← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17066

فتح الرحمن في بيان هجر القرآن

محمود الملاح

Полный текст (360 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أوانه، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (١). وفي أثناء هذه الشدائد العظام كأني بسورة البقرة وآل عمران تأتيان في صورة سحابة عظيمة تظلان صاحبهما، وكأني بالقرآن يجيء يوم القيامة كالرجل الشاحب (٢)، يأتي وقد أخذ بيد صاحبه ليشفع له عند الله ويقول يا رب إني أشهد لهذا الرجل بالصلاح والتقى، فقد كان في الدنيا لا يشغله شيء عن ذكرك وتلاوة كتابك، فقد كان يتلوه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك، يا رب لقد منعته من النوم بالليل فشفعني فيه، وعندها يأذن الله - جل وعلا - للقرآن أن يشفع في صاحبه في تلك اللحظات التي يتخلى فيها عن الإنسان أقرب الناس إليه ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٤ - ٣٧) سورة عبس. فيا حسرة على أولئك المحرومين الذين حرمهم الله من شفاعة القرآن لأنهم حرموا أنفسهم من تلاوته في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً.

стр. 72

المبحث الثاني: الترغيب في قراءة سور وآيات مخصوصة: هذه فضائل بعض السور والآيات لتكون حافزاً على قراءتها والمواظبة عليها: ١ - الفاتحة أعظم سورة في القرآن: عن أبي سعيد رافع بن المُعَلَّى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟» فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (١). وقال ﷺ : " ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " (٢). قال الباجي: يريد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧) سورة الحجر. وسُمِّيَت بالسبع، لأنها سبع آيات والمثاني، لأنها تثنى في كل ركعة (أي تعاد)، وإنما قيل لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم وإن كان كل شيء من القرآن قرآناً عظيماً، كما يقال في الكعبة (بيت الله) وإن كانت البيوت كلها لله، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم) (٣). ٢ - سورة البقرة حصن يمنع من الشيطان: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان

стр. 73

ينفر (١) من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة " (٢). معنى (لا تجعلوا بيوتكم مقابر): أي مثل المقابر في عدم اشتغال من فيها من الموتى بالصلاة والقراءة أي: لا تكونوا كالموتى في ترك القراءة ونحوها. وأما عن فضل خواتيم سورة البقرة، عن أبي مسعود البدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " مَنْ قرأ بالآيتين في سورة البقرة في ليلة كفتاه " (٣) قيل: كفتاه عن المكروه تلك الليلة، وقيل: كفتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه عما ورد من الأدعية الكثيرة لأن الدعاء بما فيها متكفل لخيري الدنيا والآخرة. وقيل غير ذلك. ٣ - آية الكرسي أعظم آية في القرآن: عن أُبَيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا المنذر!، أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟ " قلت: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فضرب في صدري وقال: " لِيَهْنَكَ العلم أباالمنذر " (٤). قال الإمام النووي ﵀: (وفيه منقبة عظيمة، ودليل على كثرة علمه، وفيه تبجيل العالم لفضلاء أصحابه، وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان

стр. 74

في مصلحة، ولم يخف عليه الإعجاب ونحوه لكمال نفسه ورسوخه في التقوى) (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي. وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد، وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة) (٢). ويستحب قراءة آية الكرسي في المواطن الآتية: أ - دبر كل صلاة مكتوبة: عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت " (٣). ب - أذكار الصباح والمساء: عن أُبَيّ بن كعب أن الجِّنيَّ قال له: (إذا قرأتها - يعني آية الكرسي - غدوة أُجرت مني حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أجرت مني حتى تصبح) قال أُبَيُّ: فغدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: " صدق الخبيث " (٤) جـ - عند النوم: عن أبي هريرة ﵁ أن الشيطان قال له: (إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية

стр. 75

الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: (لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح) وكانوا أحرص شيء على الخير. فلما أخبر النبي ﷺ بذلك قال: " صدقك وهو كذوب " (١). ٤ - فضل سورة آل عمران: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ... اقرءوا الزهراوين (٢): البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان كأنهما غمامتان أو غيايتان (٣)، أو كأنهما فرقان (٤) من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة (٥) " قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة السحرة. (٦) عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، أن النبي ﷺ قال: " اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه ". قال القاسم بن عبد الرحمن: فالتمست ذلك فوجدت في سورة البقرة آية

стр. 76

الكرسي: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي سورة آل عمران ﴿الم * اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١ - ٢) سورة آل عمران، وفي سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (١١١) سورة طه (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كانت أعظم آية في القرآن: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وهو الاسم الأعظم؛ لأنه ما من حي إلا هو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات، فلو اكتفى في الصفات بالتلازم لاكتفى بالحي) .. قال الإمام ابن القيم ﵀: (اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى: هو اسم ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾) (٢). ٥ - سورة الكهف حصن يعصم من الدجال: عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجال " (٣). قال الإمام النووي ﵀: (قيل: سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمن تدبرها لم يفتن من الدجال). ويستحب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " مَنْ قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين

стр. 77

الجمعتين " (١). وفي رواية " أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق " (٢). ٦ - سورة الفتح يحبها رسول الله ﷺ -: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لقد أُنْزِلَتْ عليَّ سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس. ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١) سورة الفتح" (٣). عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لقد أُنْزِلَتْ عليَّ آية هي أحب إليَّ من الدنيا جميعاً: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ " (٤). ٧ - سورة تبارك تمنع من عذاب القبر: قال رسول الله ﷺ :" سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر" (٥). عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت في صاحبها حتى غُفِرَ له وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) سورة الملك" (٦). ٨ - سورة الكافرون تعدل ربع القرآن: عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من قرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾

стр. 78

عدلت له بربع القرآن " (١). ٩ - سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال في فضل سورة الإخلاص: " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ". وفي رواية: " أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟ " فشق عليهم ذلك. وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ثلث القرآن " (٢). قيل: سميت السورة بالإخلاص لأن الله أخلصها لنفسه فلم يذكر فيها غيره، وكما أنها تخلص قارئها من الشرك والتعطيل. قال الإمام ابن القيم ﵀: (والأحاديث بكونها تعدل ثلث القرآن تكاد تبلغ مبلغ التواتر) (٣). وقد اختلف العلماء في تأويل ذلك على أقوال: أقربها ما نقله شيخ الإسلام عن أبي العباس، وحاصله أن القرآن الكريم اشتمل على ثلاثة مقاصد أساسية: أولها: الأوامر والنواهي ... ثانيها: القصص والأخبار لأحوال الرسل مع أممهم ... ثالثها: علم التوحيد وما يجب على العباد من معرفة الله بأسمائه وصفاته، وهذا هو أشرف الثلاثة.

стр. 79

ولما كانت سورة الإخلاص قد تضمنت أصول هذا العلم، واشتملت عليه إجمالاً صح أن يقال أنها تعدل ثلث القرآن. (١) عن معاذ بن جبل ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من قرأ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة " (٢). ١٠ - فضل المعوذتين: عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " قد أنزل الله عليَّ آيات لم ير مثلهن قط ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ , ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ " (٣). وعنه أيضاً قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة) (٤). وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ , ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ , ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات) (٥).

стр. 80

شبهة والرد عليها: وبعد معرفة هذه الفضائل لا يحق لأحد أن يهجر تلاوة القرآن. ولكن قد يأتي الشيطان إلى أحدنا ليصرفه عن القراءة والتلاوة ويحرمه من الخير والفضل ويوسوس له ويقول: إنك لا تعرف أو لا تحسن أحكام الترتيل فإذا قرأت بغير أحكامه فإنك آثم بل مأزور غير مأجور؟!! فإذا به ينصرف عن التلاوة وفي نفس الوقت يتكاسل عن تعلم الأحكام. والحق أن ترد كيد الشيطان في نحره، وتستمر في القراءة ولا تنقطع أبداً واجتهد في تعلم الأحكام على يد شيخ متقن، وضع نصب عينيك حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به (١) مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران " (٢). (ويمكنك إذا كنت لا تجيد قراءة القرآن أن تذهب إلى أقرب مسجد لتتعلم فيه كيفية التلاوة، وهناك طريقة سهلة، وهي أنك تأتي بشرائط القرآن المرتل، ثم تتابع مع الشريط في المصحف. وإذا لم يكن في إمكانك الحصول على تلك الشرائط، فيمكنك أن تسمع إلى محطة القرآن الكريم وتتابع مع القارئ في المصحف أيضاً.) (٣).

стр. 81

المبحث الثالث أحاديث ضعيفة للتحذير منها أولاً: أحاديث ضعيفة في فضل القرآن ثانياً: أحاديث ضعيفة في فضل قراءة القرآن عند المقابر ثالثاً: أحاديث ضعيفة في فضائل السور رابعاً: دعاء الحفظ الضعيف هذه بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضائل قراءة القرآن وسوره، اشتهرت بين الناس، وتداولها كثير من الوعاظ والخطباء على أنها صحيحة، نذكرها: بياناً لحالها من الضعف والوضع، حتى يكون الناس على بينة من ذلك؛ لأن في الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك ما يغني عن الضعيف والموضوع، وتحذيراً من القول على الرسول ﷺ بغير علم، فقد قال ﷺ : «مَنْ كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار»، وقال أيضاً: «مَنْ يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار». أولاً: أحاديث ضعيفة في فضل القرآن ١ - عن علي بن أبي طالب مرفوعاً: «من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله، وحرم حرامه، أدخله الله الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته، كلهم قد استوجب النار». (ضعيف جداً) ضعيف ابن ماجه (٣٨)، ضعيف الترمذي (٥٥٣) وضعيف الجامع (٥٧٦١)، المشكاة (٢١٤١). ٢ - عن سهل بن معاذ مرفوعاً: «مَنْ قرأ القرآن وعَمِلَ بما فيه، أُلبس والده تاجاً يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم،

стр. 82

فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟» (ضعيف) ضعيف أبي داود (٣١٥)، ضعيف الجامع (٥٧٦٢)، المشكاة (٢١٣٩). ٣ - عن أبي أمامة الباهلي مرفوعاً: «مَنْ قرأ ربع القرآن فقد أُوتِيَ ربع النبوة، ومَنْ قرأ ثُلُثَ القرآن فقد أُوتِيَ ثلث النبوة، ومَنْ قرأ ثلثي القرآن فقد أوتي ثلثي النبوة، ومن قرأ القرآن فقد أوتي النبوة». (موضوع) السلسلة الضعيفة (٤٧٦). ٤ - عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «يقول الله : (مَنْ شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) ". (ضعيف) ضعيف الترمذي (٥٦٢)، ضعيف الجامع (٦٤٣٥)، السلسلة الضعيفة (١٣٣٥)، المشكاة (٢١٣٦). ٥ - عن سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: «اقرءوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا ..» جزء من حديث ضعيف ابن ماجه (٢٨١)، ضعيف الجامع (٢٠٢٥). ٦ - عن حذيفة مرفوعاً: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق، فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم». (ضعيف) ضعيف الجامع (١٠٦٧). ٧ - عن أنس مرفوعاً: «مَنْ جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت». (موضوع) السلسلة الضعيفة (٢٧١). ٨ - عن أنس مرفوعاً: «عُرضت عليَّ أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». (ضعيف) ضعيف الترمذي (٥٥٨)،

стр. 83

ضعيف أبي داود (٧١)، ضعيف الجامع (٣٧٠٠). ٩ - عن سعد بن عبادة مرفوعاً: «ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه، إلا لقي الله يوم القيامة أجذم». أجذم: مقطوع اليدين. (ضعيف) ضعيف أبي داود (٣١٧)، ضعيف الجامع (٥١٥٣)، المشكاة (٢٢٠٠). ١٠ - عن ابن عباس مرفوعاً: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب». (ضعيف) ضعيف الترمذي (٥٥٧) المشكاة (٢١٣٥). ١١ - عن ابن عباس قال: (قال رجل: يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الحال المرتحل». قال: وما الحال المرتحل؟ قال: «الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره. كلما حلَّ ارتحل». (ضعيف الإسناد) رواه الترمذي ح (٢٩٤٨) وقال: (هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه وإسناده ليس بالقوي)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي. قال الإمام ابن القيم ﵀: (فهم من هذا بعضهم أنه إذا فرغ من ختم القرآن، قرأ فاتحة الكتاب وثلاث آيات من سورة البقرة؛ لأنه حلَّ بالفراغ، وارتحل بالشروع. وهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا استحبه أحد من الأئمة (١). ثانياً: أحاديث ضعيفة في فضل قراءة القرآن عند المقابر ١ - " مَنْ دخل المقابر فقرأ سورة (يس) خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات ". (حديث لا أصل له في شيء من كتب السنة)، السلسلة الضعيفة (١٢٤٦).

стр. 84

٢ - «اقرءوا (يّس) على موتاكم». (ضعيف بل منكر)، ضعيف أبي داود رقم (٦٨٣)، أحكام الجنائز ص (٢٠). ٣ - "مَنْ مَرَّ بالمقابر فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أُعْطِيَ من الأجر بعدد الأموات". حديث (باطل موضوع) أحكام الجنائز ص (٢٤٥). ٤ - قال الشعبي: "كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرءون القرآن ". (ضعيف الإسناد). أحكام الجنائز ص (٢٤٤). ٥ - "ما من مؤمن ولا مؤمنة يقرأ آية الكرسي ويجعل ثوابها لأهل القبور إلا لم يبق على وجه الأرض قبر إلا أدخل الله فيه نوراً، ووسِّعَ قبره من المشرق إلى المغرب، وأعطاه الله بعدد كل مَلَك في السموات عشر حسنات، وكتب الله للقارئ ثواب سبعين شهيداً " (موضوع). ثالثاً: أحاديث ضعيفة في فضائل السور ١ - سورة الفاتحة عن أبي أيوب مرفوعاً: "لمَّا نزلت ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وآية الكرسي و ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ و ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ إلى ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تعلقن بالعرش وقلن: أنزلتنا على قوم يعملون بمعاصيك؟ فقال: "وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يتلوكن عبد دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان فيه وأسكنته جنة الفردوس ونظرت إليه كل يوم سبعين مرة وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة " (موضوع) السلسلة الضعيفة (٦٩٩).

стр. 85

٢ - سورة البقرة عن أبي هريرة مرفوعاً: "كل شيء سنام، وإن سنام القرآن البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي " (ضعيف) السلسلة الضعيفة (٤٦٣٣) ضعيف الجامع (٥٧٧١). ٣ - سورة آل عمران عن ابن عباس مرفوعاً: "مَنْ قرأ السورة التي يذكر فيها (آل عمران) يوم الجمعة، صلَّى الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس". (موضوع) السلسلة الضعيفة (٤١٥)، ضعيف الجامع (٥٧٥٩). ٤ - سورة الكهف عن أبي الدرداء مرفوعاً: "مَنْ قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عُصِمَ من الدجال ". (شاذ) والمحفوظ (عشر آيات). ضعيف الترمذي (٥٤٢) ضعيف الجامع (٥٧٦٥). عن ابن عمر مرفوعاً: "مَنْ قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين". (إسناده غريب) تمام المنة (ص ٣٢٤/ ٣٢٥). ٥ - سورة الرحمن " لكل شيء عروس، وعروس القرآن الرحمن ". (منكر) السلسلة الضعيفة (١٣٥٠). ٦ - سورة يّس عن أنس مرفوعاً "إن لكل شيء قلباً وإن قلب القرآن يّس، مَنْ قرأها فكأنما

стр. 86

قرأ القرآن عشر مرات". (موضوع) ضعيف الترمذي (٥٤٣) السلسلة الضعيفة (١٦٩)، ضعيف الجامع (٥٧٨٥). ٧ - سورة الدخان عن أبي هريرة مرفوعاً: "مَنْ قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف مَلَك ". (موضوع) ضعيف الترمذي (٥٤٤)، ضعيف الجامع (٥٧٦٦). وعنه أيضاً مرفوعاً: "مَنْ قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غُفِرَ له ". (ضعيف جداً) ضعيف الترمذي (٥٤٥)، السلسلة الضعيفة (٤٦٣٢)، ضعيف الجامع (٥٧٦٧). ٨ - سورة الواقعة عن ابن مسعود مرفوعاً: "مَنْ قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً". (ضعيف)، السلسلة الضعيفة (٢٨٩، ٢٩٠، ٢٩١)، ضعيف الجامع (٥٧٧٣). ٩ - سورة الحشر عن أبي أمامة مرفوعاً: "مَنْ قرأ خواتيم الحشر من ليل أو نهار فَقُبِضَ في ذلك اليوم أو الليلة فقد أوجب الجنة ". (ضعيف جداً) السلسلة الضعيفة (٤٦٣١)، ضعيف الجامع (٥٧٧٠). عن معقل بن يسار مرفوعاً: "مَنْ قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وَكَّل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيداً، ومَنْ قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة " (ضعيف)، ضعيف الترمذي (٥٦٠)، ضعيف الجامع (٥٧٣٢).

стр. 87

١٠ - سورة الإخلاص والمعوذتين عن أنس مرفوعاً: "مَنْ قرأ كل يوم مائتي مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُحِيَ عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دَيْن ". (ضعيف) ضعيف الترمذي (٥٥١)، السلسلة الضعيفة (٣٠٠)، ضعيف الجامع (٥٧٨٣). عن أنس مرفوعاً: «مَنْ قرأ في يوم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ سبع مرات، أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى». (ضعيف) السلسلة الضعيفة (٤٦٣٠) وضعيف الجامع (٥٧٦٤). رابعاً: دعاء الحفظ الضعيف عن ابن عباس ﵄ أنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه علي بن أبي طالب فقال: بأبي أنت وأمي! تفلت هذا القرآن من صدري، فما أجدني أقدر عليه. فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا الحسن!، أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته، ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ "قال: أجل يا رسول الله! فعلمني. قال: "إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم ثلث الليل الآخر، فإنها ساعة مشهودة، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٩٨) سورة يوسف. يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة. فإن لم تستطع، فقم في وسطها، فإن لم تستطع، فقم في أولها، فصل أربع ركعات، تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة (يس)، وفي الثانية بفاتحة

стр. 88

الكتاب وحم (الدخان)، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل (السجدة) وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب و (تبارك) المفصل فإذا فرغت من التشهد، فاحمد الله، وأحسن الثناء على الله، وصلَّ عليَّ وأحسن، وعلى سائر النبيين، واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان، ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبداً ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني. اللهم بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام ... إلى أن قال: يا أبا الحسن! تفعل ذلك ثلاث جُمَع، أو خمساً، أو سبعاً، تُجَب بإذن الله، والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمناً قط". قال ابن عباس: فوالله ما لبث علي إلا خمساً، أو سبعاً، حتى جاء رسول الله ﵌ في مثل ذلك المجلس، فقال: يا رسول الله! إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات ونحوهن، فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن، وأنا أتعلم اليوم أربعين آية ونحوها، فإذا قرأتها على نفسي، فكأنما كتاب الله بين عيني، ولقد كنت أسمع الحديث، فإذا أردته تفلت، وأنا اليوم أسمع الأحاديث، فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفاً. فقال رسول الله ﵌ عند ذلك: "مؤمن ورب الكعبة أبا الحسن ". (حديث موضوع) السلسلة الضعيفة (٣٣٧٤) نقلاً من كتاب ضعيف سنن الترمذي حديث رقم (٧١٩).

стр. 89

الفصل الخامس آداب وأحكام تلاوة القرآن الكريم وفيه أحد عشر مبحثاً: ١ - آداب تلاوة القرآن الكريم. ٢ - صفة قراءة النبي ﷺ للقرآن. ٣ - في كم يقرأ القرآن؟ ٤ - أيهما أفضل القراءة من المصحف أم عن ظهر قلب؟ ٥ - أيهما أفضل الجهر بالقراءة أم الإسرار؟ ٦ - هل يجوز مس المصحف على غير طهارة؟ ٧ - هل يجوز قراءة القرآن للجنب والحائض؟ ٨ - سجود التلاوة وأحكامه. ٩ - حكم نسيان القرآن. ١٠ - حكم تقليد صوت القارئ. ١١ - حكم القراءة من المصحف في صلاة التراويح.

стр. 90

١ - آداب تلاوة القرآن هناك الكثير من الآداب التي ينبغي للقارئ أن يتأدب بها عند تلاوة كتاب الله - تعالى - وسوف نذكر طرفاً منها مجملاً ومن أراد التفصيل فعليه بكتاب (التبيان في آداب حملة القرآن) للإمام النووي ﵀ فإنه قد أجاد في ذلك وأفاض. ١ - الإخلاص: ينبغي للقارئ أن يقصد بتلاوة القرآن رضا الله - تعالى - وما عنده من الأجر والثواب، وأن لا يقصد به توصلاً إلى غرض من أغراض الدنيا من مال، أو رياسة، أو وجاهة، أو ارتفاع على أقرانه، أو ثناء عند الناس، أو صرف وجوه الناس إليه، أو نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٥) سورة البينة. وقال ﷺ : " مَنْ تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة" (١)

стр. 91

٢ - الطهارة: يستحب للقارئ أن يقرأ القرآن وهو على طهارة فإن قرأ مُحْدِثاً جاز بإجماع المسلمين والأحاديث فيه كثيرة معروفة، قال إمام الحرمين: ولا يقال ارتكب مكروهاً ولكن تارك للأفضل. ٣ - السواك: يستحب للقارئ أن ينظف فاه بالسواك لأنه (مطهرة للفم ومرضاة للرب) (١). ٤ - نظافة المكان: يستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار ولهذا استحب جماعة العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعاً للنظافة وشرف البقعة أما القراءة في الطريق وعلى الراحلة ونحو ذلك فالصحيح أنها جائزة غير مكروهة إذا لم ينشغل القارئ عن قراءته، فإن انشغل عنها يكره مخافة الخلط. ٥ - استقبال القبلة: يستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة ويجلس متخشعاً بسكينة ووقار، وهذا هو الأكمل، ولو قرأ قائماً أو مضطجعاً أو في فراشة أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر ولكنه دون الأول. ٦ - الاستعاذة والبسملة: فإن أراد الشروع في القراءة استعاذ بأي صيغة من صيغ التعوذ الواردة لقوله

стр. 92

تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩٨) سورة النحل. ٧ - الترتيل: وينبغي أن يرتل قراءته لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤) سورة المزمل. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١٢١) سورة البقرة. وذلك لأن الترتيل أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيراً في القلب ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب. ٢ - صفة قراءة النبي ﷺ للقرآن قال الإمام ابن القيم ﵀ في هديه ﷺ في قراءة القرآن: (كان له ﷺ حزب يقرأه، ولا يخل به (١)، وكانت قراءته ترتيلاً، لا هذاً (٢) ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفاً (٣)، وكان يقطع قراءته آية آية (٤)،وكان يمد حروف

стр. 93

المد، فيمد الرحمن ويمد الرحيم (١)، وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول قراءته، وربما كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه، ونفثه " (٢) وكان تعوذه قبل القراءة .. وكان يقرأ القرآن قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً، ومتوضئاً، ومحدثاً، ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة (٣) وكان ﷺ يتغنى به، ويرجع صوته به أحياناً كما رجع يوم الفتح في قراءته ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١) سورة الفتح. وحكى عبد الله بن المغفل ترجيعه آآ آثلاث مرات، ذكره البخاري ... وهذا الترجيع منه ﷺ كان اختياراً لا اضطراراً لهز الناقة له) (٤). هديه ﷺ في القراءة في الصلاة: ١ - كان ﷺ يطيل القراءة في الركعة الأولى أكثر من الثانية. ٢ - كان يبتدئ من أول السورة ويكملها في أغلب أحواله، وتارة يقسمها في ركعتين، وتارة يعيدها كلها في الركعة الثانية، وأحياناً يجمع في الركعة بين السورتين أو أكثر، وكان يقرن النظائر (٥) من المفصل كثيراً. ٣ - وكان يطيل القراءة أحياناً، ويقصرها أحياناً أخرى، وربما لعارض سفر

стр. 94

أو سعال أو مرض أو بكاء صبي. ٤ - وكانت تختلف قراءته باختلاف الصلوات، ولم يكن يلتزم سورة معينة في صلاة معينة في كثير من الأحوال غير صبح الجمعة فإنه كان يقرأ فيها ﴿الم * تنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١ - ٢) سورة السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ (١) سورة الإنسان (١)، وصلاة الجمعة والعيدين. ٥ - وكان يجهر بالقراءة في صلاة الصبح والجمعة والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، والأوليين من صلاة المغرب والعشاء، ويُسر بها في صلاة الظهر والعصر، وربما كان يسمعهم فيها الآية والآيتين وكان يسر تارة ويجهر أخرى في صلاة الليل. ٦ - وكان يطيل في صلاة الفجر ما لا يطيل في غيرها في سائر الصلوات ثم الظهر ثم العصر والعشاء، ثم المغرب غالباً.

стр. 95

أما عن هديه ﷺ في القراءة في الصلوات فهو كالآتي: ١ - صلاة الفجر: كان ﷺ يقرأ فيها أحياناً بطوال المفصل فربما قرأ الواقعة أو الطور أو ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وربما قرأ ما بين الستين إلى المئة آية في الركعة أو الركعتين، وربما قرأ بقصار المفصل مثل ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. ٢ - صلاة الظهر: كان يطيلها أحياناً حتى أنه كانت تقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته ثم يأتي والرسول ﷺ في الركعة الأولى مما يطولها، وربما قرأ قدر الثلاثين آية في الركعتين، وأحياناً كان يقرأ بـ ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها من السور. ٣ - صلاة العصر: وكانت قراءته فيها على النصف تقريباً من صلاة الظهر أي قدر خمس عشرة آية في كل ركعة أو في الركعتين جميعاً. ٤ - صلاة المغرب: كان يقرأ فيها أحياناً بقصار المفصل حتى إنه لينصرف الواحد منهم ليبصر مواقع نبله وكان يقرأ أحياناً ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وأحياناً بطوال المفصل وأواسطه، فربما قرأ بالطور، والمرسلات قرأ بها في آخر صلاة صلاها، وكان أحياناً يقرأ بطولى الطوليين (الأعراف). ٥ - صلاة العشاء: كان يخفف فيها ما لا يخفف في غيرها، وكان ينهى عن إطالة القراءة فيها كما في حديث معاذ بن جبل، فتارة يقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وأشباهها من السور، وتارة ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ وكان يسجد بها. ٦ - صلاة الجمعة: كان يقرأ فيها أحياناً بـ الجمعة والمنافقون، وتارة الجمعة والغاشية , وأحياناً الاعلى والغاشية.

стр. 96

٧ - صلاة العيدين: كان يقرأ فيها أحياناً ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والغاشية أو ﴿ق﴾ والقمر. ٣ - في كم يقرأ القرآن ؟ (١) أخرج الإمام البخاري في صحيحه في كتاب فضائل القرآن باب في كم يقرأ القرآن وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وأورد تحته حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " اقرأ القرآن في شهر " قلت: إني أجد قوة ... حتى قال: اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك " (٢). وأخرج أبوداود أن عبد الله بن عمرو سأل النبي ﷺ في كم يقرأ القرآن؟ قال: "في أربعين يوماً " ثم قال: " في شهر " ثم قال: " في عشرين " ثم قال: " في خمس عشرة " ثم قال: " في عشر " ثم قال: " في سبع " (٣). وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يفقه مَنْ قرأ القرآن في أقل من ثلاث " (٤).

стр. 97

قال الإمام النووي ﵀: (وكان السلف ﵃ لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه، فروى ابن أبي داود عن بعض السلف ﵃، أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة، وعن بعضهم في كل خمس ليال، وعن بعضهم في كل أربع ليال، وعن كثيرين في كل ثلاث ليال. وعن بعضهم ليلتين. وعن بعضهم في كل ليلة واحدة) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: (قوله: (باب في كم يقرأ القرآن) وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ كأنه أشار إلى الرد على من قال: أقل ما يجزئ من القراءة في كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءاً من القرآن، وهو منقول عن إسحق بن راهوية والحنابلة، لأن عموم قوله تعالى ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ يشمل أقل من ذلك، فمن ادَّعى التحديد فعليه البيان) (٢). وفي فتاوى اللجنة الدائمة: (ويشرع أن لا يتجاوز في ختمه للقرآن شهراً؛ لفعل السلف، ولكن لو ختمه في أكثر من شهر لا يُعد هاجراً لتلاوة القرآن). (٣) قال الإمام النووي ﵀: (الاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان من أهل الفهم والتدقيق استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني وكذا من كان له شغل

стр. 98

بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة استحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرأه هزرمة. والله أعلم) (١) وينبغي للمسلم ألا يقرأ القرآن في أقل من ذلك لقوله ﷺ : " لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ذلك " (٢). قال أبوالطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي ﵀: (وهذا نص صريح في أنه لا يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام) (٣). وقال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط: (أقول: هذا هو الصواب الموافق للسنة) (٤). وأما ما ورد عن السلف في ختمهم للقرآن في أقل من ذلك مثل: ما ورد عن عثمان بن عفان ﵁ أنه جمع القرآن في ركعة يوتر بها وروى عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة وتميم الداري وغيرهم من العلماء والصالحين. فهذا يحمل على ما ذكره ابن كثير في فضائل القرآن: فهذا وأمثاله محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفقهون، ويتفكرون فيما يقرءونه مع هذه السرعة، والله أعلم) (٥).

стр. 99

وقال العلامة الألباني ﵀: (ولقد أحسن الإمام الترمذي برواية هذا الخبر والذي بعده (خبر عثمان، وسعيد) بصيغة التضعيف، لأن الركعة مهما طالت لا يمكن أن يقرأ فيها القرآن الكريم كاملاً، فضلاً عما في ذلك من مخالفته لسنة رسول الله ﷺ في الركوع والسجود والقيام، وحاشا لسيدنا عثمان أن يفعل مثل ذلك) (١). وقال سماحة العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: (... وبعض السلف قال: إنه يستثنى من ذلك أوقات الفضائل وأنه لا بأس أن يختم كل ليلة أو في كل يوم كما ذكروا هذا عن الشافعي وعن غيره، ولكن ظاهر السنة أنه لا فرق بين رمضان وغيره وأنه ينبغي له أن لا يعجل وأن يطمئن في قراءته وأن يرتل كما أمر النبي ﵊ عبد الله بن عمرو فقال: "اقرأه في سبع " هذا آخر ما أمره به، وقال: " لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث "، ولم يقل إلا في رمضان، فحمله بعض السلف هذا على غير رمضان محل نظر. والأقرب - والله أعلم - أن المشروع للمؤمن أن يعتني بالقرآن ويجتهد في إحسان قراءته وتدبر القرآن والعناية بالمعاني ولا يعجل، والأفضل أن لا يختم في أقل من ثلاث، هذا هو الذي ينبغي حسب ما جاءت به السنة ولو في رمضان) (٢) والخلاصة: مما سبق يتضح أن الأفضل للمسلم أن لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث لحديث النبي ﵊ وأن لا يزيد عن شهر لفعل السلف الصالح رضوان الله عليهم.

стр. 100

٤ - أيهما أفضل القراءة من المصحف أم عن ظهر قلب ؟ قال الإمام النووي ﵀: (قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب، لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة فتجتمع القراءة والنظر هكذا قاله القاضي حسين من أصحابنا وأبوحامد الغزالي وجماعة من السلف؛ ونقل الغزالي في الإحياء أن كثيرين من الصحابة ﵃ كانوا يقرأون من المصحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف وروي ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثيرين من السلف ولم أر فيه خلافاً، ولو قيل: إنه يختلف باختلاف الأشخاص فيختار القراءة في المصحف لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة في المصحف وعن ظهر قلب، ويختار القراءة عن ظهر القلب لمن لم يكمل بذلك خشوعه ويزيد على خشوعه وتدبره لو قرأ من المصحف لكن هذا قولاً حسناً والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل) (١). ٥ - هل الجهر بالقراءة أفضل أم الإسرار ؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: الجهر أفضل. الثاني: الإسرار أفصل. الثالث: التفصيل وهو ما نميل إليه. قال أبوحامد الغزالي ﵀: (فالوجه في الجمع في هذه الأحاديث أن

стр. 101

الإسرار أبعد عن الرياء والتصنع فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه، فإن لم يخف ولم يكن في الجهر ما يشوش الوقت على مصلٍ آخر، فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته من اللازم، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه، ويصرف إليه سمعه، ولأنه يرجو بجهره تيقظ نائم فيكون هو سبب إحيائه، ولأنه قد يراه بَطَّال غافل فينشط بسبب نشاطه ويشتاق إلى الخدمة، فمتى حضره شيء من هذه النيات، فالجهر أفضل، وإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر، وبكثرة النيات تزكو أعمال الأبرار، وتتضاعف أجورهم، فإن كان في العمل الواحد عشر نيات، كان فيه عشر أجور) (١). وفي فتاوى اللجنة الدائمة: (يراعى فيه الأصلح للقارئ من الجهر أو الأسرار مما يجمع قلبه على القراءة وتدبر معاني ما يتلوه من معاني القرآن الكريم. (٢) ٦ - هل يجوز مس المصحف على غير طهارة ؟ ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز مس المصحف للمحدث مطلقاً سواء أكان حدثاً أصغر أو حدثاً أكبر فمنعوا غير المتوضئ والجنب والحائض والنفساء من مس المصحف؛ واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩) سورة الواقعة، وقوله ﷺ : " لا يمس القرآن إلا طاهر " (٣).

стр. 102

وفعل الصحابة ﵃ ومنهم سعد بن أبي وقاص كما رواه الإمام مالك في الموطأ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص؛ أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت. فقال سعد: لعلك مسست ذكرك؟ قال: فقلت نعم. فقال: قم، فتوضأ. فقمت، فتوضأت، ثم رجعت. وأجاب عن ذلك القائلون بالجواز بأن الاستدلال بالآية الكريمة لا يسلم للقائلين بالمنع وذلك لأن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن الضمير في الآية في قوله: ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ المقصود به الكتاب المكنون الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة، وهذا ما يشعر به سياق الآيات الكريمة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. أما الحديث " لا يمس القرآن إلا طاهر " فلفظ " طاهر " لفظ مشترك، يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولابد لحمله على معين من قرينه، والأحاديث التي احتجوا بها في المنع لا يثبت منها شيء. قال الإمام ابن حزم ﵀: (وأما مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه فإنه لا يصح

стр. 103

منها شيء لأنها إما مرسلة وإما صحيفة لا تسند وإما عن مجهول وإما عن ضعيف) (١) والذي نراه أن رأي الجمهور أولى وأحوط. والله أعلم. ٧ - هل يجوز قراءة القرآن للجنب والحائض ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما قراءة الجنب والحائض للقرآن فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: قيل: يجوز لهذا ولهذا، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد. وقيل: لا يجوز للجنب، ويجوز للحائض. إما مطلقاً أو إذا خافت النسيان. وهو مذهب مالك وقول في مذهب أحمد وغيره. فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي فيه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: " لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً " (٢) وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة. بخلاف روايته عن الشاميين، ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات، ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين. وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك

стр. 104

بمزدلفة ومنى، وغير ذلك من المشاعر) (١). وإذا ثبت جواز القراءة للحائض، فإنه يثبت للجنب كذلك، وأما التفريق بينهما فلا دليل عليه. وأورد الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الحيض: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت. وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية. ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً. وكان النبي ﷺ يذكر الله في كل أحيانه ... قال الحافظ ابن حجر ﵀: (والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعاً لابن بطال وغيره: أن مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة ﵂؛ لأنه ﷺ لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء، ولم تُمْنَع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب لأن حدثها أغلظ من حدثه، ومنع القراءة إذا كان لكونه ذكراً لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبداً فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل كما سنشير إليه، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود بعموم حديث: " كان يذكر الله على كل أحيانه" لأن الذكر أعم أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فُرِّقَ بين الذكر والتلاوة بالعرف ... وأما حديث علي ﵁: (كان رسول الله ﷺ لا يحجبه عن القراءة

стр. 105

شيء ليس الجنابة) رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة (١)، لكن قيل: في الاستدلال به نظر لأنه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه، وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعاً بين الأدلة) (٢). والخلاصة: أنه لم يثبت في منع الحائض أو الجنب من القراءة حديث صحيح صريح، فيبقى الأمر على البراءة الأصلية، وعلى الرغم من هذا فإننا نرى أن الأولى أن يكون الإنسان على طهارة لقوله ﷺ : " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " (٣). ٨ - سجود التلاوة هل يشترط لسجود التلاوة طهارة؟ وهل يُكبَّر إذا خفض ورفع سواء كان في الصلاة أو خارجها؟ وماذا يُقال في هذا السجود؟ وهل ما ورد من الدعاء صحيح؟ وهل يشرع السلام من هذا السجود إذا كان خارج الصلاة؟ الجواب: قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: (سجود التلاوة لا تشترط له الطهارة في أصح قولي العلماء وليس فيه تسليم ولا تكبير عند

стр. 106

الرفع منه في أصح قولي أهل العلم. ويشرع فيه التكبير عند السجود لأنه قد ثبت من حديث ابن عمر ﵄ ما يدل على ذلك. أما إذا كان سجود التلاوة في الصلاة فإنه يجب فيه التكبير عند الخفض والرفع لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في الصلاة في كل خفض ورفع وقد صح عنه ﷺ أنه قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) ويشرع في سجود التلاوة من الذكر والدعاء ما يشرع في سجود الصلاة لعموم الأحاديث ومن ذلك: " اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين " (٢) روى ذلك مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه كان يقول هذا الذكر في سجود الصلاة وروى عن النبي ﷺ أنه دعا في سجود التلاوة بقوله: " اللهم اكتب لي بها عندك أجراً وامح عني بها وزراً واجعلها لي عندك ذخراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇ " (٣). والواجب في ذلك قوله: (سبحان ربي الأعلى) كالواجب في سجود الصلاة. ومازاد عن ذلك من الذكر والدعاء فهو مستحب، وسجود التلاوة في الصلاة، وخارجها سنة وليس بواجب لأنه ثبت عن النبي ﷺ من حديث زيد بن ثابت ما

стр. 107

يدل على ذلك (١) وثبت عن عمر ﵁ ما يدل على ذلك أيضاً. (٢) والله ولي التوفيق (٣). حكم سجود التلاوة في الأوقات المكروهة: قال الإمام الشوكاني ﵀: (روي عن بعض الصحابة أنه يكره سجود التلاوة في الأوقات المكروه، والظاهر عدم الكراهة، لأن السجود المذكور ليس بصلاة والأحاديث الواردة بالنهي مختصة بالصلاة) (٤) سجود المستمع لسجود القارئ: من استمع إلى قارئ، فقرأ آية فيها سجدة؛ فالمستحب ألا يسجد المستمع حتى يسجد القارئ، لأنه بمثابة الإمام، وأما إن لم يسجد القارئ فلا يسجد المستمع. قال ابن مسعود لتميم بن حذلم - وهو غلام - فقرأ عليه سجدة فقال: اسجد، فأنت إمامنا فيها (٥).

стр. 108

وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته) (١). وفرق بعض العلماء بين السامع والمستمع، لما ورد من الآثار ما يفيد ذلك، ومنها: قال عثمان بن عفان ﵁: (إنما السجدة على من استمعها) (٢). وعن سعيد بن المسيب أن عثمان مَرَّ بقاصٍ فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال عثمان: (إنما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد)، وعنه أيضاً أنه قال: قال عثمان: (إنما السجدة على مَنْ جلس لها واستمع) (٣) وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (مَرّ سلمان على قوم قعود فقرأوا السجدة فسجدوا، فقيل له، فقال: ليس لهذا غدونا) (٤) قال الشافعي في البويطي: (لا أؤكده - السجود - على السامع؛ كما أؤكده على المستمع) (٥) قال الإمام النووي ﵀: إذا سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء به، وله الرفع من السجود قبله) (٦).

стр. 109

٩ - حكم نسيان القرآن وردت آثار كثيرة تحث على تعاهد القرآن، والأمر باستذكاره وتلاوته، كما وردت آثار أخرى تحذر من نسيانه، والغفلة عنه، ومن ذلك حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت" (١). وحديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: " تعاهدوا القرآن، والذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عُقلها " (٢) قال الحافظ ابن حجر: (الإبل المعقلة): أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير، شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الفرار، فما زال التعاهد موجوداً فالحفظ موجود كما أن البعير مادام مشدوداً بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفوراً، وفي تحصيلها بعد استكمان نفورها صعوبة). (٣) واختلف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، وأخرج أبوعبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً قال: (ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٣٠) سورة الشورى.

стр. 110

وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب)، ومن طريق أبي العالية موقوفاً: (كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه)، وإسناده جيد، ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه، ويقولون فيه قولاً شديداً. وقال الإمام القرطبي ﵀: (مَنْ حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخلَّ بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد) (١). وقال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (١٢٤ - ١٢٦) سورة طه. (أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها كذلك اليوم نعاملك معاملة من نسيك ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٥١) سورة الأعراف. فإن الجزاء من جنس العمل، وأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه فليس داخلاً في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعداً عليه من جهة
следующие страницы →