← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 17069

المحنة وأثرها في منهج الإمام أحمد النقدي

عبد الله بن فوزان الفوزان

Полный текст (106 стр.). Показаны 71–106 · переход к 76.

стр. 71

وقد تكلم فيه غيره من الأئمة؛ من أجل وقفه، تكلم فيه: ابن معين، وصالح جزرة، وأبو حاتم، والساجي. قال أبو حاتم: «وقف في القرآن فوقفنا عن حديثه، ولقد تركه الناس حتى كنت أمر بمسجده وهو وحيد لا يقربه أحد، بعد أن كان الناس إليه عَنَقًا واحدًا» (١). وقال الساجي: «كان صدوقًا، تركوه لموضع الوقف» (٢). علق الذهبي على ذلك: «قل من ترك الأخذ عنه» (٣). ٣ - إسماعيل بن إبراهيم بن معمر القطيعي: هو: الإمام الحافظ الكبير الثبت إسماعيل بن إبراهيم بن معمر بن الحسن الهذلي الهروي، أبو معمر البغدادي القطيعي، ولد بعد الخمسين ومائة، وتوفي سنة ست وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (٤).

стр. 72

قال ابن سعد: «ثقة ثبت، صاحب سنة وفضل» (١). موقفه في المحنة: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «سمعت أبا معمر الهذلي يقول: من زعم أن الله لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يرضى، ولا يغضب، فهو كافر، إن رأيتموه واقفًا على بئر فألقوه فيها، بهذا أدين الله » (٢). وقال عبيد بن شريك البزار: «كان أبو معمر القطيعي من شدة إدلاله بالسنة يقول: لو تكلمت بغلتي لقالت: إنها سنية. قال: فأخذ في محنة القرآن، فأجاب، فلما خرج قال: كفرنا وخرجنا» (٣). موقف الإمام منه: قال أبو زرعة: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا أبي معمر، ولا يحيى بن معين، ولا عن

стр. 73

أحد ممن امتحن فأجاب» (١). قال حجاج بن الشاعر: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حدثت عن أحد أجاب في المحنة لحدثت عن اثنين: أبو معمر، وأبو كريب، أما أبو معمر فلم يزل بعدما أجاب يذم نفسه على إجابته، ويحسن أمر من لم يجب ويغبطهم، وأما أبو كريب فأجري عليه ديناران وهو محتاج، فتركهما لما علم أنه أجري لذلك» (٢). ٤ - الحسن بن حماد المعروف بسجادة: هو: الإمام القدوة المحدث الأثري الحسن بن حماد بن كسيب الحضرمي، أبو علي البغدادي، توفي سنة إحدى وأربعين ومائتين، روى له: أبو داود، والنسائي وابن ماجه (٣).

стр. 74

موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه: يوضح هذا ويبينه ما قصّه حنبل بن إسحاق عن المحنة فقال ﵀ فيما نقله عن أبيه: «ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضار أبي عبد الله أحمد ابن حنبل، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة، ومحمد بن نوح بن ميمون، وأن يمتحنهم ... ، فلما كان من الغد حضر أبو عبد الله والمسمون معه، فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد الله والقوم أن يجيبوا جميعًا ... ، ثم امتحن القواريري، فأبى أن يجيبه وامتنع، فأمر بحبسه وتقييده، وسجادة أيضًا كذلك، فلما كان بعد بيوم أو يومين جاء بهما فأجاباه فخلى عنهما، وكان أبو عبد الله بعد ذلك يعذر القواريري وسجادة، يقول: قد أعذار وحُبسا وقُيدا، وقال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ثم قال: القيد كره، والحبس كره، والضرب كره، فأما إذا لم ينل بمكروه فلا عذر له» (١). قال عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان: «سألت أحمد بن حنبل عن سجادة؟ فقال: صاحب سنة، ما بلغني عنه إلا خير» (٢).

стр. 75

٥ - زهير بن حرب أبو خيثمة: هو: الحافظ الحجة، أحد أعلام الحديث، أبو خيثمة، زهير بن حرب بن شداد الحرشي النسائي البغدادي، ولد سنة ستين ومائة، وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين، روى له: الستة عدا الترمذي (١). موقفه في المحنة: قال عبد الغني المقدسي: «قال أبو علي حنبل: وكان أول من حُمِلَ للمحنة هؤلاء السبعة، جاء كتاب المأمون في أمرهم أن يحملوا إليه ولم يمتحنوا هاهنا، وإنما أخرجهم إليه فأجابوه بالرقة، وكانوا: يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وإسماعيل الجوري، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم المستملي عبد الرحمن بن يونس، وابن أبي مسعود، فحضرتهم حين أخرجوا إلى الرقة في الخان بباب الأنبار فأخرجوا جميعًا،

стр. 76

فأجابوا وأطلقوا» (١). موقف الإمام منه: لم أقف على كلام للإمام يطعن به على أبي خيثمة، لكن الإمام هجره كغيره ممن أجاب. قال ابن الجوزي: «وكذلك فعل بأبي خيثمة، فإنه جاء فطرق عليه الباب فلما خرج فرآه أغلق الباب، وخرج مغضبًا يتكلم هو ونفسه بكلمات سمعها أبو خيثمة، فلم يعد إليه» (٢). ٦ - سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي (٣): قال الذهبي: «وثقه بعضهم» (٤). موقفه في المحنة: قال الإمام أحمد: «امتحن أول شيء قبل أن يخوفوا، وقبل أن يكون ترهيب فأجابهم» (٥).

стр. 77

موقف الإمام منه: قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أخبرني اليوم إنسان بشيء عجب، زعم أن فلانًا أمر بالكتاب عن سعد بن العوفي، وقال: هو أوثق الناس في الحديث. فاستعظم ذاك أبو عبد الله جدًا، وقال: لا إله إلا الله، سبحان الله! ذاك جهمي، امتحن أول شيء قبل أن يخوفوا وقبل أن يكون ترهيب فأجابهم. قلت لأبي عبد الله: فهذا جهمي إذًا؟ فقال: فأي شيء ثم. قال أبو عبد الله: لو لم يكن هذا أيضًا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك (١). ٧ - سعيد بن سليمان الواسطي، المعروف بسعدويه: هو: الحافظ الثبت الإمام سعيد بن سليمان، أبو عثمان الضبي الواسطي البزاز، الملقب بسعدويه، سكن بغداد، ونشر بها العلم، ولد سنة بضع وعشرين ومائة، وتوفي سنة خمس وعشرين ومائتين، روى له: الجماعة (٢).

стр. 78

موقفه في المحنة: قال أبو بكر الخطيب: «كان سعدويه من أهل السنة، وأجاب في المحنة» (١). ولكنه ﵀ ممن اعترف وندم. قال أحمد بن عبد الله العجلي: «قيل لسعدويه بعدما انصرف من المحنة: ما فعلتم؟ قال: كفرنا ورجعنا» (٢). وقال محمد بن سهل بن عسكر: «لما دُعي سعدويه إلى المحنة رأيته خرج من دار الأمير، قال: يا غلام، قدم الحمار فإن مولاك كفر!» (٣). موقف الإمام منه: قال العقيلي: «حدثني الخضر بن داود قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن سعيد بن سليمان: ترى الكتابة عنه؟ فقال: أعفني عن المسألة عن هؤلاء، وذلك في حياة سعيد، وذلك بعد المحنة» (٤).

стр. 79

قال عبد الله بن أحمد: «سمعت أبي ذكر سعيد بن سليمان، قال: كان صاحب تصحيف ما شئت» (١). وقال أبو زرعة: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيته في كتابه مضروبًا عليهما» (٢). قال الذهبي: «وأما أحمد بن حنبل فكان يغض منه، ولا يرى الكتابة عنه؛ لكونه أجاب في المحنة تقية، ويقول: صاحب تصحيف ما شئت» (٣). ٨ - عباس بن عبد العظيم العنبري: هو: الحافظ الحجة الإمام العباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن توبة، أبو الفضل العنبري البصري، توفي سنة ست وأربعين ومائتين، روى له: مسلم، والأربعة (٤).

стр. 80

موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه: قال حنبل: «امتحن عباس بن عبد العظيم العنبري، وعلي بن المديني بالبصرة، فأما عباس فأقيم فضُرِبَ بالسوط فأجاب، وأُقعد علي بن المديني فلم يمتحن حتى ضرب عباس وهو ينظر، فلما رأى ما نزل بعباس العنبري، وأن عباسًا قد أجاب، أجاب علي عند ذلك، ولم ينل بمكروه ولا ضرب، وحذر لما رأى ما نزل بعباس من الضرب، فعذر أبو عبد الله عباسًا، ولم يعذر عليًا لذلك». وقال في موضع آخر: «كان أبو عبد الله عباسًا العنبري، لما ضُرِبَ ونيل بالضرب والقيد، ويذكر علي بن المديني فيغتم له ولما صار إليه، ويقول: أخرج إليهم كتاب يحيى، فعرفوا من الحديث ما لم يكونوا يعرفون - يعني: من أخبار الحديث - وما فيها من الوهم، فكان يغتم لذلك» (١). وقال عبد الله: «قيل له - يعني: أباه -: عباس العنبري؟ قال: ابن خلّاد من الشيوخ. قال أبو عبد الرحمن: حاد عنه من أجل المحنة؛ لأنه كان ضُرِبَ في المحنة» (٢).

стр. 81

أي أن الإمام أحمد ترك الكلام فيه من أجل ما ابتلي به في المحنة. ٩ - عبد الملك بن عبد العزيز القشيري أبو نصر التمار: هو: الإمام الثقة الزاهد القدوة عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الملك بن ذكوان بن يزيد، أبو نصر التمار القشيري مولاهم، النسوي الدقيقي، نزيل بغداد، ولد سنة سبع وثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، روى له: مسلم، والنسائي (١). موقفه في المحنة: قال ابن الجوزي: «كان عالمًا، ثقة، زاهدًا، يعد في الأبدال، وكان ممن أجاب في المحنة، وكان أحمد ينهى عن الكتابة عنه، ولم يخرج للصلاة عليه، كل ذلك ليعظم أمر القرآن عند الناس» (٢). وقال الذهبي: «وكان ممن امتحن في خلق القرآن، فأجاب وخاف» (٣).

стр. 82

موقف الإمام منه: قال أبو زرعة الرازي: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصار التمار، ولا ابن معين، ولا ممن امتحن فأجاب» (١). وقال أبو الحسن الميموني: «صح عندي أنه - يعني: أحمد - لم يحضر أبا نصر التمار حين مات، فحسبت أن ذلك لما كان أجاب في المحنة» (٢). ١٠ - عبيد الله بن عمر القواريري: هو: الإمام الحافظ، محدث الإسلام عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، أبو سعيد الجشمي مولاهم، البصري، نزيل بغداد، ولد سنة اثنتين وخمسين ومائة تقريبًا، وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٣).

стр. 83

موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه: قد تقدم في ترجمة سجَّادة قصته وقصة القواريري وموقف الإمام منهما، فيما قاله ابن عمه حنبل بن إسحاق ﵀ عن أبيه: «ثم ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضار أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجَّادة، ومحمد بن نوح بن ميمون، وأن يمتحنهم ... ، فلما كان من الغد حضر أبو عبد الله والمسمون معه، فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد الله والقوم أن يجيبوا جميعًا ... ، ثم امتحن القواريري فأبى أني يجيبه وامتنع، فأمر بحبسه وتقييده، وسجَّادة أيضًا كذلك، فلما كان بعدُ بيوم أو يومين جاء بهما فأجاباه فخلّى عنهما، وكان أبو عبد الله بعد ذلك يعذر القواريري وسجادة، يقول: قد أعذرا وحبسا وقيدا، وقال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ثم قال: القيد كره، والحبس كره، والضرب كره، فأما إذا لم ينل بمكروه فلا عذر له» (١).

стр. 84

١١ - علي بن الجعد الجوهري: هو: الإمام الحافظ الحجة مسند بغداد علي بن الجعد بن عبيد، أبو الحسن البغدادي، ولد سنة أربع وثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، وأبو داود (١). موقفه في المحنة: قد عيب على علي بن الجعد ﵀ كلام له في بعض الصحابة، أوجب نسبته إلى شيء من التشيع، وأيضًا إجابته في المحنة وموقفه ممن قال بخلق القرآن؛ ومن أجل هذا تكلم فيه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وفيما يلي ذكرٌ لما نسب إليه من هذه الهفوات. قال أبو يحيى الناقد: «سمعت أبا غسان الدوري يقول: كنت عند علي بن الجعد، فذكروا حديث ابن عمر: «كنا نفاضل على عهد النبي ﷺ فنقول: خير هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر، وعثمان، فيبلغ النبي ﷺ فلا ينكره» (٢). فقال

стр. 85

علي: انظروا إلى هذا الصبي هو لم يحسن أن يطلق امرأته يقول: كنا نفاضل. وكنت عنده فذكروا حديث: «إن ابني هذا سيَّد» (١) قال: ما جعله الله سيدًا. قال أحمد بن إبراهيم الدورقي: قلت لعلي بن الجعد: بلغني أنك قلت: ابن عمر ذاك الصبي، قال: لم أقل، ولكن معاوية ما أكره أن يعذبه الله» (٢) (٣). وقال هارون بن سفيان المستملي: «كنت عند علي بن الجعد، فذكر عثمان، فقال: أخذ من بيت المال مئة ألف درهم بغير حق، فقلت: لا والله، ما أخذها إلا بحق» (٤). وقال الآجري: «قلت لأبي داود: أيما أعلى عندك علي بن الجعد أو عمرو بن مرزوق؟ فقال: عمرو أعلى عندنا، علي بن الجعد وُسِمَ بميسم سوءٍ، قال: ما ضرني أن يعذب الله

стр. 86

معاوية، وقال: ابن عمر ذاك الصبي» (١). وقال زياد بن أيوب: «سأل رجلٌ أحمد بن حنبل عن علي بن الجعد؟ فقال الهيثم: ومثله يسأل عنه! فقال أحمد: أمسك أبا عبد الله، فذكره رجل بشيء، فقال أحمد: ويقع في أصحاب رسول الله؟ فقال زياد بن أيوب: كنت عند علي بن الجعد، فسألوه عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله، ومن قال: مخلوق، لم أعنفه، فقال أحمد: بلغني عنه أشد من هذا» (٢). موقف الإمام منه: قال أبو جعفر العقيلي: «قلت لعبد الله بن أحمد: لِمَ لَمْ تكتب عن علي بن الجعد؟ قال: نهاني أبي أن أذهب إليه، وكان يبلغه عنه أنه يتناول الصحابة» (٣). وقال أبو زرعة: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي بن الجعد، ولا سعيد بن سليمان، ورأيته في كتابه مضروبًا عليهما» (٤).

стр. 87

وقال ابن عدي: «وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه ضعفه، وقال: نهيت ابني عبد الله أن يكتب عنه، وعبد الله لم يكتب عن أحد إلا عمن أمره أبوه بالكتابة عنه، وكتب عبد الله عن شيخ يقال له: يحيى بن عبدويه من أهل بغداد، وكان يحدث عن شعبة، ويحيى بن عبدويه ليس بالمعروف، ولم يكتب عن علي بن الجعد مع شهرته؛ لأن أباه نهاه عن الكتابة عنه» (١). وقال ابن الجوزي: «وكان أحمد قد نهى ابنه عبد الله أن يسمع من علي بن الجعد، وذلك أنه بلغه عنه أنه يتناول بعض الصحابة، وأنه قال: من قال: إن القرآن مخلوق. لم أعنفه» (٢). وقال ابن حجر: «تكلم فيه أحمد من أجل التشيع، ومن أجل وقوفه في القرآن» (٣). ١٢ - علي بن المديني: هو: الشيخ الإمام الحجة، أمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد السعدي مولاهم البصري، المعروف بابن المديني، مولى عروة بن عطية السعدي، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وتوفي

стр. 88

سنة أربع وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، وأبو داود والترمذي، والنسائي (١). قال المزي: «الإمام المبرز في هذا الشأن، صاحب التصانيف الواسعة، والمعرفة الباهرة» (٢). وقال ابن حجر: «ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني. وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. وقال النسائي: كأن الله خلقه للحديث. عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تنصل وتاب، واعتذر بأنه كان قد خاف على نفسه» (٣). موقفه في المحنة: الإمام ابن المديني قد تكلم فيه بعدد من الأسباب والوجوه، وبعضها لا يثبت عنه، ولا يصح نسبتها إليه، وسوف أورد الجميع على جهة الاختصار.

стр. 89

كلامه في حديث رؤية الرب تعالى يوم القيامة. قال الحسين بن فهم: «حدثني أبي قال: قال ابن أبي دؤاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين، هذا يزعم - يعني: أحمد بن حنبل - أن الله يُرَى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود، والله لا يُحد، فقال: ما عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين عندي ما قاله رسول الله ﷺ . قال: وما هو؟ قال: حدثني غندر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير قال: «كنا مع النبي ﷺ في ليلة أربع عشرة، فنظر إلى البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر، لا تضامون في رؤيته» (١). فقال لابن أبي دؤاد: ما تقول؟ قال: انظر في إسناد هذا الحديث، ثم انصرف. فوجّه إلى علي بن المديني - وعليٌّ ببغداد مملق - ما يقدر على درهم فأحضره، فما كلمه بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وقال: هذه وصلك بها أمير المؤمنين، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه، وكان له رزق سنتين، ثم قال له: يا أبا الحسن حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟ قال: صحيح. قال: فهل عندك عنه شيءٌ؟ قال: يعفيني القاضي من هذا. قال: هذه حاجة الدهر. ثم أمر له بثياب وطيب ومركب بسرجه ولجامه، ولم يزل حتى قال له: في هذا

стр. 90

الإسناد من لا يعول عليه، ولا على ما يرويه، وهو قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابيًا بوّالاً على عقبيه، فقبل ابن أبي دؤاد عليه واعتنقه، فلما كان الغد وحضروا قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس، وهو أعرابي بوّال على عقبيه؟ قال: فقال أحمد بعد ذلك: فحين أطلع لي هذا، علمت أنه من عمل علي بن المديني، فكان هذا وأشباهه من أوكد الأمور في ضربه». وقد تكلم في ثبوت ذلك عن ابن المديني ﵀: فقال الخطيب: «أما ما حكي عن عليّ في هذا الخبر من أنه لا يعول على ما يرويه قيس، فهو باطل، قد نزه الله عليًا عن قول ذلك، لأن أهل الأثر - وفيهم عليّ - مجمعون على الاحتجاج برواية قيس وتصحيحها، إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة، وليس في التابعين من أدرك العشرة وروى عنهم غير قيس مع روايته عن خلق من الصحابة ... ، فإن كان هذا محفوظًا عن ابن فهم، فأحسب أن ابن أبي دؤاد تكلم في قيس بما ذكر في الحديث، وعزا ذلك إلى ابن المديني، والله أعلم ... ، ولم يحك أحد ممن ساق المحنة أن أحمد نوظر في حديث الرؤية» (١).

стр. 91

أنه روى لابن أبي دؤاد حديثًا أخطأ فيه الوليد بن مسلم فيه تأييد للبدعة. قال الخطيب البغدادي: «أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، أخبرنا عيسى بن حامد القاضي، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الصيدلاني، حدثنا أبو بكر المروذي قال: قلتُ لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس، عن عمر: «كلوه إلى خالقه»؟ فقال أبو عبد الله: كذب، حدثنا الوليد بن مسلم مرتين ما هو هكذا، إنما هو: «كلوه إلى عالمه». قلت لأبي عبد الله: إن عباسًا العنبري قال لما حدث به بالعسكر: قلت لعلي بن المديني: إنهم قد أنكروه عليك! فقال: حدثتكم به بالبصرة، وذكر أن الوليد أخطأ فيه، فغضب أبو عبد الله وقال: فنعم، قد علم - يعني: علي بن المديني - أن الوليد أخطأ فيه فلم أراد أن يحدثهم به؟! يعطيهم الخطأ! وكذبه أبو عبد الله» (١). ثقة علاقته وجميل معاملته لأحمد البدعة ابن أبي دؤاد. قال زكريا الساجي: «قدم ابن المديني البصرة، فصار إليه بندار، فجعل علي يقول: قال أبو عبد الله، قال أبو عبد الله،

стр. 92

فقال بندار على رؤوس الملأ: من أبو عبد الله، أأحمد بن حنبل؟ قال: لا، أحمد بن أبي دؤاد. فقال بندار: عند الله احتسب خطاي، شبه علي هذا، وغضب وقام» (١). وقال أبو بكر الشافعي: «كان عند إبراهيم الحربي قمطر من حديث ابن المديني، وما كان يحدث به. فقيل له: لم لا تحدث عنه؟ قال: لقيته يومًا، وبيده نعله، وثيابه في فمه، فقلت: إلى أين؟ فقال: ألحق الصلاة خلف أبي عبد الله، فظننت أنه يعني أحمد بن حنبل، فقلت: من أبو عبد الله؟ قال: ابن أبي دؤاد، فقلت: والله لا حدثت عنك بحرف» (٢). وقال سليمان بن إسحاق الجلّاب وآخر: «قيل لإبراهيم الحربي: أكان ابن المديني يُتَّهم؟ قال: لا، إنما كان إذا حدث بحديث زاد في خبره كلمة؛ ليرضي بها ابن أبي دؤاد. فقيل له: أكان يتكلم في أحمد بن حنبل؟ قال: لا، إنما كان إذا رأى في كتاب حديثًا عن أحمد، قال: اضرب على ذا، ليرضي به ابن أبي دؤاد، وكان قد سمع من أحمد، وكان في كتابه: سمعت أحمد، وقال أحمد، وحدثنا أحمد، وكان ابن أبي دؤاد إذا رأى في كتابه حديثًا عن الأصمعي قال: اضرب على ذا،

стр. 93

ليرضي نفسه بذلك» (١). إجابته في المحنة: قد ثبت أن ابن المديني أجاب في المحنة، ولكنه ندم وتاب من ذلك، وأبدى عذره في إجابته. قال حنبل: «امتحن عباس بن عبد العظيم العنبري وعلي بن المديني بالبصرة، فأما عباس فأقيم فضرب بالسوط فأجاب، وأقعد علي بن المديني فلم يمتحن حتى ضرب عباس وهو ينظر، فلما رأى ما نزل بعباس العنبري، وأن عباسًا قد أجاب، أجاب علي عند ذلك، ولم ينل بمكروه ولا ضرب، وحذر لما رأى ما نزل بعباس من الضرب، فعذر أبو عبد الله عباسًا، ولم يعذر عليًا لذلك» (٢). وقال ابن عمار الموصلي في تاريخه: «قال لي علي بن المديني: ما يمنعك أن تكفر الجهمية، وكنت أنا أولاً لا أكفرهم؟ فلما أجاب علي إلى المحنة، كتبت إليه أذكره ما قال لي وأذكره الله، فأخبرني رجل عنه أنه بكى حين قرأ كتابي، ثم رأيته بعد فقال لي: ما في قلبي مما قلت وأجبت إلى شيء، ولكني خفت أن أقتل، وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطًا واحدًا لمت، أو نحو هذا.

стр. 94

قال ابن عمار: ودفع عني عليّ امتحان ابن أبي دؤاد إياي شفع في، ودفع عن غير واحد من أهل الموصل من أجلي، فما أجاب ديانةً إلا خوفًا» (١). وقال ابن عدي: «سمعت مسدد بن أبي يوسف القلوسي، سمعت أبي يقول: قلت لابن المديني: مثلك يجيب إلى ما أجبت إليه؟! فقال: يا أبا يوسف، ما أهون عليك السيف» (٢). وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: «سمعت عليًا على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يرى فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلم موسى على الحقيقة فهو كافر». وفي رواية عنه أنه قال: «سمعت علي بن المديني يقول قبل أن يموت بشهرين: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق. فهو كافر» (٣). وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «كان أبو زرعة ترك الرواية عن علي من أجل ما بدا منه في المحنة، وكان والدي

стр. 95

يروي عنه لنزوعه عما كان منه. قال أبي: كان علي علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل» (١). موقف الإمام منه: لقد كان موقف الإمام واضحًا من ابن المديني - رحمهما الله تعالى - حيث كان يغتم عند ذكره، وترك الحديث عنه بعد المحنة، ونهى ابنه عن التحديث عنه، ولم ينفرد بهذا، فكما سبق أن أبا زرعة ترك الرواية عن ابن المديني. وقد بين عبد الله بن أحمد أن الأحاديث التي في المسند عن ابن المديني إنما كانت قبل المحنة، فقال: «وحدثناه أبي عن عليّ قبل أن يمتحن بالقرآن»، بل في بعضها بين الإمام أنه سمعه منه قبل المحنة (٢). وقال عبد الله: «لم يحدث أبي بعد المحنة عنه بشيءٍ» (٣). قال حنبل: «كان أبو عبد الله يعذر عباسًا العنبري، لما ضرب ونيل بالضرب والقيد، ويذكر علي بن المديني فيغتم له ولما صار إليه، ويقول: أخرج إليهم كتاب يحيى، فعرفوا من الحديث ما لم يكونوا يعرفون؛ يعني: من أخبار الحديث وما

стр. 96

فيها من الوهم، فكان يغتم لذلك» (١). وقال العقيلي: «وقرأت على عبد الله بن أحمد كتاب العلل عن أبيه، فرأيت فيه حكايات كثيرة عن أبيه، عن علي بن عبد الله، ثم قد ضرب على اسمه، وكتب فوقه: حدثنا رجلٌ، ثم ضرب على الحديث كله، فسألت عبد الله؟ فقال: كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه، وكان يقول: حدثنا رجل، ثم ترك حديثه بعد ذاك» (٢). قال المروذي: «سمعت رجلاً من أهل العسكر يقول لأبي عبد الله: ابن المديني يقرئك السلام، فسكت. فقلت لأبي عبد الله: قال لي عباس العنبري: قال علي بن المديني ... وذكر رجلاً فتكلم فيه، فقلت له: إنهم لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل. قال: قَوِي أحمد على السوط وأنا لا أقوى» (٣). ١٣ - محمد بن سعد كاتب الواقدي: هو: الحافظ العلامة الحجة محمد بن سعد بن منيع، أبو عبد الله البغدادي، كاتب الواقدي، ومصنف الطبقات الكبرى، ولد بعد الستين ومائة، وتوفي سنة ثلاثين ومائتين،

стр. 97

روى له: أبو داود (١). موقفه في المحنة: قال الذهبي: «وكتب المأمون إليه - نائبه إسحاق بن إبراهيم الخزاعي - أيضًا في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فأشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه، فردهم من الرقة إلى بغداد» (٢). موقف الإمام منه: لم أجد موقفًا خاصًا للإمام تجاه ابن سعد، وإنما المنقول موقفه العام من السبعة الذين أجابوا، وأنه قد اغتم لذلك؛ لأن هذا مبدأ الأمر، فلو أنهم صبروا لانقطعت الفتنة.

стр. 98

قال حنبل: «سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل - وذكر الذين حملوا إلى الرقة، إلى المأمون، وأجابوا - فذكرهم أبو عبد الله بعد ذلك فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل - يعني: المأمون - ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. وكان أبو عبد الله إذا ذكرهم اغتم لذلك، ويقول: هم أول من ثلم هذه الثلمة وأفسد هذا الأمر» (١). ١٤ - محمد بن العلاء أبو كريب: هو: الحافظ الثقة الإمام، شيخ المحدثين محمد بن العلاء بن كريب، أبو كريب الهمداني الكوفي، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائتين، روى له: الجماعة (٢). موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه: قال حجاج بن الشاعر: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حدثت عمن أجاب في المحنة، لحدثت عن اثنين: أبو معمر

стр. 99

وأبو كريب؛ أما أبو معمر فلم يزل بعدما أجاب يذم نفسه على إجابته وامتحانه، ويحسن أمر من لم يجب، وأما أبو كريب فأجري عليه ديناران وهو محتاج، فتركهما لما علم أنه أجري عليه لذلك» (١). ١٥ - هشام بن عمار: هو: الإمام الحافظ، العلامة المقرئ، عالم أهل الشام، هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان، أبو الوليد السلمي، ويقال: الظفري، خطيب دمشق، ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة، وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين، روى له: البخاري، والأربعة (٢). موقفه في المحنة، وموقف الإمام منه: قال الذهبي: «قال المروذي: ذكر أحمد هشامًا فقال: طياش خفيف. قال المروذي: ورد كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد الله، فإن هشام بن عمار قال: لفظ جبريل ومحمد ﵇

стр. 100

بالقرآن مخلوق، فسألت أبا عبد الله؟ فقال: أعرفه طياشًا، قاتله الله لم يتجرئ الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمدًا ﷺ ، هذا قد تجهم، وفي الكتاب أنه قال في خطبته: الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه، فسألت أبا عبد الله؟ فقال: هذا جهمي، الله تجلى للجبال، يقول هو: تجلى لخلقه بخلقه، إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة» (١). وفي سياق آخر: قال أبو بكر المروذي في كتاب القصص: «ورد علينا كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد الله، فإن هشامًا قال: لفظ جبريل ﵇ ومحمد ﷺ بالقرآن مخلوق، فسألت أبا عبد الله؟ فقال: أعرفه طياشًا، لم يجترئ الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمدًا، هذا قد تجهم، في كلام غير هذا» (٢) (٣).

стр. 101

١٦ - يحيى ين معين: هو: الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام الغطفاني ثم المُرَّي مولاهم، البغدادي، ولد سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود (١). موقفه في المحنة: قال الذهبي: «وكتب المأمون إليه - نائبه إسحاق بن إبراهيم الخزاعي - أيضًا في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خثيمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، فأُشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه، فردهم من الرقة إلى بغداد» (٢).

стр. 102

وقال الذهبي: «وكان يحيى من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية» (١). موقف الإمام منه: قال أبو زرعة الرازي: «كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصار التمار، ولا ابن معين، ولا عمن امتحن فأجاب» (٢). ونقل ابن أبي يعلى بسنده إلى أبي بكر المروذي أنه قال: «جاء يحيى بن معين فدخل على أحمد بن حنبل وهو مريض، فسلم عليه، فلم يرد ﵇، وكان أحمد قد حلف بالعهد أن لا يكلم أحدًا ممن أجاب حتى يلقى الله ، فما زال يعتذر ويقول: حديث عمار، وقال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: لا يقبل عذرًا، فخرجت بعده وهو

стр. 103

جالسٌ على الباب، فقال: أيش قال أحمد بعدي؟ قلت: قال: يحتج بحديث عمار، وحديث عمار: «مررت بهم وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني» (١)، وأنتم قيل لكم: نريد أن نضربكم. فسمعت يحيى بن معين يقول: مر يا أحمد، غفر الله لك، فما رأيت والله تحت أديم سماء الله أفقه في دين الله منك» (٢). وقال ابن الجوزي: «وعاده يحيى بن معين في مرضه فولّاه ظهره، وأمسك عن كلامه حتى قام عنه وهو يتأفف ويقول: بعد الصحبة الطويلة لا أُكَلَّم!» (٣).

стр. 104

الخاتمة الحمد لله أولاً وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فبعد هذه الرحلة التاريخية العلمية في فصول ومشاهد هذه المحنة العظيمة، والنظر في آثارها الوخيمة، والاستفادة من دروسها المفيدة، وقبل وضع القلم، وطي القرطاس أقيد أهم النتائج: ١ - خطورة أمر المحن، وشدة أثرها على العلماء والأئمة، بله العامة والدهماء. ٢ - ما لولي الأمر والحاكم من أثر على رعيته بصلاحه أو فساده، وكما قال عثمان ﵁: «ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن» (١). ٣ - الأثر الواضح للبطانة، وغيبة النصح علي ولي الأمر في الخير والشر. ٤ - أن أهل البدع لا يرقبون في السنة وأهلها وعلمائها إلّا ولا ذمة، وإنما يتربصون بهم الدوائر والبلاء والمحن.

стр. 105

٥ - أن نظر الأئمة اختلف واجتهادهم تعدد في هذه المحنة، فهم ﵏ بين الأجرين والأجر، فالعذر لهم قائم، والعتب عنهم مرفوع، واللوم إليهم غير متجه. ٦ - أن الموقف الخاص للإمام أحمد من بعض الأئمة الذين أسرعوا إلى الإجابة له ما يبرره، فليس هناك من شك أنه ﵀ أبعدهم عن لوم أو عتب، فضلاً عن مصادرة رأيه أو تخطئته في موقفه. ٧ - أن الإمام لم يكن نظره إلى المحنة ومواقف الأئمة فيها واحدًا، فمنهم من عذره، وآخرين لامهم وعذلهم، وطائفة ثالثة لم يحفظ للإمام فيهم موقف. ٨ - أن أصعب الأئمة موقفًا وأشدهم إشكالاً وأشق مواقفهم تفسيرًا موقف الإمام الحافظ الحجة علي بن المديني ﵀. ٩ - من خلال ما سبق تبين أن موقف الإمام من الذين أجابوا لم يكن ذلك الموقف الذي ترتب عليه إسقاط العدالة، أو الكلام في حديث الراوي ومروياته، وإنما هو موقف عزيمة خاص، أراد به الإمام سد الذريعة أمام الابتداع، وإيصاد الباب تجاه الفتن، والتربية على قوة العزائم، وأخذ الأمر بالقوة في الحق. ١٠ - من تأمل ألفاظ الإمام ﵀ التي أطلقها في ظروف المحنة يجد أنها ليست ألفاظًا اصطلاحية داخلة في مراتب

стр. 106

الجرح والتعديل المتقررة عند أهل الفن؛ بدليل أنه قرن ببعضها ألفاظًا صريحة في أحدى المرتبتين، إما جرحًا أو تعديلاً. ١١ - أن للمحن من بساط الحال، وشدة التأثير، وكثرة العوامل، وعظيم الالتباس ما يحتم على المسلم - لا سيما طالب العلم - الفزع إلى ربه، واللجوء إلى مولاه أن يعيذه من ظاهرها وباطنها، وأن يقيه بالتقوى، ويعصمه بالطاعة، ويحفظه بالاستقامة. ١٢ - علو قدر الأئمة وعظيم منزلتهم في الإسلام. ١٣ - المكانة السنية والدرجة العلية لإمامهم؛ إمام أهل السنة والجماعة بلا منازع، ومقدمهم بلا مدافع أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀. ١٤ - أن الله تعالى قد طوى في هذه المحنة منحًا عظيمة، ومننًا جسيمة للأمة جميعًا، وللإمام أحمد خصوصًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم. اللهم أعذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، واحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، اللهم ارحم علماءنا وأئمتنا، وأجزهم عنا خير الجزاء وأوفاه. والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين