وعرَّفنا ربُّنا أنه يحيي ويميت سبحانه, فهو مما اختُصَّ به, لا يشركه في ذلك أحد, كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [المالك: ٢].
وعرَّفنا ربُّنا أنه ليس لنا من دونه من وليٍّ ولا نصير, فهو الذي يتولى أمرنا سبحانه, فهو يحفظ أجسادنا وأنفسنا, ويردُّ العاديات عنَّا, وهو الذي يمدُّنا بالطعام والشراب, ويشفينا إذا مرضنا, وهو - سبحانه - الذي ينصرنا إن نحن جاهدنا في سبيله, مبتغين وجهه في جهادنا.
* * *
стр. 142
الموضع القرآني [٢٩]
الله الذي خلق السموات والأرض
أولًا: التقديم
عرَّفنا ربُّنا في آيات هذا النص بنفسه , فهو خالق السموات والأرض في ستة أيام, وهو الذي استوى على العرش سبحانه, وهو الذي يدبِّر كونه, ولا يشفع أحد عنده إلاَّ من بعد إذنه, وقد أخبرنا ربُّنا - سبحانه - بما أخبرنا به, وأمرنا بعبادته وحده لا شريك له.
وعرَّفنا ربُّنا - سبحانه - أنَّ مرجع جميع العباد يوم الدين إليه, فهو - سبحانه - وحده الذي يبدأ الخلق في الدنيا, ثم يعيده في الآخرة, ليحاسب العباد عما قدَّموه, وأعلمنا سبحانه أنه هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً, وقدَّر القمر منازل لنعلم عدد السنين والحساب, وهو الذي قدَّر اختلاف الليل والنهار, وما خلق في السموات والأرض من مخلوقات لآياتٍ لقومٍ يتقون.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة يونس
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا
стр. 143
تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣ - ٦].
ثالثًا: تفسير مفردات هذا الموضع
استوى على العرش: أي: ارتفع وعلا واستقرَّ, وعرش الرحمن سرير ملكه سبحانه, وهو أجلُّ مخلوقاته.
ما من شفيعٍ إلا من بعد إذنه, أي: لا يشفع عنده أحد إلا بعد أن يأذن الله له.
بالقسط: بالعدل.
جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً: جعل الله الشعاع الصادر عن الشمس ضياءً, لأنَّ الشمس مشتعلةٌ, وجعل الشعاع الصادر عن القمر نوراً, فالقمر ليس مشتعلاً, ونوره انعكاسٌ لضوء الشمس عليه.
اختلاف الليل والنهار: تعاقبهم, إذ هب أحدهما جاء الآخر
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع
حدَّثنا ربُّنا عن نفسه في هذه الآيات, وعرفنا على فعله في خلقه, وبيَّن لنا بما يأتي:
стр. 144
١ - الله ﵎ خلق السموات والأرض في ستة أيام:
عرَّفنا ربُّ العزَّة بنفسه ﵎ فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].
وعرَّفنا الله تعالى في هذه الآية والآيات التالية لها بنفسه سبحانه, حتَّى لو أنَّ واحداً سألك: من ربُّك؟ صح أن تجعل هذه الآيات جواباً.
وأوَّل أمر عرَّفنا ﵎ أنَّه فعله سبحانه خلقه السموات والأرض في ستَّة أيام, وهذه الحقيقة مبثوثةٌ كثيراً في كتاب الله الكريم, فقد خلق سبع أرضين, وخلق سبع سمواتٍ, وخلقهما في ستة أيامٍ, والله تعالى أعلم بمدَّة كلِّ يوم من هذه الأيام, والسموات والأرض من أعظم آيات الله, وفيهما من المخلوقات والدلائل والآيات ما يبهر العقول, ويشغل القلوب.
٢ - استواء ربُّنا على عرشه وتدبيره الأمر:
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ العرش أعظم مخلوقات الرحمن, وقد استوى الرحمن عليه سبحانه, استواءً يليق بجلاله, ليس كمثله شيء, وهو السميع البصير, وقوله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أخبر ربُّ العباد أنه سبحانه يدِّبر الأمر في كونه, فهو قائمٌ على كلِّ شيءٍ, لا فرق بين الصغير والكبير, كما قال سبحانه: ﴿لَا يَعزَّبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
стр. 145
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] , وقال: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
٣ - لا يشفع أحدٌ عند الله إلا بإذنه:
وقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي: لا يشفع عنده ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا من بعد أن يأذن الله تعالى له, كما قال ربُّ العزَّة : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] , وشفعاء المشركين آلهة المشركين التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أشار ربُّ العزَّة سبحانه إلى نفسه بقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ وأمرنا بعبادته وحده لا شريك له, قائلاً: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
٤ - مرجع الناس جميعاً إلى الله تعالى:
عرَّفنا ربُّنا أنَّ مرجع الناس جميعاً إليه ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ
стр. 146
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤].
أخبرنا ربُّنا ﵎ أنَّ مرجعنا جميعاً إليه, وهذا وعد حق لا يتخلَّف بحالٍ من الأحوال, كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥].
وقوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: يبدأ خلق العباد في الحياة الدنيا, ثم يعيد خلقهم في الحياة الآخرة.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي: يثيب المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحة بالعدل والجزاء الأوفى, ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون﴾
أي: ويجزي الذين كفروا بالله ورسوله, بإسقائهم شراباً تناهى حرُّه, ويذيقهم العذاب الأليم في النار بسبب كفرهم وضلالهم.
٥ - الله تعالى الذي خلق لنا الشمس ضياء والقمر نورا:
عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنه هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً, فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥].
стр. 147
يخبرنا ربُّنا أنه جعل الشعاع الصادر عن الشمس ضياءً, وشعاع القمر نوراً, ففاوت بينهما لئلا يشتبها, وجعل للشمس سلطاناً بالنهار, وسلطان القمر بالليل, وقدَّر القمر منازل ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فأول ما يبدو صغيراً, ثم يتزايد نوره وجرمه, حتى يكتمل, ويصبح بدراً, ثمَّ يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأوَّل في تمام الشهر, وبالشمس تعرف الأيام, وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام, قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٩ - ٤٠]. وقال: ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لم يخلق ربُّ العزَّة ذلك عبثاً, بل لحكمةٍ عظيمةٍ, وحجَّةٍ بالغةٍ, كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] أي: نُبيِّن الحجج والأدِّلة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
٦ - من الآيات الدالة على الله - تعالى - اختلاف الليل والنهار:
آخر ما عرضه ربُّنا علينا في تعريفنا بنفسه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦].
стр. 148
والمراد باختلاف الليل والنهار, أي: تعاقبهما إذا ذهب هذا جاء هذا, وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] , وقال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى, وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] , وقوله: ﴿يَتَّقُونَ﴾ أي: يخافون الله تعالى.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه
عرَّفنا ربُّنا بنفسه ﵎ ببيان ما يأتي:
١ - الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام.
٢ - الله استوى على العرش بعد خلقه السموات والأرض, والعرش سرير ملكه.
٣ - الله قائم على الكون يدبر أموره, ويصرِّف شؤونه.
٤ - لا يشفع عند الله أحدٌ يوم القيامة إلا بعد أن يأذن له.
٥ - مرجع العباد جميعاً إلى ربِّ العزة في يوم القيامة.
٦ - الله الذي ابتدأ خلق عباده في الحياة الدنيا, ثم يعيد إحياءهم بعد موتهم يوم القيامة.
стр. 149
٧ - الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة, والذين كفروا لهم عذاب أليم.
٨ - الله هو الذي جعل لنا الشمس ضياء, لأنه منبعث عن اشتعال الشمس, وجعل لنا القمر نوراً, لأنه انعكاسٌ لنور الشمس, وقدَّر القمر منازل, لنعلم عدد الشهور والأعوام.
٩ - الله الذي خلق الليل والنهار, وجعلهما يتعاقبان, يذهب هذا ويأتي هذا, وخلق في السموات والأرض كثيراً من الآيات.
* * *
стр. 150
الموضع القرآني [٣٠]
الله ﵎ الذي يرزقنا من السماء والأرض
عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هاتين الآيتين بنفسه, فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
وقد وجَّه ربُّ العزة سبحانه في هاتين الآيتين جملةً من الأسئلة التقريرية يدلُّ الإقرار بها على استحقاق الله تعالى وحده أن يعبد دون سواه, فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].
стр. 151
وجَّه الله ﵎ في هذه الآية خمسة أسئلةٍ, كلُّها يدلُّ على أن الله سبحانه هو المستحقُّ لما سأل عنه, فالمشركون وإن كانوا يشركون بتوحيد الألوهية, لكنَّهم يقرُّون بتوحيد الربوبية, ولا يشركون به معه غيره, فهم يقرُّون بأنَّ الله وحده الذي ينزل لهم الرزق من السماء, فهو الذي ينزل الماء من السماء, وينبت النبات من الأرض, وهم يقرُّون من غير خصامٍ أنَّه سبحانه الذي يملك السمع والأبصار, وخصَّ السمع والأبصار بالذكر لما فيهما من الصنعة العجيبة, والقدرة الباهرة العظيمة, وهو سبحانه الذي يخرج الحيَّ من الميت, فالإنسان الحيُّ أخرج من النطفة, والطير من البيضة, والنبات من الحبَّة ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: يخرج النطفة من الإنسان الحيِّ, والبيضة من الطير, والحبَّة من النبات, ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي: من يقدِّر الأمور ويقضيها.
ولما كانت إجابة مشركي قريش لا تختلف في أنَّ الله هو الفاعل لذلك وحده لا شريك له قال : ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
ومن نظر في إجابة المشركين علم من هذه الإجابة أنَّه يلزمهم من الإقرار بتوحيد الربوبية الإقرار بتوحيد الألوهية, وإلاَّ وقعوا في التناقض, يقول الله تعالى: فذلكم الله الذي أقررتم باستحقاقه ما أقررتم به هو ربُّكم الحقُّ الذي يستحقُّ أن يعبد دون غيره, فإن عبدتم غيره فقد ضللتم, فأنَّى, أي: فكيف تصرفون عن الحقِّ إلى الباطل!!
الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] أي: له السموات والأرض ومن فيهما, ومن ذلك ما يزعم الكفار أنَّهم يعبدونه, من الشمس والقمر والنجوم والأصنام والأوثان, فكلُّها مخلوقةٌ مربوبةٌ لله رب العالمين, ولذلك فإنَّ المشركين لا يدعون على الحقيقة آلهةً من دون الله تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ وإنَّما يتبعون الظنَّ, فالشمس ليست في الحقيقة إلهاً, واللات ليست في الحقيقة إلهاً, والعزَّى ليست إلهاً, ومناة ليست إلهاً, ولكنَّها في الحقيقة حجارةٌ أو أشجارٌ, أو صورةٌ لمخلوقاتٍ, لا تضرُّ ولا تنفع, وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي: يكذبون.
وعرَّفنا ربُّنا أنه ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧].
جعل الله الليل لعباده ليسكنوا فيه, أي: يستريحون فيه مما عانوه في النهار من تعبٍ ونصبٍ وإعياء, قال القرطبي: «﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مضيئاً, لتهتدوا به في حوائجكم, والمُبصر الذي يُبصر, والنهار يُبصر فيه, وقال قطرب: يقال: أظلم الليل, أي: صار ذا ظلمة, وأضاء النهار وأبصر, أي: صار ذا ضياءٍ وبصرٍ, ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾ أي: علاماتٍ ودلالاتٍ, ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: سماع اعتبارٍ» [تفسير القرطبي: ٤/ ٦٥٩].
أكذب الله - تعالى - المشركين في نسبتهم الولد إلى ربِّ العزَّة سبحانه, فقال: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
стр. 154
فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٦٨].
أخبرنا ربُّنا ﵎ أنَّ الكفرة المشركين زعموا كاذبين أنَّ الله تعالى اتخذ ولداً, فاليهود قالوا: عزيرٌ ابن الله, والنصارى قالوا: المسيح ابن الله, وعرب الجاهلية, قالوا: الملائكة بنات الله, وقد نزَّه ربُّ العزة نفسه عن الولد بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيّ﴾ أي: هو الغنيُّ عن الولد, ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: له كلُّ ما في السموات والأرض فإنَّه مملوكٌ, خاضعٌ له, يسبِّح له, ويدعوه وحده, فأنَّى يكون له ولدٌ سبحانه.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: هل عندكم من دليلٍ وحجَّةٍ وبرهانٍ يدلُّ على أنَّ العزير أو عيسى أو الملائكة أولاد الله تعالى, إنَّ دعواهم دعوى باطلةٌ, لا تقوم على دليلٍ, ولا حجَّةٍ ولا برهانٍ, ولذلك فإنَّ قولهم قولٌ قائمٌ على الجهل ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وهؤلاء الجهلة الضالُّون الذين يفترون على الله الكذب بنسبتهم الولد إلى الله تعالى لا يفلحون, ولا يفوزون ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩]. وقد أعلمنا ربُّنا أنَّه سيمتِّع هؤلاء الذين افتروا عليه الكذب متاعاً قليلاً في هذه الحياة, ثم يقبض أرواحهم, ويصيرون إليه, ثم يذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم وضلالهم ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠].
* * *
стр. 155
الموضع القرآني [٣٢]
أرزاق الدواب على الله تعالى
عرَّفنا ربُّنا ﵎ على نفسه في هاتين الآيتين, فقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٦ - ٧].
عرَّفنا ربُّنا أنَّه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. والدابة كلُّ حيوانٍ يدب على الأرض, فيدخل فيه الإنسان والحيوان والطيور, وحقيقة الرزق: ما يتغذَّى به الحيوان الحيُّ, ويكون فيه بقاء روحه, ونماء جسده.
وقد أعلمنا ربُّنا في هذه الآية أنَّه متكفلٌ بأرزاق المخلوقات التي تدبُّ على الأرض, صغيرها وكبيرها, بحريِّها وبريِّها, ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
стр. 156
وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ , أي: يعلم مسارها في النهار, ومأواها في الليل, وقوله: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] فالله - تعالى - يعلم ذلك, وقد كتبه في كتابٍ مبين, أي: في اللوح المحفوظ.
وعرَّفنا ربُّنا أنه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
هذا العلم الذي حوته هذه الآية من العلم الذي لا يعلمه البشر إلا من قبل الوحي الإلهيِّ الربانيِّ, وقد أعلمنا ربُّنا في هذه الآية أنَّه خلق السموات والأرض في ستة أيامٍ, والله أعلم بمقدار تلك الأيام, وأخبرنا ربنا أن عرشه كان على الماء, فالعرش الذي استوى عليه كان مخلوقاً قبل السموات والأرض, وكان هذا العرش على الماء, فالماء كان موجوداً قبل السموات والأرض وقد جاءت عدَّة أحاديث تدلُّ على ما دلَّت عليه الآية, وفيها مزيدٌ من التفصيل, فمن ذلك ما رواه البخاري عن عمران بن حصينٍ ﵁ , قال: دخلت على النبيِّ ﷺ وعقلت ناقتي بالباب, فأتاه ناسٌ من بني تميم, فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم». قالوا: قد بشَّرتنا فأعطنا - مرتين - ثمَّ دخل عليه ناسٌ من أهل اليمن, فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميمٍ».
قالوا: قد قبلنا يا رسول الله, قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر, قال: «كان الله ولم يكن شيءٌ غيره, وكان عرشه على الماء, وكتب في الذِّكر كلَّ شيءٍ, وخلق السَّموات والأرض». فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا بن الحُصين. فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السَّراب, فو الله لوددت أنِّي كنت تركتها.] البخاري: ٣١٩٢].
стр. 157
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنةٍ» وقال: «وعرشه على الماء» [مسلم: ٢٦٥٣].
وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: ليختبركم أيُّكم أحسن عملًا، ولم يقل: أيكم أكثر عملًا، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله وعلى شريعة رسول الله ﷺ ، فمتى فقد العمل واحدةً من هذين الشرطين بَطُلَ وحَبِطَ.
* * *
وجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٢ - ٤].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
بغير عمدٍ: الأعمدة الأساطين الذي يقوم عليها البناء.
استوي على العرش، أي: علا وارتفع واستقرَّ، وعرش الرحمن سرير ملكه.
مدَّ الأرض: وسَّعها وبسطها.
رواسي: الرواسي الجبال.
الزوجان: الزوج الواحد، والزوجان الاثنان.
يغشى، أي: يغطي.
قطع متجاورات: أراضٍ يجاور بعضها بعضًا.
نخيل صنوان وغير صنوان: الصنوان جمع صنو، وهنَّ النخلات يجمعهن أصل واحد، وغير صنوان، أي: متفرقات.
رابعًا: شرح آيات هذا الموضع
عرَّفنا ربُّنا بنفسه في آيات هذا الموضع، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَي عَلَى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجلَّ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢].
стр. 160
أعلمنا ربُّنا أنَّه وحده الذي رفع السموات بغير عمدٍ، والسموات كما أخبرنا - سبحانه - في غير موضع في كتابه سبعٌ بعضها فوق بعض، وقد أخبرنا ربُّنا في هذه الآية أنه ﴿رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: رفعها بغير عمدٍ، أي بغير أساطين نراها، وقيل: رفعها بأعمدة لا نراها.
والسماء الدنيا محيطةٌ بالأرض من جميع جهاتها، والسماء الثانية محيطة بالسماء الأولى، ﴿ثُمَّ اسْتَوَي عَلَى العَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] أي: استوى - سبحانه - على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ومعنى استوي علا واستقرَّ وارتفع، ومعنى الاستواء معلومٌ، ولكن كيفية الاستواء مجهولةٌ.
وقوله: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجلَّ مُّسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] أي: ذلَّل سبحانه الشمس والقمر، وجعلهما يجريان إلى قيام الساعة، والشمس والقمر أظهر الكواكب السيارة، وإذا جاء يوم القيامة، فإن الشمس تكوُّر ويذهب ضوؤها، والقمر يخسف ويزول، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْر﴾ يدبر أمور الآخرة والدنيا وحده سبحانه، بغير شريك، ولا ظهير، ولا معين، وقوله: ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] أي: يبين الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرة الله، لعلكم توقنون بلقاء ربكم إذا فصَّل لكم الآيات.
وكما أعلمنا ربُّنا بما سبق بيانه في السموات والأرض والشمس والقمر أعلمنا سبحانه بأنه ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣] أخبرنا سبحانه أنَّه مدَّ الأرض، أي: جعلها متسعةً ممتدةً في الطول
стр. 161
والعرض، ﴿وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣] أي: أرسى الأرض وثبَّتها بالجبال ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] والزوج يطلق على الاثنين وعلى الواحد المزاوج للآخر، والمراد بالزوج الواحد، ولهذا أكَّد الزوجين بالاثنين لدفع توهم أنه أريد بالزوج هنا الواحد، فالثمرات زوجان منها الحلو والحامض، والأبيض والأسود، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٣] أي: جعل كلاً منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، فإذا ذهب هذا غشية هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: يتفكرون في آيات الله، أي: في مدِّ الأرض، وإرسائها بالجبال، وما جعله فيها من الثمار، وتعاقب النور والظلمة.
وأخبرنا ربُّنا العليُّ الأعلى سبحانه أنَّ ﴿وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
أخبرنا ربُّنا أنَّه جعل في الأرض قطعًا متجاوراتٍ، أي: أراضي يجاور بعضها بعضًا، وفاوت بين هذه الأراضي، فجعل بعضها أرضًا طيبةً تنبت العشب، وتحفظ الماء، وجعل قطعةً مجاورة سبخةً مالحةً لا تنبت، وجعل قطعةً ثالثةً صخريةً صلدةً قاسية، وقد تتفاوت الأرض في ألوانها، وهي متجاورة، فتكون هذه بيضاء، وهذه سوداء، وهذه حمراء، وقد تكون الأرض جنانًا متنوعةً، أي: بساتين متنوعة، فتكون جناتٌ من أعنابٍ وزرعٍ، ونخيل صنوانٍ وغير صنوان، يسقى بماء واحد، أي: تكون الأرض الواحدة تنبت
стр. 162
أشجاراً شتى، فيها الخوخ والكمثرى والتفاح والبرتقال، ويحمل بعضها أكثر من بعضٍ، ويكون بعضها حلواً، وبعضها حامضاً.
وقوله: ﴿ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ والصنوان جمع صنو، وهنَّ النخلات يجمعهن أصل واحد، ﴿وغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ أي: نخلًا متفرقًا، كلُّ واحدة على حدة، يسقيها ماءٌ واحدٌ، ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ أي: وتختلف طعومها فيما بينها، فهذا حلو، وذاك حامض، وهذا مِزٌّ ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: أن ما يُحدِّث عنه ربُّ العزَّة من هذه الجنات والزروع آياتٌ لقومٍ يعقلون أي: ما يُتحدَّث عنه، وما يرونه بأبصارهم.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه ﵎
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات بإعلامنا سبحانه أنه:
١ - خلق السموات الهائلة الكبيرة الواسعة بغير أعمدة نراها، وكذلك الأرض جعلها سابحة في الفضاء.
٢ - استوي سبحانه ﵎ على عرشه، وهو سرير ملكه استواءً يليق بجلاله، لا يشبهه استواء المخلوقين، وليس كمثله شيء.
٣ - سخَّر الله تعالى لنا الشمس والقمر، وجعل كلاً منهما يجري إلى أجلٍ محدَّدٍ.
٤ - الله ﵎ هو الذي مدَّ الأرض وبسطها، وجعل فيها جبالًا رواسي تثبتها، وجعل فيها الأنهار التي تسقي العباد والزروع.
стр. 163
٥ - الله - تعالى - الذي أنشأ ما لا يعدُّ من الأشجار في بقاع الأرض، تخرج أنواع الثمار.
٦ - الله تعالى يغشي الليل النهار، أي: يغطيه بظلامه، وذلك عندما ينقضي النهار، ويأتي الليل.
٧ - الله تعالى هو الذي جعل في أرضنا قطعًا من الأراضي متفاوتة فيما بينها، فبعضها ذو خصوبة، وبعضها لا خصوبة فيه، وقد يكون غنيًا بالمعادن، وبعضها من ترابٍ وأخرى من صخورٍ.
٨ - الله جعل لنا في أرضنا جناتٍ من أعناب، والأعناب أنواع شتَّى تختلف في طعومها وألوانها، وتختلف في زمن نضجها، وجعل لنا ما لا يحصى من الزرع من القمح والشعير والذرة والعدس وغيرها، والله تعالى جعل لنا النخيل صنوانًا متشابهةً فيما بينها، وغير صنوانٍ، أي: مختلفة فيما بينها، وهي مع ذلك كله تسقى بماء واحد.
* * *
стр. 164
الموضع القرآني [٣٤]
الله يعلم ما تحمل كلَّ أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا - تعالى - بنفسه في هذه الآيات، ومن ذلك أنه يعلم ما تحمل كلُّ أنثى في هذا الكون الواسع العريض، ويعلم كلَّ ما يجري في الأرحام، ويعلم السر المكنون في الصدور، والحركة الخفية في جنح الظلام، ويعلم كلَّ مستخفٍ بالليل وكلَّ سارب وهامس وكلَّ جاهر، وحدَّثنا ربُّنا عن الملائكة المعقبات التي تحفظ الإنسان من أمر الله، وحدَّثنا الله تعالى عن البرق والسحاب والرعد، وهي مظاهر صنعها الله تعالى في هذا الكون الواسع العريض لحكمٍ يعلمها الله تجري في هذا الكون الواسع الكبير.
وعرَّفنا ربُّنا سبحانه أنَّ له الدعوة الصحيحة الوافية، وهي دعوة الحقِّ دعوة التوحيد، ودعوة الكفار التي تتجه إلى الأصنام دعوة باطلة ضائعة.
стр. 165
وضرب الله المثل للكفار الذين يدعون غيره بطالب الماء الذي يوجِّه يديه إلى الماء فلا يبلغ الماء فاه.
ويعلمنا ربُّنا سبحانه - أنَّ كلَّ من في الكون خاضع لله ساجدٌ له طوعًا وكرهًا، وهو سبحانه ربُّ السموات والأرض، فكيف اتخذوا من دونه آلهة لم يَشْرَكوا الله في خلق الأرض والسماء، فالله هو الخالق لكلِّ شيءٍ وهو الواحد القهار. وضرب ربُّ العباد مثلًا للحقِّ والباطل، فالباطل هو الغثاء الذي يحمله السيل عندما تهطل الأمطار في الوديان والشعاب، ومثله مثل الزبد الذي يظهر على صهارة المعادن التي تذاب ليصاغ منها الحلي كالذهب والفضة، والحقُّ هو الماء الهاطل من السماء الذي يسير في الوديان والشعاب، وهو الذهب والفضة الذين يوقدون عليه النار.
ثانيًا آيات هذا النص من سورة الرعد
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ومَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ ومَا تَزْدَادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وإذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ومَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن والٍ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ * لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن
стр. 166
دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ومَا هُوَ بِبَالِغِهِ ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ * ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ والآصَالِ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ والنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ * أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ومِمَّا
يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ٨ - ١٧].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
تغيض الأرحام: تنقص بذهاب بعض ما فيها.
وما تزداد، أي: تنمو الأرحام وتكبر في أثناء فترة الحمل.
مستخف بالليل، أي: مستتر به على وجه الخفاء.
سارب: ظاهر بارز.
الثقال: السحاب الممتلئ بالماء.
دعوة الحق: الدعوة الصحيحة القائمة على التوحيد.
بقدرها، أي: سالت الأودية بحسب ما تتسع له.
стр. 167
رابعًا: شرح هذا الموضع من الآيات
عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بنفسه سبحانه، وبيَّن لنا أنه الذي فعل ما يأتي:
١ - الله يعلم ما تحمل كل أنثى:
أعلمنا ربُّنا أنه ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى ومَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ ومَا تَزْدَادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] وكم في الأرض من أنثى من النياق والبقر والغنم والخيل والحمير والغزلان وغيرها مبثوثةٌ في هذه الأرض الواسعة العريضة بعضها يقوم بأعماله في ظلمة الليل، وبعضها ينشط في وضح النهار لا يستخفي من أحد، وعلم الله يحيط بها، وبما تحمله في بطونها، فما تغيض الأرحام، أي: تنقصه فإن الله يعلمه، وما تزداد أرحامها فإنه يعلمه، وكلُّ شيءٍ عنده بمقدارٍ.
ومن جملة أنثى الحيوان الذي يدخل في الآية، ويحيط به علم الله أنثى الإنسان. وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] والغيب ما غاب عنا في هذا الكون الواسع العريض، وهو لا يُحصى كثرة، والشهادة ما نشاهده من البشر والبحار والأنهار والحيوان والشمس والقمر والنجوم وغيرها، وهو قليلٌ بالنسبة لما غاب عنا، ويستوي في علم الله تعالى علمُ ما غاب عنَّا، وما نشاهده، فهما في علمه سواء، والله تعالى هو ﴿الكَبِيرُ المُتَعَالِ﴾ والله هو الكبير، فلا أحد أكبر منه، وهو المتعالي، أي: العالي على كلِّ شيء، فلا شيء أعلى منه.
стр. 168
وأعلمنا ربُّنا أنَّه يستوي في علمه الجهر والعلانية ﴿سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] أعلمنا ربُّنا أنه يستوي في علمه الذي يسر قوله ويخفيه، ومن يجهر به ويبديه، كما يستوي عنده سبحانه المُستخفي في ظلمة الليل، والساربُ الظاهرُ في وضح النهار، كلاهما في علمه سواء.
٢ - له معقباتٌ من بين يديه ومن خلفه:
أعلمنا ربُّنا أنَّ لكلِّ واحدٍ منَّا ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، والمعقبات ملائكةٌ وضعهم رب العزة على كلِّ واحدٍ من البشر يحفظونه من أمر الله تعالى، فلا يصل إليه سوء لا يريد الله أن يصل إليه، فإذا جاء العبد ما قدَّر الله أن يصل إليه خلُّوا بينه وبين قدر الله، وهذه الملائكة غير الملائكة الذين يحفظون على العبد أعماله صالحها وطالحها.
وقوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] أي: لا يزيل الله النعم التي أنعم بها على عباده في أنفسهم وفيما حولهم حتى يعملوا بمعاصيه، ويهجموا على ما حرَّمه عليهم، عند ذلك يسلبهم الله نِعَمه، ويحلُّ بهم نِقَمه، وتتبدَّل أحوالهم.
وقوله تعالى: ﴿وإذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ومَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] أي إذا أراد الله أن يحل بقومٍ نِقَمه، فلا يستطيع أن يردَّ
стр. 169
عليه أحدٌ مراده، لا من الأنس ولا من الجنِّ ولا من الملائكة، وليس لمن حلَّ بهم العذاب والٍ يتولاهم، ولا حامٍ يحميهم، ويمنع عنهم العذاب.
٣ - الرعد يسبح بحمد الله والملائكة يسبحون من خيفته:
أعلمنا ربُّنا ﵎ أنَّه ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] أعلمنا ربُّنا ﵎ أنَّه هو الذي يرينا البرق خوفًا وطمعًا، والبرق اللمعان الذي يظهر في السحاب، والله تعالى يرينا البرق فنخافه، لأنه قد يتحول إلى صاعقةٍ، وقد يكون نذيرًا بسيل مدمر، ﴿وطَمَعًا﴾ لأنه قد يأتي بالخير، فقد يأتي بالمطر الذي يحيي الأرض بعد موتها، وقد يجري الأنهار، ويغذو العيون، ويجعلها تتدفق.
والله ﵎ ينشئ السحاب والثقال، ينشئ السحاب الممتلئ بالماء ويصرفه إلى مختلف بقاع الأرض، فتحمل السحابة الماء فتسقي العباد والدواب والأرض، وأخبرنا ربُّنا أن الرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] فهذا الصوت المدوِّي الذي يأتي من الرعد هو تسبيح بحمد الله، وتسبح ﴿الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ وأخبرنا ربُّنا أنه ﴿يُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ﴾ أي أن الله تعالى يرسل الصواعق على من يشاء أن يصيبه بها ﴿وهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] والذين يجادلون في الله أهل الشرك، يجادلون في وحدانيته، وفي استحقاقه العبادة.
стр. 170
٤ - الله ﵎ له دعوة الحق:
أخبرنا - ربُّنا ﵎ أنَّ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ومَا هُوَ بِبَالِغِهِ ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
أخبرنا الله أن له دعوة الحقِّ، ودعوة الحقِّ دعوة التوحيد القائمة على: لا إله إلا الله، والذين يدعون من دون الله الآلهة من الأصنام والأوثان وغيرهم لا تستجيب هذه الأصنام لدعوتهم ﴿إلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ومَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ إلا كالذي يقف في أعلى البئر أو النهر ويبسط كفيه إلى الماء، يريد أن يصعد الماء إلى فمه، وليس في الماء خاصية أن يصعد إلى أعلى، ويستجيب إلى ما يريده الإنسان، ولذلك قال: ﴿ومَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ أي: لن يصعد الماء إلى فمه، وكذلك هذه الآلهة التي يدعونها من دون الله تعالى، لا تسمع دعاءهم، ولا تجيب نداءهم، ﴿ومَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: وما دعاء الكافرين إلا في ضياع، فالآلهة التي يدعونها لا تسمع ولا تجيب، ودعاء الكافرين بذلك يكون ضائعًا.
وأخبرنا ربُّنا ﵎ أنه ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ والآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] أخبرنا ربُّنا أنَّه يسجد له من في السموات والأرض طوعًا، وهؤلاء هم الملائكة ومؤمنو الأنس والجنِّ، ﴿وكَرْهًا﴾ وهم الكفار والمنافقون في حالات الخوف والاضطرار،
стр. 171
والله أعلم بطريقة سجودهم كرهًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿ولَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي: وله يسجد ظلال الناس بالغدوِّ في الصباح وبالآصال، والآصال جمع أصيل، أي: في آخر النهار عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال.
٥ - الله تعالى رب السموات والأرض ورب كل شيء وخالق كل شيء:
أمر الله ﵎ أن يسأل المشركين، ويقول لهم: ﴿مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ والنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦].
أمر ربُّ العزَّة سبحانه ورسوله ﷺ أن يسأل المشركين، ويقول لهم: من ربُّ السموات والأرض ﷺ وأمره أن لا ينتظر إجابتهم، بل يسارع بالإجابة ويقول: ﴿اللَّهُ﴾ ثم أمره أن يتبع السؤال الأول بسؤال ثانٍ، ويقول ﴿أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًا﴾ يقول لهم: إذا كان الله تعالى هو خالق السموات والأرض، فكيف تتخذون من دون الله أولياء، أي: شركاء، وهؤلاء الشركاء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فالآلهة التي يعبدونها من دون الله أصنامٌ لا تنفع ولا تضر، ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يتبع السؤالين السابقين بثلاثة أسئلة أخرى، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ﴾ يريد بالأعمى المشرك الكافر، والبصير المؤمن الموحِّد، والجواب: أنهم لا يستويان، وقوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي
стр. 172
الظُّلُمَاتُ﴾ أي: هل تستوي الظلمات والنور، والجواب أنهم لا يستويان، والسؤال الأخير ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِه﴾ أي: جعلوا أنداداً يعبدونهم معه، وقوله: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ والجواب: أنَّ هذه الآلهة الباطلة التي جعلوها شركاء لله تعالى في عبادته، لم تشركه في الخلق، ولذلك قال ربُّ العزة: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ قل لهم: إنَّ الله تعالى هو وحده خالق كلِّ شيء فهو خالق ما في السموات والأرض وما فيهما، وما بينهما، وهو خالق آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وهو الواحد، أي: في ربوبيته وألوهيته وفي أسمائه وصفاته، وهو الذي قهر عباده ومخلوقاته بعزَّته وجبروته.
٦ - مثل ضربه الله للحق والباطل والإيمان والكفر:
قال ربُّ العزَّة ﵎: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]، قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة.
«وهذا مثلٌ ضربه الله للحقِّ والباطل والإيمان به والكفر، يقول تعالى ذكره: مثل الحقِّ في ثباته والباطل في اضمحلاله مثل ماء أنزله الله من السماء إلى الأرض ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ يقول: فاحتملته الأدوية بمثلها، الكبير
стр. 173
بكبره، والصغير بصغره، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ يقول: فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء زبدًا عاليًا فوق السيل، فهذا أحد مثلي الحقِّ والباطل، فالحقُّ هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل.
والمثل الأخر: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ يقول جلَّ ثناؤه: ومثل آخرٌ للحق والباطل، مثل فضَّةٍ أو ذهبٍ يوقد عليها الناس في النَّار طلب حليةٍ يتخذوها أو متاع، وذلك من النحاس والرصاص والحديد، يوقد عليه ليتَّخذ منه متاع ينتفع به ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ يقول تعالى ذكره: ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء زبدٌ مثله، بمعنى: مثل زبد السيل لا يُنتفع به ويذهب باطلًا، كما لا يُنتفع بزبد السيل، ويذهب باطلًا، ورفع «الزبد» بقوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ ومعنى الكلام: ومما يوقدون عليه في النار زبدٌ مثل زبد السيل في بُطولِ زبدِهِ، وبقاء خالص الذهب والفضة. يقول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ يقول: كما مثَّل الله الإيمان والكفر في بُطولِ الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله بالباقي النافع من ماء السيل وخالص الذهب والفضة، كذلك يُمثِّلُ الله الحقَّ والباطل. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ يقول: فأما الزبد الذي علا السيل، والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها، فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به، وتعلُّقه بالأشجار وجوانب الوادي. ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء والذهب والفضة والرصاص والنحاس، فالماء
стр. 174
يمكث في الأرض فتشربه، والذهب والفضة تمكث للناس ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ يقول: كما مثَّل هذا المثل للإيمان والكفر، كذلك يُمثِّل الأمثال» [تفسير ابن جرير الطبري: ٦/ ٤٧٢٠].
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا تعالى بنفسه في هذه الآيات
عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات، عرَّفنا بأنه الفاعل لما يأتي والمتصف بما يأتي:
١ - علم الله تعالى محيطٌ بكلِّ أنثى في هذه الأرض، فهو يعلم ما تحمل كلُّ أنثى في رحمها، ويعلم ما تنقصه الأرحام، كما يعلم نمو الرحم وزيادته.
٢ - علم الله محيطٌ بما غاب عنَّا وما نشاهده والله تعالى الكبير المتعالي.
٣ - يستوي في علم الله ما أسررنا به وأخفيناه، وما أظهرناه وأبديناه، كما يستوي في علم الله الساتر لنفسه في ظلمة الليل، والمظهر لنفسه في وضح النهار.
٤ - وكَّل الله تعالى بنا ملائكة يحفظوننا، فلا يصل إلينا إلاَّ ما قدَّر الله أن يصل إلينا.
٥ - الله تعالى هو الذي خلق البرق، فنراه خائفين طامعين، وهو الذي ينشئ السحاب الثقال.
٦ - الرعد يسبِّح بحمد الله، والملائكة تسبح من خيفة الله تعالى، وقد يرسل الله تعالى الصواعق، فيصيب بها من شاء إصابته بها.
стр. 175
٧ - الله تعالى له دعوة الحقِّ القائمة على التوحيد، والذين يدعون من دون الله من الأصنام دعوتهم باطلة.
٨ - كل من في السموات والأرض يعبدون الله، ويسجدون له، طائعين أو كارهين، وكما يسجدون له تسجد له ظلالهم في الصباح والمساء.
٩ - الله تعالى المتفرد سبحانه بخلق السموات والأرض، وكفار قريش كانوا يقرون بذلك، ولذا فإنهم يتناقضون عندما يتخذون من دون الله أولياء.
١٠ - ضرب الله تعالى مثلًا للحقِّ والباطل، بالماء الهاطل من السماء، فسالت الأودية والشعاب كلُّ بقدره، فاحتمل السيل الذي سالت به الوديان زبدًا رابيًا، ومثل ذلك الزبد الزبدُ الذي يظهر على صهارة الخامات المعدنية مثل خامات الذهب والفضة وغيرها التي يوقدون عليها النار، فالزبدُ الذي يحمله السيل والزبدُ الذي يعلو الصهارة يذهبُ ويزولُ، أما ما ينفع الناس، وهو الماء فيمكث في الأرض.
* * *
стр. 176
الموضع القرآني [٣٥]
بعض ما سخره الله للإنسان
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في الآيات التاليات ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]
عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه خلق السموات بنجومها وشموسها وأقمارها، وجعلها سقفًا محفوظًا، وجعلها سبعًا طباقًا، وخلق الأرض بجبالها وسهولها، وحيوانها ونباتها، وأنزل سبحانه الماء من السماء , فأخرج به أزواجًا من نباتٍ شتى ما بين ثمارٍ وزروعٍ، مختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والروائح والمنافع، وسخر لنا الفلك، وهي السفن لتجري في البحر بإرادته ومشيئته، فتحملنا وتحمل أثقالنا، وسخَّر لنا الأنهار تشقُّ الأرض من قطر إلى
стр. 177
قطرٍ وجعل ماءها شرابًا لنا، ولحيواناتنا، ونباتاتنا، وسخَّر لنا ربُّنا سبحانه الشمس والقمر دائبين، يسيران، ولا يقرّان ليلًا ولا نهارًا، وسخَّر لنا الليل والنهار، أحدهما لمنامنا وراحتنا، والآخر يبعثنا فيه، لنعمل ونقوم بمهامنا، وقد جعل ربُّنا سبحانه الشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتقارضان، فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثمَّ يأخذ الآخر من هذا فيقصر.
وآتانا ربُّنا من كلِّ ما سألناه إياه ﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ لقد آتانا الله ﵎ من كلِّ ما سألناه واحتجنا إليه من أنواع الطعام وأنواع الشراب وأنواع الفواكه وأنواع اللباس، وأخبرنا ربُّنا أننا لا نستطيع إحصاء نعمه التي أنعم بها علينا ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ومع كثرة النعم التي أنعم بها على عباده، فإنَّ الإنسان كثير الظلم لنفسه، فبدل أن يقابل النعم بالشكر لله الواحد الأحد، إذا هو يقابلها بالكفر ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ وظلومٌ وكفَّارٌ صيغتان من صيغ المبالغة أراد الله تعالى بهما إظهار مدى ظلم الإنسان وكفره.
* * *
стр. 178
الموضع القرآني [٣٦]
خلق الله الإنسان من نطفة
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآيات بنفسه، وحدَّثنا بنعمه التي أنعم بها علينا في الأرض والسماء، ومن ذلك خلقه الأرض والسماء، وخلقنا من نطفةٍ ضعيفةٍ، وخلق لنا الأنعام، لتكون لنا مأكلًا، وصوفها ملبسًا، ونركبها في حاجاتنا، وتحمل أثقالنا.
وخلق لنا ربُّنا الخيل والبغال والحمير لنركبها، ونتجمل بها، وأنزل لنا الماء من السماء لنشرب منه، ونسقي منه دوابَّنا، ونروي زروعنا، وسخَّر لنا الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، وبثَّ لنا في الأرض ما نحتاج إليه من المنافع والمصالح , وسخَّر لنا البحر لنأكل منه اللحم الطريَّ، ونلبس مما يخرج منه من حليِّ، ونسيِّر فيه سفننا لتحملنا وتحمل تجاراتنا، وثبَّت الله العظيم الكريم سبحانه أرضنا بالجبال الرواسي، وسيَّر لنا فيها الأنهار، وجعل لنا فيها
стр. 179
الممرات والطرقات نسير فيها مشرِّقين ومغربين، وجعل لنا فيها العلامات التي تهدينا في أسفارنا، وهدانا بالنجوم في ظلمات الليل، وهو ربُّنا ﵎ الذي لا يعدُّ ولا يحصى خلقه، ولا تعدُّ نعمه، وهو العالم بنا لا يخفى عليه شيءٌ مما نسرُّ به ونخفيه، ولا ما نعلنه ونبديه سبحانه.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة النحل
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ