← Акыда

Акыда · id 17068

الله يحدث عباده عن نفسه

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (277 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

امتنَّ الله ﵎ على عباده من البشر بأنَّه خلق لهم من أنفسهم أزواجاً, وقد خلق الله ﵎ لآدم من ضلعه زوجاً له, وهي أمُّنا حواء كما قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وجعل لنا ربُّنا من أزواجنا ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أي جعل لنا منهنَّ الأولاد, وجعل لنا الحفدة, وهم أولاد الأولاد, ورزقنا ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من الطعام والشراب واللباس, ثمَّ ذمَّ ربُّ العزَّة ﵎ المشركين لإيمانهم بالباطل من الأصنام والأوثان, وكفرهم بنعم الله, أي: عندما يصرفون العبادة لغير الله من الآلهة الباطلة ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. ٨ - ذمَّ الله - تعالى - المشركين لعبادتهم غيره: ذمَّ ربُّ العزَّة المشركين بعبادتهم ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] فهذه الآلهة الباطلة لا تملك شيئًا من الرزق في السماوات والأرض, فلا تملك أن تنزل المطر من السماء, ولا تملك أن تخرج الزرع, ولا تُدرَّ الضرع, ولا تملك دفع الشرِّ عن عابديها, ولا تملك جلب الخير لهم, ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: هذه الأصنام لا تملك شيئًا من ذلك لأنفسها فهي ضعيفةٌ عاجزة. ونهى الله - تعالى - المشركين عن ضرب الأمثال لله ﵎: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]. أي: فلا تجعلوا لله

стр. 212

أنداداً ولا أشباهاً وأمثالاً, فإنَّ الله ﵎ يعلم أنَّه واحدٌ لا شريك له, وأنتم لا تعلمون ذلك. ٩ - ضرب الله ﵎ مثلين للإله الحقِّ والإله الباطل: ضرب الله ﵎ مثلين للإله الحقِّ وللإله الباطل ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]. قال مجاهد في هذه الآية: «كلُّ هذا مثل إله الحقِّ, وما يُدعى من دونه من الباطل, وقال السُّديُّ: هذا مثلٌ ضربه الله للآلهة, يقول: كما لا يستوي عندكم عبدٌ مملوك لا يقدر من أمره على شيءٍ, وعبدٌ حرٌّ قد رُزق رزقاً حسناً, فهو ينفق منه سراً وجهراً, لا يخاف من أحدٍ, فكذلك أنا والآلهة التي تدعون, ليست تملك شيئًا, وأنا الذي أملك وأرزق من شئت, وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج, قال: بيَّن الله لهم أمر ضلالتهم وبعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان, فذكر أن المالك المقتدر على الإنفاق, والعاجز الذي لا يقدر أن ينفق لا يستويان, فكيف يسوَّى بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل, وبين الله الذي هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ, وهو رازقٌ جميع خلقه» [تفسير الواحدي: ١٣/ ١٤٢]. وضرب الله ﵎ مثلاً آخر, فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجلَّيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦].

стр. 213

وذهب مجاهدٌ والسدِّيُّ وقتادة إلى أنَّ هذا المثل كسابقه ضرب الله تعالى فيه مثلاً لإله الحقِّ والأصنام والأوثان, وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج وابن قتيبة. [تفسير الواحدي: ١٣/ ١٤٧]. والأبكم: الأقطع اللسان, وهو العييُّ بالجواب, الذي لا يحسن وجه الكلام, لأنَّه لا يفهم وجه الكلام, ولا يُفهم عنه. وقوله:. . . ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لا يقدر على شيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ أي: هو ثقلٌ, أي: عيالٌ على مولاه وصاحبه, ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ﴾ أي: أينما يرسله ويبعثه لا يأت بخير, لقلة فهمه, وقصور إدراكه ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هل يستوي هذا الأبكم الذي هذه صفاته, هو والرجل السويُّ القادر على النطق, التامُّ العقل, الذي يحسن التدبير والعمل, الذي يأمر بالعدل, وهو على صراطٍ مستقيم, أي: على الدين القويم. والجواب: أنهما لا يستويان. ١٠ - الله ﵎ محيط علمه بالسموات والأرض: ثم أخبرنا ربُّنا - ربُّنا تعالى - أن له: ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]. فالله ﵎ العليم الخبير مطلعٌ على كلِّ ما غاب عنكم من غيوب السماوات والأرض لا يخفى عليه شيءٌ من أمورهما, ومن جملة هذه

стр. 214

الغيوب التي لم يُطْلع ربُّنا عليها أحداً, لا ملكاً مقرَّباً, ولا نبياً مرسلاً, زمن وقوع الساعة, وقد أخبرنا ربُّنا عن قدرته على وقوع الساعة, فإذا شاء إيقاعها, كان وقوعها في مثل لمح البصر, أو هو أقرب من ذلك, لأنَّه يقول لها: كن, فتكون كما يريده الله تعالى, والله تعالى على كل شيءٍ قديرٍ. خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات: عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بإعلامنا ما يأتي: ١ - أنزل الله - تعالى - الماء من السماء بالمطر, فأحيا به الأرض بالنبات. ٢ - أخرج الله تعالى لنا اللبن من الأنعام من بين فرثٍ ودم, ليكون لنا شراباً نافعاً مفيداً. ٣ - أخرج الله تعالى لنا من النخيل والأعناب الثمار النافعة لتكون لنا رزقاً. ٤ - أخرج الله تعالى لنا من بطون النحل شراباً مختلفاً ألوانه, فيه شفاء للناس. ٥ - الله تعالى هو الذي خلقنا, ثم يتوفانا, وبعضنا قبل الوفاة يردُّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا. ٦ - الله - تعالى - فضَّل بعضنا على بعضٍ في الرزق. ٧ - الله - تعالى - جعل لنا من أنفسنا أزواجاً, وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدةً, ورزقنا من الطيبات. * * *

стр. 215

الموضع القرآني [٤٠] الله ﵎ أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً أولًا: تقديم قال قتادة: «هذه السورة - يعنى سورة النحل - سورة النعم» [ابن كثير: ٤/ ٦٠]. وهذا هو النصُّ الثالث في هذه السورة الذي يعرفنا ربُّ العباد فيه بنفسه, فحدَّثنا فيها كيف أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, وجعل لنا السمع والبصر والفؤاد لنعقل ونفقه. وأمرنا أن ننظر إلى الطيور وهي تحلق في جوِ السماء, لا يقدر على إمساكها إلا الله تعالى, وجعل لنا من بيوتنا سكناً, وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتاً, يسهل علينا حملها ونصبها في أسفارنا وأماكن إقامتنا, وامتنَّ علينا بما نصنعه من أصواف الخراف, وأوبار الإبل, وشعر الماعز, من الأثاث والمتاع.

стр. 216

وامتنَّ الله تعالى علينا بأنَّه جعل لنا مما خلق من الشجر والبيوت والجبال ظلالاً تقينا حرَّ الشمس, وجعل لنا من الجبال غيراناً ومسارب نلجأ إليها وقت الحاجة, وجعل لنا سرابيل تقينا الحرَّ والبرد, وسرابيل أخرى تقينا ضربات الخصم في ميدان الحرب والقتال. ثانيًا: آيات هذا النص من سورة النحل ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماء ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جلَّودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. ثالثًا: تفسير مفردات آيات هذا الموضع سكناً: موضعاً نسكن فيه. الأنعام: الإبل والبقر والغنم. أكناناً: أي: غيراناً وأسراباً. سرابيل: هي الثياب المصنعة من الصوف والقطن والكتان وغيرها. وسرابيل تقيكم بأسكم: هي الدروع من الحديد والمعادن القوية.

стр. 217

رابعًا: شرح الآيات عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات ببيان ما يأتي: ١ - الله تعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, ثم جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة: عرَّف الله ﵎ عباده بذاته, وخاطبهم ﵎ قائلاً لهم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, فلا ينزل الإنسان من بطن أمه وهو عالم, وجعل الله ﵎ لنا السمع الذي ندرك به الأصوات, والأبصار التي نرى فيها المرئيات, وجعل لنا الأفئدة التي نميِّز بها النافع والضار, وهذه القوى من السمع والبصر والأفئدة , تقوى عند الإنسان شيئًا فشيئًا, حتى تكون أفضل ما تكون, وقد خلق الله ﵎ لنا هذه القوى حتى نستعين بها على عبادة ربِّنا ومولانا كما جاء في الحديث عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب, وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضت عليه, وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أُحبَّه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, وإن سألني لأعطينَّه, ولئن استعاذني لأعيذنَّه, وما تردَّدت عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن, يكره الموت وأنا أكره مساءته» [أخرجه البخاري (٦٥٠٢)].

стр. 218

فالحديث يدلُّ على أنَّ العبد إذا أخلص دينه لله , فإنَّ أفعاله تصبح كلُّها لله تعالى, فسمعه الذي يسمع به لا يكون إلا لله, وكذلك بصره, ويده, ورجله, لأنَّه لا ينبعث إلا لتحقيق ما أمر الله ﵎. ٢ - منظر الطير وهن مسخرات في جو السماء: حثَّنا الله - تعالى - على النظر إلى الطير التي سخرَّها سبحانه لتطير في الفضاء بين السماء والأرض ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماء ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩]. حثَّ الله ﵎ عباده لينظروا إلى الطير المحلِّقة في أجواء الفضاء, وهو منظرٌ جميلٌ بديعٌ, تراها تحلقُّ, وهي تصدح, وتصفِّر وتغرِّد, ترتفع تارةً, وتنزل أخرى, وتدور في طيرانها, ما يمسكها إلاَّ ربُّها ﵎ ﴿إنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي آيات دالة على قدرة الله وبديع صنعه . ٣ - جعل الله تعالى لنا من بيوتنا سكناً وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتاً: خاطب الله ﵎ عباده ممتناً عليهم, قائلاً لهم: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جلَّودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].

стр. 219

امتنَّ الله ﵎ على عباده بأن جعل لهم من بيوتهم التي يبنونها من الحجر أو الطين أو الخشب أو (الإسمنت) أو المعادن سكناً, يؤون إليها, ويسكنون فيها, وجعل لهم من جلود الأنعام بيوتاً, فيصنع العباد من جلود الإبل والبقر والغنم, الخيام بيوتاً, وهذه الخيام يسهل على العباد الانتقال بها من مكانٍ إلى مكان, وينصبونها في أسفارهم, كما ينصبونها في مقرِّ إقامتهم, ويتخذون من أصواف الخراف, وأوبار الإبل, وأشعار المعز, أنواع الأثاث والمتاع, فيتخذون منها البسط, والخيم, والملابس, وغيرها, والأثاث: متاع البيت. وقوله: ﴿إِلى حِينٍ﴾ أي إلى الوقت الذي تفنى فيه, أو يهلك فيها أصحابها. ٤ - الله تعالى جعل لنا مما يخلق ظلالاً ومن الجبال أكناناً: عرَّف ربُّ العزَّة عباده ﵎ أنَّه جعل لهم ﴿مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه جعل لنا مما خلق من البيوت والأشجار ظلالاً تقينا حرَّ الشمس, وجعل لنا من الجبال أكناناً, والأكنان الغيران والأسراب, وواحد الأكنان كنٌّ, وكل شيءٍ وقى شيئًا وستره فهو كِنٌّ, وجعل لنا سرابيل تقينا الحرَّ, ومثله البرد, وسرابيل تقينا بأسنا, والسرابيل التي تقينا الحر والبرد هي الثياب والقمص المصنوعة من القطن والصوف والكتان

стр. 220

وغيرها, وجعل لنا سرابيل تقينا بأسنا, وهي الدروع من الحديد والزرد, والبأس الذي تقينا إيَّاه ضربات السيوف, وطعن الرماح والرمي بالسهام, في ميدان الحرب والقتال. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أي: سخَّر لكم ذلك لتستقيموا على أمر الله, وتسلموا دينكم لربِّكم بتوحيده وإخلاص الدين له. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] أي: إن كذبوك وأعرضوا عما جئتهم به من الحقِّ, فإنَّ الواجب عليك أن تبلغهم ما جاءك من عند الله من الحقِّ. وقوله تعال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] وأعظم نعم الله تعالى التي أنعم بها على عباده إرسال رسوله محمدٍ ﷺ , وهم يعرفون رسوله, فقد عاش بينهم زمناً طويلاً, وعرفوا صدقة وأمانته وخلقه, ولكنهم كفروا بهذه النعمة العظيمة, وأكثرهم كافرون بها, فقد آمن بعضهم, وكفر كثير منهم في ذلك الزمان. خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه أنَّه: ١ - هو الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, ثم جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة, لنعلم ونشكر ربنا على ما حبانا من نعمه. ٢ - الله الذي أقدر الطير على التحليق في جوِّ السماء, لا يقدر على إمساكهنَّ غيره.

стр. 221

٣ - الله الذي جعل لنا بيوتاً نسكن إليها, ونأوي إليها, وجعل لنا من جلود الإبل والبقر والغنم بيوتاً هي الخيام التي يسهل علينا نقلها في أسفارنا ونصبها في محلِّ إقامتنا. ٤ - الله تعالى هو الذي جعل لنا من الأشجار والجدر وغيرها ظلالاً تظلنا من أشعة الشمس, وجعل من الجبال غيراناً ومسارب نأوي إليها في المطر والحرّ, وجعل لنا الملابس والثياب تقينا الحرَّ والبرد, وجعل لنا الدروع التي تقينا ضربات الخصم في ميدان القتال. * * *

стр. 222

الموضع القرآني [٤١] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ أولًا: تقديم هذه الآيات نمطٌ جديدٌ يعرفنا فيها الله تعالى بذاته, فقد عرَّفنا في الآية الأولى عن إسرائه برسوله محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, وهذا الفعل من الله تعالى وإن كان خاصاً بنبينا محمدٍ ﷺ , فإنَّ في تكريمه تكريماً لأمته, ثمَّ في الإسراء والمعراج معجزة عظيمة لرسولنا ﷺ , وقد فرض الله عليه في الإسراء الصلاة, وقد جاءنا رسولنا ﷺ بمعلومات كثيرة عن الرسل والأنبياء, وعن السماوات, وسدرة المنتهى والجنة. والأمر الثاني الذي يتعلق بإنزال التوراة على موسى, وكان في ذلك تكريمٌ عظيم لموسى ﵇, وقد جعل الله التوراة موضع هدايةٍ لجميع بني إسرائيل.

стр. 223

والأمر الثالث له تعلق بأمة كاملة هي أمة بني إسرائيل, وهو حديث عظيم , له علاقة بالأمة الإسلامية, وقد حدَّثنا الله عن معالم هذا الحدث, وخطواته التي تبشِّر الأمة الإسلامية أنَّ أمرها سيكون إلى خير, وأنها ستنجح في إزالة هذا البلاء العظيم الذي ستبتلى به. والأمر الرابع: وهو جعله الليل والنهار آيتين, وقد سبق مثله كثيراً. ثانيًا: آيات هذا النص من سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا * إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ

стр. 224

الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١ - ١٢]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات أسرى بعبده, أي: سار به ليلاً. قضينا: حكمنا تفسدنَّ: هو ما يفعله بنو إسرائيل من قتلٍ وتدميرٍ للحرث والنسل وتخريبٍ على النحو الذي يفعله اليهود اليوم في فلسطين. ليتبروا: ليهلكوا ويخربوا, والتبار: الهلاك. آيتين: علامتين عظيمتين تدلاَّن على الله تعالى. فمحونا آية الليل: محا آية الليل بجعلها مظلمةً لا نور فيها. وجعلنا آية النهار مبصرة, أي: جعل النهار مضيئاً منيراً. رابعًا: شرح آيات هذا الموضع ١ - إسراء الله تعالى برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى: عرَّفنا ﵎ في الآية الأولى من هذه الآيات أنَّه هو الذي أسرى بعبده ورسوله محمدٍ ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله, ليريه من آياته ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى

стр. 225

الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء]. والمسجد الحرام في مكة, والمسجد الأقصى في مدينة القدس في فلسطين, والإسراء سير الليل. و ﴿بِعَبْدِهِ﴾ أي: برسوله محمدٍ ﷺ , وقد استنكر واستغرب الكفار هذا الخبر, فقد كانوا يحتاجون إلى شهرٍ حتى يصلوا إلى القدس, ويحتاجون إلى شهر آخر للعودة منها, فكيف يصدِّقون لمن يخبرهم أنه ذهب إليها, ثم عرج به إلى السموات العلا وعاد بعد ذلك إلى مكة في بعض ليلة. ولكننا نؤمن بذلك ونصدِّق به, لأنَّه لم يفعل ذلك بنفسه, وإنما الذي فعله به هو الله سبحانه, والله قادرٌ على كلِّ شيءٍ, لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ٢ - إيتاءُ الله تعالى موسى الكتاب وجعله هدى لبني إسرائيل: عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه آتى موسى الكتاب, وهو التوراة ليكون هذا الكتاب العظيم هدى لبني إسرائيل ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢﴾. ٣ - قضاء الله تعالى إلى بنى إسرائيل ليفسدنَّ في الأرض مرتين: عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب الذي هو التوراة أو في اللوح المحفوظ أنهم سيفسدون في الأرض مرتين, ومعنى قضى, أي: حكم حكماً جازماً لا رجعة فيه أنَّهم سيفسدون في أرضنا هذه إفسادين

стр. 226

عظيمين ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] وقد بيَّن الله ﵎ كيف سيجري كل واحدٍ من الإفسادتين, وكيف سيواجه كلُّ واحدٍ منهما. وقد ذهب المفسرون إلى أنَّ هاتين الإفسادتين قد مضتا وانقضتا , والذي حققته في تفسيري لهذه الآيات في سورة الإسراء ,وفي كتابي «وليتبروا ما علوا تتبيرا» أن هاتين المرتين هما الواقعتان الآن , وهما يدلان على أنَّ اليهود في فلسطين إلى زوال , وأنَّ الأمَّة الإسلامية ستسوء وجوه اليهود , وسيدخل المسلمون المسجد الأقصى فاتحين له كما دخلوه أول مرة في عهد عمر بن الخطاب , وليتبروا العلو اليهودي تتبيراً. ٤ - جعل الله تعالى الليل والنهار آيتين: وبعد ذلك آياتٍ عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنه جعل ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. أخبرنا ربُّنا أنه جعل الليل والنهار آيتين , أي: علامتين دالتين على أنه هو الإله المعبود الذي يستحقُّ العبادة وحده دون سواه, كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾. . .] فصلت ٣٧]. وقوله تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧]. وقوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ١٩٠].

стр. 227

وقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ومحو آية الليل بجعله سبحانه الليل مظلماً , وبذلك يكون مناسباً للراحة والهدوء , وجعل آية النهار مبصرةً , أي جعل النهار مضيئاً , ليسعى الناس في أشغالهم وأعمالهم , وكما أنَّ الليل والنهار آيتان , فإنما هما أيضاً نعمتان , كما قال ربُّ العزَّة ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص ٧١ - ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي جعل الله النهار مضيئاً لتبتغوا فيه أشغالكم , وتقضوا أعمالكم ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فالعباد إذا مرَّ عليهم الليل والنهار بشروق الشمس وغروبها , علموا عدد الأيام وبمنازل القمر عرفوا الشهور والأعوام , وعرفوا شهر الحجِّ , وشهر الصيام , كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥] , وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ أي: كل شيء بيَّناه ووضحناه من الأحكام والحلال والحرام , بيَّناه بياناً هو في غاية الوضوح.

стр. 228

٥ - وكلَّ إنسانٍ ألزمنا طائره في عنقه: أخبرنا ربُّنا ﵎ أن ﴿كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٢ - ١٤]. أعلمنا ربُّنا ﵎ أنَّ كلَّ إنسانٍ ألزمه طائره في عتقه لازماً له لزوم القلادة والغلِّ , لا ينفك عنه , وطائره هو عمله , فعمل كل إنسان لازم له , كما قال تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣]. وقوله ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ ذكر الله ﵎ أنَّ ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه , يخرجه له يوم القيامة مكتوباً في كتاب يلقاه منشوراً , أي: مفتوحاً يقرؤه , وبين الله في موضع آخر أنَّ هذا الكتاب لا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي: يقال للإنسان في ذلك اليوم بعد أن يعطى كتابه: ﴿اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وكل إنسان في ذلك اليوم يكون قارئاً ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ *

стр. 229

فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢]. خامساً كيف عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات: عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآيات بنفسه بما يأتي: ١ - الله - تبارك وتعال - الذي أسرى بعبد ورسوله محمدٍ ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله , ثمَّ عرج به إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله , ثم عرج به إلى السموات العلا , ثم أعيد إلى المدينة عبر الأقصى. ٢ - آتي الله عبده ورسوله موسى ﵇ التوراة , وجعلها هدى لبني إسرائيل , والتوراة أحد أعظم ثلاثة كتب أنزلها الله من عنده. ٣ - قضى الله على بني إسرائيل أن يفسدوا في الأرض مرتين , وهما اللتان تجريان اليوم , وقد بيَّن الله تعالى أنَّ الأمة الإسلامية ستقضي على هذا العلو اليهوديِّ وتنهيه , وستستعيد المسجد الأقصى , وتدمر العلو اليهودي. ٤ - جعل الله تعالى الليل والنهار آيتين , فأزال النور من الآية الأولى , وجعل الآية الثانية مضيئةً منيرةً. * * *

стр. 230

الموضع القرآني [٤٢] قل ادعو الله أو ادعو الرحمن عرَّفنا الله ﵎ بنفسه في الآيتين الأخيرتين اللتين ختم بهما سورة الإسراء , فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١٠ - ١١١]. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. أمر الله رسوله محمداً ﷺ أن يدعو الله باسمه الله , أو باسمه الرحمن , فهما اسمان من أسمائه الحسنى , ولا حرج عل من دعا بأيٍّ منها ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤].

стр. 231

ونهى الله تعالى رسوله ﷺ عن أن يخافت بصلاته , أو يجهر بها , أي: بقراءته القرآن ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذالِكَ سَبِيلاً﴾ أي: عليك بطريق وسط بين الجهر والمخافتة. وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ , قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختفٍ بمكَّة , كان إذا صلَّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن , فإذا سمع المشركون سبُّوا القرآن , ومن أنزله , ومن جاء به , فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أي: بقراءتك , فيسمع المشركون , فيسبُّوا القرآن ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾: عن أصحابك , فلا تُسمِعهم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذالِكَ سَبِيلا﴾ [البخاري: ٤٧٢٢: ومسلم: ٤٤٦]. وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. أمر الله ﵎ رسوله ﷺ أن يحمده سبحانه , لأنَّه اتصف بثلاث صفاتٍ , الأولى: أنَّه لم يتخذ ولداً , وحمده سبحانه لاتصافه بهذه الصفة يدلُّ على مدة الجرم الذي وقع فيه الذين نسبوا إليه الولد , فالنصارى قالوا: عيسى ابن الله , والعرب قالت: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولونه علواً كبيراً - والثانية: أنه ليس له شريك في الملك , فالله - تعالى - خالق السموات والأرض وحده , لم يشركه في ذلك أحد سبحانه. والثالثة: أنَّه ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ﴾ أي: أنه لا يحتاج إلى أحدٍ يتولاه ويعينه على أمر نفسه , ولا تدبير أمر غيره. وقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظِّمه تعظيماً , ومن ذلك قول العبد: الله أكبر , أو قوله , الله أكبر كبيراً , ونحو ذلك. * * *

стр. 232

الموضع القرآني [٤٣] القرآن تنزيل من عند الله الذي خلق الأرض والسموات العلا أولًا: تقديم عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات , فعرَّفنا أنَّ هذا القرآن تنزيلٌ من عند خالق الأرض وخالق السموات العلا , وهو الرحمن الذي على العرش استوى , وعرَّفنا سبحانه بأنَّ له ما في السموات وما في الأرض , وما بين السموات والأرض , وله سبحانه ما تحت الثرى. وإعلام الله - تعالى - رسوله ﷺ إعلامٌ لجميع أمته أنَّه إن يجهر بالقول , فجهره به أو إسراره به عند الله سواء , فالله تعالى يعلم السرَّ وأخفى , وأعلمنا ربُّنا ﵎ أنَّه المعبود الحقُّ الذي لا يستحق العبادة معه أحدٌ , وأعلمنا سبحانه أنَّ له الأسماء الحسنى , فكلُّ أسمائه حسنى , وكل صفاته عليا.

стр. 233

ثانياً: آيات هذا النص من سورة طه ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [طه ١ - ٨]. ثالثاً: تفسير آيات هذا الموضع من سورة طه لتشقى , أي: لتتعب, وأصل الشقاء العنت والتعب. العرش: أعظم مخلوقات الله الذي استوى عليه الرحمن في الأزل. الثري: الترابُّ النديُّ. رابعاً: شرح هذه الآيات ١ - مصدر هذا القرآن الكريم: أعلم الله تعالى رسوله ﷺ أنَّه لم ينزل القرآن عليه ليشقى ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه ٢]. وأصل الشقاء: العناء والتعب , وإذا كان الله لم ينزل عليه القرآن ليشقى , فإنَّه أنزله عليه ليهنأ ويسعد به في الدينا والآخرة , كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى ٥]. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ [طه: ٣]. أي: ما أنزلناه إلا تذكرةً لمن يخشى الله تعالى , والتذكرة: الموعظة التي تلين لها القلوب , وجعل الله

стр. 234

القرآن موعظةً لمن يخشى , لأنَّهم هم الذين ينتفعون به دون غيرهم , كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]. هذا القرآن العظيم منزلٌ من عند خالق الأرض والسموات العلا. والعلا: العالية الرفيعة. فالله تعالى خالق هذا الكون , وهو منزل القرآن , فإذا حدثنا سبحانه في كتابه عن كونه , فإنَّه يجيء بالحقِّ الذي لا باطل فيه. ٢ - تعريف الله تعالى عباده بنفسه: عرَّف ربُّنا ﵎ عباده بنفسه في هذه الآيات الكريمات , فقال: ﴿تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٤ - ٧]. بيَّنت هذه الآيات لنا أنَّ ربَّنا منزل القرآن هو خالق الأرض والسموات العاليات , وهو الرحمن الذي استوى على عرشه , وهو سرير ملكه , والعرش: أعظم مخلوقات الله تعالى , ومعنى استوى في لغة العرب: علا , وارتفع , واستقرَّ , أما كيف استوى , فلا ندريه , ولا نعلمه , ولكنَّنا نوقن أن الله تعالى استوى عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته سبحانه. وعرَّفنا ربُّنا بنفسه أيضًا فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ فكلُّ ما في السموات والأرض وما بين السموات

стр. 235

والأرض , وما تحت الثرى فله وحده لا يشركه فيه أحدٌ غيره , ومما في السموات والأرض العباد وما يعبدونه من الأوثان والأصنام والشمس والقمر والنجوم والملائكة , وكلُّ هؤلاء مربوبون مخلوقون , لا يستحقُّ أحدٌ منهم العبادة و ﴿الثَّرَى﴾ التراب النديُّ , والله اعلم بما تحت الثرى من الصخور والمياه والمعادن وغيرها. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ أخبر الله تعالى رسوله ﷺ أنَّه إن يجهر بالقول , فإنَّه يعلم السرَّ وأخفى , والسر ما أخفاه المرء في ضميره , ويعلم ما هو أخفى من السِّر , وهو الخاطر العابر الذي يمرُّ به القلب , ولا يستقرُّ فيه. وفي إخبار الله تعالى عباده بعلمه بالسرِّ وما هو أخفى منه دعوة إلى العباد أن يدعوه ويسألوه خفيةً من غير إعلانٍ بالدعاء. ٣ - ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾: أعلمنا ربُّنا - سبحانه - في تعريفه لنفسه , أنَّه هو المعبود الذي لا يستحقُّ أحد العبادة إلا هو , وأعلمنا أنَّ له الأسماء الحسنى , وأسماؤه سبحانه كثيرةٌ , منها ما أخبرنا عنه في كتابه القرآن , ومنها ما جاءت به السنة المطهرة , ومنها ما علَّمه بعض خلقه , ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده , وكلُّ أسماء الله حسنى , ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].

стр. 236

وأسماء الله بابٌ عظيمٌ يُعرِّفنا بربِّنا الكريم , وقد أمرنا ربُّنا سبحانه أن ندعوه بأسمائه الحسنى , فقال ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه: عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه أنه الذي: ١ - أنزل القرآن الكريم من عنده سبحانه , وأنه خالق الأرض وخالق السموات العلا. ٢ - استوى ربنا ﵎ على العرش , وهو أجلُّ مخلوقاته وأعظمها , فهو أعظم من السموات والأرض. ٣ - لله كل ما في السموات والأرض , وما بين السموات والأرض , وله سبحانه ما تحت الثرى , فله الكون كلُّه , وهو مالك ما يعبده الكفار من الشمس والقمر والنجوم والأصنام وغير ذلك. ٤ - يستوي في علم الله ﵎ ما يرفع العبد به صوته , وما يخفيه في قلبه , فالسرُّ والإعلان عنده سواء. ٥ - الله له تسع وتسعون اسمًا , وكل أسماء الله حسنى , وهو المعبود الحقُّ الذي لا يستحق العبادة أحدٌ غيره. * * *

стр. 237

الموضع القرآني [٤٤] موسى ﵇ يعرِّف بربِّه أولًا: تقديم هذا الموضع يعرِّف فيه موسى فرعون بربِّه عندما سأله عنه، والأصل أن لا يضيق صدر العبد إذا سئل عن ربِّه، لأن هذا الكتاب العظيم قد حوى الكثير مما حدَّثنا به ربُّنا عن نفسه. ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة طه ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ ربُّنا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٥] * * *

стр. 238

ثالثًا: تفسير مفردات الآيات كل شيءٍ خلقه، أي: ما يناسب خلقه. القرون الأولى: الأمم السابقة. سبلاً: طرقاً. أزواجاً: الأزواج الأصناف المختلفة. شتى: متنوعة. أولو النهى: أصحاب العقول. رابعًا: شرح هذه الآيات سأل فرعون موسى ﵇ أن يعرِّف له ربَّه، وهذا الموضوع يعرفه الرسلُ والأنبياء خير معرفةٍ، ولذلك انطلق لسانُ نبيِّ الله موسى في تعريفه لربِّه ﵎. وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله تعالى وأهل العلم، فلا يجوز لهم أن يتقنوا الأحكام الشرعية، فإذا أرادوا الحديث عن ربِّهم انقطعت بهم الحبال. ١ - فرعون يسأل موسى وهارون عن ربِّهما: بلَّغ موسى وهارون فرعون الرسالة التي أرسلهما ربُّهما بها، فسألهما فرعون قائلًا: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٩] وفرعون كان منكرًا لوجود الخالق، وكان يدَّعي أنَّه ربُّ الناس الأعلى، فقال له موسى مجيبًا: ﴿ربُّنا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].

стр. 239

أي: أعطى الله كلَّ شيءٍ وجوده الذي خلقه عليه، فالله تعالى أعطى الرجل هذا الخلق الذي نشاهده، خلقه منتصب القامة، وجعل له رأسًا، وصدرًا وبطنًا، وأعطاه العينين اللتين يبصر بهما، واليدين اللتين يبطش بهما، والأذنين اللتين يسمع بهما، والقلب الذي يضخُّ الدم، وأعطاه المعدة والأمعاء والرئتين، وغير ذلك. وخلق المرأة كذلك مع بعض الاختلاف، لتستطيع أن تقوم بالدور المناط بها، وهكذا خلق الجِمال والأبقار والأغنام والأسود والنمور والكلا ب وغيرها، كلُّ واحد خلقه وأعطاه الخلق الذي يناسبه، وأعطاه ما يحتاج إليه من الخصائص. فعاد فرعون يسأل مرةً ثانيةً، ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]، سأل فرعون عن حال القرون التي مضت من الخلق، ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، أي: أنَّ الله عالمٌ بتلك القرون، وأمرها مرصودٌ عند الله في كتاب أحصى أمرها وأخبارها؛ مع أنَّ الله لا يحتاج إلى كتابٍ، فهو لا يضلُّ، ولا ينسى، أي: لا يشذُّ عنه شيءٌ، ولا يفوته صغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا ينسى شيئًا، هو عالم بكلِّ شيءٍ. ٢ - موسى ﵇ يفيضُ في التعريف بالله تعالى: سأل فرعون موسى وهارون عن ربِّهما، فأجاب موسى بأنَّ ربَّه الذي أعطى كلَّ شيء خلقه، ثمَّ هدى، ثم عاد فرعون ليسأل عن القرون الأولى، فأجاب موسى أنَّ علمها عند الله في كتاب لا يضلُّ ربُّه، ولا ينسى، ثمَّ عاد

стр. 240

موسى ليفيض في الحديث عن ربِّه، وهو الموضوع الرئيس الذي يتقنه موسى، ويتقنه جميع الأنبياء المرسلين، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٣ - ٥٥]. قال موسى معرِّفاً بربه: هو الذي جعل لكم الأرض مهدًا، أي: خلقها كالمهد، وهو الفراش، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]. وجعل الله في الأرض سبلاً، أي: طرقاً يمرُّ بها الناس في أسفارهم، ويتنقلون عبرها في جنبات الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] وربنا هو الذي أنزل المطر من السماء، فأخرج به أزواجًا من نبات كلِّ شيءٍ، والأزواج: جمع زوجٍ، وهي الأصناف المختلفة في الأشكال والمقادير والمنافع والألوان والروائح والطعوم. وقد خلق الله هذه الأزواج ليأكل الناس من ثمارها وحبوبها ونباتها، وترعى منها أنعامهم، كما قال تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَاكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]. وأخبر موسى في عرضه لهذه الآيات، أنَّ فيها آياتٍ لأصحاب العقول: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾، وأُولو النُهى: أصحابُ العقول، وفيها تعريضٌ بفرعون أنه إن لم يهتد بها، فليس من أصحاب العقول.

стр. 241

وختم موسى كلامه الموجَّه إلى فرعون بقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] فالله خلقنا بخلق أبينا آدم من تراب الأرض، وإلى الأرض يعيدنا بعد موتنا، ومن الأرض يبعثنا في يوم القيامة. وقد أخبرنا أنَّ موسى وهارون أرَيا فرعون الآيات التي أرسلهما الله بها فكذب، ورفض الإيمان بها ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه: ٥٦]. خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا - عزَّل وجلَّ - في هذه الآيات بنفسه: عرَّف موسى ﵇ فرعون بالله ربِّ العالمين عندما سأله فرعون عن ربِّه ﵎، بما يلي: (١) - عرَّفه أنَّ ربَّه ربُّ الخلق جميعًا، وقد خلق ربُّ العزَّة كلَّ مخلوقٍ، وأعطاه ما يناسبه من الخلق. ٢ - عِلمُ الذين سبقوًا من البشر مدوَّنٌ محفوظٌ عند ربِّ العزَّة، لا يضيع منه شيءٌ. ٣ - الله - تعالى - جعل الأرض كالمهد، وجعل بين جبالها طرقًا، يتنقَّل الناس عبرها، وأنزل الله تعالى من السماء ماءً، فأخرج به من نبات الأرض أنواعًا مختلفة من النبات والأشجار. ٤ - الله تعالى خلقنا من تراب الأرض، وسيميتنا، ويعيدنا إلى الأرض، ثم يخرجنا منها يوم القيامة. * * *

стр. 242

الموضع القرآني [٤٥] مشهد القيامة في القرآن أولًا: تقديم هذا نمطٌ جديدٌ من تعريف الله تعالى عباده بنفسه، فهو يحدَّثنا في هذه الآيات بفعله يوم القيامة عندما تقوم الساعة، ويقوم العباد ليوم المعاد، وما يفعله الله تعالى بكونه وعباده. ففي ذلك اليوم يُنفخ في الصور، ويحشر الله العباد، وينسف الله الجبال، فيزيلها من مكانها، ويصبح مكانها أرضٌ مستويةٌ، وفي ذلك اليوم يتبع الناس الداعي وهو إسرافيل الذي ينفخ في الصور لا يحيدون عنه، ولا يشفع أحد عند الله تعالى إلا من بعد إذن الله ورضاه. والله تعالى يعلم ما بين أيدي العباد في الدنيا، وما خلفهم في الآخرة، ولا يحيط العباد علمًا بربِّهم، وفي يوم القيامة تعنو وجوه العباد لله ربِّ العالمين.

стр. 243

ثانيًا: آيات هذه الموضع من سورة طه ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١٠٢ - ١١٣]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات الصور: البوق العظيم الذي ينفخ فيه إسرافيل يوم القيامة. زرقًا، أي: لون عيونهم زرق لشدَّة ما يصيبهم من هول. يتخافتون، أي: يتحدثون فيما بينهم بصوتٍ خافت، أي: مخفض. قاعًا أي: أرضًا مستوية، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض. عوجاً ولا أمتاً , أي: لا ترى فيها منخفضاً ولا مرتفعاً. الداعي: هو إسرافيل ﵇. خشعت، أي: سكنت لربِّ العزَّة.

стр. 244

همسًا: الصوت الخفيُّ الصادر عن الفم. عنت الوجوه للحيِّ القيوم: خضعت. القيوم: القائم بنفسه المقيم لغيره. رابعًا: شرح هذه الآيات عرَّفنا ربُّنا ﵎ بما يفعله يوم القيامة في عباده، وفي كونه على النحو الأتي: ١ - إذا شاء الله ﵎ أن يبعث العباد يوم القيامة أمر إسرافيل ﵇ أن ينفخ في الصور، والصور بوقٌ عظيمٌ، ينفخ فيه إسرافيل في المرة الأولى، فيدمر الكون، ويموت الأحياء، ثم ينفخ فيه أخرى، فيقوم الناس لربِّ العالمين ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [طه: ١٠٢]. ٢ - يحشر الله تعالى المجرمين يوم الدين زرق العيون، وزرقة العين تتشاءم العرب بها , والمجرمون: الكفرة المشركون، ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]. ٣ - أخبر الله تعالى أن بعض الناس سألوا عما يُفعل بالجبال يوم القيامة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. وقد أمر الله ﵎ رسوله ﷺ أن يجيبهم ويخبرهم عما سيفعله بها، وأخبر سبحانه أنه سينسفها نسفًا، فيزيلها من مواضعها، ويذر مكانها قاعًا صفصفًا،

стр. 245

والقاع: المستوي من الأرض، فلا ترى في أرض المحشر جبلاً ولا رابيةً، ولا ترى فيها منخفضًا ولا مرتفعًا، والصفصف: الأرض الملساء التي لا نبات فيها. وقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ أي: لا ترى فيها منخفضًا ولا مرتفعًا. ٤ - أخبرنا ربُّنا ﵎ أنَّ الناس يوم القيامة عندما يقومون من قبورهم يتبعون الداعي ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]. والداعي الذي يتبعونه هو إسرافيل الذي يناديهم، فيسمعهم، ويسيرون وفق ما يأمرهم به، لا تسكن في ذلك اليوم، فلا تسمع إلا همسًا، والهمس: الصوت الخفيُّ الصادر عن الفم، أو الناتج عن سير الأقدام. ٥ - أخبرنا ربُّنا ﵎ أنَّ الشفاعة في يوم القيامة لا تقبل إلا ممن أذن له الرحمن ورضي له قولًا ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] فلا يشفع أحدٌ يوم القيامة إلا من أذن الله تعالى له في الشفاعة، ورضي قوله، ولا بدَّ مع رضا الله عن الشافع أن يرضى أيضًا عن الشفاعة للمشفوع عنه، فلا يشفع عنده كافرٌ أو مشرك، ولا يُشفع في كافر أو مشرك، وإذا أذن الله في الشفاعة شفع الأنبياء والمرسلون، وشفع الصديقون والشهداء والصالحون، وهذه الآية كقوله تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ

стр. 246

يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ٦ - أخبرنا ربُّنا ﵎ أنَّ الله تعالى يعلم ما بين أيدي عباده من الملائكة والإنس والجن، وهو ما أمامهم إلى قيام الساعة، ويعلم ما خلفهم، أي: من أمر الدنيا، ولا يحيط علمهم بالله تعالى، فهم يعلمون عن الله ما علمهم الله تعالى إيَّاه، ولكنَّ علمهم بالله قليل ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. ٧ - أخبرنا العليم الحكيم سبحانه أن الوجوه يوم القيامة تعنو للحيِّ القيوم ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]. وعنوُّ الوجوه يوم القيامة للحيِّ القيوم سبحانه يعني خضوعها له، وذلَّها واستسلامها للجبَّار القهار ﵎، والحيُّ القيوم هو الله تعالى، فحياته دائمةٌ أبديةٌ سرمديَّةٌ، ولكمال حياته سبحانه لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، وقيُّوم: قائمٌ بنفسه، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وهو مقيم لغيره، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: خسر وذلَّ من جاء يوم القيامة حاملاً للظلم، والمراد بالظلم هنا الشرك، كما قال لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ٨ - أخبرنا الله ﵎ بالناجين يوم الدين، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] أخبرنا ربُّنا

стр. 247

- أنَّ الذي يعمل الأعمال الصالحة في حال كونه مؤمناً فإنَّه لا يخاف يوم القيامة ظلماً ولا هضماً، والظلم أن تكثر سيئاته وتعظم من غير سبب منه، والهضم أن تنقض حسناته وتبخس. ٩ - أنزل الله آخر كتبه وهو القرآن الكريم بلسان العرب، وصرَّف فيه أنواع الوعيد لعلَّ العباد ينزحون عن الكفر والشرك والذنوب والمعاصي، ليحدث القرآن للعباد في قلوبهم ذكراً لربِّهم ﵎ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. امتنَّ الله ﵎ على عباده المؤمنين بإنزاله عليهم القرآن الكريم، بلسان عربيٍّ مبين، وصرَّف فيه أنواع الوعيد، فإذا لامس الوعيد قلوب العباد خافت ربَّها، واتقته، فاجتنبت المآثم والفواحش والمحارم، وأوقع في قلوبها الذكر، فاعتبرت واتعظت. ١٠ - نزَّه الله تعالى نفسه عن مماثلة المخلوقات في شيءٍ من الأشياء في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤] وقد وصف ربُّنا نفسه بأنَّه الملك الحقُّ سبحانه. ونهى الله تعالى رسوله ﷺ عن العجلة بقراءة القرآن عندما كان يوحى به إليه قبل أن يتم جبريل قراءته عليه ﴿وَلَا تَعْجلَّ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجلَّ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].

стр. 248

خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه: عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات وفق ما يأتي: ١ - يأمر الله ﵎ إسرافيل يوم القيامة أن ينفخ في الصور، فيقوم الناس لربِّ العالمين. ٢ - يحشر الله ﵎ يوم الدين المجرمين من الكفرة والمشركين زرق العيون. ٣ - ينسف الله تعالى الجبال يوم القيامة، فيصبح مكانها أرضٌ مستويةٌ، لا ارتفاع فيها ولا انخفاض. ٤ - يتبع الناس يوم القيامة نداء إسرافيل لا يحيدون عنه، وتخشع الأصوات في ذلك اليوم، فلا يُسمع إلا الهمس. ٥ - لا يشفع في ذلك اليوم أحدٌ عند الله إلا من أذن الله تعالى له، ورضي قوله. ٦ - الله ﵎ يعلم ما أمام الناس في الآخرة، وما خلفهم في الدنيا، ولا يحيط العباد بربهم علماً. ٧ - تعنو الوجوه لربِّها يوم القيامة. ٨ - المؤمنون الذين يعملون الصالحات يوم القيامة آمنون ولا يخافون ظلماً ولا هضماً. ٩ - الله تعالى هو الذي أنزل القرآن، وصرَّف فيه ألوان الوعيد. * * *

стр. 249

الموضع القرآني [٤٦] لم يخلق الله السموات والأرض لعبًا وباطلًا أولًا: تقديم بيَّن الله تعالى ما لا يجوز له فعله فيما أخذ نفسه به، فهو لم يخلق السموات والأرض لعباً وعبثاً، وأعلمنا سبحانه أنَّ له من في السموات والأرض، وله عباده الذين يسبحونه في الليل والنهار، وأعلمنا أنَّه الواحد في هذا الكون الذي يستحقُّ أن يعبد. ثانيًا: آيات هذا النص من سورة الأنبياء ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ *

стр. 250

أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ٣٥]. ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات يقذف: شبَّه الحقَّ من القول بالقذيفة التي ترمى في القتال. فيدمغه: فيصيبه في دماغه. زاهق، أي: هالك.
следующие страницы →