← Акыда

Акыда · id 17068

الله يحدث عباده عن نفسه

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (277 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٧٣ - ٩٩].

стр. 107

ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات الحقُّ: ضد الباطل, وخلق السموات والأرض بالحقِّ, خلقهما لمقصد صحيح, فقد خلقهما ربُّ العزَّة ليعبد. الصور: بوق عظيم, ينفخ فيه إسرافيل ﵇, فتقوم الساعة, ثمَّ ينفخ فيه أخرى, فيقوم الناس لربِّ العالمين. فالق الحبِّ والنوى, أي: شاقُّهما بالإنبات. مخرج الحيَّ من الميت ومخرج الميت من الحيِّ: يخرج النبتة الحيَّة من الحبَّة الميتة, ويخرج الحبَّة الميتة من النبتة الحيَّة. أنَّى تؤفكون, أي: كيف تصرفون عن الحقِّ. فالق الإصباح: فالق ظلام الليل عن غُرة الصبح. جعل الليل سكناً, أي: جعله ليسكن فيه للراحة. والشمس والقمر حسباناً, أي: يجريان بحسابٍ مقدَّرٍ مُقنَّن. فمستقرٌّ ومستودع: المستقرٌّ: الأرحام, والمستودع: أصلاب الرجال. خضرًا: الخضرة التي تكون بالنبات. متراكبًا, أي: بعضه فوق بعض. طلعها: الطلع أول ما يرى من عِذق النخلة. قنوانٌ دانيةٌ: قطوف قريبة.

стр. 108

رابعًا: شرح آيات هذا الموضع هذه الآيات الكريمات تعرفنا بربِّنا ﵎ على النحو التالي: ١ - الله تعالى هو خالق السموات والأرض: الله وحده الذي خلق السموات والأرض, لا يشركه في ذلك أحد, وهما من أعظم المخلوقات, وفيهما ما لا يحصى من الآيات, وكان أهل الجاهلية يقرِّون بتفرد الله بخلق السموات والأرض وحده, ولا يجادلون في ذلك, ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾. ٢ - يوم يقول كن فيكون: في يوم القامة يقول ربُّ العزَّة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقّ﴾ أي: يقول ليوم البعث والنشور: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: يكون كما يريده الله و ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْك﴾ أي: قوله ﵎ الحق الذي لا باطل فيه, وله الملك الذي لا نقص فيه, وفي ذلك اليوم ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾ البوق العظيم الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇, فتقوم الساعة, ثم ينفخ فيه مرَّة أخرى, فإذا هم قيام ينظرون. ٣ - عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير: عرَّفنا ربنا في خاتمة هذه الآية الكريمة بثلاث من صفاته الكريمة, فقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير﴾ فهو سبحانه وتعالى

стр. 109

عالم الغيب, وهو ما غاب عنَّا من أمره تعالى وأمر هذا الكون, وأمر ما فيه من مخلوقات, وعالم ما نشاهده من هذه الحياة, وهو الحكيم سبحانه في تشريعه, والحكيم في أفعاله, وهو سبحانه الخبير بكلِّ شيءٍ, لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ٤ - الله - سبحانه - فالق الحبِّ والنوى: أخبرنا الله - تعالى - عن نفسه أنَّه ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُون﴾ [الأنعام: ٩٥] أعلمنا أنَّه يفلق حبَّ القمح والشعير والذرة ونحوها, ويفلق نوى التَّمر والخوخ والدراق ونحوها عندما تندثر في التراب, وينزل عليها الماء, فيخرج من الحبوب النبات, ومن النَّوى الأشجار, وقد فسَّر الله تعالى فلقه للحبِّ والنَّوى بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ فمن الحبِّ والنوى الميت تخرج النَّبتة الحيَّة والشجرة الحيَّة, ومن النَّبتة الحيَّة, والشجرة الحية تخرج الحبوب والثمار الصلدة القاسية, ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ هذا هو ربُّنا ﵎ الذي يستحقُّ أن يعبد دون غيره, فكيف تصرفون عن الحقِّ بعد هذا البيان. وفي هذا الذي أخبرنا به سبحانه - عن نفسه في هذه الآية حجَّة على المكذبين بالبعث والنشور, فالقادر على أن يفعل هذا بالنبات, قادرٌ على إحياء الناس بعد موتهم.

стр. 110

٥ - الله سبحانه فالقُ الإصباح: عرَّفنا ربُّنا على ثلاثة من أفعاله تدلُّنا عليه سبحانه ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانً﴾ [الأنعام: ٩٦]. أخبرنا ربُّنا أنه: «يفلق ظلام الليل عن غرَّة الصباح, فيضيء الوجود, ويستنير الأفق, ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه, ويجيء النهار بضيائه وإشراقه» [ابن كثير: ٣/ ٦١]. وقد بيَّن سيد قطب رحمه الله تعالى العلاقة بين فلق الله الإصباح وفلقه الحبَّ والنوى, فقال: «وانفلاق الإصباح من الظلام حركة تشبه في شكلها انفلاق الحبّة والنواة, وانبثاق النُّور في تلك الحركة, كانبثاق البرعم في هذه الحركة, وبينهما من مشابه الحركة والحيوية والبهاء والجمال سمات مشتركةٌ, ملحوظةٌ في التعبير عن الحقائق المشتركة في طبيعتهما وحقيقتهما كذلك. وبين انفلاق الحبِّ والنوى وانفلاق الإصباح وسكون الليل صلةٌ أخرى, إنَّ الإصباح والإمساء, والحركة والسكون في هذا الكون أو في هذه الأرض ذات علاقةٍ مباشرة بالنبات والحياة» [في ظلال القرآن: ٢/ ١١٥٧]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي جعل الله الليل الذي يغشى الأرض بظلامه ليسكن فيه الناس سكون راحةٍ, كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧].

стр. 111

وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: يجريان بحساب مقدَّرٍ مقنَّنٍ, لا يتغيَّر, ولا يضطرب, بل كلُّ منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء, فيترتَّب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً وقصراً ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] والحسبان جمع حسابٍ, مثل ركبانٍ وركاب, وشهبان وشهاب, وقوله ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] أي: هذا الذي ذكره سبحانه من فلقه الإصباح, وجعله الليل سكناً, وجعله الشمس والقمر حسباناً هو تقدير الله سبحانه الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف, العليم بكلِّ شيءٍ فلا يخفى عنه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. ٦ - جعل الله لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر: أعلمنا الله - تعالى - أنه جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البرِّ والبحر ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وهذا مما امتنَّ الله به علينا في خلقه النجوم لنا, فسالكو القفار وراكبو البحار يهتدون بها في ظلمة الليل. وختم سبحانه الآية بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] أي: قد بيَّنا الآيات التي سبق ذكرها, لقوم يعلمون شرع الله, ليتدبروها ويعرفوا الحق ويتجنبوا الباطل.

стр. 112

٧ - أنشأ الله تعالى البشر كلَّهم من نفس واحدة: امتنَّ الله علينا نحن البشر بخلقنا من نفسٍ واحدةٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأنعام: ٩٨] والنفس الواحدة التي يعود البشر كلُّهم إليها هي آدم ﵇, فمنه خلق الله زوجه حواء, وخلق بقية البشر من ذكرٍ وأنثى, إلا عيسى ابن مريم, فإنَّه خلق من أنثى هي أمُّه مريم من غير أبٍ, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وقوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] ذهب كثيرٌ من أئمة التفسير كابن مسعودٍ, وابن عباسٍ, وأبي عبد الرحمن السلميِّ, وقيس بن أبي حازمٍ, ومجاهدٍ, وعطاءٍ, وإبراهيم النخعيِّ, والضَّحاك, وقتادة, والسُّديِّ, وعطاءٍ الخراساني إلى أنَّ المستقرَّ: الأرحام, والمستودع: أصلابٌ الرجال [ابن كثير: ٣/ ٦٢]. وقد تقدَّم العلم اليوم واكتشف أنَّ الإنسان يوجد من الخليَّة الملقحة, يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ «إنَّها اللَّمسة المباشرة في هذه المرة. . . , اللمسة في ذات النفس البشرية, النفس البشرية الواحدة. تبدأ الحياة فيها خطوتها الأولى للتكاثر بالخلية الملقحة, فنفسٌ هي مستودعٌ لهذه الخلية في صلب الرجل, ونفسٌ هي مستقرٌ لها في رحم الأنثى. . . , ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار, فإذا أجناسٌ وألوان؛ وإذا شياتٌ ولغاتٌ؛

стр. 113

وإذا شعوبٌ وقبائل؛ وإذا النماذج التي لا تحصى, والأنماط التي ما تزال تتنوع ما دامت الحياة. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ فالفقه هنا ضروريٌّ لإدراك صنع الله في هذه النفس الواحدة, التي تنبثق منها النماذج والأنماط, ولإدراك الموافقات العجيبة الكامنة وراء اتخاذ التلاقح وسيلة للإكثار, وتوفير الأعداد المناسبة دائماً من الذكور والإناث - في عالم الإنسان - لتتم عملية التزاوج التي قدَّر الله أن تكون هي وسيلة الإخصاب والإكثار, ووسيلة تنشئة الأطفال في ظروفٍ تحفظ (إنسانيتهم) وتجعلهم أكفاء للحياة (الإنسانية)!» [في ظلال القرآن: ٢/ ١١٥٩ بشيء من الاختصار]. ٨ - إنزال الله - تعالى - الماء من السماء وإنبات النبات به: حدَّثنا ربُّنا ﵎ عن إنزاله الماء من السماء وما يفعله هذا الماء عندما ترتوي به الأرض, فلو أنَّك مررت بأرضٍ يابسةٍ جرداء, جادها الغيث فروَّاها, ثم مررت به مرةً أخرى بعد فترةٍ ليست بالطويلة, فإنَّك ترى عجباً, ترى تلك الأرض الجرداء أصبحت مُعشوشِبةً خضراء, تراها تنبت, وتزهر, وتخرج حبَّها, وثمرها, ومن يحسن النظر إلى آثار المياه, ويحسن الوصف, يرينا منظراً رائعاً بديعاً, ولا أحد أحسن وصفاً من وصف ربِّ العباد, ومن تأمَّل في وصفه لآثار ما صنع المليك, يرى صورةً مبهجةٍ ذات زينةٍ ورونقٍ, يقول ربُّنا الحكيم العليم: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام: ٩٩] وكلُّ ما علاك فهو سماءٌ, ومن ذلك الغمام الذي ينزل منه الماء,

стр. 114

فأخرج الله سبحانه به نبات كلِّ شيءٍ, أي أخرج به جميع أنواع النبات, فلو أنك نظرت في القطعة الواحدة من الأرض التي غذاها الغيث, فإنَّك تجد فيها ما لا يحصى من النبات على شتى أنواعه وألوانه, وأخرج سبحانه من ذلك النبات خضراً, عبَّر عن الخضرة التي اتَّصف بها النبات بقوله: ﴿خَضِراً﴾ , وخضراً أرقُّ وألطف من كلمة: أخضر. وأخبرنا العليم الخبير سبحانه أنَّه أخرج من ذلك النبات الخضر حباً متراكباً, وهذا الحبُّ المتراكب تراه فيما ينبته القمح والشعير والذرة ونحوها من السنابل, ويخرج من النخيل من طلعها قنوان دانيةٌ, والطَّلع أول ما يرى من عذق النخلة, الواحدة طلعةٌ, ويخرج لنا ربُّنا من طلع النخل قنونًا دانيةً, والقنوان العذق الذي يحمل الثَّمر, والعذق في النَّخلة بمثابة القطف من العنب, وهذه القنوان دانيةٌ, أي قريبة المتناول, وعندما نقف ننظر إلى النَّخل وقد تدلَّت قطوفه, وتهدَّلت, نراها كما وصف ربُّنا: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَة﴾. هذا الذي سبق ذكره مشهد وصفه مليكنا سبحانه لأرضٍ أنبتت النبات, ومشهد آخر يريناه في قطعةٍ أخرى يتمثَّل في الجنَّات, وهي ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ والجنات البساتين, وهي بساتينٌ من أعنابٍ, وقد يكون الشجر زيتوناً أو رماناً, وما أنبته الله من النبات, وما أخرجه من أشجارٍ قد يكون مشتبهاً, وقد يكون غير متشابه, وقد يتشابه النبات, وقد تتشابه الأشجار, وقد يكون التشابه في الشجر, قد يكون التشابه في الثمر, وقد يكون في الطَّعم, وقد يختلف ذلك كله, فلا تشابه فيه.

стр. 115

إنَّ هذا الوصف الرائع المبهج الممتع يأسرك, ويملك عليك نفسك, ولذا دعانا ربُّنا إلى النظر إليه بأبصارنا, ننظر إلى ثماره من النخيل والأعناب والزيتون والرمان, وننظر إلى ينعه, أي إلى نضجه, وكمال النظر وغايته أن يحصل الاعتبار بما نراه ونشاهده, فإذا هو آياتٌ للمؤمنين, تدلُّهم على ربِّهم, وتهديهم إليه سبحانه. أعد النظر في هذه الآية التي حدَّثتنا عن إنزال الماء من السماء, وفعل المليك سبحانه بالأرض التي ارتوت بالغيث ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات: عرَّفنا ربُّنا ربُّ العزَّة في هذه الآيات بنفسه على النحو التالي: ١ - الله ﵎ هو خالق السموات خلقاً كائناً بالحقِّ, فقد خلقهما لغايةٍ عظيمةٍ هي أن يعبد ويطاع سبحانه. ٢ - الله تعالى له الملك التَّام في يوم القيامة, فلا يملك أحدٌ معه شيئًا. ٣ - في يوم القيامة يأمر ربُّ العباد بالنفخ في الصور, فتقوم القيامة, ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون.

стр. 116

٤ - الله تعالى عالم الغيب والشهادة, وهو الحكيم في شرعه وفعله, وهو الخبير. ٥ - الله تعالى هو فالق الحبِّ والنوى, يخرج من الحبَّة الصماء النبتة الخضراء, ويخرج من النبتة الخضراء الحبَّة الصماء. ٦ - الله سبحانه هو فالق الإصباح, فبعد ظلمة الليل يثور الضياء, ولا يزال يتزايد, ويتوهجُّ حتى يملأ الضياء الكون. ٧ - جعل الله تعالى الليل لنا سكناً, ننقطع فيه عن الحركة, وتهدأ فيه أفعالنا, وقد جعل الله لنا النهار ننبعث فيه إلى العمل. ٨ - جعل الله لنا الشمس والقمر حسباناً, فبالشمس نعرف مقدار الليالي والأيام, وبالقمر نعرف مقدار الشهور والأعوام. ٩ - وجعل الله تعالى لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمات البرِّ والبحر, ونعرف مسارنا فوق ظهر أرضنا في أسفارنا, فكثير من الناس يعرفون طرقاتهم في أسفارهم بالنظر في النجوم الثابتة في ظلمة الليل. ١٠ - الله تعالى هو الذي خلقنا بخلق أبينا آدم من نفسٍ واحدةٍ, فقد خلق منه زوجه حوَّاء. وخلق منهما جميع الرجال والنساء. ١١ - الله تعالى الذي أنزل الماء من السماء, فأخرج بذلك المطر نبات الأرض, فأخرج من ذلك النبات القمح والشعير والذرة وغيرها, يخرج من نبتها وسنابلها حبّاً متراكباً, نشاهده في القمح والشعير والذرة ونحوها, وأخرج لنا من أشجار النخيل من طلعها قنواناً دانيةً. يخرج لنا منها قطوفاً قريبة المأخذ, وجعل لنا فيما ينبته من الأشجار جناتٍ من أعنابٍ والزيتون والرمان, يشبه بعضه بعضاً أحياناً, وقد يختلف فلا يتشابه. * * *

стр. 117

الموضع القرآني [٢٤] الله تعالى الذي أنشأ جنات وعروشات وغير معروشات أولًا: تقديم عرَّفنا ربُّنا العليُّ الأعلى بنفسه, فأخبرنا أنه أنشأ لنا جناتٍ معروشاتٍ وأخرى غير معروشاتٍ, وأنشأ لنا بساتين النخيل والزيتون والرمان, وأنشأ لنا من الأنعام حمولةً تحملنا وأثقالنا, وفرشاً, وهي التي ننتفع بألبانها ولحومها. ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الأنعام ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *

стр. 118

وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤١ - ١٤٢]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات الجنات: البساتين التي يحفها الشجر, مأخوذةٌ من جنَّ إذا ستر, لأنَّها تستر بأشجارها من يكون تحتها. معروشات: بساتين الأعناب القائمة على العروش, وهي الأعمدة. غير معروشاتٍ, أي: الملقاة على الأرض. مختلفاً أُكلُه: مختلفاً طعمه, فقد يكون حلواً أو مُراً أو حامضاً. متشابهاً وغير متشابه: في المنظر أو الطعم, وقد تختلف فيهما. ولا تسرفوا, أي: لا تبالغوا في الإنفاق حتى يضرَّ بكم. حمولة وفرشاً: الحمولة الكبار من الإبل التي تحمل الأحمال, وقد يستعمل في الفرس والبغل والحمار, وفرشاً الصغار من الإبل, والبقر والغنم. خطوات الشيطان: خطوات جمع خطوة, وهي طرقه المضلَّة. رابعًا: شرح آيات هذا الموضع عرَّفنا ربُّنا بنفسه ﵎ ببيان ما يأتي: ١ - الله - تعالى - هو الذي أبدع لنا ما في الأرض من جناتٍ: أعلمنا ربُّنا - العليُّ العظيم - أنه ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا

стр. 119

وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] أي: هو سبحانه الذي أنشأ لنا جنَّاتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ, والمراد بالمعروشات بساتين الأعناب المرفوعة على الأعمدة والعروش, وغير المعروشات ما لم يرفع, بل هو ملقى على الأرض. والجنَّات: البساتين التي يحفُّها الشجر, مأخوذةٌ من جنَّ إذا ستر, لأنها تستر بأشجارها من يكون تحتها. وقد تكون هذه الجنات من أشجار النخيل أو الزيتون أو الرمَّان, وقد يزرع بين الأشجار الحبوب من القمح والشعير والذُّرة, وقد يزرع فيها الرَّياحين وغيرها, وقوله: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي: مختلفاً طعمه, فقد يكون حلواً, وقد يكون حامضاً, وقد يكون بين ذلك. والزيتون أنواعٌ كثيرةٌ, متشابهةٌ فيما بينها, في منظرها وطعمها, وقد تختلف فيما بينها, ومثل ذلك يقال في الرُّمان, تتشابه في المنظر, وقد تختلف, وقد يكون من الرُّمان الحلو والحامض. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ [الأنعام: ١٤١]. هذا الأمر الذي أمرنا به في الآية, وهو الأمر بالأكل من ثمار الأشجار من العنب والنَّخل والزيتون والرُّمان أمر إباحةٍ, وهو يأتي في مقابل ما حرَّمه أهل الجاهلية من الحرث, وأمرنا مع الأكل أن نؤتي حقَّه يوم حصاده, والحقُّ الذي أُمر المؤمنون بإيتائه حقٌّ غير مقدَّرٍ يخرجه صاحبه من ثمار الأعناب

стр. 120

والنخيل والزيتون والرمان, وليس المراد به الزكاة, فهذه الآية مكَّيةٌ, ولم تكن الزكاة قد فرضت بعد, ولو كانت الآية في شأن الزكاة لما أمر فيها بإخراج نصيبٍ من بساتين الرُّمان, فإنَّ الرمَّان لا زكاة فيه, وكذا لا يصحُّ الاحتجاج بالآية على وجوب إخراج الزكاة من الزيتون, ومما يدل على أنَّ الآية ليست في الزكاة أن الزكاة لا تؤدَّى في يوم الحصاد. وقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُو﴾ نهيٌ عن إخراج ربِّ المال ما يضرُّ به, وبمن يتولَّى الإنفاق عليه من الذُّريَّة والزوجة وغيرهم, وعلَّل النهي عن الإسراف بأنه ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ٢ - امتنانُ الله علينا بما خلقه لنا من الأنعام: أعلمنا ربُّنا ﵎ في الآية السابقة أنَّه أنشأ جناتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ, ثم عطف عليها الآية التالية وهي قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. أي: وهو الذي أنشأ جناتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ, وأنشأ حمولةً وفرشاً من الأنعام, فالله - سبحانه - هو الذي رزقنا أنواع الحبوب والأشجار وأنواع الأنعام, والحمولة: الإبل الكبار التي يرُكب عليها, ويُحمل عليها, والفرش الصغار من الإبل, والبقر والضأن والمعز مما لا يُحمل عليه, سمَّى صغار الإبل والغنم والبقر فرشاً لقربها من الأرض, فهي كالفرش, وقيل: الفرش ما يفرش على الأرض حين الذبح, وقال ربُّ العزَّة في الحمولة من الإبل التي يحمل عليها الأثقال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى

стр. 121

بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] وقال ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَاكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]. وقوله تعالي ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي كلوا مما رزقكم الله من الجنات, ومن الأنعام سواءً كانت حمولةً أو فرشاً, ولا تحرِّموا على أنفسكم شيئًا, ولا تجعلوا منه للأصنام شيئًا. وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ نهانا عن اتباع خطوات الشيطان, فإننا إذا اتَّبعنا خطواته أضلَّنا وأدخلنا النَّار, فهو عدوُّنا الذي كاد أبانا آدم وأمَّنا حوَّاء, والخطوات: جمع خطوةٍ, وهي طرقه المضلِّة, ومنها تلك التشريعات التي يحلُّ بها ما حرَّم الله, ويحرِّم ما أحلَّ, كما بيَّن الله تعالى ذلك في آيات النصِّ السابق. خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا العلي الأعلى سبحانه بنفسه عرَّفنا ربُّنا وهو أكرم الأكرمين بنفسه في هذه الآيات الكريمات ببيان ما يأتي: ١ - الله ﵎ هو الذي أنشأ في أرضه الواسعة لعباده جناتٍ من الأعناب, بعضها معروشة, وأخرى منها غير معروشة. ٢ - وأنشأ لهم جناتٍ من النخيل, والنخيل أنواع وأشكال, وقد يزرع في بساتين النخيل الزروع فيما بين الأشجار. ٣ - والله - تعالى - هو الذي أنشأ لنا الجنات من الزيتون والرمان, وبعض هذه قد تتشابه أشجارها, وبعضها تتشابه ثمارها في منظرها أو في طعمها, وقد لا تتشابه في شيءٍ من ذلك.

стр. 122

٤ - الله ﵎ هو الذي أنشأ لنا من الأنعام حمولةً وفرشاً, فالحمولة كبار الإبل التي تحملنا وتحمل أثقالنا, والفرش صغار الإبل والبقر والغنم التي جعلها الله لننتفع بلبنها ولحومها وأصوافها وجلودها. * * *

стр. 123

الموضع القرآني [٢٥] تمكين الله تعالى لنا في الأرض امتنَّ الله ﵎ على الناس في هاتين الآيتين بأن مكَّن لهم في الأرض, فعليها نبني مساكننا, ونتَّخذ من سهولها جنات وبساتين, ونستفيد من نباتها وحيواناتها وأسماكها وطيورها, ونتَّخذ من ذلك كله معايش, أي: ما يمكننا من المعيشة. . . في الحياة الدنيا, ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]. وتمكين الله تعالى لنا في الأرض بأن جعل الأرض صالحةً لحياتنا, وأوجد فيها ما يقيم حياتنا, وأقدرنا على السَّعي فيها, والاستفادة من خيراتها, وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: قليلاً ما تشكرونه على ما أنعم به عليكم. وامتنَّ الله علينا بأنَّه خلقنا بخلق أبينا آدم ﵇ من تراب, ثمَّ صوره بعد ذلك, وبعد أن خلق آدم وصوَّره نفخ فيه من روحه, وأسجد له ملائكته, ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وخلق الله تعالى سبحانه كلَّ واحد منَّا في رحم أمه, ثمَّ صوَّره فيه, ولذا فإنَّ من أسمائه سبحانه المصور. * * *

стр. 124

الموضع القرآني [٢٦] الله تعالى الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام أولًا: تقديم عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بنفسه, عرَّفنا أنَّه خلق السموات والأرض في ستة أيام, وعرَّفنا باستوائه على عرشه وأنه بائنٌ من خلقه, وأنَّه يغشى الليل النهار, وأنَّه سخَّر الشمس والقمر والنجوم, وأنَّه يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته, وأنَّه يسوق السحاب إلى البلد الميت فيحييه. ثانيًا: آيات هذه الموضع من سورة الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ

стр. 125

الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٤ - ٥٧]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات استوى على العرش: معنى استوى علا وارتفع واستقرَّ, أما كيفية الاستواء فلا يعلمه إلا الله تعالى, والعرش سرير ملك الله تعالى, وهو أعظم مخلوقاته سبحانه. يغشى الليل النهار, أي: يغطيه, ويستره. يطلبه حثيثاً, أي: يطلب الليل النهار في غاية السُّرعة. أقلَّت: حملت. الثقال: ثقلها بسبب ما تحمله من المياه. الميِّت: القاحل الممحل. رابعًا: شرح آيات هذا الموضع عرَّفنا الله ربُّنا في هذه الآيات بنفسه ﵎, حتى لو أنَّك سألت فقلت: من ربنا؟ لكانت الآيات جواباً عن السؤال, وإنَّ صيغة الآيات لتدلُّ على أن مراد الله تعالى بالآيات هو تعريف عباده بنفسه, اقرأ طليعة الآيات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى

стр. 126

الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وأقرأ خاتمة هذه الآية ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وتدبَّر ما قرأته ستجد صدق ما ذكرتُه. وقد عرَّفنا ربُّنا بنفسه ﵎ من خمسة أوجه, هي: ١ - خلقه سبحانه السموات والأرض في ستة أيام: أخبرنا ربُّنا - سبحانه - أنه وحده الذي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما في ستة أيام, وهذه الأيام تبدأ من يوم الأحد, وتنتهي في يوم الجمعة, وهذه الأيام من أيام الله تعالى, ولا ندري طولها, وقد أعلمنا ربُّنا ﵎ أنَّ يوماً عنده كألف سنةٍ من سنواتنا, وأعلمنا ربُّنا أنَّ مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنةٍ من سنوات الدنيا ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ٢ - استواء ربِّنا ﷻ على العرش: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] العرش في لغة العرب سرير الملك, قال تعالى في كرسي ملكة سبأ ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] وقال نبي الله سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَاتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَاتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] وقال الله تعالى في عرش نبيِّ الله يوسف ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] والعرش أعظم مخلوقات الله تعالى, وهو لله تعالى سرير ملكه وقد وصفه الله تعالى بأنَّه عظيم ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] ووصفه بأنَّه مجيدٌ في قوله ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥].

стр. 127

وكان عرش الله في الأزل علي الماء ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. ويحمل عرش ربِّنا في يوم القيامة ثمانيةٌ من الملائكة ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. وهؤلاء الملائكة الذين يحملون العرش في يوم القيامة يسبِّحون بحمد ربِّهم ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧]. وفي يوم القيامة ترى الملائكة حافِّين من حول العرش يسبحون بحمد الله ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥] وقد ضلَّ قومٌ كثيرون في تعريف عرش الرحمن, والنصوص التي سقناها تدلُّ على أنَّ عرش الرحمن سريرٌ عظيمٌ كريمٌ مجيدٌ, استوى عليه الرحمن ومعنى استوى في اللغة العرب: ارتفع, واستقرَّ وعلا. ٣ - يغشي الله تعالى الليل النهار يطلبه حثيثاً: عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنه ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] أي: يجعل الليل غشاءً وساتراً للنهار ومغطياً له, وفي الآية محذوفٌ دلَّ عليه المقام, أي: يغشي النهار الليل أيضًا, فيأتي ضوء النهار ويغشى ظلام الليل, فيذهبه, ويحلُّ محلَّه, كما قال: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٧ - ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي: يطلبه طلباً حثيثاً مسرعاً غاية الإسراع فلا يمهله لحظةً [العذب النمير: ٣/ ٣٨١].

стр. 128

٤ - جعل الله الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره: وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ أي: أنَّ الله خلق السموات والأرض, وخلق الشمس والقمر والنجوم, وجعلهن مسخراتٍ بأمره, أي: في طلوعهنَّ وغروبهنَّ وحركاتهنَّ, كلُّ ذلك مقدَّرٌ وفق ما يريده الله ويحدِّده. والله تعالى ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فالخلق له كلُّه وحده, والأمر له كلُّه وحده. وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: تبارك وتقدَّس, وأصل تبارك تفاعل إذا كثرت بركاته وخيراته. وبعد أن عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه أمرنا أن ندعوه تضرعاً وخفية, وأمرنا أن ندعوه خوفاً وطمعاً, فالدعاء هو العبادة كما صحَّ في الحديث, والله هو الذي يستحقُّ أن يعبد. وقد أمرنا ربُّنا أن ندعوه تضرُّعاً وخفيةً في قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] ومعنى ﴿تَضَرُّعًا﴾ أي: متذللين بخشوعٍ واستكانةٍ, ومعنى. . . ﴿وَخُفْيَةً﴾ أي: سراً وهمساً, ندعوه راجين رحمته خائفين عذابه. والدعاء الذي أمرنا الله به هو العبادة, وقد كان دعاء الصالحين خفيةً, فزكريا ﵇ ﴿نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فالله لا يحبُّ المعتدين, لا في الدعاء ولا في غيره, ومن الاعتداء في الدعاء رفع الصوت بالدعاء, أو

стр. 129

الدعاء بأن يؤتى الداعي مقام الملائكة ومقام الرُّسل والأنبياء, ومن ذلك ما رواه أبو داود أنَّ عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: «اللهم إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها» فقال: أي بنيَّ, سل الله الجنَّة, وتعوذ به من النَّار, فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطهور والدُّعاء» [صحيح سنن أبي داود: ٨٧]. وأمرنا ربُّنا أن ندعوه سبحانه خوفاً وطمعاً ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. أمرنا ربُّنا ﵎ أن ندعوه جامعين بين الخوف منه والطَّمع في ثوابه. وجمع الله - تعالى - بين الخوف والطَّمع, ليكون العبد خائفاً راجياً, كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فإنَّ موجب الخوف معرفة سطوة لله وشدَّة عقابه, وموجب الرجاء معرفة رحمة الله وعظيم ثوابه, قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. ومن عرف فضل الله رجاه, ومن عرف عذابه خافه. ويستحب أن يكون العبد طول عمره يغلب عليه الخوف, ليقوده إلى فعل الطاعات وترك السيئات, وأن يغلب عليه الرجاء عند حضور الموت, لقوله ﷺ : «لا يموتنَّ أحدكم إلاَّ وهو يحسن الظَّن بربِّه» [التسهيل, لابن جزي: ٢/ ٣٥].

стр. 130

٥ - إرسال الله - تعالى الرياح بشرًا بين يدي رحمته: ذكر الله تعالى في الآية التالية وجهًا خامساً عرَّفنا فيه بنفسه, فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. أعلمنا سبحانه أنَّه هو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته, فترى بعض الناس يكونون في جوٍّ صافٍ, فتهبُّ عليهم الرياح نديَّةً رطبةً, فيقولون لك: هذه الرياح تبشِّر برحمة الله, أي: بالمطر, فلا يمضي طويل وقتٍ, حتى ترى السحاب الثقال آتٍ من بعيدٍ, تسوقه الرياح, فتهطل الأمطار, فيحيي الله بذلك المطر بلادًا ميتة, يحييها بالنبات, ومثل هذا الإحياء للأرض الميتة بالمطر, يحيي يوم القيامة العباد, فإذا شاء الله إحياء الخلق في يوم القيامة أنزل عليهم مطرًا كمنيِّ الرجال, فينبت الناس من الأرض, حتى إذا تمَّ خلقهم نفخ في الصور, فعادت أرواح الناس إلى أجسادهم, فقاموا لربِّ العالمين. خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات بإيراد الأمور التالية: ١ - خلق الله ربُّنا ﵎ السموات والأرض في ستة أيام, ولولا أنَّ الله تعالى أعلمنا بهذا العلم ما علمناه, ونحن لا ندري بمدَّة كلِّ يوم من هذه الأيام, فلم يصحَّ فيه آيةٌ ولا حديثٌ, فربنا أعلم به.

стр. 131

٢ - استوى ربُّنا ﵎ على عرشه استواءً يليق بجلاله , وعرشه سبحانه سرير ملكه, وهو أعظم مخلوقاته, والاستواء معلومٌ والكيف مجهولٌ, والإيمان به واجبٌ, والسؤال عن الكيف بدعةٌ. ٣ - الله تعالى يغشي الليل النهار, فبعد ضياء النهار يأتي الليل الذي يكسو الأرض بظلامه. ٤ - سخَّر ربُّ العزَّة لعباده الشمس والقمر والنجوم بأمره, ولو لم يخلق الله ﵎ لنا هذه المخوقات لما صلحت حياتنا فوق ظهر هذه الأرض. ٥ - الله ﵎ له الخلق والأمر, فالله تعالى هو الذي أنشأ هذا الوجود من العدم, وكما له الخلق له الأمر بنوعيه الديني الذي يحوي الشرائع, والقدري الذي يكون به الخلق. ٦ - الله ﵎ الذي يرسل الرياح الرَّطبة الندية بين يدي السحاب الثقال الممتلئ بالمطر, ويسوق الله تلك الرياح تبشِّر بقرب رحمة الله بنزول المطر, ويرسل الله تعالى السحب المحمَّلة بالمطر إلى بلد أمحلت أرضه, وجفت مياهه, ومات نباته, وذوت أشجاره, فأحياه الله, فنما زرعه, واخضرَّ شجره, وخرجت ثماره, وكما أحيا الله الأرض بالماء الهاطل من السماء, يحيي العباد في يوم المعاد. * * *

стр. 132

الموضع القرآني [٢٧] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها أولًا: تقديم عرَّفنا ربُّنا العليُّ الأعلى في هذه الآيات أنَّ له الأسماء الحسنى, وعرفنا بأنَّه استأثر بعلم الساعة, وعرفنا بأنه خلقنا من نفسٍ واحدةٍ, وخلق منها زوجها, وبثَّ من آدم وحواء جميع من خلق من بني آدم. ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الاعراف تتكون آيات هذا الموضع التي عرَّفنا الله ﵎ فيها بنفسه من ثلاث آيات, وهذه الآيات الثلاث وردت متفرقةً في سورةٍ واحدةٍ هي سورة الأعراف. الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].

стр. 133

الآية الثانية قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجلَّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَاتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات الحسنى: تأنيث الأحسن, وأسماء الله تعالى كلُّها حسنى, وهي أفضل من كلِّ شيءٍ في الحسن والجمال. ذروا: اتركوا ودعوا. يلحدون: الذين يميلون عن القصد ويجورون عنه. ملكوت: ملك. الساعة: يوم القيامة. مرساها: وقت وقوعها. لا يجلِّيها, أي: لا يوجدها, ولا يظهرها لوقتها إلا الله. ثقلت: عظمت. بغتةً, أي: فجأة. كأنك حفيٌّ عنها, أي: كأنك عالم بها, أو كأنك استقصيت أخبارها. من نفس واحدة: نفس آدم ﵇.

стр. 134

رابعًا: شرح آيات هذا الموضع عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات الثلاث ببيان ما يأتي: ١ - الله - تعالى - له الأسماء الحسنى: عرَّفنا ربُّنا أنَّ له الأسماء الحسنى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والحسنى: تأنيث الأحسن, وهي صيغة تفضيلٍ, وأسماء الله تعالى أحسن شيءٍ, وهي أفضل من كلِّ شيءٍ في الحسن والجمال, وأسماء الله تدلُّ على صفات كماله وجلاله ﵎. وأسماء الله التي أنزلها ربُّنا في كتابه وسنَّة رسوله ﷺ تسعةٌ وتسعون اسماً, فعن أبي هريرة ﵁ , أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسماً, مائةً إلا واحداً, من أحصاها دخل الجنَّة» [البخاري: ٢٧٣٦. مسلم: ٢٦٧٧]. وفي رواية: «لله تسعةٌ وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنَّة, وإن الله وترٌ يحبُّ الوتر» [البخاري: ٦٤١٠. مسلم: ٢٦٧٧, واللفظ لمسلم]. وأسماء الله - تعالى - التي علَّمها بعض خلقه, أو استأثر بها في علم الغيب عنده أكثر من ذلك, فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أصاب أحداً قطُّ همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهمَّ, إنِّي عبدك, ابن عبدك, ابن أمتك, ناصيتي بيدك, ماضٍ فيَّ حكمك, عدلٌ فيَّ قضاؤك, أسألك بكلِّ اسمٍ سمَّيت به نفسك, أو أنزلته في كتابك, أو علَّمته أحداً من خلقك, أو استأثرت به في علم الغيب عندك, أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي, ونور صدري, وجلاء حزني, وذهاب همِّي - إلا أذهب الله همَّه وحزنه, وأبدله مكانه

стр. 135

فرحاً, فقيل: يا رسول الله, أفلا نتعلَّمها؟ فقال: «بلي, ينبغي لمن سمعها أن يتعلَّمها» [قال محقق تفسير ابن كثير: جيد. أخرجه أحمد (٢/ ٣٩١ و٤٥٢) وأبو يعلى (٥٢٩٧) والحاكم (١/ ٥٠٩) وابن حبان (٩٧٢) من طرق عن فضيل بن مرزوق به, وإسناده صحيح]. وقوله تعالى: ﴿فادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: فادعوه بهذه الأسماء, فيدعو المرء بالأسماء التي تناسب حاله, فيقول: يا الله, يا رحمن, يا رحيم, يا أحد, يا فرد, يا صمد, يا قويُّ, ولا يدعو الله بغير أسمائه, فلا يقول: يا سخيُّ, يا شيء, يا فاهم, يا جلد. وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] , وقوله ﴿وَذَرُوا﴾ معناه: اتركوا, وصيغة الأمر هنا للتهديد, وأصل اللَّحد: الميل عن القصد والجور عنه. والذين يلحدون في أسماء تعالى الذين يميلون فيها عن الحقِّ, فمن أسماء الله تعالى: الواحد, ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: ٤]. وقد ألحد المشركون في هذا الاسم: فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. ومن إلحادهم اشتقاقهم اسم اللات لصنم من أصنامهم من اسم: الله, واشتقاقهم العُزَّى من اسم العزيز, واشتقاقهم مناة من المنان. وقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: سيجزيهم ربُّ العزة ﵎ يوم القيامة جزاء ما كانوا يعملونه في الدنيا, ويدخل في ذلك إلحادهم في أسمائه.

стр. 136

٢ - لا يعلم وقت وقوع الساعة إلا الله تعالى: سأل كفار قريشٍ رسولنا ﷺ عن الوقت الذي تقع فيه الساعة, فأمر الله تعالى رسوله أن يخبر النَّاس أنَّه لا يعلم وقت وقوعها إلا الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجلَّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَاتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. والساعة التي سأل كفار قريشٍ الرسول عن وقت وقوعها هي يوم القيامة, والساعة في الأصل تطلق على كلِّ وقتٍ من الزَّمن, وغلب إطلاقها على يوم القيامة, وكان كفار قريشٍ يسألون عنها إنكاراً لها, كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجلَّ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨] , وقال: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] وقوله: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أي: متى يكون وقوعها. وقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقول للسائلين ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجلَّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. أي: قل لهم: إنَّما علمها عند الله, و ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصرٍ, أي: علمها عند الله, فلا يعلمها لا ملكٌ مقربٌ, ولا نبيٌّ مرسلٌ, وقد قال الرسول ﷺ لجبريل عندما جاءه وهو في جمع من الصحابة, فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان, ثم سأله عن الساعة, قال في الجواب: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» فالمسئول وهو أفضل الأنبياء والرسل لا

стр. 137

يعلم متى تقع والسائل وهو جبريل وهو أفضل الملائكة لا يعلم أيضًا متى تكون, وقوله: ﴿لَا يُجلَّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا يوجدها ويظهرها في وقتها أحدٌ غيره وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. أي: عظمت على أهل السموات والأرض, لأنَّ ما فيها من الأهوال لا تطيقه السموات والأرض, ولا أحد ممن فيهما, فمن ذلك انشقاق السماء , وانتشار النجوم, وتكوير الشمس, وتسيير الجبال. وقوله تعالي: ﴿لَا تَاتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: لا تقوم الساعة على الناس إلا فجأةً, وقد أخبرنا رسولنا ﷺ أنَّ الساعة تقوم والناس في أعمالهم وأشغالهم, فتأخذهم من غير إمهال, فعن أبي هريرة ﵁ , أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتَّى تطلع الشمس من مغربها, فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون, فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ولتقومنَّ الساعة وقد نشر الرَّجلان ثوبهما بينهما, فلا يتبايعانه ولا يطويانه, ولتقومنَّ الساعة وقد انصرف الرَّجل بلبن لقحته فلا يطعمه, ولتقومنَّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه, ولتقومنَّ الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» [البخاري: ٦٥٠٦. مسلم: ٢٩٥٤. واللفظ للبخاري]. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: يسألونك عن الساعة, كأنَّك استحفيت عنها, أي: علمت وقتها, أو كأنَّك عالم بها, قد عرفت بها, واستقصيت أخبارها.

стр. 138

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] , أمر الله تعالى عبده ورسوله محمد ﷺ أن يقول للنَّاس السائلين عن وقت الساعة مؤكِّداً ما سبق أن أخبرهم به أنَّ علم وقت الساعة استأثر الله بعلمه, كما قال ربُّ العزَّة: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]. ولذا فإنَّ الذين حدَّدوا وقتاً لوقوعها من أهل العلم خالفوا الآيات والأحاديث الصحيحة المبيِّنة أنَّ وقت الساعة أمره إلى الله , لا يعلمه غيره. ٣ - خلق الله تعالى الناس جميعاً من آدم, وخلق من آدم زوجه حواء: أعلمنا ربُّنا ﵎ أنَّه خلقنا من نفس واحدة, وجعل من هذه النفس الواحدة زوجها, ليسكن إليها ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. والنفس الواحدة التي خلق الناس جميعا منها آدم ﵇, والزوج الذي جعله الله من آدم حواء, ومعنى: ﴿وَجَعَلَ﴾ خلق. وقوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي: ليسكن الرجل إلى زوجته, ويطمئنَّ إليها, كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. وقد جعل الله - تعالى - من هذين الزوجين: آدم وحواء الرجال والنساء جميعاً ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].

стр. 139

خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات: عرَّفنا ربُّنا في هذا الموضع من الآيات بنفسه ببيان ما يأتي: ١ - الله تعالى له الأسماء الحسنى التي لا أحسن منها, وأمرنا ربُّنا أن ندعوه بهذه الأسماء. ٢ - الله تعالى استأثر بعلم وقوع الساعة, فلا يعلم بوقت وقوعها ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسل. ٣ - الله تعالى الذي خلق الناس جميعاً من نفسٍ واحدةٍ, وخلق من هذه النفس الواحدة زوجها حواء ليسكن إليها. * * *

стр. 140

الموضع القرآني [٢٨] الله الذي يحيي ويميت عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ١١٦]. عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآية الكريمة أنَّ له ملك السموات والأرض, ومالك السموات والأرض هو خالقهما الذي لم يشركه أحدٌ في خلقهما, وكان أهل الجاهلية يقرون بهذه الحقيقة, فلا يجعلون لله شريكاً في خلقه السموات والأرض, قال الله ﵎: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].

стр. 141

وعرَّفنا ربُّنا أنه يحيي ويميت سبحانه, فهو مما اختُصَّ به, لا يشركه في ذلك أحد, كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [المالك: ٢]. وعرَّفنا ربُّنا أنه ليس لنا من دونه من وليٍّ ولا نصير, فهو الذي يتولى أمرنا سبحانه, فهو يحفظ أجسادنا وأنفسنا, ويردُّ العاديات عنَّا, وهو الذي يمدُّنا بالطعام والشراب, ويشفينا إذا مرضنا, وهو - سبحانه - الذي ينصرنا إن نحن جاهدنا في سبيله, مبتغين وجهه في جهادنا. * * *

стр. 142

الموضع القرآني [٢٩] الله الذي خلق السموات والأرض أولًا: التقديم عرَّفنا ربُّنا في آيات هذا النص بنفسه , فهو خالق السموات والأرض في ستة أيام, وهو الذي استوى على العرش سبحانه, وهو الذي يدبِّر كونه, ولا يشفع أحد عنده إلاَّ من بعد إذنه, وقد أخبرنا ربُّنا - سبحانه - بما أخبرنا به, وأمرنا بعبادته وحده لا شريك له. وعرَّفنا ربُّنا - سبحانه - أنَّ مرجع جميع العباد يوم الدين إليه, فهو - سبحانه - وحده الذي يبدأ الخلق في الدنيا, ثم يعيده في الآخرة, ليحاسب العباد عما قدَّموه, وأعلمنا سبحانه أنه هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً, وقدَّر القمر منازل لنعلم عدد السنين والحساب, وهو الذي قدَّر اختلاف الليل والنهار, وما خلق في السموات والأرض من مخلوقات لآياتٍ لقومٍ يتقون. ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة يونس ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا

стр. 143

تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣ - ٦]. ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع استوى على العرش: أي: ارتفع وعلا واستقرَّ, وعرش الرحمن سرير ملكه سبحانه, وهو أجلُّ مخلوقاته. ما من شفيعٍ إلا من بعد إذنه, أي: لا يشفع عنده أحد إلا بعد أن يأذن الله له. بالقسط: بالعدل. جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً: جعل الله الشعاع الصادر عن الشمس ضياءً, لأنَّ الشمس مشتعلةٌ, وجعل الشعاع الصادر عن القمر نوراً, فالقمر ليس مشتعلاً, ونوره انعكاسٌ لضوء الشمس عليه. اختلاف الليل والنهار: تعاقبهم, إذ هب أحدهما جاء الآخر رابعًا: شرح آيات هذا الموضع حدَّثنا ربُّنا عن نفسه في هذه الآيات, وعرفنا على فعله في خلقه, وبيَّن لنا بما يأتي:

стр. 144

١ - الله ﵎ خلق السموات والأرض في ستة أيام: عرَّفنا ربُّ العزَّة بنفسه ﵎ فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]. وعرَّفنا الله تعالى في هذه الآية والآيات التالية لها بنفسه سبحانه, حتَّى لو أنَّ واحداً سألك: من ربُّك؟ صح أن تجعل هذه الآيات جواباً. وأوَّل أمر عرَّفنا ﵎ أنَّه فعله سبحانه خلقه السموات والأرض في ستَّة أيام, وهذه الحقيقة مبثوثةٌ كثيراً في كتاب الله الكريم, فقد خلق سبع أرضين, وخلق سبع سمواتٍ, وخلقهما في ستة أيامٍ, والله تعالى أعلم بمدَّة كلِّ يوم من هذه الأيام, والسموات والأرض من أعظم آيات الله, وفيهما من المخلوقات والدلائل والآيات ما يبهر العقول, ويشغل القلوب. ٢ - استواء ربُّنا على عرشه وتدبيره الأمر: وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ العرش أعظم مخلوقات الرحمن, وقد استوى الرحمن عليه سبحانه, استواءً يليق بجلاله, ليس كمثله شيء, وهو السميع البصير, وقوله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أخبر ربُّ العباد أنه سبحانه يدِّبر الأمر في كونه, فهو قائمٌ على كلِّ شيءٍ, لا فرق بين الصغير والكبير, كما قال سبحانه: ﴿لَا يَعزَّبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا

стр. 145

وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] , وقال: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ٣ - لا يشفع أحدٌ عند الله إلا بإذنه: وقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي: لا يشفع عنده ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا من بعد أن يأذن الله تعالى له, كما قال ربُّ العزَّة : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] , وشفعاء المشركين آلهة المشركين التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أشار ربُّ العزَّة سبحانه إلى نفسه بقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ وأمرنا بعبادته وحده لا شريك له, قائلاً: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ٤ - مرجع الناس جميعاً إلى الله تعالى: عرَّفنا ربُّنا أنَّ مرجع الناس جميعاً إليه ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ
следующие страницы →