← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 17069

المحنة وأثرها في منهج الإمام أحمد النقدي

عبد الله بن فوزان الفوزان

Полный текст (106 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المِحْنَةُ وَأثَرُهَا فِي مَنْهَج الإِمَام أَحْمَدَ النَّقدي تأليف د. عبدُ الله بن فَوْزَانَ بن صَالح الفَوزَان عُضْو هَيْئَة التّدريس بقسم الدّراسَاتِ الإسلاميّة - جَامِعَة طيبَة دَار ابْن الْجَوْزِيّ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المقدمة] الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه بما هو أهله، وأُثني عليه الخير كله، وأُصلي وأُسلم على خير خلقه وخاتم رسله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فهذه ورقات يسيرة في تجلية أثر المحنة في منهج الإمام أحمد ﵀ النقدي، إذ ليس يخفي على أهل العلم - خصوصًا أصحاب الحديث منهم - أن المحنة التي امتدت أكثر من خمسة عشر عامًا تركت أثرًا واضحًا في الإمام، لا سيما أنها كانت في آخر حياته؛ فلم يبق الإمام بعد انجلاء غمتها إلا سنوات يسيرة. وقد دعاني إلى هذه الدراسة الأسباب التالية: ١ - شهرة هذه المحنة وعمومها. ٢ - طول مدتها زمنًا، وانتشارها مكانًا؛ إذ عمت غالب البلاد. ٣ - أنها من المحن القلائل التي توالى عدد من الحكام والولاة على القول بها وحمل الناس عليها.

стр. 3

٤ - كثرة من ابتلي بها من كبار الأئمة، وأعلام السنة، وعلماء الملة. ٥ - ما كان لها من أثر واضح بين في حياة الإمام أحمد وحالته وصحته، فليس هناك شك أنها أشهر الأحداث في حياته وأعظمها أثرًا وتأثيرًا. ٦ - ما ترتب عليها - عند الإمام بوجه خاص - من أثر حديثي ونقدي من الكلام في بعض الرواة ونقدهم من أجل إجابتهم في المحنة. ٧ - كثرة التفاسير واختلاف التوجيهات لمواقف الأئمة - وموقف أحمد عَيْنًا - في هذه المحنة بين إفراط وتفريط، وغلو وجفاء، وتبرير وإدانة، وتبع ذلك شيءٌ من التنقيص أو التقديس. ٨ - تصور بعض طلاب العلم - فضلاً عن غيرهم - أن المحنة حدثٌ تاريخي مجرد كغيره مما وقع في غابر الأزمان، والأمر - يقينًا - ليس كذلك، فلهذه المحنة من الأثر العقدي والحديثي والتاريخي الشيء الواضح البين. ٩ - خطورة المسألة عقديًا، فهي - ربما تكون على الباحث - من المزالق الخطيرة، كيف لا؟! وهي فيصل بيّن، وحاجز ظاهر بين السنة والبدعة، بل بين الإسلام والكفر، وقد ظهر من آثارها حتى في الأسماء والأوصاف ما عرف فيما بعد بـ: أحمد السنة، وأحمد البدعة.

стр. 4

١٠ - أنني لم أقف على بحث يتناول أثر هذه المحنة في المنهج العلمي والنقدي عند الإمام أحمد ﵀، وأقرب ما يوافق الهدف العام للبحث رسالة صغيرة للشيخ عبد الفتاح أبو غدة بعنوان (مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل)، وستأتي الإشارة إليها وتعقب بعض أهل العلم لها. وقد قصدت من هذا البحث تحقيق الأهداف التالية: * بيان شدة هذه المحنة وعظيم فتنتها. * توضيح مدى أثرها في الأمة وعلى الأئمة. * تصوير قوة تأثيرها على الإمام أحمد بن حنبل ﵀. * كشف العلاقة بينها وبين منهج النقد عنده ﵀، وهو الهدف الأصلي. * أثر هذه المحنة على علم الجرح والتعديل من خلال منهج الإمام أحمد، والمعلوم أنه من كبار أئمة السنة، ومن أشهر المعتدلين في نقد الرواة. * تجلية مواقف بعض الأئمة الذين ابتلوا بهذه البلية الكبيرة. وسوف أتناول ذلك - مستعينًا بالله تعالى - من خلال المباحث التالية: المبحث الأول: مختصر عن تأريخ المحنة وأحداثها. المبحث الثاني: أثر المحنة في منهج الإمام، وفيه مطلبان:

стр. 5

المطلب الأول: أثرها في منهجه العلمي، وفيه: * تركه التحديث بعد المحنة. * ترك التحديث عمن أجاب بعد المحنة وإبقاء ما حدث به عنه قبلها. * الضرب على حديث بعض الرواة وتركه مطلقًا. * نهيه عن التحديث بأحاديث ربما فهم منها تأييد البدعة. * منعه لابنه أن يحدث عن المبتدعة عمومًا، وعمن أجاب في المحنة خصوصًا. المطلب الثاني: أثرها في منهجه النقدي، وفيه: * تعديل الرجل والثناء عليه؛ لثباته في المحنة وتمسكه بالسنة. * كلامه فيمن أجاب متأولاً. * كلامه فيمن قال: القرآن مخلوق اعتقادًا. * كلامه في الواقفة. المبحث الثالث: أشهر الأئمة الذين امتحنوا وموقف الإمام منهم، وفيه مطلبان: المطلب الأول: أشهر الأئمة الذين امتحنوا ولم يجيبوا وموقف الإمام منهم. المطلب الثاني: أشهر الأئمة الذين امتحنوا فأجابوا أو توقفوا، وموقف الإمام منهم.

стр. 6

وقد سرتُ في مسالك البحث وفق الخطوات التالية: ١ - جعلت عنوان البحث (المحنة وأثرها في منهج الإمام أحمد النقدي)، وقد تضمن البحث الكلام على الأثر في المنهج العلمي، لكن ذلك كالمدخل للمنهج النقدي، فذلك تعميم تلاه تخصيص، وقصرت العنوان على المنهج النقدي؛ لأن البحث متعلق بالجرح والتعديل، ذاك الباب الكبير الواسع من أبواب السنة وعلومها. ٢ - صغت حدث المحنة تاريخيًا، دون النظر إلى ترتيب المصادر. ٣ - اختصرت ذكر المحنة دون الإخلال في شيء من فصولها أو أحداثها المهمة، ولم أتوسع في ذلك؛ إذ ليس البحث في تاريخها وأحداثها خصوصًا، فذاك بحث تاريخي صرفٌ، وإنما أردت أن يكون ذلك مدخلاً لأصل البحث. ٤ - ذكرت أهم مؤثرات المحنة على الإمام أحمد في منهجه العلمي ثم منهجه النقدي - وهو الأهم والمقصود الأصل بالبحث - دون غيرهما من مؤثر سياسي، أو اجتماعي أو نحو ذلك. ٥ - ترجمت للأئمة الذين امتحنوا، وقد اقتصرت على العناصر الأساسية للتعريف بكل إمام، واعتمدت في وصف الواحد منهم - غالبًا - على عبارة الذهبي في السير، وذكرت في

стр. 7

الحاشية أشهر مصادر ترجمته، ثم ذكرت موقفه في المحنة، ثم موقف الإمام منه، وإن اقتضى السياق جمعت بينهما في عنوان واحد. ٦ - ذكرت بعض الأئمة وإن لم يمتحنوا صريحًا؛ لأنهم فروا من المحنة أو اختبأوا عن عين السلطان؛ كالعجلي، وأصبغ بن الفرج؛ لأجل أنهم سجلوا موقفًا في المحنة ومن باب إتمام البحث في ذكر كل من كان له موقف في المحنة، وأيضًا بعض الأئمة لم أقف للإمام أحمد على رأي فيهم، ومع ذلك فقد ذكرتهم لكونهم من كبار الأئمة ومن أشهر من ابتلي فيها، فسكوت الإمام عن ذلك يشكل منهجًا، وربما نقف على كلام له ﵀ فيما بعد. ٧ - ختمت بعد ذلك بخاتمة فيها أهم النتائج. ٨ - ذيلت البحث بالفهارس العلمية اللازمة. والله أسأل التوفيق والسداد فيما قصدت، وأن يكون خالصًا لوجهه الكريم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كتبه د. عبد الله بن فوزان بن صالح الفوزان الأستاذ المشارك في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة طيبة E-mail: afsf١٥٥١@homtail.com

стр. 8

المبحث الأول مختصر عن تأريخ المحنة وأحداثها (١) خرج الإمام أحمد إلى الدنيا بعد استقرار الحكم لبني العباس، في وقت تميز بالاستقرار السياسي في معظم فتراته، وعاصر الإمام ثمانية من الخلفاء، وهم: المهدي والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. ويعد هذا العصر عصر انتصارات واسعة، وحضارة مزدهرة، وقوة وهيبة للخلافة، وكانت الحركة العلمية قوية جدًا؛ فبغداد دار السلام والخلافة والعلم والعلماء. ولكن مما يلحظ على هذا العصر - المزدهر في شتى

стр. 9

مجالاته - ما صاحبه من تعكير صفوه بتأثير الفرس والروم السيء سياسةً وفكرًا وعقيدةً، وزاده سوءًا ما عُرب من كتبهم وكتب اليونان والهند، فابتليت الأمة بفتنة عمياء ومحنة شنعاء ألا وهي: «محنة القول بخلق القرآن» والتي حُمِلَ الناس على القول بها (١). وقد ابتدأها الخليفة العباسي المأمون؛ وذلك بعد أن استحوذ المعتزلة عليه فأزاغوه، وزينوا له هذا المذهب الفاسد، ولم يكن خليفة من الخلفاء قبله إلا وهو على مذهب السلف ومنهاجهم القويم (٢). وبعد تولي المأمون الخلافة سنة (١٩٨ هـ)، ظهرت الدعوة إلى القول بخلق القرآن؛ بسبب تقريبه لأهل البدع والاعتزال، من أمثال أحمد بن أبي دُؤَاد (٣)، الذي كان رأس الفتنة

стр. 10

ومشعلها في الأمة - عامله المولى بما يستحق - والسبب في ميل المأمون للمعتزلة وتقريبه لهم أنه كان تلميذًا لأبي الهذيل العلّاف والذي كان من رؤوس المعتزلة (١). فأخذ يعمل جاهدًا في نشر الاعتزال طيلة تسع عشرة سنة، دون أن يحمل الناس على ذلك بقوة السلطان، فلما دخلت سنة ثماني عشرة ومائتين من الهجرة، أمر بامتحان العلماء وحملهم على القول بخلق القرآن، فكتب إلى نائبه في بغداد، وهو إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يأمره بحمل الناس على ذلك، وقد استعمل في حمل العلماء على تلك المقولة التهديد والوعيد، فمن امتنع منهم عن القول بخلق القرآن حُبِسَ، وضيق عليه، وضرب، وعُزل عن وظيفته، وقطع رزقه من بيت المال (٢). ثم كتب إليه ثانية بإحضار أشخاص سبعة، وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خثيمة، وأبو مسلم المستملي، وإسماعيل بن داود الجوزي، وأحمد

стр. 11

الدورقي، وابن أبي مسعود، فحملوا إلى الرقة (١) حيث المأمون، فامتحنهم فأجابوا خوفًا من السيف ثم أطلقوا. ولقد اغتم الإمام لإجابة هؤلاء؛ لأن هذا مبدأ الأمر فلو صبروا لانقعطت الفتنة وانتهت المحنة، ولكن الله غالب على أمره. قال حنبل: «سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل - وذكر الذين حملوا إلى الرقة إلى المأمون وأجابوا - فذكرهم أبو عبد الله بعد ذلك فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل - يعني: المأمون - ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. وكان أبو عبد الله إذا ذكرهم اغتم لذلك، ويقول: هم أول من ثلم هذه الثلمة وأفسد هذا الأمر» (٢). ثم كتب إلى إسحاق بن إبراهيم ثالثة يأمره بإحضار مزيد من العلماء لامتحانهم، منهم: الإمام أحمد، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة،

стр. 12

فأخذهم وامتحنهم فأبوا أن يجيبوا جميعًا، ثم امتحنهم مرة أخرى، فمن امتنع أمر بحبسه وتقييده، فلما كان بعد ذلك دعا بالقواريري، وسجادة فأجابا وخلى عنهما، فبقي ممن لم يجب الإمام أحمد، ومحمد بن نوح - عليهم رحمة الله -، فلم يجيبا أبدًا، وامتنعا عن القول بذلك، فحبسا أيامًا، حتى ورد كتاب المأمون من طرسوس (١) يأمر بحملهما مقيدين فحملا إليه، ومضى الإمام داعيًا ربه ألا يريه المأمون، فلما بلغا الرقة تلقاهم نبأ موت المأمون في السنة نفسها (٢١٨ هـ)، فردا إلى بغداد، فلما كانا ببلدة عانة (٢) توفي محمد بن نوح ﵀، فصلى عليه الإمام ودفنه (٣). قال الإمام أحمد: «فكنت أدعو الله ألا يريني وجهه، قال: فلما دخلنا طرسوس أقمنا أيامًا، فإذا رجل قد دخل علينا، فقال لي: يا أبا عبد الله قد مات الرجل - يعني:

стр. 13

المأمون - فحمدت الله وظننت أنه الفرج، إذا رجل قد دخل فقال: إنه قد صار مع أبي إسحاق المعتصم رجل يقال له: ابن أبي دؤاد، وقد أمر بإحضاركم إلى بغداد، فجاءني في أمر آخر فحمدت الله على ذلك، وظننت أنا قد استرحنا حتى قيل لنا: انحدروا إلى بغداد» (١). فجيء بأبي عبد الله مقيدًا حتى أدخل السجن، فكانت بداية هذه المحنة العظيمة في هذه السنة - أعني: ثماني عشرة ومائتين - (٢). فتولى بعد المأمون المعتصم، فاقتفى أثر سابقه واستفحلت المحنة بعد توليه الخلافة، فلم يكتفوا بإدخال الإمام سجن بغداد، بل أنالوه الأذى وضربوه ضربًا شديدًا حتى تخلعت يداه، والإمام صابر يناظر ويحتمل صنوف الأذى مع سجن دام نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نحوًا من ثلاثين شهرًا، وناظروه طويلاً فلم يستطيعوا له تحويلاً ولا صرفًا إلى بدعتهم، بل كان يسكتهم بقوة حجته، وشدة يقينه وإيمانه،

стр. 14

وثبات قلبه، فلما رأى الخليفة المعتصم إصراره وعدم تزحزحه عن قوله أمر بضربه بين يديه فطاله الأذى العظيم، حتى لقد قال أحد الجلادين: «لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربت فيلاً لهدته» (١). وفي شهر رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين أمر الخليفة بإطلاقه، ففرح المسلمون بخروجه وأقام في بيته يتعالج من آثار الضرب الشديد حتى شفاه الله، وبعد برئه باشر التدريس والفتوى وحضور الجمعة والجماعة حتى مات المعتصم سنة سبع وعشرين ومائتين. فيكون الإمام قد مكث في السجن منذ أُخِذَ وحُمِلَ إلى المأمون إلى أن ضربه المعتصم وخلى عنه سنتين وأربعة أشهر (٢). ثم ولي الواثق بالله الخلافة بعد أبيه المعتصم، فأظهر ما أظهره سلفه من حمل الناس على القول بخلق القرآن والانقياد لما يمليه عليه رأس المعتزلة وأحمدُ البدعة ابنُ أبي دؤاد.

стр. 15

فلما دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين أمر بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، لكنه لم يتعرض للإمام أحمد بشيء في هذا الامتحان، بل اكتفى بالإرسال إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم أن يبلغ الإمام بأن لا يجتمع إليه أحد، ولا يسكن بأرض أو مدينة هو فيها، وأن يلزم بيته، ولا يخرج إلى جمعة ولا جماعة، وإلا نزل بك ما نزل بك في أيام أبي إسحاق، فاختفى الإمام أحمد بقية حياة الواثق، ولم يزل ينتقل في الأماكن، ثم عاد إلى بيته بعد أشهر ولزم منزله فلا يخرج منه لا إلى جماعة ولا إلى جمعة، وامتنع من التحديث، واستمر به ذلك إلى أن توفي الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (١). وفي تعليل ذلك نقل ابنه صالح عنه أنه قال: «إني لأرى طاعته في العسر واليسر، والمنشط والمكره والأَثَرة، وإني لآسف عن تخلفي عن الصلاة، وعن حضور الجمعة، ودعوة المسلمين» (٢). ثم ولي الخلافة بعده المتوكل، فكشف الله به الغمة،

стр. 16

وأظهر السنة، ومحا البدعة، وأخمد الفتنة، ففرح المسلمون بالفرج، وقد أكرم الإمام أحمد وعظمه، حتى كان لا يولي أحدًا ولاية إلا بمشورته، وطلب منه الإقامة عنده فأبى (١). فهذا مجمل خبر المحنة، وبيان فصولها العريضة، ولقد خرج منها الإمام أحمد بعد صبره منتصرًا، وبعد مكابدته مظفرًا، فجعل الله له قبولاً في الأرض، حتى أصبح إمامًا لأهل الجماعة والسنة، ومحنة لأهل الأهواء والبدعة. ولقد صدق بشر بن الحارث أحد أصحاب الإمام إذ يقول: «إن أحمد أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر» (٢). وقال علي بن المديني: «أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة» (٣). وقال الميموني: «قال لي علي بن المديني بعدما امتحن أحمد: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن

стр. 17

حنبل. فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالة علي بن المديني، فقال: صدق، إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارًا وأعوانًا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان، ثم أخذ أبو عبيد يُطْري أحمد ويقول: لست أعلم في الإسلام مثله» (١).

стр. 18

المبحث الثاني أثر المحنة في منهج الإمام وفيه مطلبان: المطلب الأول أثرها في منهجه العلمي وفيه ما يلي: تركه التحديث بعد المحنة: وقد كان هذا من الإمام ﵀ في آخر أمر المحنة قبل وفاته، وأما قبل ذلك فقد حدَّث أيامًا يسيرة بعد وفاة المعتصم. قال أبو عبد الله البوشنجي: «حدث أحمد جهرة حين مات المعتصم، فرجعت من الكوفة، فأدركته في رجب سنة سبع وعشرين وهو يحدث، ثم قطع الحديث لثلاث بقين من شعبان بلا منع، بل كتب الحسن بن علي بن الجعد قاضي بغداد إلى ابن أبي دؤاد: إن أحمد قد انبسط في الحديث، فبلغ

стр. 19

ذلك أحمد، فقطع الحديث إلى أن توفي» (١)، فيكون تركه للتحديث في هذه الفترة قد استمر قرابة خمسة أعوام. وفي أول عهد المتوكل - بويع له بالخلافة في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين - كان الإمام يحدث، بل يرى أن حاجة الناس إلى العلم شديدة وملحة في زمن المحن والفتن. قال ابن عمه حنبل بن إسحاق: «ثم ولي جعفر المتوكل، فلما ولي انكشف ذلك عن المسلمين، وأظهر الله السنة، وفرج عن الناس، فكان أبو عبد الله يحدثنا، وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم في زماننا هذا» (٢). وقال أبو بكر المروذي: «سمعت يعقوب رسول الخليفة يقول لأبي عبد الله: يجيئك ابني بين المغرب والعشاء فتحدثه بحديث واحد أو حديثين، فقال: لا، لا يجيء. فلما خرج سمعته يقول: ترى لو بلغ أنفه طرف السماء حدثته! أنا أحدث حتى يوضع الحبل في عنقي!» (٣). وفي سياق آخر: أن أبا عبد الله لما أرسل إلى المتوكل في سامراء، قال له يعقوب - أحد حُجاب المتوكل -: «إن لي

стр. 20

ابنًا أنا به معجب، وإن له في قلبي موقعًا، فأحب أن تحدثه بأحاديث، فسكت، فلما خرج قال: أتراه لا يرى ما أنا فيه؟!» (١). ثم استقر الأمر بالإمام ألا يحدث إلا ولده وحنبل ابن عمه. قال عبد الله: «سمعت أبي سنة سبع وثلاثين ومائتين يقول: قد استخرت الله أن لا أحدث حديثًا على تمامه أبدًا، ثم قال: إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وإني أعاهد الله أن لا أحدث بحديث على تمامه أبدًا، ثم قال: ولا لك، وإن كنت تشتهي. فقلت له بعد ذلك بأشهر: أليس يروى عن شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس ﵄ قال: «العهد يمين» (٢)؟ قال: نعم سكت، فظننت أنه سيكفر، فلما كان بعد أيام قلت له في ذلك، فلم ينشط للكفارة، ثم لم أسمعه يحدث بحديثٍ على تمامه» (٣).

стр. 21

وقال حنبل: «وكان أبو عبد الله قد بلغ بُصْرَى - لما خرج إلى المتوكل بالعسكر في سُرَّ مَنْ رأى - فوجه إليه رسولاً، وقد باب ببصرى يأمره بالرجوع، فرجع أبو عبد الله، وامتنع من الحديث إلا لولده ولنا، وربما قرأ في منزلنا» (١). وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله في العسكر، يقول لولده: قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، أتدرون ما العقود؟ إنما هو العهود، وإني أعاهد الله ، ثم قال: والله، والله، والله، وعلي عهد الله وميثاقه ألا حدثت بحديث لقريب ولا لبعيد حديثًا تامًا حتى ألقى الله، ثم التفت إلى ولده وقال: وإن كان هذا يشتهي منه ما يشتهي، ثم بلغه عن رجل من الدولة وهو ابن أكثم أنه قال: قد أردت أن يأمره الخليفة أن يكفر عن يمينه، ويحدث، فسمعت أبا عبد الله يقول لرجل من قبل صاحب الكلام: لو ضربت ظهري بالسياط، ما حدثت (٢). ويستنتج من كل ما مضى في مسألة ترك التحديث ومراحله ومنهج الإمام فيه ما يلي: أولاً: أن الإمام كان يرى عظيم أثر العلم والحديث والسنة لا سيما أيام المحن وظهور البدع وعلو شأنها.

стр. 22

ثانيًا: أن أول ترك للتحديث منه ﵀ كان من قبله ابتداءً، ولم يكن بمرسوم من السلطان، وذلك في سنة سبع وعشرين ومائتين - أي: في زمن المحنة وقبل انجلاء غمتها - ولم يستمر هذا الترك. وأما قبل ذلك فلم يترك التحديث، بل إن تلك الفترة - بين سنة عشرين وسبع وعشرين - هي التي أسمع فيها ابنيه وابن عمه حنبل مسنده، فقد قيل: إن ذلك كان سنة خمس وعشرين ومائتين، وفي هذه الفترة أيضًا حدَّث عنه فيها الأئمة كمسلم وأبي داود وغيرهما؛ كما عُلم من تاريخ رحلاتهم ودخولهم إلى بغداد للسماع من شيوخها وعلى رأسهم الإمام ﵀. ثالثًا: أنه ترك تحديث ابن رسول الخليفة ولم يكن ذلك بسبب أمر المحنة؛ بل للموقف الواضح من أبي عبد الله تجاه السلاطين وأعوانهم، وأيضًا لم يكن طلب رسول الخليفة لأبي عبد الله أن يحدث ابنه إلا لطلب الشرف بذلك والتزين به. رابعًا: أن الإمام ترك التحديث لعامة الناس، واقتصر على تحديث ولده وابن عمه، وهو الذي استمر عليه حتى مات ﵀، وكان ذلك من سنة سبع وثلاثين، ويلحظ على هذه المرحلة أنه في آخرها لم يكن ينبسط للتحديث مطلقًا، بل أقسم على نفسه ألا يحدث حديثًا تام.

стр. 23

ترك التحديث عمن أجاب بعد المحنة وإبقاء ما حدَّث به عنه قبلها: وهذا كان من الإمام أحمد - فيما وقفتُ عليه - في راوٍ واحدٍ وهو الإمام الحجة المتقن علي بن عبد الله بن المديني (ت ٢٣٤ هـ). فالإمام ﵀ روى عنه قبل المحنة، فلما حصلت ترك الرواية عنه في أثنائها وبعدها، لكنه لم يضرب على حديثه جملةً كغيره لجلالته وعظيم منزلته في هذا الشأن؛ ولذا وجد لابن المديني في المسند أكثر من خمسة وستين حديثًا. وقد ورد التصريح في ثلاثة مواضع من المسند على أن روايته عنه كانت قبل المحنة، وسيأتي مزيد بسط لذلك عند الكلام على موقف أحمد من ابن المديني تفصيلاً. الضرب على حديث بعض الرواة وتركه مطلقًا. وهذا الصنيع كان من الإمام مع جملة من الرواة، فيهم كبار أئمة وأساطين رواية؛ كابن معين، وعلي بن الجعد، وأبي نصر التمار، وغيرهم. قال أبو الفضل صالح ابن الإمام: «وضرب أبي على حديث كل مَنْ أجاب» (١).

стр. 24

وقال سعيد بن عمر البرذعي: «سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب» (١). وقال أبو زرعة أيضًا: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيته في كتابه مضروبًا عليهما» (٢). نهيه عن التحديث بما يُفْهَم منه تأييد البدعة: ويظهر هذا الأثر حينما أنكر الإمام ﵀ ما بلغه عن ابن المديني أنه حديث بحديث: «كلوه إلى عالمه»، فقال فيه: «كلوه إلى خالقه»، وهو مما أخطأ فيه الوليد بن مسلم، فحدث به ابن المديني على الخطأ في قصة بينه وبين ابن أبي دؤاد زعيم فتنة القول بخلق القرآن. قال الخطيب البغدادي: «أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، أخبرنا عيسى بن حامد القاضي، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الصيدلاني، حدثنا أبو بكر المروذي، قال: قلت

стр. 25

لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس، عن عمر: «كلوه إلى خالقه»؟ فقال أبو عبد الله: كذب، حدثنا الوليد بن مسلم مرتين ما هو هكذا، إنما هو: «كلوه إلى عالمه» (١). قلت لأبي عبد الله: إن عباسًا العنبري قال لما حدث به بالعسكر: قلت لعلي ابن المديني: إنهم قد أنكروه عليك؟ فقال: حدثتكم به بالبصرة، وذكر أن الوليد أخطأ فيه، فغضب أبو عبد الله وقال: فنعم، قد علم - يعني: علي بن المديني - أن الوليد أخطأ فيه فلم أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ؟ وكذبه أبو عبد الله» (٢). منعه لابنه أن يحدث عن المبتدعة عمومًا، وعمن أجاب في المحنة خصوصًا: قال الخطيب: «أخبرنا البرقاني: سمعت أبا بكر أحمد بن جعفر بن سلم يقول: عبد الله بن أحمد بن حنبل لم يكن عنده عن رجل عن شعبة إلا عن يحيى بن عبدويه، عن شعبة، ولم يسمع من علي بن الجعد، منعه أبوه عنه إذ أجاب في الفتنة،

стр. 26

وحثَّه أبوه على السماع من يحيى بن عبدويه وأثنى عليه» (١). وقال ابن حجر: «كان عبد الله بن أحمد لا يكتب إلا عمن أذن له أبوه في الكتابة عنه، وكان لا يأذن له أن يكتب إلا عن أهل السنة، حتى كان يمنعه أن يكتب عمن أجاب في المحنة؛ ولذلك فاته علي بن الجعد ونظراؤه من المسند» (٢). على أن هذا الامتناع من عبد الله كان مؤقتًا؛ لأن المتقرر أن عبد الله إنما سمع من أبيه وبقية شيوخه بعد المحنة كما قال الذهبي (٣)؛ إذ كان في زمن المحنة صغيرًا، فقد ولد قبل ابتدائها بخمس سنين في سنة ثلاث عشرة ومائتين، وعبد الله بقي بعد أبيه قرابة الخمسين عامًا، وقد وجد في كتبه بما فيها زوائد المسند تحديثه عن جملة ممن أجاب في المحنة؛ كيحيى بن معين، وأبي معمر، وأبي كريب وغيرهم. ولعل طول مدة بقاء عبد الله بعد المحنة وجلالة هؤلاء الأئمة وطلب العلو في الإسناد من الأسباب التي دعته إلى عدم ترك التحديث عنهم، وأنه ربما حمل نهي أبيه له على زمن المحنة وما قاربه، أو لعله ترخص في ذلك كغيره من الرواة، وأن موقف أبيه ﵀ عزيمة يصعب تطبيقها، وإلا لفاته الكثير من الشيوخ والأحاديث والأسانيد العالية.

стр. 27

المطلب الثاني أثرها في منهجه النقدي خصوصًا وفيه ما يلي: تعديل الرجل والثناء عليه؛ لثباته في المحنة، وتمسكه بالسنة: وقد كان هذا من الإمام ﵀ في الثناء على من ثبتوا في المحنة وأعطوا الجهد من نفوسهم ولم يجيبوا، فقد اشتهر ثناؤه على محمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي، وسيأتي الكلام تفصيلاً عن ذلك في تراجمهم في المبحث الثالث. كلامه فيمن أجاب متأولاً: لا شك أن موقف الإمام ﵀ تجاه هذه الطائفة كان صريحًا وواضحًا، وقد تجلى ذلك فيما يلي: كلامه الصريح في بعض الرواة من أجل ذلك. ترك الرواية عن بعضهم أثناء المحنة وبعدها. الضرب على حديث رواةٍ آخرين مطلقًا، بما في ذلك ما سمع منهم قبل المحنة. هجر من أجاب إلى ذلك، حتى ربما في ردَّ السلام وبدء الكلام، مع أن منهم من بينه وبينهم مودة تامة، وصحبة صادقة؛ كابن معين ﵀.

стр. 28

عدم شهوده لجنائز بعضهم. نهيه لابنه عبد الله أن يحدث عن هؤلاء. وهذا الأثر تجليته واضحًا وتحريره كشفًا وبيانه وصفًا هو لب المراد وخلاصة القصد، فقد تباينت الأفهام تفسيرًا واختلفت الأقلام تسطيرًا وازدوجت المقاصد تأويلاً في وصف موقف الإمام ﵀ من هذه الطائفة من الأئمة في هذه المحنة المدلهمة، فطائفة حرَّفت، وأخرى انتقصت، وثالثة غلت وأسرفت. وأستمد مولاي مدده وعونه في بيان ذلك وإيضاحه من خلال النقاط التالية: ١ - أن المسألة جليلة، والقول بها خطير، والزلل فيها كبير، وليست مسألة هينة سهلة، من فضول العلم ومكملاته، وذلك بالنظر إلى مقاصدها، وما تفضي إليها من التعطيل، وجحد الشريعة، وتكذيب الربّ - عياذًا بالله تعالى -. ٢ - أن مَنِ امتحن في هذا الشأن كانوا أئمة كبارًا، مقتديً بهم، أسوةً لغيرهم، لهم تمام الأثر في عامة الناس، إيجابًا أو سلبًا، خيرًا أو شرًا، فبهم - بعد قدرة الله وإرادته وحكمته - نجاة الناس أو هلاكهم في هذا الأمر الكبار، وهذا مقصد الإلحاح في امتحانهم من أحمد البدعة والاعتزال ابن أبي دؤاد - عليه من الله ما يستحق.

стр. 29

٣ - أن عامة الناس قد اشرأبت أعناقهم، وشخصت أبصارهم، وأصغت أسماعهم ينتظرون جواب هؤلاء الأئمة وقولهم في ذلك. ٤ - أن الإمام ﵀ كان قد أمل في بعضهم تمام الثبات، والتعاون على الحق، والتواصي بالصبر. ٥ - أن الإمام قارن موقف بعض كبار أهل العلم وأئمة الدين بموقف أفراد ليسوا بمنزلتهم؛ كموقف ابن المديني أو ابن معين بموقف محمد بن نوح - رحمهم الله تعالى - فأثر ذلك في نفسه. ٦ - أن موقفه ﵀ من الابتداع وأهله عمومًا فيه حزم وعزيمة، لا رخصة عنده في هذا الأمر، وإذا كان قد أقل الرواية عن رواة عدلهم وأثنى عليهم بسبب شيء من التشيع أو القدر أو نحو ذلك ففي هذه النازلة أشد، بل قد ذهب الإمام إلى ما هو أبعد من ذلك في موقفه من رواةٍ تتلمذوا في مدرسة أهل الرأي وعلى قول أبي حنيفة ﵀. ٧ - أن الأئمة الذين أجابوا إلى القول بذلك كانوا مكرهين بلا شك. ٨ - أن الإكراه لم يكن قد وصل - لا سيما مع بعضهم - إلى حدَّ الإلجاء الذي يحصل به تمام المعذرة، ورفع الحرج، وسرعة الإجابة.

стр. 30

٩ - أن بيان مدرك الإكراه وتحقيق حكم المعذرة فيه يختلف باختلاف الأمر الممتحن فيه، والشخص الممتحن، والعقوبة المتوعد عليها، وأثر الإجابة والموافقة حالاً ومآلاً. ١٠ - أن منهم من ندم على ذلك وكره ما حصل من سرعة الإجابة. ١١ - أن منهم من عذره الإمام لما كان إكراهه ملجئًا، كما ذكر حنبل من عذره لعباس العنبري، وسجادة، والقواريري (١). ١٢ - أن موقف الإمام ﵀ كان لخاصة نفسه واجتهاده، فلم يلزم به أحدًا من الناس - سوى نهيه لابنه أن يحدث عمن أجاب - ولم يشع الكلام في هؤلاء الأئمة بين الناس والدهماء. ١٣ - أنه لم يجرحهم جرحًا عامًا، أو يسقط الرواية عنهم جملةً وتفصيلاً، وإنما ترك حديث بعضهم، أو كلام فئة منهم، أو الانبساط إلى طائفة ثالثة، أو تشييع جنازة لآخرين. ١٤ - أنه قد وجد من وقف مثل موقف الإمام أو أشد منه، وحزن لإجابة من أجاب حزنًا عظيمًا، فقد قال بشر بن الحارث الحافي: «وددت أن رؤوسهم خضبت بدمائهم وأنهم لم يجيبوا»، وترك أبو زرعة الرواية عن بعض من أجاب، وترك

стр. 31

أبو حاتم الرواية عن قوم توقفوا، وهم بذلك عثمان بن سعيد الدارمي، ووجدت مواقف مماثلة لبعض علماء الأندلس (١). ١٥ - أن إطلاق تفسير جرح الإمام لبعض الرواة بسبب المحنة جرى فيه شيء من التوسع؛ بدليل أنه وجد جملة ممن أجاب أو له أثر سلبي واضح في المحنة لم يوقف على كلام له فيه (كما سيأتي إيضاحه). ١٦ - أنه لم يترتب على ذلك - فيما وقفت عليه - رد أحاديث الثقات أو قبول رواية غيرهم، فليست المسألة إسقاطًا للعدالة أو كلامًا في ضبط الراوي من حيث الصناعة الحديثية، وإنما هو موقف تدين واحتساب، وانتصار وغيرة على السنة (٢). ١٧ - أن معرفة بساط حال المحنة، وإدراك تأثيرها على نفس الإمام، وكشف أغوارها، وتصور أبعادها يتوقف على معايشتها وحضور مشاهدها، وهي تلك الفتنة العظيمة التي تجاوزت خمسة عشر عامًا، فليس من السهل أن يصادر موقف الإمام، أو يتعقبه، أو يهون منه، بله أن يصفه بالتشدد والغلو والإفراط من يعيش رغدًا ويأتي

стр. 32

خلفًا (١)، ولكن كما قالت العرب: «ويل للشجيَّ من الخليَّ». ١٨ - أن من عرف وتأمل مسألة اللفظ وأثرها على الأئمة وعلم الجرح والتعديل (كما في قصة الإمامين الذهلي والبخاري، أو الإمامين ابن منده وأبي نعيم ﵀ الجميع رحمةً واسعة) تبين له شيء من التفسير والفهم لموقف الإمام أحمد في أصل المحنة وأساسها. ١٩ - أن من أئمة الجرح والتعديل من توقف في بعض الرواة، أو جرحهم بأدنى مغمز وأهون سبب، بل ربما كان الحامل على ذلك مواقف شخصية، أو منافرة أقران؛ فكيف بمثل هذه الفتنة العمياء؟! ٢٠ - حَسْبُ الإمام أنه مجتهدٌ، وهو من أئمة الاجتهاد المطلق، فليس بخارج عن الأجرين والأجر، قدس الله روحه، وأعلى منزلته، وجزاه عنا خير الجزاء وأوفاه.

стр. 33

كلامه فيمن قال: القرآن مخلوق اعتقادًا: كلامه ﵀ في هذا الأمر كالشمس وضوحًا وكالقمر نورًا؛ سبيل غيره من الأئمة، نصحاء الملة، وأمناء الأمة في أن من اعتقد ذلك فهو كافر. وقد نقل ذلك عنه ما يزيد على خمسة وعشرين من أصحابه. بل إن الإمام ﵀ في عدد من النصوص عنه رتَّب جملة من الأحكام على هذا الوصف. فقال: «لا يصلي خلف من قال: القرآن مخلوق، فإن صلى رجلٌ أعاد» (١). وقال: «إذا كان القاضي جهميًا فلا تشهد عنده» (٢). ونهى عن كلامهم، ومجالستهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم، وأمر بالتفرقة بينهم وبين زوجاتهم (٣).

стр. 34

كلامه في الواقفة (١): المقصود بالواقفة الذين لم يفصحوا في المسألة نفيًا أو إثباتًا، فلم يقولوا: القرآن غير مخلوق، ولا: مخلوق، وهؤلاء منهم من وقف مطلقًا ولم يصرحوا بشيء مدعين أن الأمر لم يتبين لهم، وهذا الصنف يسمون عند السلف: الشاكة، وقد عدَّهم الإمام ﵀ جهمية، وصرح بكفرهم في بعض الروايات عنه، ولم يعذرهم بهذه الحجة الواهية؛ لأن الأمر أوضح من أن يشك فيه، وبعضهم ربما اتخذ ذلك ذريعة إلى التستر بالقول بخلق القرآن. قال عبد الله ابن الإمام أحمد: «سمعت أبي ﵀ يقول: من كان من أصحاب الحديث أومن أصحاب الكلام فأمسك عن أن يقول: القرآن ليس بمخلوق فهو جهميٌّ» (٢). وقال مرةً عن الواقفة: «من كان يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يعرف بالكلام يجانب حتى يرجع، ومن

стр. 35

لم يكن له علم يسأل يتعلم» (١). وفي رواية ثالثة قال: «من وقف فهو كافر»، وقال: «من شك فهو كافر» (٢). وفي رابعة ذكر أنهم أشد من الجهمية مبينًا العلة في ذلك فقال: «هم أشد على الناس تزيينًا من الجهمية؛ هم يشككون الناس، وذلك أن الجهمية قد بان أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا: إنا لا نتكلم، استمالوا العامة، إنما هذا يصير إلى قول الجهمية» (٣). وقال في رواية الحسن بن ثواب: «هم شرٌّ من الجهمية، استتروا بالوقف» (٤). وطائفة أخرى من الواقفة وقفوا عند قول: القرآن كلام الله فقط، معتقدين أن هذا أسلم لهم، وأبعد عن الخوض في أصل المسألة، وقد سئل الإمام عنهم فقيل: «هل لهم رخصة أن يقول الرجل: كلام الله. ثم يسكت؟ فقال: ولم يسكت؟! لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت، ولكن حيث تكلموا لأي شيء لا يتكلمون؟!» (٥).

стр. 36

وقال في رواية سلمة بن شبيب: «من لم يقل: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو كافر. ثم قال: لا تشكن في كفرهم، فإن لم يقل: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو يقول: مخلوق، ومن قال: هو مخلوق، فهو كافر» (١). وفي رواية أبي بكر المروذي قال: «لا نرضى أن يقول: كلام الله. ويسكت، حتى يقول: إنه غير مخلوق» (٢). وقد نهى الإمام أبو عبد الله ﵀ عن كلامهم، وأمر بهجرهم والبعد عنهم، بل وأفتى بالتفريق بين الزوجين من أجل ذلك. قال أبو بكر المروذي: «قدم رجل من ناحية الثغر فأدخلته عليه، فقال: ابن عم لي يقف، وقد زوجته ابنتي، وقد أخذتها وحولتها إلي، علي أن أفرق بينهما؟ فقال: لا ترضى منه حتى يقول: غير مخلوق، فإن أبى ففرق بينهما» (٣). وفي رواية الجُرْجَرائي قال: «سألت أبا عبد الله عن رجل له أخت أو عمة، ولها زوج واقفي، قال: يلتقي بها ويسلم

стр. 37

عليها، قلت: فإن كانت الدار له؟ قال: يقف على الباب ولا يدخل» (١).

стр. 38

المبحث الثالث أشهر الأئمة الذين امتحنوا وموقف الإمام منهم وفيه مطلبان: المطلب الأول أشهر الأئمة الذين امتحنوا ولم يجيبوا ١ - أحمد بن عبد الله العجلي الكوفي نزيل طرابلس: هو: الإمام الحافظ الأوحد الزاهد أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم، العجلي الكوفي، نزيل طرابلس، من أئمة الجرح والتعديل، له كتاب «معرفة الثقات»، ولد بالكوفة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتوفي سنة إحدى وستين ومائتين ﵀ (١). موقفه في المحنة: قال الذهبي: «ومن كلام أحمد بن عبد الله قال: من آمن برجعة علي ﵁ فهو كافر، ومن قال: القرآن مخلوق فهو

стр. 39

كافر، وقيل: إنه فرَّ إلى المغرب لما ظهر الامتحان بخلق القرآن، فاستوطنها وولد له بها» (١). وقد قيل: إنه ارتحل إلى المغرب في السنة التي ابتدأت فيها المحنة، سنة ثمان عشرة ومائتين، وأنه لقي الإمام أحمد ودخل عليه ببغداد قبل رحلته. موقف الإمام منه: لم أقف على كلام للإمام أحمد في أبي الحسن العجلي، ولعل السبب تقدم رحلته إلى بلاد المغرب وبقاؤه هناك حتى توفي ﵀. ٢ - أحمد بن نصر الخزاعي: هو: الإمام الكبير الشهيد أبو عبد الله أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم، الخزاعي المروزي ثم البغدادي، كان ﵀ أمَّارًا بالمعروف قوالاً بالحق، استشهد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، قتله الواثق في قصة المحنة (٢).

стр. 40

موقفه في المحنة: قال الذهبي: «قال الصولي: كان هو وسهل بن سلامة حين كان المأمون بخراسان بايعا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قدم المأمون فبايعه سهل، ولزم ابن نصر بيته، ثم تحرك في آخر أيام الواثق، واجتمع إليه خلق يأمرون بالمعروف. قال: إلى أن ملكوا بغداد، وتعدى رجلان موسران من أصحابه، فبذلا مالاً، وعزما على الوثوب في سنة إحدى وثلاثين، فنمَّ الخبر إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم، فأخذ أحمد وصاحبيه وجماعة، ووجد في منزل أحدهما أعلامًا، وضرب خادمًا لأحمد، فأقر بأن هؤلاء كانوا يأتون أحمد ليلاً، ويخبرونه بما عملوا، فحملوا إلى سامراء مقيدين، فجلس الواثق لهم، وقال لأحمد: دع ما أخذت له، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. قال: أفمخلوق هو؟ قال: كلام الله. قال: فترى ربك في القيامة؟ قال: كذا جاءت الرواية. قال: ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم، ويحويه مكان ويحصره ناظر؟! أنا كفرت بمن هذه صفته، ما تقولون فيه؟ فقال قاضي الجانب الغربي: هو حلال الدم، ووافقه فقهاء، فأظهر أحمد بن أبي دؤاد أنه كاره لقتله، وقال: شيخ مختل، تغير عقله، يؤخر.
следующие страницы →