← Акыда

Акыда · id 17068

الله يحدث عباده عن نفسه

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (277 стр.). Показаны 246–277 · переход к 251.

стр. 246

يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ٦ - أخبرنا ربُّنا ﵎ أنَّ الله تعالى يعلم ما بين أيدي عباده من الملائكة والإنس والجن، وهو ما أمامهم إلى قيام الساعة، ويعلم ما خلفهم، أي: من أمر الدنيا، ولا يحيط علمهم بالله تعالى، فهم يعلمون عن الله ما علمهم الله تعالى إيَّاه، ولكنَّ علمهم بالله قليل ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. ٧ - أخبرنا العليم الحكيم سبحانه أن الوجوه يوم القيامة تعنو للحيِّ القيوم ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]. وعنوُّ الوجوه يوم القيامة للحيِّ القيوم سبحانه يعني خضوعها له، وذلَّها واستسلامها للجبَّار القهار ﵎، والحيُّ القيوم هو الله تعالى، فحياته دائمةٌ أبديةٌ سرمديَّةٌ، ولكمال حياته سبحانه لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، وقيُّوم: قائمٌ بنفسه، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وهو مقيم لغيره، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: خسر وذلَّ من جاء يوم القيامة حاملاً للظلم، والمراد بالظلم هنا الشرك، كما قال لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ٨ - أخبرنا الله ﵎ بالناجين يوم الدين، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] أخبرنا ربُّنا

стр. 247

- أنَّ الذي يعمل الأعمال الصالحة في حال كونه مؤمناً فإنَّه لا يخاف يوم القيامة ظلماً ولا هضماً، والظلم أن تكثر سيئاته وتعظم من غير سبب منه، والهضم أن تنقض حسناته وتبخس. ٩ - أنزل الله آخر كتبه وهو القرآن الكريم بلسان العرب، وصرَّف فيه أنواع الوعيد لعلَّ العباد ينزحون عن الكفر والشرك والذنوب والمعاصي، ليحدث القرآن للعباد في قلوبهم ذكراً لربِّهم ﵎ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. امتنَّ الله ﵎ على عباده المؤمنين بإنزاله عليهم القرآن الكريم، بلسان عربيٍّ مبين، وصرَّف فيه أنواع الوعيد، فإذا لامس الوعيد قلوب العباد خافت ربَّها، واتقته، فاجتنبت المآثم والفواحش والمحارم، وأوقع في قلوبها الذكر، فاعتبرت واتعظت. ١٠ - نزَّه الله تعالى نفسه عن مماثلة المخلوقات في شيءٍ من الأشياء في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤] وقد وصف ربُّنا نفسه بأنَّه الملك الحقُّ سبحانه. ونهى الله تعالى رسوله ﷺ عن العجلة بقراءة القرآن عندما كان يوحى به إليه قبل أن يتم جبريل قراءته عليه ﴿وَلَا تَعْجلَّ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجلَّ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].

стр. 248

خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه: عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات وفق ما يأتي: ١ - يأمر الله ﵎ إسرافيل يوم القيامة أن ينفخ في الصور، فيقوم الناس لربِّ العالمين. ٢ - يحشر الله ﵎ يوم الدين المجرمين من الكفرة والمشركين زرق العيون. ٣ - ينسف الله تعالى الجبال يوم القيامة، فيصبح مكانها أرضٌ مستويةٌ، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض. ٤ - يتبع الناس يوم القيامة نداء إسرافيل لا يحيدون عنه، وتخشع الأصوات في ذلك اليوم، فلا يُسمع إلا الهمس. ٥ - لا يشفع في ذلك اليوم أحدٌ عند الله إلا من أذن الله تعالى له، ورضي قوله. ٦ - الله ﵎ يعلم ما أمام الناس في الآخرة، وما خلفهم في الدنيا، ولا يحيط العباد بربهم علماً. ٧ - تعنو الوجوه لربِّها يوم القيامة. ٨ - المؤمنون الذين يعملون الصالحات يوم القيامة آمنون ولا يخافون ظلماً ولا هضماً. ٩ - الله تعالى هو الذي أنزل القرآن، وصرَّف فيه ألوان الوعيد. * * *

стр. 249

الموضع القرآني [٤٦] لم يخلق الله السموات والأرض لعبًا وباطلًا أولًا: تقديم بيَّن الله تعالى ما لا يجوز له فعله فيما أخذ نفسه به، فهو لم يخلق السموات والأرض لعباً وعبثاً، وأعلمنا سبحانه أنَّ له من في السموات والأرض، وله عباده الذين يسبحونه في الليل والنهار، وأعلمنا أنَّه الواحد في هذا الكون الذي يستحقُّ أن يعبد. ثانيًا: آيات هذا النص من سورة الأنبياء ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ *

стр. 250

أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ٣٥]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات يقذف: شبَّه الحقَّ من القول بالقذيفة التي ترمى في القتال. فيدمغه: فيصيبه في دماغه. زاهق، أي: هالك.

стр. 251

الويل: العذاب. يستحسرون: لا يعيون ولا يتعبون. يفترون: لا يضعفون ولا يسأمون، ولا يشغلهم عن التسبيح شيء. مشفقون: خائفون وجلون. رابعًا: شرح آيات هذا الموضع عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات ببيان ما يأتي: ١ - الغاية التي خلق الله السموات والأرض من أجلها: أخبرنا ربُّنا ﵎ أنه ما خلق السموات والأرض وما بينها لهواً ولعباً، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦] لم يخلقهما ربُّنا عبثاً وباطلاً، ولعباً ولهواً، وإنما خلقهما ليكون الكون كلُّه معبداً لله تعالى، ودليل ذلك أنَّ الله تعالى سيحاسب العباد في يوم المعاد على ما قدَّموه، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار﴾ [ص٢٧]. وأخبرنا ربُّنا أنَّه لو أراد أن يتخذ لهواً، لاتخذ لهواً من عنده ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] وأصل اللهو: الجماع، ويطلق على الزوجة أو الولد، والله تعالى أعلى وأجلَّ وأكرم من أن يتخذ لهواً، ولذلك قال: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا فاعلين.

стр. 252

وقال تعالى مبيناً قدرته على إبطال الباطل ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] والحقُّ الذي يقذف به على الباطل ما أنزله تعالى في كتبه، وأوحى به إلى رسله، وفيه الحجج النيرات والبراهين النيرات، التي تقيم الأدلة على الحقِّ، وتظهر عوار ما جاء به أهل الباطل. وقوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ أي: ولكم العذاب مما تصفون به الله من الباطل، كدعواهم أنَّ الله اتخذ ولداً، وقوله: إذا هو زاهق، أي: ذاهبٌ زائلٌ مضمحلٌ. ٢ - الله تعالى له من في السموات والأرض: الله تعالى له وحده ملك السموات والأرض، فهو مالكهما وخالقهما ومدبرهما لا يشركه في ذلك أحدٌ ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. وإذا كانت السموات والأرض خلقه وملكه، فكلُّ ما فيهما مخلوقٌ مربوبٌ، ومن ذلك الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار والشمس والقمر، وكل ما عبده البشر، وأراد بالذين عنده الملائكة فإنهم لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، فالملائكة الكرام لا يستكبرون عن عبادة الله، ولا يتعاظمون أن يعبدوه، ولا يأنفون ذلك. وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: لا يعيون، ولا يتعبون.

стр. 253

وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ أي: لا يشغلهم عن التسبيح شيءٌ، فالتسبيح لهم بمثابة النفس لنا. ٣ - بطلان الآلهة التي يعبدها الكفار من دون الله: أخبرنا ربُّنا ﵎ أنَّ الكفار اتخذوا من دون الله آلهة، وقد أنكر الله - تعالى - عليهم ذلك، وبيَّن أنَّ هذه الآلهة باطلةٌ، لا تقدر على إحياء الموتى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١]، وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ أم هنا بمعنى بل، وهمزة الاستفهام، كأنَّ في القول إضراباً عن الأول. وقوله: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي: يحيون الموتى، لأنَّ من صفة الإله الحقِّ أنه يحيى الموتى. قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أنَّ آلهتهم التي يعبدونها مصنوعةٌ من جنس الأرض، فهي أصنام مصنوعة من الصخور أو الطين، أو الخشب، أو الحديد أو نحو ذلك. أخبر الله تعالى أنَّ استقامة أمر السموات والأرض يدلُّ على وحدانية الله، وأنَّه لا إله غيره، ولا معبود سواه ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢ - ٢٣]. وهذا الذي ذكره ربُّنا يسمى دليل التمانع، فلو كان فيهما آلهة غير الله لفسدت السموات والأرض، لأنَّ الآلهة ستختلف فيما بينها، فلو أراد أحدهم خلق شيءٍ، وأراد الآخر عدم خلقه، فإن تعارضهما سيمنع الخلق، فإن قدر

стр. 254

أحدهما على الإيجاد، ولم يستطع الآخر المنع، كان الذي لم يستطع الخلق عاجزاً لا يصلح أن يكون إلهاً. وقد نزَّه تعالى نفسه عن الشريك بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ فهو واحد أحد فرد صمد، لا شريك له. ٤ - طلب الله تعالى من المشركين أن يأتوا بما يدلُّ على صحة ما ادعوه من آلهة: قال الله - تعالى - منكراً على المشركين فيما اتخذوه من آلهة يعبدونها من دون الله ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] والمعنى: بل اتخذوا من دون الله آلهة، وطالبهم أن يأتوا بدليلٍ وبرهانٍ يدلُّ على صحة ما يزعمونه، وأعلم أنَّ الأدلة المنزلة من عند الله التي أنزلها في كتابه القرآن وفي جميع الكتب السماوية السابقة تدلُّ على وحدانية الله، وقرَّر سبحانه أنَّ أكثر الكفار لا يعلمون الحقَّ فهم معرضون عن الحقِّ. ومما يدلُّ على كذب ما ادَّعاه المشركون أن جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم أعلنوا للناس جميعاً أنَّه لا إله إلا الله، فاعبدوه وحده ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥].

стр. 255

٥ - تنزيه الله - تعالى - عن الولد: ادَّعى بعض العرب أنَّ الملائكة بنات الله، وقد ردَّ الله عليهم، وأكذبهم، فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]. وقد نزَّه ذاته عما يقولونه ويفترونه ثم أخبر أنَّ ملائكته عبادٌ مكرمون، لا يسبقونه بالقول، فلا يقولون حتى يقول، وهم بأمره يعملون، وأخبر أنَّ علمه محيط بهم، يعلم ما بين أيديهم، أي: ما أمامهم من أمر الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، أي: إلا لمن رضي الله عن الشفاعة لهم، وهم عصاة الموحدين، وأخبر أن الملائكة كانوا ولا يزالون مشفقون، أي: خائفون من خشية الله، وقال: ومن يقل منهم: إنَّه إله من دون الله، فإنَّ الله يجزيه جهنَّم، كذلك يجزي الظالمين، وهذه فرضيةٌ، وإلاَّ فإنَّه يستحيل أن يدعي واحد من الملائكة أنه إله من دون الله. خامساً: كيف عرف ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات عرف ربُّنا في هذه الآيات بما يأتي: ١ - لم يخلق الله ﵎ السموات والأرض لعباً وعبثاً، بل خلقهما لغايةٍ صحيحةٍ، خلقهما ليعبد ويطاع.

стр. 256

٢ - الله ﵎ له كلُّ من في السموات ومن في الأرض، فالله تعالى مالكهما ومالك ما فيهما سبحانه، والمالك يتصرف في ملكه كما يشاء، وما يعبده الناس من الشمس والقمر والنجوم والأوثان، والأصنام كلُّه مخلوقٌ مربوبٌ معبَّدٌ لله تعالى. ٣ - الملائكة الذين عند الله في السموات يعبدون الله ويسبحونه ويطيعونه. ٤ - لو كان في السموات والأرض آلهة على وجه الحقيقة لفسدتا وزالتا، فلا يقيمها على هذا النحو إلا الله سبحانه وحده. ٥ - المشركون الذين اتخذوا من دون الله تعالى آلهةً يحتاجون أن يقيموا الأدلة والبراهين الدالة على صحة هذه الآلهة المكذوبة المدَّعاة. ٦ - كلُّ الرسل الذين أرسلهم الله تعالى متفقون على وحدانية الله، وأنه المعبود الذي يستحق العبادة دون غيره. ٧ - كل رسول كان الله يرسله كان أول ما يدعو قومه إلى توحيد الله. ٨ - زعم الكفار أنَّ الله تعالى اتخذ ولداً، هم الملائكة، وحقيقة الأمر أنَّ الملائكة عباد الله تعالى مطيعون لله عابدون له. ٩ - علم الله محيط بملائكته يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون لأحدٍ لا يريد الله الشفاعة له، وهم مشفقون من خشيته. ١٠ - من يقل من ملائكة الله إنَّه إله من دون الله - وهذا على سبيل الفرض - فإنه يعذبه في النار.

стр. 257

الموضع القرآني [٤٧] كانت السموات والأرض رتقًا ففتقهما ربُّ العزَّة أولًا: تقديم عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات، فالسموات والأرض كانتا رتقاً متلاصقين، ففتقهما الله وفصل بينهما، وجعل من الماء كل شيء حيٍّ، وأرسى الأرض بالجبال، وجعل السماء سقفاً محفوظاً من الشياطين بالشهب، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر سابحات في الفضاء، وهو الذي يميتنا سبحانه بعد أن أحيانا. ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الأنبياء ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ

стр. 258

بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠ - ٣٣]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات رتقاً، أي: متلاصقتين. الفتق: الفصل بين الشيئين. يؤمنون، أي: يصدِّقون. رواسي: الرواسي الجبال. تميد: تضطرب وتتمايل. فجاجاً: الطرق بين الجبال. سبلاً: جمع سبيل وهي الطرق النافذة المسلوكة. محفوظاً: أي: من الشياطين بالشهب. رابعًا: شرح هذه الآيات عرَّفنا الله ﵎ في هذه الآيات بنفسه على النحو التالي: ١ - كانت السموات والأرض رتقاً، ففتقهما ربُّ العزَّة، قال ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. أي كانت السموات والأرض متلاصقةً، بعضها مع بعضٍ، ففتقهما الله،

стр. 259

وفصل بين السموات والأرض، فرفع السماء إلى مكانها، وأقرَّ الأرض في مكانها، وفصل بينهما بالهواء، والرَّتق: المتصل بعضه ببعضٍ، الذي لا صدع فيه، ولا فتح. والفتق: الفصل بين الشيئين. ٢ - خلق الله تعالى من الماء كل شيءٍ حيٍّ ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] فكلُّ الأحياء في الأرض من الإنسان والدوابِّ والطيور والنبات مخلوقةٌ من ماء، وهي محتاجةٌ إلى الماء لبقائها ووجودها، وقوله: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ألا يصدِّقون. ٣ - جعل الله في الأرض رواسي كي لا تميد بنا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] و ﴿رَوَاسِيَ﴾ الرواسي: الجبال الثوابت، و ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي: لئلا تتحرك وتضطرب بالخلق. فالجبال في الأرض تحفظ توازنها، وتجعلها هادئة في دورانها، ولولا الجبال لما استقرت الأرض وما صلحت الحياة فوقها. ٤ - جعل الله في الجبال فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون، قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١]، والفجاجُ: الطرق الواسعة بين الجبال، وكلُّ مخترقٍ بين جبلين فهو فجٌّ، وقوله: ﴿سُبُلًا﴾ جمع سبيل، أي: طرقاً نافذةً مسلوكةً، وهي تفسير للفجاج.

стр. 260

٥ - جعل الله السماء سقفاً محفوظاً، حفظ الله السماء بالنجوم التي ترجم بها الشياطين ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]. وقد تكون الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ إلى الغلاف الجويِّ الذي يحيط بالأرض، وهو يحفظ الأرض من الأشعة التي يموج بها الكون، ويحفظها من الأجرام التي تتساقط من الفضاء، حتى إذا دخلت الغلاف الجوي للأرض احترقت وتفتت. وقوله: ﴿سَقْفًا﴾ أي: جعل الله السماء سقفاً للأرض، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] وقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] آيات السماء نجومها وشموسها وأقمارها وأمطارها ورعودها وبروقها، ونحو ذلك. ٦ - خلق الله الليل والنهار والشمس والقمر، ففي الليل يكون السكون والهدوء، ويأخذ الناس النوم، وفي النهار يُبعث الناس ويقومون لأعمالهم، خلق الله للناس الشمس التي تضيء الأرض، تمدُّ الناس بالضوء والحرارة، وفي الليل يظهر القمر، الذي جعله الله مواقيت للناس والحج. قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] قال ابن جرير: «جائز أن يكون ذلك الفلك كحديدة الرَّحى كما قال مجاهد، أو كطاحونة الرَّحى كما ذُكر عن الحسن، وذلك أن الفلك في كلام العرب هو كلُّ شيءٍ دائرٍ،

стр. 261

فجمعه أفلاك» [تفسير ابن جرير: ٧/ ٥٦٩١] وقوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون كالسابح في الماء، وقد يقال للفرس الذي يمدُّ يديه في الجري: سابح. خامساً: كيف عرَّف الله تعالى بنفسه في هذه الآيات عرَّف الله ﵎ عباده بنفسه، وأعلمنا أنَّه الذي: ١ - خلق السموات والأرض، وكانتا متلاصقتين، ففتقهما الله تعالى على النحو الذي هما عليه اليوم. ٢ - جعل الله - تبارك - من الماء كلَّ شيءٍ حيٍّ، فجعل من الماء الإنسان والحيوان والدوابَّ والطيور والأشجار والنبات. ٣ - خلق الله تعالى الجبال، فثبَّت بها الأرض حتى لا تضطرب في مسارها. ٤ - جعل الله تعالى في الجبال طرقاً وممراتٍ يعبرها الناس في أسفارهم. ٥ - جعل الله تعالى السماء سقفاً للأرض، وهي محفوظة من الشياطين بما أقامه الله تعالى من النجوم التي ترمى بها الشياطين. * * *

стр. 262

الموضع القرآني [٤٨] إنا خلقناكم من تراب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجلَّ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [الحج: ٥ - ٦]. في هذه الآيات نادى ربُّ العزَّة الناس الذين يشكُّون بالبعث، ويكذبون به ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي: كنتم مرتابين في البعث وشاكين فيه، وقوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: بخلق أبيكم آدم، فقد خلقه من تراب، ثمَّ أصبح التراب طيناً، ثمَّ حمأً مسنوناً، ثمَّ صلصالاً كالفخار، وقد خلقه ربُّ العزَّة بيده، ثم نفخ فيه الروح.

стр. 263

وبقية البشر خلقهم من ذكرٍ وأنثى إلا عيسى ابن مريم، فإنَّه خلق من أنثى من غير أب. وبنو آدم يخلقون في أرحام أمهاتهم، ويكون أوَّل أمرهم نطفة، أي: منياً، ثم يصبح هذا المني علقةً، وهي الدم الجامد الغليظ، ثم يصبح قطعة لحمٍ على شكل المضغة، وقد يكتمل خلق هذه المضغة، حتى يتشكل منها الطفل، وقد لا يتمُّ خلقها ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ وقد اكتشف العلم الحديث بواسطة المكبرات أنَّ مني الرجال تحوي كلُّ قذفة منه ملايين الحيوانات المنوية، فإذا عاشر الرجل زوجته، انطلقت الحيوانات المنوية إلى حيث تكون بويضة المرأة، فإذا وجد أحدها البويضة التحم بها، وعند ذلك تأخذ هذه البويضة الملقحة بالانقسام والتكاثر، وتنغرس في جدار رحم المرأة، ثم تصبح علقةً، ثم مضغةً، وبعد ذلك تنمو إلى أن تصبح طفلاً، وقد أدخل الأطباء المعاصرون في رحم امرأة أثناء الحمل آلةً صوروا عبرها ما يجري في الرحم للجنين من أول أمره، فكان ما يجري في الرحم هو ما حدثنا عنه ربُّ العزَّة ﵎ في هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: لنبين لكم بهذا النقل من طورٍ إلى طور كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كلِّ شيءٍ، لأنَّ مَنْ قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانياً مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأه من الخلق. وبعد أن يكتمل خلق الجنين في الرحم، يخرجه الله إلى هذه الحياة، ثم ينمو هذا الطفل حتى يبلغ أشدَّه في سنِّ الثلاثين إلى سنِّ الأربعين، وبعض

стр. 264

الناس يتوفى مبكراً قبل أن يبلغ سنَّ الأشد، وبعضهم يكبر حتى يردَّ إلى أرذل العمر، ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجلَّ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ و ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾. . . أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف، حتى لا يعقل. ومن الآيات التي أوضح الله فيها أطوار خلق الإنسان قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَانَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجلَّا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧]. وقد عرَّفنا ربُّنا ﵎ بمزيد من التعريف بنفسه، فقال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أي: تراها هامدة رؤيةً بصريةً، وهامدةً يابسةً، ليس فيها حياةٌ، ولا نباتٌ، قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ فإذا أنزل الله عليها ماء المطر أو الأنهار أو العيون ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: تحركت الأرض بالنبات الذي تحرك في داخلها، ثم خرج منها، ومعنى ﴿وَرَبَتْ﴾ زادت وارتفعت. وقوله:

стр. 265

﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: من كلِّ صنفٍ حسنٍ، والبهجة: حسن الشيء ونضارته، والبهيج بمعنى المبهج، وهو الحسن الصورة الذي تتمتع العين برؤيته. وعقَّب الله - تعالى - على ما ذكره بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٦ - ٧]. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ والحقُّ الموجود الثابت الأبديُّ السرمديُّ الذي لا يتغير، ولا يزول. وقوله: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي: كما أحيا الأرض بالنبات، فإنه يحيى يوم القيامة العباد، ويخرجهم من قبورهم ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٠]. وقوله: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومن عظيم قدرته إحياء في يوم الدين، وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ الساعة: القيامة، وقد قرَّر مجيئها من غير شك، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: يجيبهم. * * *

стр. 266

الموضع القرآني [٤٩] سجود من في السموات والأرض لله تعالى عرَّفنا ربُّنا بنفسه في الآية التالية فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]. أعلمنا ربُّنا ﵎ في الآية السابقة أنَّه يسجد له من السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].

стр. 267

وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنَّ المراد بسجود السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب يكون بالانقياد الكامل لله، لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، والصواب من القول أنه سجودٌ حقيقيٌّ لا ندري كيفيته، ولا حقيقته، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨ - ٤٩]. وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. وإذا أنت نظرت في الآيات نظر معتبرٍ وجدت المخلوقات تسجد لربِّ الكائنات سجوداً حقيقياً، ولكن لا ندري كيف تسجد، كما قال ربُّ العزَّة في تسبيح الكائنات: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقد أخبر رسولنا ﷺ أبا ذر أن الشمس تسجد تحت عرش الرحمن، فعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي ذرٍّ حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنَّها تذهب حتَّى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعزَّيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]» [البخاري: ٣١٩٩. ومسلم: ١٥٩].

стр. 268

وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: مؤمنون يسجدون لله، وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: كثير من الناس كفار حقَّ عليهم العذاب فهم لا يسجدون لله تعالى. وقوله: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ يريد ربُّنا أنه من يشقه الله فما له من مسعدٍ، والأمور سبحانه بيده، يوفق من يشاء بطاعته، ويخذل من يشاء، ويشقي من يشاء، ويسعد من أحبَّ. * * *

стр. 269

الموضع القرآني [٥٠] والبدن جعلناها لكم من شعائر الله أعلمنا ربُّنا في الآية التالية أنَّه جعل لنا البدن من شعائر الله تعالى، فقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧]. امتنَّ الله - تعالى - على عباده بالبُدن، وهي الجمال التي جعلها لهم من شعائر الله، أي: جعلها من المعالم العظيمة التي يتقربون بها إلى ربِّهم ﵎ في الأضاحي والهدي، ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]. والبُدن: جمع بدنةٍ، سميت بدنةً لعظمها وضخامتها، يريد العظام الصحاح الأجسام من الإبل، ومن شعائر الله من أعلام دينه، سمِّيت شعائر، لأنه تشعر، أي: تطعن بحديدةٍ في سنامها، فيعلم أنها هدي.

стр. 270

وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] أمرنا ربُّنا أن نذكر الله عليها صوافَّ، أي: ننحرها وهي صوافُّ والصوافُّ: التي علقت رجلها اليسرى، وقامت على ثلاث قوائمٍ، وقد وردت هذه الصفة عن ابن عمر ﵄، وأخبر أنَّ النحر على هذا النحو سنة نبينا محمد ﷺ ، فعن زياد بن جبيرٍ، قال: رأيت ابن عمر ﵄: أتى على رجلٍ قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قياماً مقيَّدةً، سنَّة محمد ﷺ [البخاري ١٧١٣. ومسلم: ١٣٢٠]. وقد نحر رسول الله ﷺ بيده في حجَّة الوداع ثلاثاً وستين ناقة، ثم أعطى عليَّاً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه [مسلم: ١٢١٨]. وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ [الحج: ٣٦] ووجوب جنوبها موتها بعد نحرها، ووجوب جنوبها سقوطها على الأرض بعد أن كانت قائمةً، وقد أمرنا أن نأكل منها بعد سقوطها على الأرض بعد النحر، ونُطعم القانع، وهو السائل المحتاج، ونُطعم المعترَّ وهو الذي يتعرض لك من غير سؤال، وقيل: القانع المتعفف، والمعتر هو المحتاج الذي يسأل. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦]: أي: تشكروه وتثنوا عليه بما أنعم عليكم من البدن. أخبرنا ربُّنا ﵎ أنه لا ينتفع بلحوم ودماء ما نتقرب به إليه من الأضاحي والهدي ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧].

стр. 271

فالله سبحانه غنيٌّ عن لحوم وشحوم ما نتقرب به إليه من الإبل والبقر والغنم، والذي يريده تعالى منَّا التقوى، وذلك بتوقيره تعالى، وتعظيمه، والالتزام بشرعه كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وقد بيَّن لنا ربُّنا أنه سخَّر لنا هذه البُدن بتذليله لها لنركبها ونحلبها وننحرها ذاكرين اسم الله عليها حين ننحرها، وأمر الله تعالى رسوله أن يبشر المحسنين، الذين التزموا بشرع الله تعالى، المخبتين لله، الطالبين لرضاه سبحانه. * * *

стр. 272

الموضع القرآني [٥١] الله ﵎ يولج الليل في النهار والنهار في الليل أولًا: تقديم عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه، فدلنا على أفعاله التي لا يطيق أحدٌ من خلقه أن يقوم بها، فهو الذي يولج الليل في النهار، والنهار في الليل، وهو المعبود الحقُّ، وغيره من المعبودات باطلٌ، والذي ينزِّل الماء من السماء، فتصبح الأرض مخضرَّةً، وله وحده جميع ما في السموات والأرض، وهو الذي سخَّر لنا ما في الأرض، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلاَّ بإذنه، والذي أحيانا بعد موتنا، ثم يميتنا، ثمَّ يحيينا في يوم الدين. ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة الحج ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ

стр. 273

هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُور﴾ [الحج: ٦١ - ٦٦]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات يولج الليل في النهار ويول النهار في الليل: ينقص من طول هذا ويزيد في هذا. العلي: ذو العلو على كلِّ شيء. لطيف: الذي يصل إلى مراده بلطف. كفور، أي: كثير الكفر. رابعًا: شرح آيات هذا الموضع عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بنفسه الكريمة سبحانه، وقد بيَّن لنا أنَّه: ١ - ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير﴾ [الحج: ٦١] فالله ﵎ هو الذي يولج الليل في النهار،

стр. 274

وهو الذي يولج النهار في الليل، ومعناه يدخل ما انتقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا، والله سبحانه وهو السميع لأقوال عباده، عليمٌ بأفعالهم. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧]. ٢ - ﴿اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. الله - سبحانه - هو الحقُّ، أي: هو المعبود الحقُّ، الذي خلق السموات والأرض بالحقِّ، وكلُّ الآلهة غيره آلهةٌ باطلة، لا تستحقُّ أن تُعبد وتدعى، والله هو العليُّ الكبير، أي: هو ذو العلو على كلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ دونه، وهو - سبحانه - الكبير، العظيم الذي لا أعظم منه. ٣ - ﴿اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير﴾ [الحج: ٦٣]. وعرَّفنا ربُّنا أنَّه وحده الذي أنزل المطر من السماء، فتصبح الأرض مخضرَّةً، وخصَّ ذكر الصباح في قوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح منها بالليل. وإذا أنت مررت بأرضٍ مجدبةٍ، فأنزل الله تعالى عليها الغيث، ثمَّ مررت بها أخرى، ترى أن الله تعالى كساها ثوباً أخضر من العشب، وترى أزهارها قد

стр. 275

تفتقت، وثمارها قد عُقِدت، وأشجارها اخضرَّت، وعناقيدها قد تدلَّت، فيسرك مرآها، ويطيب لك المقام فيها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزله من السماء. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]. ٤ - ﴿لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد﴾ [الحج: ٦٤]. أعلمنا ربُّنا أنَّ له السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، فله في الأرض جبالها وسهولها، وأنهارها وعيونها، ونباتها، ودوابُّها، وترابها، وصخورها، ومعادنها، وله في السماء نجومها، وشموسها، وأقمارها، وما لا نعلمه فيها، وهو سبحانه الغنيُّ عن عباده، فلا يحتاج إلى أحدٍ من خلقه سبحانه. . ٥ - ﴿اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]. وعرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه هو الذي سخَّر لنا الأنهار في جريانها، والدوابَّ في خضوعها وتذليلها، فترانا نركب الإبل، ونشرب ألبانها، ونمتطي الخيول، ونحوز الأغنام، وترى الصغير منَّا يقود الإبل والبقر والغنم والخيول والحمير، ولو لم يُسخِّرها لنا ربُّنا لما أمكننا الانتفاع بها.

стр. 276

وسخَّر لنا ربُّنا ﵎ البحار، نخوض غمارها بالسفن، تحملنا وتحمل أثقالنا إلى بلادٍ بعيدة، وهو سبحانه الذي وحده يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولو أذن الله بسقوطها على الأرض، لهلكت الحياة فوق ظهر هذه الأرض، وختم ربُّ العزَّة الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: كثير الرأفة والرحمة، لما خلق لهم في الأرض والسماء على النحو الذي ذكره سبحانه، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ هي كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]. ٦ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦]. عرَّفنا ربُّنا أنه أحيانا بعد موتنا، ثم يميتا عندما تنقضي آجالنا في هذه الحياة الدنيا، ثم يحيينا مرَّة أخرى يوم القيامة، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦].

стр. 277

خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات عرَّفنا الله تعالى بنفسه في هذه الآيات بأن بيَّن لنا ما يأتي: ١ - الله تعالى هو الذي يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، فهما يتقارضان. ٢ - الله تعالى هو المعبود الحقُّ، والآلهة التي يعبدها المشركون آلهةٌ باطلةٌ، والله تعالى هو العليُّ الكبير. ٣ - الله تعالى أنزل من السماء ماءً، فتصبح الأرض مخضرة. ٤ - الله تعالى له وحده ما في السموات وما في الأرض، وهو غنيٌّ عن خلقه، شاكر لمن عبده. ٥ - الله - تعالى - سخَّر لنا كلَّ ما في الأرض من الدواب والحيوان والبحار والأنهار وغيرها. ٦ - سخَّر الله تعالى لنا السفن تجري في البحار بأمره تحملنا وتحمل أثقالنا وبضائعنا إلى بلدٍ لمن نكن بالغية إلا بشقِّ الأنفس. ٧ - الله تعالى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فالسماء محفوظةٌ، والأرض محفوظةٌ بحفظ الله سبحانه. ٨ - كنَّا أمواتًا فأحيانا الله، ثم يميتنا في هذه الحياة عندما تنتهي آجالنا، ثم يحيينا يوم القيامة.