← Акыда

Акыда · id 17070

تعظيم الله جل جلاله «تأملات وقصائد»

أحمد بن عثمان المزيد

Полный текст (275 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تَعْظِيم الله ﷻ «تأمُّلاتٌ وقصَائد» تأليف د. أَحْمد بن عُثْمَان الْمَزِيد أستاذ الدراسات الإسلامية المشارك بكلية التربية - جَامِعَة الْملك سعود مدَار الوطن للنشر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمدُ للهِ الذي رفعَ السماءَ بقدرتِهِ وبسطَ الأرضَ بمشيئتهِ ومهَّدَها للسُّلَّاك، وسَخَّرَ الفُلكَ ومهَّدَ المُلْكَ ودبَّر الأملاك. الحيُّ القيومُ الذي لا تأخُذُه سِنَةٌ ولا نومٌ، الذي خلقَ الموتَ والحياةَ وقدَّر النجاةَ والهلاكَ. الذي له الخلقُ والأمرُ، وبيدهِ الإطلاقُ والإمساكُ، الذي أنشأَ اللوحَ والقلمَ، وعلَّمَ الإنسانَ ما لم يعلمْ ووهبَ له العقلَ الكاملَ والفهمَ والإدراكَ ... والصلاةُ والسلامُ على البشيرِ النذير والسراج المنيرِ، أعظمِ الخلقِ خشيةً لربّهِ وتعظيمًا له، وتمجيدًا لجلالِهِ، وعبادةً وذكرًا وشكرًا ومحبةً وخوفًا ورجاءً ورغبًا ورهبًا. واللهُ هو أهلُ الثناءِ والمجدِ، وصاحبُ الجبروتِ والملكوتِ والكبرياءِ والعظمةِ ... هو عالِمُ السرِّ وأخفى، قيومُ السمواتِ والأرضِ، عالمُ الأسرارِ، مقيلُ العثار، مدبرُ الليلِ والنهارِ. ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. هو الأولُ فليس قبلَهُ شيءٌ، وهو الآخرُ فليس بعدَهُ شيءٌ وهو الظاهرُ فليسَ فوقَهُ شيءٌ، وهو الباطنُ فليسَ دونَهُ شيءٌ ...

стр. 3

هو خيرُ المسؤولين، وأكرمُ المعطين، ورازقُ الناسَ أجمعين. يعلمُ حوائجَ السائلين، وضمائرَ الصامتين، وأسرارَ صدورِ العالمين. لا يزدادُ على كثرةِ السؤالِ إلا جودًا وكرمًا، ولا على كثرةِ الحوائجِ إلا تفضلًا وإحسانًا. هو العليُّ الكبيرُ، الوليُّ الحميدُ، العزيزُ المجيدُ، المبدئُ المعيدُ، الفعالُ لما يريدُ، الحيُّ القيومُ، القويُّ المتينُ، العظيمُ الجليلُ، له الخلقُ والأمرُ، وبيدهِ النفعُ والضرُّ، وله الحكمُ والتقديرُ، والملكُ والتدبيرُ، ليسَ لهُ في صفاتِهِ شبيهٌ ولا نظيرٌ، ولا له في آلهيتهِ شريكٌ ولا ظهيرٌ، ولا له في سلطانهِ وليٌّ ولا نصيرٌ. سبحانه من مليكٍ ما أمنَعَه، وجوادٍ ما أوسعَهُ، ورفيعٍ ما أرفَعَه، لا رادَّ لمشيئته، ولا مبدِّل لكلماتهِ، قولهُ حُكْمٌ، وقضاؤه حَتْمٌ، وأمْرُه رشدٌ، باهِرُ الآياتِ، فاطرُ السمواتِ، بارئُ السماتِ، مجيبُ الدعواتِ، مغيثُ اللهفاتِ، مقيلُ العثراتِ. أكبرُ من كلّ شيءٍ، وأعظمُ من كلِّ شيءٍ، وأعزُّ من كلِّ شيءٍ، وأقدرُ من كل شيءٍ، وأعلمُ من كلِّ شيءٍ، وأحكمُ من كلِّ شيءٍ. قالَ ابنُ القيِّمِ في صفةِ عظمةِ اللهِ : «يدبِّرُ أمرَ الممالكِ، ويأمرُ وينهى، ويخلقُ ويرزقُ، ويميتُ ويُحْيي، ويقضي وينفِّذُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويقلِّبُ الليلَ والنهارَ، ويُدَاوِلُ الأيامَ بينَ الناسِ، ويُقَلِّبُ الدُّوَلَ، فيذهبُ بدولةٍ، ويأتي بأخرى. والرسلُ من الملائكةِ عليهم الصلاةُ والسلامُ بين صاعدٍ إليه بالأمرِ، ونازلٍ من عندِهِ به، وأوامرُه ومراسيمُهُ متعاقبةٌ على تعاقبِ الأوقاتِ، نافذةٌ

стр. 4

بحسبِ إرادتهِ ومشيئتهِ، فما شاءَ كانَ كما شاءَ في الوقتِ الذي يشاءُ على الوجهِ الذي يشاءُ، من غيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ، ولا تَقَدُّمٍ ولا تأخُّرٍ، وأمرُهُ وسلطانُهُ نافِذٌ في السمواتِ والأرضِ وأقطارِها، وفي الأرضِ وما عليها وما تحتها، وفي البحارِ والجوِّ، وفي سائرِ أجزاءِ العالمِ وذرَّاتِهِ، يُقَلِّبها ويُصَرِّفها، ويُحدِثُ فيها ما يشاءُ، وقد أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا، ووسعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وحكمةً، ووسعَ سَمْعُهُ الأصوات، فلا تختلفُ عليه ولا تشتبهُ عليه، بل يسمعُ ضجيجَها باختلافِ لغاتِها على تَفَنُّنِ حاجاتِها، فلا يَشغَلُهُ سمعٌ عن سمعٍ، ولا تُغلِطُه كثرةُ المسائلِ، ولا يتبَرَّمُ بإلحاحِ المُلِحِّين ذوي الحاجات. وأحاط بصرُه بجميعِ المرئياتِ، فيرى دبيبَ النملةِ السوداءِ على الصخرةِ الصَّمَّاءِ في الليلةِ الظلماءِ، فالغيبُ عنده شهادةٌ، والسرُّ عنده علانيةٌ، يعلمُ السرَّ وأخفى من السرِّ؛ فالسرُّ ما انطوى عليه ضمير العبدِ، وخطرَ بقلبِهِ، ولم تتحركْ به شفتاه، وأخفى منه: ما لم يخطرْ بقلبِهِ بَعْدُ، فيَعلَمُ أنه سيخطرُ بقلبِهِ كذا وكذا في وقتِ كذا وكذا. وله الخلقُ والأمرُ، وله الملكُ وله الحمدُ، وله الدنيا والآخرةُ، وله النعمةُ، وله الفضلُ، وله الثناءُ الحسنُ، وله الملكُ كلُّه، وله الحمد كلُّهُ، وبيدهِ الخيرُ كلُّهُ، وإليه يرجعُ الأمرُ كلُّهُ، شملت قدرتُهُ كلَّ شيءٍ، ووسعتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ، ووسَعَت نعمتُهُ إلى كلِّ حيّ. ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ [الرحمن:٢٩]: يغفرُ ذنبًا، ويفرِّجُ همًّا، ويكشفُ كربًا، ويجبرُ كسيرًا، ويُغني فقيرًا، ويُعَلِّمُ جاهلًا،

стр. 5

ويهدي ضالًّا، ويُرشِدُ حيرانًا، ويغيث لَهْفَانًا، ويَفُكُّ عانيًا، ويُشبع جائِعًا، ويَكْسُو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويُعافي مبتلى، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصرُ مظلومًا، ويقصمُ جبَّارًا، ويقيل عثرَةً، ويسترُ عورةً، ويُؤَمِّن روعةً، ويرفعُ أقوامًا، ويضع آخرين. لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يخفضُ القسطَ ويرفعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ عملِ النهارِ، وعملُ النهار قبلَ عملِ الليلِ، حجابُه النورُ، لو كشفَهُ لأحرقتْ سُبُحات وجههِ ما انتهى إليه بصرُه من خلقه. يمينُه مَلأى، لا تَغِيضُها نفقة، سحَّاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتم ما أنفقَ منذ خلقَ الخلقَ، فإنه لم يَغِضْ ما في يمينهِ. قلوبُ العبادِ ونواصيهم بيدهِ، وأزمَّةُ الأمورِ معقودةٌ بقضائهِ وقدرِهِ، الأرضُ جميعًا قبضتُهُ يومَ القيامةِ، والسمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ، يقبضُ سمواتِهِ كلِّها بيدِهِ، والأرضَ باليدِ الأخرى، ثم يَهُزُّهنَّ، ثم يقولُ: أنا الملكُ، أنا الملكُ، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكنْ شيئًا، وأنا الذي أعيدُها كما بَدَأتُها. لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفرَهُ، ولا حاجةٌ يُسأَلُها أن يعطيَها. لو أن أهلَ سمواتِهِ، وأهلَ أرضِهِ، وأولَ خلقِهِ وآخرَهم، وإنسَهم وجنَّهم، كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ منهم، ما زاد ذلك في ملكهِ شيئًا، ولو أنَّ أولَ خلقهِ وآخرَهم، وإنسَّهم وجِنَّهم، كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منهم، ما نقصَ ذلك من ملكهِ شيئًا، ولو أن أهلَ سمواتِهِ، وأهل أرضِهِ، وإنسَهم وجِنَّهم، وحيَّهُم وميِّتهم، كانوا على أفجر قلبِ رجلٍ منهم، ما نقص ذلك

стр. 6

من ملكهِ شيئًا، ولو أن أهلَ سمواته، وأهلَ أرضه، وإنسَهم وجنَّهم، وحيَّهُم وميِّتهم، ورطَبهم ويابِسهم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوه فأعطى كلًّا منهم مسألتَهُ، ما نقصَ ذلك مما عندَهُ مثقالَ ذرةٍ. ولو أنَّ أشجارَ الأرضِ كلَّها ـ من حين وُجدتْ إلى أن تنقضيَ الدنيا ـ أقلامٌ، والبحرُ وارءه سبعةُ أبحرٍ تمدُّه من بعده مِدادٌ، فكُتِبَ بتلك الأقلامِ، وذلك المدادِ، لفنيت الأقلامُ ونفدَ المدادُ، ولم تنفدْ كلماتُ الخالقِ ﵎. وكيفَ تَفْنَى كلماتُه ﷻ وهي لا بدايةَ لها ولا نهاية؟! والمخلوقُ له بدايةٌ ونهايةٌ، فهو أحقُّ بالفناءِ والنَّفادِ، وكيف يُفنِي المخلوقُ غيرَ المخلوق؟! هو الأولُ الذي ليسَ قبلهُ شيءٌ، والآخرُ الذي ليسَ بعده شيءٌ، والظاهرُ الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطنُ الذي ليس دونه شيءٌ. ﵎، أحقُّ من ذُكِر، وأحقُّ من عُبد، وأحقُّ من حُمِد، وأولى من شُكِر، وأنصَرُ من ابتُغِي، وأرأفُ من مَلَك، وأجودُ من سُئِل، وأعفَى من قَدِر، وأكرم من قُصِد، وأعدل من انتَقَم. حكمُه بعد علمهِ، وعفوهُ بعد قدرتهِ، ومغفرتُه عن عِزَّتهِ، ومَنْعُه عن حكمتهِ، وموالاتُه عن إحسانهِ ورحمتهِ. ما لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ واجبٌ ... كَلَّا ولا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ إن عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ، أو نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ، وهو الكريمُ الواسِعُ

стр. 7

هو الملكُ الذي لا شريكَ له، والفردُ فلا ندَّ له، والغنيُّ فلا ظهيرَ له، والصمدُ فلا ولدَ له، ولا صاحبةَ له، والعليُّ فلا شبيهَ له، ولا سَمِيَّ له، كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَهُ، وكلُّ مُلكٍ زائلٌ إلا ملكهُ، وكلُّ ظلٍّ قَالِصٌ إلا ظِلُّهُ، وكلُّ فضلٍ منقطعٌ إلا فضله. لن يُطاعَ إلا بفضلهِ ورحمتهِ، ولن يُعصى إلا بعلمهِ وحكمتهِ، يُطاعُ فيَشكرُ، ويُعصَى فيتجاوزُ ويَغْفِرُ، كلُّ نقمةٍ منه عدلٌ، وكلُّ نعمةٍ منه فضلٌ، أقربُ شهيدٍ، وأدنى حفيظٍ، حالَ دون النفوسِ، وأخذَ بالنواصي، ونسَخَ الآثار، وكتبَ الآجالَ، فالقلوبُ له مُفْضِيَةٌ، والسرُّ عنده علانيةٌ، والغيبُ عندَهُ شهادةٌ، عطاؤه كلامٌ، وعذابهُ كلامٌ، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]» (١). أما بعد: فإنَّ هذا الكتابَ يهدفُ إلى ترسيخِ أعظمِ قيمةٍ في حياةِ المسلمِ وهي العبوديةُ للهِ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. والعبوديةُ هي: الذلُّ والخضوعُ والانقيادُ للهِ والافتقارُ التامُّ إليه سبحانهُ، وتحقيقُ أنه لا معبودَ بحقّ إلا اللهُ، وهذا لا يكونُ إلا بتعظيمِ اللهِ المتضمنِ للخوفِ والرجاءِ والمحبةِ له تعالى وقد ذمَّ اللهُ ? من لا يعظمُهُ فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.

стр. 8

فشأنُ اللهِ أعظمُ من كلِّ شيءٍ، وعظمةُ الله فوقَ كلِّ تصدرٍ وتقديرٍ. وقد جعلتُ هذا الكتابَ ـ تعظيمُ اللهِ ـ الأولَ في مكتبةِ اسعد مجتمعك ليترسخَ في الناسِ أنَّ تعظيمَ اللهِ هو أعظمُ وسيلةٍ توصلُ إلى سعادةِ الفردِ والأسرةِ والمجتمعِ بل إلى سعادةِ البشريةِ كلِّها خصوصًا في زمنِ العولمةِ وحيث صار العالمُ قريةً واحدةً ضعفَ منه أثر الوسائلِ الخارجيةِ لحمايةِ ووقايةِ المجتمعِ من منعٍ ومراقبةٍ فصار لزامًا الاهتمامُ والتركيزُ التامُّ على تقويةِ تعظيمِ اللهِ في النفسِ بتقويةِ الوازعِ الدينيِّ ومراقبةِ اللهِ في السرِّ والعلنِ. إنَّ المعظمَ للهِ متوازنٌ من جميعِ الجوانبِ يحملُ همَّ الآخرةِ ولا ينسى نصيبهُ من الدنيا، معظِّمٌ لأمرِ اللهِ ونهيه في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، محققٌ لتوحيدِ اللهِ على أكملِ وجهٍ سالمٌ من الشركِ بجميعِ صورِهِ، مؤدٍ واجباتِهِ الدينيةِ على أكملِ وجهٍ، من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وغيرِها من الفرائضِ والواجباتِ. وهو كذلك من أعظمِ الناسِ تأديةً للحقوقِ وأعظمِها: حقُّ الوالدين، والأبناءِ والزوجةِ والأرحامِ والجيرانِ والأصدقاءِ والأطفالِ والفقيرِ وغيرِهم. وكذلك فإنه يجتنبُ المحرماتِ التي نهى اللهُ عنها من مسكراتٍ ومخدراتٍ وانحرافاتٍ جنسيةٍ، واعتداءاتٍ على الأنفسِ والأموالِ بالسرقةِ والرشوةِ وغيرِها. والمعظمُ لله مجتنبٌ لهذه المحرماتِ عبوديةً للهِ خوفًا ورجاءً ومحبة للهِ، ولذلك فإنه يجتنبُ المحرَّماتِ في سائرِ الأماكنِ داخل وطنه وخارجه، إذا

стр. 9

رآه الناسُ وإذا لم يَرَوْه، لأنه لا يراقبُ إلا اللهَ ، فسلِمَ بذلك من التناقضِ والازدواجيةِ التي سيطرتْ على كثير من الناسِ. وكذلك فإنَّ المعظمَ للهِ لا يقتصرُ على تركِ المحرماتِ الظاهرةِ فقط، بل يهتمُّ بتطهيرِ قلبِهِ من المحرماتِ الباطنةِ كالكبر والغلِّ والحسدِ والبغضاءِ والرياءِ والسمعةِ والغرورِ وغيرِ ذلك. وكذلك فإنه يهتمُّ بتحليةِ قلبهِ بالقيمِ والعباداتِ القلبيةِ كالصدقِ والإخلاصِ والمحبةِ والصبرِ والتوكلِ والإنابةِ وغيرِها. والمعظمُ للهِ همُّه إقامةُ العبوديةِ للهِ تعالى في نفسِهِ أولًا، وإسعادُ الآخرين بدخولِهم فيها،. والمعظمُ للهِ معظمٌ لجنابِ النبيِّ ﷺ مدافعٌ عنه محبٌّ له، يشرفُ بالتأسي به والانضواءِ تحت لوائِهِ ولذلك فإنه يقتدي به في كلِّ الأمورِ، ويدعو إلى سنتهِ، ويبينُ فضائِلَهُ ومحاسِنَهُ وكمالَ أخلاقهِ وآدابِهِ ﷺ ، وهو لا يُقَدِّمُ على الكتابِ والسنةِ شيئًا من الآراءِ والأهواءِ والأقوالِ والعاداتِ. كما أنه ملتزمٌ بمنهجِ الوسطيةِ في عباداتِهِ وتعاملاتِهِ كلِّها سالمٌ من التطرفِ والغلوِّ والإرهابِ والبدعِ والضلالات. والمعظمُ للهِ هو الساعي الحقيقيُّ لإعمار الوطنِ وتنميتِهِ عبادةً للهِ في سائرِ المجالاتِ الاقتصاديةِ والإداريةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ والصحيةِ والتعليميةِ والأمنيةِ وفقَ الكتابِ والسنةِ، حيث يجعلُ من هذه الحياةِ مزرعةً للآخرةِ وممرًّا إليها.

стр. 10

ولذلك فإنه من أكثر الناسِ إتقانًا لعملِهِ وإحسانًا له. كما أنه لا يبخلُ بالخيرِ على الناسِ، بل يدلُّ الناسَ على كلِّ خيرٍ طلبًا لمرضاتِ اللهِ، ويغلقُ كلَّ بابٍ من أبوابِ الضررِ والفسادِ والإيذاءِ وذلك؛ لأنه من أصدقِ الناسِ نصحًا لمجتمعه ووطنه. المعظمُ للهِ يتفاعلُ مع مجتمعِهِ بأمرِهِ بالمعروفِ ونهيهِ عن المنكرِ واصلٌ لرحمِهِ، راعٍ لجارِهِ، مساعدٌ للمحتاجِ، زائرٌ للمريضِ، مصلحٌ بين المتخاصمين، مشاركٌ في أفراحِ مجتمعِهِ. والمعظمُ للهِ يعملُ بشموليةِ الإسلامِ الواسعةِ، ويرسخُ مبادِئَهُ في كلِّ الأمورِ، ويدخلُ في السِّلم كافة، ولا يختزلُ الدينَ في قضايا يحددُها لنفسِهِ، أو يحدُدها له غيرُهُ، وإنما يعظمُ ما عظمَهُ اللهُ ورسولُهُ، لا ما عظمتْهُ الأهواءُ والعاداتُ والتقاليدُ والمجتمعُ والبيئةُ، وما تفرضُهُ العولمةُ في واقعِنا المعاصرِ. وهو من خلال ذلك يقدمُ مصلحةَ الأمةِ والمجتمعِ على مصالِحِهِ الشخصيةِ الفرديةِ المحدودةِ. إنَّ ترسيخَ قيمةِ تعظيمِ اللهِ يعالجُ كثيرًا من مشاكلِ المجتمعِ الأمنيةِ والاقتصاديةِ والإداريةِ بأيسرِ السبلِ وأقلِّ التكاليفِ والأعباءِ على الدولةِ. وكذلك فإنَّ ترسيخَ قيمةِ تعظيمِ اللهِ في النفوسِ تعالجُ كثيرًا من المشكلاتِ الاجتماعيةِ كعقوقِ الوالدينِ وقطيعةِ الرحمِ وظلمِ المرأةِ والعنفِ الأسريِّ وانتهاكِ الأعراضِ وغير ذلك من الاعتداءِ على الأنفسِ والأموالِ الخاصةِ والعامةِ وغيرِ ذلك من المشكلاتِ، حيث لا توجدُ مشكلةٌ إلا ومن أعظمِ أسبابِها ضعفُ تعظيمِ اللهِ في النفوسِ، وقد رأينا أنَّ هذه القيمةَ لما

стр. 11

ترسَّختْ في نفوسِ الجيلِ الأولِ في عصرِ النبوةِ وعصرِ الخلافةِ الراشدةِ ومنْ بعدَهم أنتجتْ أمةً ضربتْ أروعَ الأمثلةِ في الطهارةِ والاستقامةِ والأمانةِ وأداءِ الواجباتِ والابتعادِ عن المحرماتِ والوصولِ إلى أعظمِ مظاهرِ المدنيةِ والحضارةِ. وهذا الكتابُ هو تأملاتٌ في تعظيمِ اللهِ من خلالِ تدبرِ الآياتِ القرآنيةِ والأحاديثِ النبويةِ في اللهِ وأسمائِهِ وصفاتِهِ، وما سطَّرَهُ العلماءُ الربانيون في بيانِ عظمةِ اللهِ وغناه المطلقِ. وكذلك ما كتبَهُ الشعراءُ في قصائدَ في تعظيمِ اللهِ ، وقد جمعتُ ما تيسَّرَ منها في هذا الكتابِ وهذا العملُ هو جزء من مشروع أسعد مجتمعك. ويحدوني الأملُ أن نشتركَ جميعًا دعاةٌ وخطباءُ ومفكرون وكتابٌ وإعلاميون ورجالُ أعمالٍ في ترسيخِ قيمةِ تعظيمِ اللهِ بكلِّ الوسائلِ المتاحةِ المقروءةِ والمسموعةِ والمرئيةِ ومثلِ ذلك أن نطبِقَها في سائرِ مجالاتِ حياتِنا ليقتدوا بنا. أسألُ اللهَ أنْ يباركَ في الجهودِ وأنْ يسعدَ الجميعَ دنيا وآخرة. د. أحمد بن عثمان المزيد أستاذ الدراسات الإسلامية المشارك كلية التربية - جامعة الملك سعود aalmazyad@ksu.edu.sa

стр. 12

عبادةُ التعظيمِ إن تعظيمَ اللهِ من أعظمِ العباداتِ التي غفلَ عنها كثيرٌ من الناسِ، فساءتْ أحوالُهم، وانقلبتْ موازينُهم، وتلاعبتْ بهم الشياطينُ والأهواءُ والأنفسُ الأمارةُ بالسوءِ. فالتوحيدُ الذي هو رأسُ الأمرِ هو الأصلُ في تعظيمِ اللهِ فاللهُ أعظمُ من أن يُعْبَدَ معَهُ غيرُه قال تعالى في الحديثِ القُدْسِيِّ: «أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّركِ، من عملَ عملًا أشركَ فيه معي غَيْرِي تركتُه وشِرْكَهُ» [مسلم]. ولمَّا عبدَ قومُ نوحٍ الأصنامَ أنكرَ عليهم نوحٌ ﵇ وقال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]. قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: أي ما لكم لا ترجونَ للهِ عظمةً، وقال سعيدٌ بنُ جبيرٍ: ما لكم لا تُعَظِّمُونَ اللهَ حقَّ عظمتِه، وقال الكلبيُّ: لا تخافونَ للهِ عظمةً (١). وهدهدُ سليمانَ ﵇ لمّا كان معظمًا للهِ استنكرَ أن يعبدَ قومٌ الشمسَ من دونِ الله تعالى: ﴿إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاّ يَسْجُدُوا للهِ الّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٣ - ٢٦]. حتى الجماداتِ فإنها تستبشعُ افتراءَ الكذبِ على اللهِ وادعاءَ أن له ولدًا

стр. 13

تعظيمًا لله وإجلالًا له: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم:٨٨ - ٩٢]. قال الضحاكُ بنُ مزاحمٍ في قولِه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي: يَتَشَقَّقْنَ من عظمةِ اللهِ (١). فعظمةُ اللهِ تعالى متقرِّرَةٌ لدى هذه الأجرامِ العظيمةِ، ولذلك فإنها لا تطيقُ هولَ تلك الكلمةِ الشنيعةِ وهي نسبةُ الولدِ إلى اللهِ تعالى، ولولا حلمُ اللهِ تعالى لخرَّ العالمُ وتبددْت قوائِمُه غضبًا على من تفوَّه بها. قال محمدُ بنُ كعبٍ: كادَ أعداءُ اللهِ أن يُقيموا علينا الساعةَ. وقدْ ذكرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀ علاقةَ التعظيمِ بالوحدانيةِ فقالَ: «فمن اعتقدَ الوحدانيةَ في الألوهيةِ للهِ والرسالةَ لعبدِه ورسولِه، ثم لم يُتْبِعْ هذا الاعتقادَ موجَبَهُ من الإجلالِ والإكرامِ، الذي هو حالٌ في القلبِ يظهرُ أثرُه على الجوارحِ، بل قارنَه الاستخفافُ والتسفيهُ والازدراءُ بالقولِ أو بالفعلِ كانَ وجودُ ذلك الاعتقادِ كعدمِهِ، وكانَ ذلك موجِبًا لفسادِ ذلك الاعتقادِ ومزيلًا لما فيه من المنفعةِ والصلاحِ، إذ الاعتقاداتُ الإيمانيةُ تُزكِّي النفوسَ وتصلِحُها، فمتى لم توجبْ زكاةَ النفسِ ولا صلاحَها، فما ذاك إلا لأنها لم ترسَخْ في القلبِ» (٢).

стр. 14

ومن دلائلِ تعظيمِ اللهِ عبوديةُ الكائناتِ لله تعالى وسجودُها لعظمتِه سبحانه كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨]. وتعظيمُ اللهِ جل وعلا هو الذي يعطي العبادةَ روحَها وجلالَها، وهو الذي يجعلُها عبادةً مقبولةً خالصةً صحيحةً تامَّةَ الشروطِ والأركانِ، أمَّا عبادةٌ بلا تعظيمٍ فإنها كالجسدِ بلا روحٍ ولذلك قال ابنُ القيمِ ﵀: «وروحُ العبادةِ هو الإجلالُ والمحبةُ، فإذا تخلَّى أحدُهما عن الآخرِ فسدَتْ، فإذا اقترنَ بهذين الثناءُ على المحبوبِ المعظَّمِ فذلك حقيقةُ الحمدِ (١). والنبيُّ ﷺ لما سألَهُ جبريلُ عن الإحسانِ قال: «أن تعبدَ اللهَ كأنَّك تراهُ، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك» (٢)، وهذه المراقبةُ في العبادةِ هي طريقُ التعظيمِ والإجلالِ للهِ تعالى قال ابنُ رجبٍ: «فقولُه ﷺ في تفسيرِ الإحسانِ: «أن تعبدَ اللهَ كأنك تراهُ» إلخ، يشيرُ إلى أنَّ العبدَ يعبدُ اللهَ على هذه الصفةِ، وهي استحضارُ قربِهِ، وأنه بين يديْهِ كأنَّه يراه، وذلك يوجبُ الخشيةَ والخوفَ والهيبةَ والتعظيمَ» (٣). * * *

стр. 15

تعظيم الله في أمهات العبادة والنبيُّ ﷺ أرشدَ إلى تعظيمِ اللهِ ? في أمَّهاتِ العبادةِ فالصلاةُ وهي أعظمُ الشعائرِ التعبديةِ بعد الشهادتينِ كلُّها قائمةٌ على التعظيمِ للهِ ، وكان ﷺ يستفتحُ الصلاةَ بعباراتِ التعظيمِ والتمجيدِ والإجلالِ للهِ . ففي السننِ عن عائشةَ وأبي سعيدٍ أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا استفتحَ الصلاةَ قال: «سبحانك اللهمَّ وبحمدِك وتبارَكَ اسمُكَ، وتعالى جدُّك ولا إله غيرُك» (١). وفي صحيح مسلمٍ عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ قالَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ قال: «وجَّهْتُ وجهِيَ للذي فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا من المشركينَ إنَّ صَلاتي ونسُكي ومحيايَ ومماتي للهِ ربِّ العالمينَ، لا شريكَ له وبذلكَ أمرتُ وأنا من المسلمينَ، اللَّهُمَّ أنت الملِكُ لا إله إلَّا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي فاغفِرْ لي ذنوبِي جميعًا إنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلَّا أنتَ، واهدني لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسَنِهَا إلَّا أنتَ، واصرِفْ عني سيئَهَا لا يصرفُ عني سيِّئَهَا إلا أنتَ، لبيك وسعدَيْك، والخيرُ كلُّه في يديْك، والشرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك تباركْتَ وتعالَيْتَ، أستغفِرُك وأتوبُ إليك» (٢). وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات

стр. 16

والأرضِ ومَن فيهن ولكَ الحمدُ، أنت قَيَّامُ السمواتِ والأرضِ ومَنْ فيهن، ولكَ الحمدُ، أنت ربُّ السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحقُّ، ووَعدُك الحقُّ، وقولُك الحقُّ، ولقاؤُك حَقٌّ، والجنةُ حَقٌّ، والنارُ حَقٌّ، والنبيون حَقٌّ، ومحمد ﷺ حَقٌّ، والسَّاعة حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلمتُ، وبك آمنتُ، وعليكَ توكلتُ، وإليكَ أنبتُ، وبكَ خاصمتُ، وإليكَ حاكمتُ، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخرّتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت إلهي لا إله إلَّا أنت» (١). فهو ﷺ أعظمُ الناسِ تعظيمًا لربِّه تعالى، وأحسنُهم ثناءً عليه وافتقارًا إليه ورغبةً في فضْلِه ورهبةً من عذابِه. وفاتحةُ الكتابِ كذلكَ من أعظمِ ما عُظِّمَ به اللهُ ﵎، ولذلكَ جاءَ في الحديثِ القُدْسِيِّ: «قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفينِ، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنَى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مَجَّدني عبدي ـ وقال مرةً فَوَّضَ إليَّ عبدي ـ فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبينَ عبدي ولعبدِي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدِي ولعبدِي ما سألَ» (٢).

стр. 17

والركوعُ كذلكَ من مواضِعِ تعظيمِ اللهِ جل وعلا في الصلاةِ لقولِه ﷺ : «أما الركوعُ فعظِّمُوا فيه الربَّ» (١). وفي السننِ عن حذيفةَ ﵁ أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ إذا ركعَ: «سبحانَ ربي العظيمِ» ثلاث مراتٍ، وإذا سجَدَ قال: «سبحانَ ربي الأعلى» ثلاثَ مراتٍ (٢). وهذا يدلُّ على أن التعظيمَ يكونُ في الركوعِ والسجودِ إلَّا أنَّه في الركوعِ يكونُ الثناءُ والتعظيمُ أكثرُ أما السجودُ فيكونُ فيه التسبيحُ الذي هو تعظيمٌ للهِ ? ويكونُ فيه الدعاءُ والمسألةُ قال ﷺ : «أما الركوعُ فعظِّمُوا فيه الربَّ وأما السجودُ فاجتهدُوا في الدعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُستجَابَ لكم» (٣). وعن عائشة ل قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُكثِرُ أن يَقُولَ في ركوعِه وسجودِه: «سبحانَكَ اللهمَّ ربَّنا وبحمدِكَ اللهمَّ اغفِرْ لي» (٤). وعنها ل قالت: كان رسولُ الله غ يقولُ في ركوعِه وسجودِه: «سُبوحٌ قُدوسٌ، ربُّ الملائكةِ والروحِ» (٥). وكذلك جعلَ النبيُّ ﷺ ذِكْرَ ما بعد الرفعِ من الركوعِ منصبًّا على تعظيمِ اللهِ جلَّ وعلا، فعن أبي سعيدٍ رضي الل عنه قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رفَعَ رأسَه من الركوعِ قال: «اللهم ربَّنا لك الحمدُ ملْءَ السمواتِ ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما بينهما، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال

стр. 18

العبدُ وكلُّنَا لك عبدٌ، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ» (١). أما الحجُّ فإنه كذلك من العباداتِ التي يَتَجَلَّى فيها تعظيمُ الربِّ ﷻ في كلِّ منسكٍ من مناسكِهِ فإن هناك كثيرًا من أفعالِ الحجِّ غيرُ معقولةِ المعنى، غير أنَّ المعنى الذي يجمَعُها جميعًا هو الطاعةُ المطلقةُ والتعظيمُ المطلقُ للهِ تعالى، فالطوافُ يكونُ حولَ البيتِ الذي هو من الحجارةِ، والحجرُ الأسودُ يُقَبَّلُ مع كونِه حجرًا، ورَمْيُ الجِمارِ إنما هو حَجَرٌ يُرمى به حَجَرٌ، فما الذي جعلَ هذا الحجَرَ يُرْمَى وهذا الحَجَرَ يُقَبَّلُ وهذا الحَجَرُ يُطافُ حولَه سِوَى العبوديةِ المحضةِ والتعظيمِ الخالصِ للهِ تعالى! وفي التلبيةِ التي هي شعارُ الحجِّ أعظمُ عباراتِ الثناءِ والتعظيمِ للهِ جل وعلا: «لبيك اللهُمَّ لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملكُ، لا شريكَ لك». ذكر ابنُ القيمِ ﵀ في معنى التلبيةِ كلامًا جميلًا نذكرُ منهُ ما يدلُّ على تعظيمِ الربِّ تعالى حيثُ ذكرَ من مَعَانيها: إجابةً لك بعدَ إجابةٍ، أو انقيادًا لك بعد انقيادٍ، أي انقدتُ لك، وَسَعَتْ نفسِي خاضعةً ذليلةً، أو حبًّا لك بعد حبٍّ، أو أخلَصْتُ لُبِّي وقَلْبِي لك، فهي شعارُ التوحيدِ ملةِ إبراهيمَ الذي هو روحُ الحجِّ ومقصدُه، بلْ روحُ العباداتِ كلِّها والمقصودُ منها، ولهذا كانت التلبيةُ مفتاحَ هذه العبادةِ التي يُدْخَلُ فيها بها.

стр. 19

وكذلك فإنها مشتملةٌ على الاعترافِ للهِ بالنعمةِ كلِّها ولهذا عَرَّفَها باللامِ المفيدةِ للاستغراقِ أي النعمُ كلُّها لك وأنت مُوليها والمنعمُ بها. ومشتملةٌ كذلك على الاعترافِ بأن المُلْكَ كلَّه للهِ وحده، فلا مُلْكَ على الحقيقةِ لغيرِه. واللهُ سبحانه يفرَّقُ في صفاتِه بين الملكِ والحمدِ، وسَوَّغَ هذا المعنى أنَّ اقترانَ أحدُهُما بالآخرِ من أعظمِ الكمالِ والملكِ. والملكُ وحدَه كمالٌ، والحمدُ كمالٌ، واقترانُ أحدِهما بالآخرِ كمالٌ، فإذا اجْتمعَ الملكُ المتضمِّنُ للقدرةِ، مع النعمةِ المتضمِّنةِ لغايةِ النفعِ والإحسانِ والرحمةِ، مع الحمدِ المتضمِّنِ لعامةِ الجلالِ والإكرامِ الداعِي إلى محبَّتِه، كان في ذلك من العظمةِ والكمالِ والجلالِ ما هو أولى به وهو أهلُه» (١). * * *

стр. 20

حقيقةُ تعظيمِ اللهِ تعالى ذكرَ الهرويُّ ﵀ في (منازلِ السائرينَ) حقيقةَ تعظيمِ اللهِ تعالى فقال: «تعظيمُ الحقِّ سبحانه هو ألا يجعلَ دونَه سببًا، ولا يَرَى عليه حقًّا، أو ينازَع له اختيارًا». وهذا من دُرَر كلامِه ﵀، وقد شَرَحه الإمامُ ابنُ القيمِ فقال: «هذه الدرجةُ تتضمنُ تعظيمَ الحاكمِ سبحانه صاحبَ الخلقِ والأمرِ ... وذكر من تعظيمِه ثلاثةَ أشياءَ: إحداها: أن لا تجعلَ دونَه سببًا، أي لا تجعَلْ للوصْلةِ إليه سببًا غيرَه، بل هو الذي يوصِلُ عبدَه إليه، فلا يوصِلُ إلى اللهِ إلا اللهُ، ولا يقرِّبُ إليه سِوَاه، ولا يُدِني إليه غيرُه، ولا يُتَوصلُ إلى رضاهُ إلا به، فما دلَّ على اللهِ إلا اللهُ، ولا هَدَى إليه سِواه، ولا أَدْنَى إليه غيرُه، فإنه سبحانَه هو الذي جعلَ السببَ سببًا، فالسببُ وسببيتُه وإيصالُه كلُّه خلقُه وفعلُه. الثاني: أن لا يَرى عليه حقًّا، أي لا تَرى لأحدٍ من الخلقِ لا لك ولا لغيرِك حقًّا على اللهِ، بل الحقُّ للهِ على خلقِه وفي أثرٍ إسرائيلي: أن داودَ ﵇ قال: يا ربّ بحقِّ آبائي عليك. فأوْحَى اللهُ إليه: يا داودُ! أيُّ حقٍّ لآبائِك عليَّ؟ ألستُ أنا الذي هديتُهم ومننْتُ عليهم واصطفيتُهم وليَ الحقُّ عليهم. وأما حقوقُ العبيدِ على اللهِ تعالى؛ من إثابةٍ لمطيعِهم، وتوبتِه على تائِبِهم، وإجابَتِه لسائِلِهم، فتلك حقوقٌ أحقَّها اللهُ سبحانه على نفسِه بحكمِ وعدِهِ وإحسانِه، لا أنَّها حقوقٌ أحقُّوها هم عليه، فالحقُّ في الحقيقةِ للهِ على عبدِه.

стр. 21

وحقُّ العبدِ عليه هو ما اقتَضَاه جودُه وبرُّه وإحسانُه إليه بمحضِ جودِه وكرمِه، هذا قولُ أهلِ التوفيقِ والبصائرِ. الثالث: وأما قولُه: ولا ينازِعُ لهُ اختيارًا، أي إذا رأيتَ اللهَ قد اختارَ لك، أو لغيرِك شيئًا؛ إما بأمرِه ودينِه، وإما بقضائِهِ وقدرِه، فلا تنازع اختيارَه، بل ارضَ باختيارِ ما اختارَه لك فإن ذلك من تعظيمِه سبحانه. ولا يَرِدُ عليه قَدَرُه عليه من المعاصي، فإنه سبحانه وإن قَدَّرَها لكنه لم يختَرْها له، فمنازَعتُها غيرُ اختيارِه من عبدِه، وذلك من تمامِ تعظيمِ العبدِ له سبحانه» (١). والمؤمنُ ـ من تعظيمِ ربّه ﵎ يرى الخيرَ في كلِّ ما يأتي به اللهُ ـ، ويعلَم أنَّ الله تعالى يريدُ به الخيرَ واليسرَ والفلاحَ الذي قد يأتي في ثَوبِ البلاءِ والشدةِ والضيقِ، ولذلك قال النبيُّ ﷺ : «عجبًا لأمرِ المؤمنِ إن أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمنِ، إن أصابتْه سراءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَاءُ صَبَرَ فكانَ خيرًا له» (٢). إن غيرَ المؤمنِ لا يصيبُه من هذا الخيرِ شيءٌ لأنه لا يعظمُ اللهَ تعالى ولا يرضَى بقضائِه، ويرى لنفسِه الحقَّ على اللهِ تعالى، كما قالَ صاحبُ الجنتينِ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]. أما المؤمنُ المعظِّمُ لربِّه ﵎ فإنَّه يرضى بما قدَّرَهُ الله عليه، ويصبِرُ على البلاءِ، ويسألُ ربَّه أن يرفَعَ عنه هذا البلاءَ وأن يثبِّتَه على الحقِّ،

стр. 22

كما أنه يعودُ باللائمةِ في نزولِ هذا البلاءِ على نفسِه، ويعلمُ أنه مستحقٌّ له وأن اللهَ لم يظلمْهُ وإنما ابتلاهُ بذنوبِه تنبيهًا وإيقاظًا حتى يتدارَكَ أمرَهُ، ويصلحَ شأنَهُ، كلُّ ذلك لأنه لا يرى لنفسِه حقًّا على الله تعالى كما قال الناظمُ وأحسن: ما للعبادِ عليه حقٌّ واجبُ ... كلَّا ولا سعيٌ لديه ضائعُ إن عُذِّبُوا فبعدلِه أو نُعِّموا ... فبفَضْلِهِ وهو الكريمُ الواسعُ * * *

стр. 23

من معاني اسم الله (العظيم) من أسمائِه تعالى: (العظيم) قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣]. قالَ الزجاجُ: العظيمُ: المعظَّمُ في صفةِ اللهِ تعالى يفيدُ عِظَمَ الشأنِ والسلطانِ، وليس المرادُ به وصفَه بعظمِ الأجزاءِ لأن ذلك من صفاتِ المخلوقينَ تعالى الله عن ذلك علوًّا (١). قال الشيخُ السعديُّ رحمه الله تعالى: «العظيمُ الجامعُ لجميعِ صفاتِ العظمةِ والكبرياءِ، والمجدِ والبهاءِ الذي تحبُّه القلوبُ، وتعظِّمُه الأرواحُ، ويعرفُ العارفونَ أنَّ عظمةَ كلِّ شيءٍ، وإن جَلّتْ في الصفةِ، فإنها مُضْمَحِلةٌ في جانبِ عظمةِ العليِّ العظيمِ. واللهُ تعالى عظيمٌ له كلُّ وصفٍ ومعنىً يوجبُ التعظيمَ، فلا يقدرُ مخلوقٌ أنْ يُثْنِيَ عليه كما ينبغي له، ولا يُحصِي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسِه، وفوقَ ما يُثْنِي عليه عبادُه. واعلمْ أن مَعَانِي التعظيمِ الثابتةِ للهِ وحدَه نوعانِ: أحدُهما: أنه موصوفٌ بكلِّ صفةِ كمالٍ، وله من ذلك الكمالِ أكملُه، وأعظمُه وأوسعُه، فلهُ العلمُ المحيطُ، والقدرةُ النافذةُ والكبرياءُ والعظمةُ، ومن عظمتِه أنَّ السمواتِ والأرضَ في كفِّ الرحمنِ أصغرُ من الخردلَةِ كما قال ابنُ عباسٍ وغيرُه، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا

стр. 24

قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر:٤١]، وقال تعالى وهو العليُّ العظيمُ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ الآية [الشورى:٥]. وفي الصحيحِ عنه ﷺ : «إنَّ اللهَ يقولُ: الكبرياءُ ردائِي والعظمةُ إزاري، فمن نازَعَني واحدًا منهما عذبتُه» (١)، فللهِ تعالى الكبرياءُ والعظمةُ، والوصفانِ اللذانِ لا يُقْدَرُ قدرُهما ولا يُبْلَغُ كُنْهَهُمَا. النوعُ الثاني من معاني عظمتِه تعالى: أنَّه لا يستحقُّ أحدٌ من الخلقِ أن يعظِّمَ كما يعظَّمَ اللهُ؛ فيستحقُّ ﷻ من عبادِهِ أن يعظِّمُوه بقلوبِهم، وألسنتِهم، وجوارحِهم؛ وذلك ببذلِ الجهدِ في معرفتِه، ومحبتِه، والذلِّ له، والانكسارِ له، والخضوعِ لكبريائِه، والخوفِ منه، وإعمالِ اللسانِ بالثناءِ عليه، وقيامِ الجوارحِ بشكرِه وعبوديتِه. ومن تعظيمِه: أن يُتَّقى حقَّ تقاتِه؛ فيطاعَ فلا يُعْصَى، ويذكرَ فلا يُنسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَرُ. ومن تعظيمِه: تعظيمُ ما حرَّمَهُ وشرعَهُ من زمانٍ ومكانٍ وأعمالٍ: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠]. ومن تعظيمِه: أن لا يُعترضُ على شيءٍ مما خَلَقَهُ أو شَرَعَهُ» (٢).

стр. 25

وعظمةُ اللهِ لا تكيَّفُ ولا تحدُّ، ولا تمثَّلُ بشيءٍ، ويجبُ على العبادِ أن يعلَمُوا أنه سبحانَهُ عظيمٌ كمَا وصفَ نفسَهُ بذلك، ووصفَهُ به رسولُه ﷺ بلا كيفيةٍ ولا تحديدٍ، وقدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قالَ: «تفكرُوا في آلاءِ اللهِ ولا تَفَكَّرُوا في اللهِ»، وفي لفظ: «تَفكَّروا في خلقِ اللهِ ولا تَفَكَّرُوا في اللهِ». * * *

стр. 26

من شواهد العظمة هذا الكونُ مليءٌ بالشواهدِ التي تدلُّ على عظمةِ الخالقِ ، وكل شاهدٍ من هذه الشواهدِ يوصِلُ إلى الذي يليه حتى يصلَ الأمرُ إلى الشاهدِ الأكبرِ، وهو شهودُ جلالِ الربِّ ﵎ وعظمتِهِ، وقديمًا قال الأعرابيُّ: «البعرةُ تدلُّ على البعيرِ، ومسيرُ الأقدامِ يدلُّ على المسيرِ، فسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ، وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ، أفلا يدلُّ ذلك على اللطيفِ الخبيرِ». ولنتأملْ معًا رحلةَ الشواهدِ التي يحكيها لنا الإمامُ ابنُ القيمِ ﵀ وهي رحلةُ التأملِ والتفكرِ والنظرِ بعينِ البصيرةِ والمعاينةِ لكلِّ ما حولَنا في هذه الدنيا، ولكلِّ ما سيكونُ في الآخرةِ من مشاهدَ وأهوالٍ وصولًا إلى دارِ المتقينَ الجنةِ، ودارِ الكافرينَ النارِ، ثمَّ مشاهدُ عذابِ أهلِ النارِ وأعظمُهُ حجبُهم عن اللهِ تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، ونعيمِ أهلِ الجنةِ وأعظمُه رؤيةُ الربِّ العظيمِ في يومِ المزيدِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ثم الانتقالُ بعد ذلك إلى مشاهدِ صفاتِ هذا الإلهِ العظيمِ والربِّ الكريمِ، فيكونُ هذا أعظمَ المشاهدِ في قلبِ المؤمنِ. قال الإمامُ ابن القيم (١): ١ - شاهد الدنيا: فأولُ شواهدِ السائرِ إلى اللهِ والدارِ الآخرةِ: أن يقومَ به شاهدٌ من الدنيا وحقارتِها، وقلةِ وفائِها، وكثرةِ جفائِها، وخسةِ شركائِها، وسرعةِ انقضائِها.

стр. 27

ويرى أهلَها وعشاقَها صَرعَى حولَها، قد بَدَّعَتْ بهم (١)، وعذبَتْهم بأنواعِ العذابِ، وأذاقتْهم أمرَّ الشرابِ. أضحكَتْهم قليلًا، وأبكَتْهم طويلًا. سَقَتْهم كؤوسَ سُمِّها، بعد كؤوسِ خمرِها. فسكروا بحبِّها. وماتوا بهجرِها. ٢ - شاهد الآخرة: فإذا قام بالعبدِ هذا الشاهدُ منها: ترحَّل قلبُه عنها، وسافر في طلبِ الدارِ الآخرةِ وحينئذٍ يقومُ بقلبِه شاهدٌ من الآخرةِ ودوامِها، وأنها هي الحيوانُ حقًا. فأهلُها لا يرتحلون منها، ولا يظْعَنون عنها، بل هي دارُ القرارِ، ومحطُّ الرحالِ، ومنتهى السيرِ، وأن الدنيا بالنسبةِ إليها ـ كما قال النبيُّ ﷺ : «ما الدُّنيا في الآخرةِ إلا كما يجعلُ أحدُكم إصبعَه في اليمِّ، فلينظُرْ بم ترجِعُ؟» (٢)، وقال بعضُ التابعينَ: ما الدنيا في الآخرةِ إلا أقلُّ من ذرةٍ واحدةٍ في جبالِ الدنيا. ٣ - شاهد النار: ثم يقومُ بقلبِه شاهدٌ من النارِ، وتَوَقُّدِها واضطرامِها، وبُعْدِ قعرِها، وشدةِ حَرِّها، وعظيمِ عذابِ أهلِها. فيشاهدُهم وقد سِيقوا إليها سُودَ الوجوهِ، زُرقَ العيونِ، والسلاسلُ والأغلالُ في أعناقِهم. فلما انتهوا إليها: فُتِّحتْ في وجوهِهم أبوابُها. فشاهدوا ذلك المنظرَ الفظيعَ، وقد تقَطَّعتْ قلوبُهم حسرةً وأسفًا ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣]، فأراهم شاهدُ الإيمانِ، وهم إليها يُدفعونَ. وأتى

стр. 28

النداءُ من قِبَلِ ربِّ العالمينَ ﴿وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، ثم قيلَ لهم ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ. أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ. اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٤ - ١٦]، فيراهم شاهدُ الإيمان. وهم في الحميمِ، على وجوهِهم يُسحبونَ. وفي النارِ كالحطبِ يُسجَرون ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١]، فبئسَ اللحافُ وبئسَ الفراشُ. وإن استغاثوا من شدةِ العطشِ ﴿يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]، فإذا شربوه قطَّع أمعاءَهم في أجوافِهم، وصَهَرَ ما في بطونِهم. شرابُهم الحميمُ، وطعامُهم الزَّقُّومُ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٦ - ٣٧]. فإذا قام بقلبِ العبدِ هذا الشاهدُ: انخلعَ من الذنوبِ والمعاصي، واتباعِ الشهواتِ. لبسَ ثيابَ الخوفِ والحذرِ، وأخصبَ قلبَهُ من مطرِ أجفانِهِ، وهانَ عليه كلُّ مصيبةٍ تصيبُهُ في غيرِ دينِهِ وقلبِهِ. وعلى حَسَبِ قوةِ هذا الشاهدِ يكونُ بعدُه من المعاصي والمخالفاتِ. فيذيبُ هذا الشاهدُ من قلبِه الفضلاتِ، والموادَّ المهلكةَ، وينضجُها ثم يخرجُها. فيجدُ القلبُ لذةَ العافيةِ وسُرورَها.

стр. 29

٤ - شاهد الجنة: فيقومُ به بعد ذلك: شاهدٌ من الجنةِ، وما أعدَّ اللهُ لأهلِها فيها، مما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمِعَتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، فضلًا عمَّا وصَفَه اللهُ لعبادِهِ على لسانِ رسولِه من النعيمِ المفصَّلِ، الكفيلِ بأعلى أنواعِ اللذَّةِ، منَ المطاعمِ والمشاربِ، والملابسِ والصورِ، والبهجةِ والسرورِ. فيقومُ بقلبِهِ شاهدُ دارٍ قد جعلَ اللهُ النعيمَ المقيمَ الدائمَ بحذافِيرِه فيها. تربتُها المسكُ، وحصباؤُها الدُّرُّ، وبناؤُها لَبِنُ الذَّهبِ والفضةِ، وقَصَبُ اللؤلؤِ، وشرابُها أحلى من العسلِ، وأطيبُ رائحةً من المسكِ، وأبردُ من الكافورِ، وألذُّ من الزنجبيلِ، ونساؤُها لو بَرَزَ وجهُ إحداهُنَّ في هذه الدنيا لغلبَ على ضوءِ الشمسِ، ولباسُهم الحريرُ من السندسِ والإستبرقِ، وخدمُهم ولدانٌ كاللؤلؤِ المنثورِ، وفاكهتُهم دائمةٌ، لا مقطوعةٌ لا ممنوعةٌ، وفُرشٌ مرفوعةٌ. وغذاؤُهم لحمُ طيرٍ مما يَشْتهونَ، وشرابُهم عليه خمرةٌ لا فيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنزفونَ وخُضْرَتُهُم فاكهةٌ مما يتخيرون، وشاهِدُهم حورٌ عينٌ كأمثالِ اللؤلؤِ المكنونِ، فهم على الأرائكِ مُتكؤونَ، وفي تلك الرياضِ يُحبرونَ، وفيها ما تشتهي الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ، وهم فيها خالدونَ. ٥ - شاهد يوم المزيد: فإذا انضم إلى هذا الشاهدِ: شاهدُ يومِ المزيدِ، والنظرُ إلى وجهِ الربِّ ﷻ ، وسماعُ كلامِهِ منه بلا واسطةٍ. كما قال النبيُّ ﷺ : «بينما أهلُ الجنةِ في نعيمِهم، إذ سطَعَ لهم نورٌ. فرفَعُوا رؤُوسَهم. فإذا الربُّ تعالى قد أشرَفَ عليهم من فوقِهم. وقال: يا أهلَ الجنةِ، سلامٌ عليكم ـ ثم قرأ قولَه تعالى:

стр. 30

﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]ـ ثم يَتَوارى عنهم. وتبقَى رحمتُه وبركتُه عليهم في ديارِهم» (١). فإذا انضمَّ هذا الشاهدُ إلى الشواهدِ التي قبلَه: فهناك يسيرُ القلبُ إلى ربِّه أسرعَ من سيرِ الرياحِ في مهابِّها، فلا يلتفتُ في طريقِه يمينًا ولا شمالًا. ٦ - شاهدُ جلالِ الربِّ وعظمتِهِ: هذا، وفوقَ ذلك: شاهدٌ آخرَ تضمحِلُّ فيه هذه الشواهدُ، ويغيبُ به العبدُ عنها كلِّها. وهو شاهدُ جلالِ الربِّ تعالى، وجمالِه وكمالِه، وعزِّه وسلطانِه، وقيوميتِه وعلوِّه فوقَ عرشِه، وتكلُّمِه بكتبِه وكلماتِ تكوينِه، وخطابِه لملائكتِه وأنبيائِه. فإذا شاهدَه شاهدَ بقلبِه قيومًا قاهرًا فوقَ عبادِه، مستويًا على عرشِه، منفردًا بتدبيرِ مملكتِه، آمرًا ناهيًا، مرسِلًا رسلَه، ومُنْزِلًا كتبَه. يرضَى ويغضَبُ، ويثيبُ ويعاقبُ. ويعطِي ويمنعُ، ويعزُّ ويذلُّ. ويحبُّ ويغضبُ. ويرحمُ إذا استُرحِمَ، ويغفرُ إذا استُغفِرَ، ويعطِي إذا سُئِلَ، ويجيبُ إذا دُعِيَ، ويقيلُ إذا استُقيلَ. أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأعظمُ من كلِّ شيءٍ، وأعزُّ من كلِّ شيءٍ، وأقدرُ من كلِّ شيءٍ، وأعلمُ من كلِّ شيءٍ، وأحكمُ من كلِّ شيءٍ. فلو كانت قُوى الخلائقِ كلِّهم على واحدٍ منهم، ثم كانوا كلُّهم على تلك القوةِ، ثم نُسبت تلك القوى إلى قوةِ اللهِ تعالى لكانتْ دونَ قوةِ البعوضةِ بالنسبةِ إلى قوةِ الأسدِ.

стр. 31

ولو قُدِّرَ جمالُ الربِّ تعالى لكان دونَ سراجٍ ضعيفٍ بالنسبةِ إلى عينِ الشمسِ. ولو كانَ علمُ الأولينَ، والآخرينَ على رجلٍ منهم، ثم كان كلُّ الخلقِ على تلكَ الصفةِ، ثم نُسبَ إلى علمِ الربِّ تعالى لكانَ ذلك بالنسبةِ إلى علمِ الربِّ كنقرةِ عُصفورٍ في بحرٍ. وهكذا سائرُ صفاتِهِ، كسمعِه وبصرِه، وسائرِ نعوتِ كمالِه. فإنَّه يسمعُ ضجيجَ الأصواتِ باختلافِ اللغاتِ، على تفننِ الحاجاتِ. فلا يشغَلُه سمعٌ عن سمعٍ. ولا تُغلطُه المسائلُ. ولا يتبرمُ بإلحاحِ الملِحِّينَ. سواءٌ عندَه من أسرَّ القولَ ومن جهرَ به. فالسِّر عنده علانيةٌ. والغيبُ عنده شهادةٌ. يرى دبيبَ النملةِ السوداءِ، على الصخرةِ الصماءِ، في الليلةِ الظلماءِ. ويرى نياطَ عروقِها، ومجاري القوتِ في أعضائِها. يضعُ السماواتِ على إصبعٍ من أصابعِ يدِه، والأرضَ على إصبعٍ، والجبالَ على إصبعٍ، والشجرَ على إصبعٍ، والماءَ على إصبعٍ. ويقبضُ سماواتِه بإحْدَى يديه، والأرضينَ باليدِ الأخرى. فالسماواتُ السبعُ في كفِّه كخردلةٍ في كفِّ العبدِ. ولو أنَّ الخلقَ كلَّهم من أولِهم إلى آخرِهم قاموا صفًّا واحدًا ما أحاطُوا باللهِ . لو كشفَ الحجابَ عن وجهِه لأحرقَتْ سُبحاتُه ما انتهى إليه بصرُه من خلقِه.

стр. 32

فإذا قامَ بقلبِ العبدِ هذا الشاهدُ: اضْمَحَلَّتْ فيهِ الشواهدُ المتقدمةُ، من غيرِ أنْ تعدَمَ. بل تصيرُ الغلبةُ والقهرُ لهذا الشاهدِ، وتندرجُ فيه الشواهدُ كلُّها. ومَنْ هذا شاهِدُه: فله سلوكٌ وسيرٌ خاصٌّ، ليسَ لغيرِه ممن هو عن هذا في غفلةٍ، أو معرفةٍ مجملةٍ. فصاحبُ هذا الشاهدِ: سائرٌ إلى اللهِ في يقظتِهِ ومنامِهِ، وحركتِهِ وسكونِهِ وفطرِهِ وصيامِهِ، لهُ شأنٌ وللناسِ شأنٌ. هو في وادٍ والنَّاسُ في وادٍ. ٧ - شاهدُ التوحيدِ: فإذا طلعتُ شمسُ التوحيدِ، وباشَرَتْ جوانُبَها الأرواح، ونورُها البصائِرَ، تجلَّتْ بها ظلماتُ النفسِ والطبعِ، وتحركتْ بها الأرواحُ في طلبِ من ليس كمثلِه شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ، فسافرَ القلبُ في بيداءِ الأمرِ، ونَزَلَ منازلَ العبوديةِ، منزلًا منزلًا، فهو ينتقلُ من عِبادةٍ إلى عبادةٍ، مُقيم على معبود واحد. فلا تزالُ شواهدُ الصفاتِ قائمةً بقلبِهِ، توقظُه إذا رقدَ، وتذكِّرُهُ إذا غفلَ، وتحدُو به إذا سارَ، وتقيمُهُ إذا قعدَ. إن قام بقلبِه شاهدٌ من الربوبيةِ والقيوميةِ رأى أنَّ الأمرَ كلَّهُ للهِ. ليس لأحدٍ معه من الأمرِ شيءٌ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٢ - ٣]. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]،

стр. 33

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩]. إن قامَ بقلبِه شاهدٌ من الإلهيةِ: رأى في ذلك الشاهدِ الأمرَ والنهيَ، والنبواتِ، والكتبَ والشرائعَ، والمحبةَ والرضى، والكراهةَ والبغضَ، والثوابَ والعقابَ، وشاهدَ الأمرَ نازلًا ممن هو مستوٍ على عرشِهِ، وأعمالُ العبادِ صاعدةٌ إليهِ، ومعروضة عليه. يجزي بالإحسانِ منها في هذه الدارِ وفي العقبى نضرةً وسرورًا، ويقدمُ إلى ما لم يكنْ عن أمرِهِ وشرعِهِ منها فيجعلُهُ هباءً منثورًا. وإن قامَ بقلبِه شاهدٌ من الرحمةِ: رأى الوجودَ كلَّه قائمًا بهذهِ الصفةِ، قدْ وَسِعَ من هي صفتُه كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وانتهتْ رحمتُهُ إلى حيثُ انتهى علمُه، فاستوى على عرشِه برحمتِهِ، لتسعَ كلَّ شيءٍ، كما وَسِعَ عرشُهُ كلَّ شيءٍ. وإنْ قامَ بقلبه شاهدُ العِزَّة والكبرياءِ، والعظمةِ والجبروتِ: فله شأنٌ آخر. وهكذا جميعُ شواهدِ الصفاتِ، فما ذكرنا إنما هو أدنى تنبيهٍ عليها. فالكشفُ والعيانُ والمشاهدةُ لا تتجاوزُ الشواهدَ البتةَ.

стр. 34

أإله مع الله ؟ قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ (١): «لا ريبَ أن اللهَ ربُّ العالمينَ، ربُّ السمواتِ والأرضينَ وما بينهما وربُّ العرشِ العظيمِ، ربُّ المشرقِ والمغربِ لا إله إلا هو فاتخذْه وكيلًا، ربُّكم وربُّ آبائِكم الأولين، ربُّ الناسِ مَلِكُ الناسِ إلهُ الناسِ،. وهو خالقُ كلِّ شيءٍ وهو على كلِّ شيءٍ وكيلٌ. خلقَ الزوجينِ الذكرَ والأنثى، من نطفةٍ إذا تُمنى، وهو ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وهو مالكُ المُلك؛ يُؤتي المُلكَ من يشاءُ، وينزعُ الملكَ ممَّنْ يشاءُ، ويعزُّ من يشاءُ، ويذلُّ من يشاءُ، بيدِه الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. له ما في السمواتِ وما في الأرضِ وما بينهما وما تحتَ الثرى، الرحمنُ على العرشِ استوى، له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. قلوبُ العبادِ ونواصِيهم بيدِه، وما منْ قلبٍ إلَّا وهو بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرحمنِ، إن شاء أن يُقيمَهُ أقامَه، وإن شاء أن يُزيغَهُ أزاغَهُ. وهو الذي أضحَك وأبكَى، وأغنَى وأقنَى، وهو الذي يُرسلُ الرياحَ بشرًا بين يديْ رحمتِه، ويُنزلُ من السماءِ ماءً فيُحيي به الأرضَ بعدَ موتِها، ويبُثُّ فيها من كلِّ دابَّةٍ. وهو ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ

стр. 35

يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥]، ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]. وهو الحيُّ القيومُ الذي لا تأخذُهُ سِنةٌ ولا نومٌ، وهو القائمُ بالقسطِ، القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسَبَتْ، الخالقُ البارئُ المصورُ. ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، ما شاءَ اللهُ لا قوةَ إلا باللهِ، فما شاء اللهُ كان، وما لم يشا لم يكنْ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ولا ملجأَ منه إلا إليه. فهذه المعاني وما أشبهَها من معاني ربوبيتِه ومُلكِه، وخلقِه ورزقِه، وهدايتِه ونصرِه، وإحسانِه وبرِّه، وتدبيرِه وصنعِه، ثمَّ ما يتصلُ بذلك من أنه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّه سميعٌ بصيرٌ، لا يشغَلُه سمعٌ عن سمعٍ، ولا تُغلِطُه المسائلُ، ولا يتبرمُ بإلحاحِ المُلحِّينَ، يُبصرُ دبيبَ النملةِ السوداءِ، في الليلةِ الظلماءِ، على الصخرةِ الصماءِ. فهذا كلُّه حقٌّ، وهو محضُ توحيدِ الربوبيةِ؛ وهو مع هذا قد أعطى كلَّ شيءٍ خلقَه ثمَّ هَدَى، وأحسنَ كلَّ شيءٍ خَلَقهُ، وبدأَ خلقَ الإنسانِ من طينٍ. وهذا صنعُ اللهِ، الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ، والخيرُ كلُّه بيديْهِ، وهو أرحمُ الراحمينَ، وهو أرحمُ بعبادِهِ من الوالدةِ بولدِهَا، كما أقسمَ على ذلك النبيُّ ﷺ فقالَ: «واللهِ للهُ أرحمُ بعبادِه من هذه الوالدةِ بولَدِها» (١) إلى نحوِ هذه المعاني،

стр. 36

التي تقتضي شمولَ حكمتِه وإتقانِه وإحسانِه خَلْقَ كلِّ شيءٍ وسعةَ رحمتِه وعظمتَها وأنها سبقتْ غضبَه كلُّ هذا حقٌّ» (١). فاللهُ هو مالكُ الملكِ الذي ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، وإذا نظر العبدُ في تدبيرِ اللهِ تعالى لهذا الكونِ كاد عقلُه يطيشُ من هذه القدرةِ الباهرةِ، والقوةِ القاهرةِ، والرحمةِ الظاهرةِ، والإتقانِ والإحسانِ والحكمةِ في كلِّ شيءٍ. * * *

стр. 37

الطريق إلى تعظيم الله تعالى إن تعظيمَ اللهِ تعالى لا يكونُ إلَّا بعدَ معرفةِ اللهِ بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه ونعوتِ جلالِه، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، فلا بدَّ من العلمِ والمعرفةِ، فهي النورُ الذي يضيءُ لك طريقَ التعظيمِ والإجلالِ. فاللهُ عظيمٌ في ذاتِه، عظيمٌ في أسمائِه، عظيمٌ في صفاتِه، عظيمٌ في ملكِه وسلطانِه، عظيمٌ في خلقِه وأمرِه، عظيمٌ في دينِه وشرعِه، عظيمٌ في علمِه وكلماتِه قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]، هذا علمُ الله تعالى فماذا عن قدرته؟ قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٢٨ - ٣١]. إنها العظمةُ المطلقةُ والقدرةُ المطلقةُ والعلوُّ المطلقُ، والجلالُ المطلقُ، والقهرُ المطلقُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].

стр. 38

قال الإمامُ ابنُ القيمِ في ارتباطِ التعظيمِ بالمعرفةِ: «وهذه المنزلةُ ـ أي منزلةُ تعظيمِ قال الإمامُ ابنُ القيمِ في ارتباطِ التعظيمِ بالمعرفةِ: «وهذه المنزلةُ ـ أي منزلةُ تعظيمِ الله تابعةٌ للمعرفةِ، فعلى قدرِ المعرفةِ يكونُ تعظيمُ الربِّ تعالى في القلبِ، وأعرفُ الناسِ به أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذمَّ اللهُ تعالى من لم يعظِّمْهُ حقَّ عظمَتِهِ، ولا عَرَفَهُ حقَّ معرفتِهِ، ولا وَصَفَهُ حقَّ وصفِهِ، فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]» (١). وقال أبو القاسمِ إسماعيلُ الأصبهانيُّ في صفةِ العظمةِ: «العظمةُ صفةٌ من صفاتِ اللهِ، لا يقومُ لها خلقٌ، واللهُ تعالى خلقَ بين الخلقِ عظمةً يعظّمُ بها بعضُهم بعضًا، فمن الناسِ من يعظَّم لمالٍ، ومنهم من يعظَّم لفضلٍ، ومنهم من يعظَّم لعلمٍ، ومنهم من يعظَّم لسلطانٍ، ومنهم من يعظَّم لجاهٍ، وكلُّ واحدٍ من الخلقِ إنما يعظَّمُ لمعنى دونَ معنىً واللهُ يعظَّمُ في الأَحوالِ كلِّها، فينبغي لمن عَرَفَ حقَّ عظمةِ اللهِ أن لا يتكلمَ بكلمةٍ يكرهُها اللهُ، ولا يرتكبَ معصيةً لا يرضاها اللهُ، إذ هو القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ» (٢)، يشير بذلك ﵀ إلى أنَّ المعصيةَ تُضْعِفُ من تعظيمِ العبدِ لربِّه، وقد تذهبُ التعظيمَ من قلبِه بالكليةِ. * * *

стр. 39

تعظيمُ الأمرِ والنهيِ وهذا يدلُّ على أن أولَ مراتبِ التعظيمِ هي تعظيمُ الأمرِ والنهيِ، وقد ذكر ذلك ابنُ القيمِ فقال: «تعظيمُ الأمرِ والنهيِ هو ناشئٌ عن تعظيمِ الآمرِ الناهي فإن اللهَ تعالى ذمَّ من لا يعظِّمهُ ولا يعظِّمُ أمرَهُ ونهيَهُ، قال : ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، قالوا في تفسيرِها: ما لكم لا تخافونَ للهِ تعالى عظمةً. وما أحسنَ ما قالَه شيخُ الإسلامِ في تعظيمِ الأمرِ والنهيِ: «هو ألا يُعَارَضَا بترخصٍ جافٍ، ولا يُعرَّضا لتشديدٍ غالٍ ولا يُحْمَلَا على علةٍ توهنُ الانقيادَ». ومعنى كلامِه: أن أولَ مراتبِ تعظيمِ الحقِّ : تعظيمُ أمرِه ونهيِه، وذلك لأن المؤمنَ يعرِفُ ربَّه ? برسالتِه التي أرسلَ بها رسولَ اللهِ ﷺ إلى كافةِ الناسِ، ومقتضاها: الانقيادُ لأمرِهِ ونهيهِ، وإنما يكونُ ذلك بتعظيمِ أمرِ اللهِ واتباعِه، وتعظيمِ نهيِه واجتنابِه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه واجتنابه دالًّا على تعظيمِه لصاحبِ الأمرِ والنهيِ، ويكونُ بحسبِ هذا التعظيمِ من الأبرارِ المشهودِ لهم بالإيمانِ والتصديقِ وصحةِ العقيدةِ، والبراءةِ من النفاقِ الأكبرِ. فإن الرجلَ قد يتعَاطَى فعلَ الأمرِ لنظرِ الخلقِ وطلبِ المنزلةِ والجاهِ عندَهم، ويتَّقِي المناهِيَ خشيةَ سقوطِه من أعينِهم، وخشيةَ العقوباتِ الدنيويَّةِ من الحدودِ التي رتَّبَها الشارعُ على المناهِي، فهذا ليس فعلُه وتركه صادرًا عن تعظيمِ الأمرِ والنهيِ، ولا عن تعظيمِ الآمرِ الناهِي» (١).

стр. 40

كيف نعرف الله ؟ (١) الربُّ تعالى يدعُو عبادَه في القرآنِ إلى معرفتِه من طريقينِ: أحدُهما: النظرُ في مفعولاتِه. والثاني: التفكُّرُ في آياتِه وتدبُّرُها. فتلكَ آياتُه المشهودَةُ، وهذه آياتُه المسموعَةُ المعقولَةُ. فالنوعُ الأولُ: كقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة:١٦٤]، إلى آخرها. وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] .. وهو كثيرٌ في القرآنِ. والثاني: كقولِه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] .. وهو كثيرٌ أيضًا. فأمَّا المفعولاتُ، فإنها دالَّةٌ على الأفعالِ، والأفعالُ دالَّةٌ على الصفاتِ؛ فإنَّ المفعولَ يدلُّ على فاعلِ فعلِه، وذلكَ يستلزِمُ وجودَه وقدرتَه ومشيئتَه وعلمَه لاستحالةِ صدورِ الفعلِ الاختياريِّ من معدومٍ أو موجودٍ لا قدرةَ له ولا حياةَ ولا علمَ ولا إرادةَ. ثم ما في المفعولاتِ من التخصُّصَاتِ المتنوعةِ دالٌّ على إرادةِ الفاعلِ،
следующие страницы →