) تحتوي على خطاب يوضع خلف باب المنزل الذي يرى فيه بعض التخيلات، وقد أفادت التجربة نجاحها مع قراءتها جهراً في المكان بعد آية الكرسي ثلاث ليال متوالية؟!!.
وقال أيضاً (ونوجه ذهن المعالج أن يصف رسالة أبي دجانة مع معظم حالات السحر؟! لأنها مكملة للأذكار!! حتى يتكامل البرنامج العلاجي للمسحور والممسوس!! أو مَنْ يجدون في منازلهم أصواتاً غريبة أو تحركات مريبة!!) (٢).
ويلحق بحرز أبي دجانة ما تشتهر بين الناس بالعهود السليمانية وهي عبارة عن أذكار مخترعة وأوراد غريبة ورسومات وأشكال غير واضحة يزعمون أنها تدفع العين والمس والصرع وأنها عهود أخذها سليمان ﵇ على الجن، فكن - أخي الحبيب - على حذر من هذه الخرافات وابتعد عن الدجل والمشعوذة والجأ إلى كتاب الله فإن فيه الشفاء التام لجميع الأمراض والأسقام إذا توكلت على الملك العلام.
стр. 314
الباب السادس
هجر التحاكم بالقرآن الكريم
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: أسباب الحكم بغير ما أنزل الله.
الفصل الثاني: وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية.
الفصل الثالث: الحكم بغير ما أنزل الله في الميزان.
الفصل الرابع: صور من تحكيم الشريعة الإسلامية.
стр. 315
الفصل الأول
أسباب الحكم بغير ما أنزل الله
وفيه أربعة مباحث:
أولاً: الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية.
ثانياً: انعدام الإيمان وضعفه.
ثالثاً: الجمود الفكري والتعصب المذهبي.
رابعاً: عقبة أعداء الإسلام.
стр. 316
لقد أخبر النبي ﷺ أن أول عروة من الإسلام تنقض هي الحكم بما أنزل الله فقال في حديثه: " لتنقضن عرى الإسلام عروةً عروةً أولهن نقضاً الحكم وآخرهن نقضاً الصلاة " (١).
ولقد وقع ما أخبر به الرسول ﷺ من هجر الحكم بالشريعة وحل مكانها في معظم البلاد العربية والإسلامية الحكم بالقوانين الوضعية وأقوال الرجال في الدماء والحقوق والأعراض.
والناظر إلى واقع المسلمين يجد أن أسباباً كثيرة وراء هذه الظاهرة منها (٢):
١ - الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية.
٢ - انعدام الإيمان وضعفه.
٣ - الجمود الفكري والتعصب المذهبي.
٤ - عقبة أعداء الإسلام.
стр. 317
والآن مع شرح مجمل لهذه الأسباب:
أولاً: الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية:
الذي يطلع على أحوال العالم الإسلامي يجد (أن أكثر المسلمين اليوم يتوارثون الإسلام توارثاً تقليدياً، وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم؛ لهذا فشا الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية لدى الكثير من أبناء الأمة الإسلامية قيادات وشعوباً، حتى أصبح منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه: فلا يعرف أحكامه وعقائده، ولا أخلاقه وآدابه) (١).
(وإني لأعتقد أننا لم نترك أحكام الشريعة الإسلامية إلا لجهلنا بها، وقعود علمائنا أو عجزهم عن تعريفنا بها، ولو أن كل مسلم عرف واجبه نحو الشريعة لما تأخر عن القيام به، ولتسابقنا في العمل لخدمة الشريعة، وتطبيق أحكامها) (٢).
العوامل التي أدت إلى الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية:
١ - مناهج الدراسة في معظم البلاد الإسلامية بالتعليم العام شملتها موجة التغريب، فانطمست فيها معالم المواد الدينية ولا تشمل خطتها سوى مادة واحدة لا يزيد نصيبها عن ساعة أو ساعتين في الأسبوع وذلك حتى المرحلة الثانوية أما في الجامعة فلا تكاد تجد لها أثراً يذكر إلا في بعض التخصصات الشرعية واللغوية على الرغم من تدريس اللغة الأجنبية والحرص على إتقانها.
стр. 318
٢ - تقصير بعض العلماء وطلبة العلم والدعاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ارتكبت المظالم، واستحلت المحارم، وأريقت الدماء، وانتهكت الأعراض، وظهر الفساد في الأرض، ونفذت القوانين الوضعية في بلاد الإسلام، وعطلت الشريعة الإسلامية، وطال هذا الأمر بالمسلمين حتى ظن كثير من المسلمين أن ما نحن فيه من مخالفات هو الإسلام الصحيح.
٣ - وسائل الإعلام بشتى أشكالها صارت أدوات هدم ووسائل تدمير فهي تعرض ما يفسد الأخلاق وينشر الرذيلة ويخرب العقيدة ويقوض مفهوم الأسرة بنشر الشبهات والشهوات أمام المسلمين (١).
نماذج من الجهل بأحكام الشريعة:
وهي نماذج متعددة تشمل العديد من طوائف المجتمع منها:
١ - ما نراه في كثير من البلاد الإسلامية (٢) حول القبور والأضرحة يطلبون من أصحابها جلب النفع ودفع الضر ويعتقدون أنهم يكشفون الكربات ويدفعون البليات.
٢ - طالب بالمرحلة الثانوية سئل من الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين؟ فأجاب: أنه علي بن أبي بكر؟! وبمن تزوج؟ قال: تزوج من هاجر ﵍؟!!.
٣ - جامعي يستغرب اسم سورة الحديد؟! وآخر يقرأ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (ألف لام ميم) ثم يكمل السورة، وآخرون من
стр. 319
خريجي الجامعة يُسْأَلون أين الله؟ فيقولون: في كل مكان!.
٤ - (طلب المحامي من القاضي في إحدى البلاد العربية تطبيق الحكم الشرعي في القضية، فوافق القاضي على ذلك، ولكنه طلب من المحامي أن يملي عليه الحكم الشرعي، ليحكم به، لأنه يجهله، فإذا بالمحامي يجيب أنه الآخر لا يعرف الحكم الشرعي في هذه القضية) (١).
ثانياً: انعدام الإيمان وضعفه:
بَيَّنّ الرسول ﷺ مسئولية كل راعٍ عن رعيته وأنه مسئول عنها يوم القيامة أحفظ ذلك أم ضيع؟ فقال:
" ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع ومسئول عن رعيته " (٢).
إن تحكيم الشريعة ليس أمراً يخص الحكام والولاة فحسب كما يظن الكثير، بل هو مسئولية كل مسلم ومسلمة أن يطبق أحكام الإسلام على نفسه أولاً، ثم أهل بيته، ثم يدعو الناس إليها ويحثها على الالتزام بها (٣).
стр. 320
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٦) سورة التحريم.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (٣٦) سورة الأحزاب. ولو طبق كل منا تعاليم الإسلام وأحكامه وآدابه لقامت فينا دولة الإسلام يحكمها القرآن والسنة كما قال أحد الدعاة (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم).
(أما أن لا يتجاوز الإيمان الادِّعاء، أو لا يتجاوز النطق بكلمة الإيمان، فإذا فَتَّشْتَ عن مدلوله في نفس مُدَّعِيهِ، لا تجده شيئاً، فمثل هذا الإيمان لا يُحَرِكُ ساكناً، ولا يُنْتِجُ أثراً، ولا يُشْعِرُ صاحبه بحلاوته، وإنما هو إيمان اعتراه فتورٌ أو موتٌ، ويتبع هذا - والعياذ بالله - المرضُ القلبيُّ الذي يجعل المريضَ معرضاً عن حكم الله وحكم رسوله، ويقبل على حكم البشر مع قصوره، وثبوت عجزه، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (٤٧ - ٤٨) سورة النور. (١)