← Акыда

Акыда · id 17070

تعظيم الله جل جلاله «تأملات وقصائد»

أحمد بن عثمان المزيد

Полный текст (275 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التي تقتضي شمولَ حكمتِه وإتقانِه وإحسانِه خَلْقَ كلِّ شيءٍ وسعةَ رحمتِه وعظمتَها وأنها سبقتْ غضبَه كلُّ هذا حقٌّ» (١). فاللهُ هو مالكُ الملكِ الذي ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، وإذا نظر العبدُ في تدبيرِ اللهِ تعالى لهذا الكونِ كاد عقلُه يطيشُ من هذه القدرةِ الباهرةِ، والقوةِ القاهرةِ، والرحمةِ الظاهرةِ، والإتقانِ والإحسانِ والحكمةِ في كلِّ شيءٍ. * * *

стр. 37

الطريق إلى تعظيم الله تعالى إن تعظيمَ اللهِ تعالى لا يكونُ إلَّا بعدَ معرفةِ اللهِ بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه ونعوتِ جلالِه، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، فلا بدَّ من العلمِ والمعرفةِ، فهي النورُ الذي يضيءُ لك طريقَ التعظيمِ والإجلالِ. فاللهُ عظيمٌ في ذاتِه، عظيمٌ في أسمائِه، عظيمٌ في صفاتِه، عظيمٌ في ملكِه وسلطانِه، عظيمٌ في خلقِه وأمرِه، عظيمٌ في دينِه وشرعِه، عظيمٌ في علمِه وكلماتِه قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]، هذا علمُ الله تعالى فماذا عن قدرته؟ قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٢٨ - ٣١]. إنها العظمةُ المطلقةُ والقدرةُ المطلقةُ والعلوُّ المطلقُ، والجلالُ المطلقُ، والقهرُ المطلقُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].

стр. 38

قال الإمامُ ابنُ القيمِ في ارتباطِ التعظيمِ بالمعرفةِ: «وهذه المنزلةُ ـ أي منزلةُ تعظيمِ قال الإمامُ ابنُ القيمِ في ارتباطِ التعظيمِ بالمعرفةِ: «وهذه المنزلةُ ـ أي منزلةُ تعظيمِ الله تابعةٌ للمعرفةِ، فعلى قدرِ المعرفةِ يكونُ تعظيمُ الربِّ تعالى في القلبِ، وأعرفُ الناسِ به أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذمَّ اللهُ تعالى من لم يعظِّمْهُ حقَّ عظمَتِهِ، ولا عَرَفَهُ حقَّ معرفتِهِ، ولا وَصَفَهُ حقَّ وصفِهِ، فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]» (١). وقال أبو القاسمِ إسماعيلُ الأصبهانيُّ في صفةِ العظمةِ: «العظمةُ صفةٌ من صفاتِ اللهِ، لا يقومُ لها خلقٌ، واللهُ تعالى خلقَ بين الخلقِ عظمةً يعظّمُ بها بعضُهم بعضًا، فمن الناسِ من يعظَّم لمالٍ، ومنهم من يعظَّم لفضلٍ، ومنهم من يعظَّم لعلمٍ، ومنهم من يعظَّم لسلطانٍ، ومنهم من يعظَّم لجاهٍ، وكلُّ واحدٍ من الخلقِ إنما يعظَّمُ لمعنى دونَ معنىً واللهُ يعظَّمُ في الأَحوالِ كلِّها، فينبغي لمن عَرَفَ حقَّ عظمةِ اللهِ أن لا يتكلمَ بكلمةٍ يكرهُها اللهُ، ولا يرتكبَ معصيةً لا يرضاها اللهُ، إذ هو القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ» (٢)، يشير بذلك ﵀ إلى أنَّ المعصيةَ تُضْعِفُ من تعظيمِ العبدِ لربِّه، وقد تذهبُ التعظيمَ من قلبِه بالكليةِ. * * *

стр. 39

تعظيمُ الأمرِ والنهيِ وهذا يدلُّ على أن أولَ مراتبِ التعظيمِ هي تعظيمُ الأمرِ والنهيِ، وقد ذكر ذلك ابنُ القيمِ فقال: «تعظيمُ الأمرِ والنهيِ هو ناشئٌ عن تعظيمِ الآمرِ الناهي فإن اللهَ تعالى ذمَّ من لا يعظِّمهُ ولا يعظِّمُ أمرَهُ ونهيَهُ، قال : ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، قالوا في تفسيرِها: ما لكم لا تخافونَ للهِ تعالى عظمةً. وما أحسنَ ما قالَه شيخُ الإسلامِ في تعظيمِ الأمرِ والنهيِ: «هو ألا يُعَارَضَا بترخصٍ جافٍ، ولا يُعرَّضا لتشديدٍ غالٍ ولا يُحْمَلَا على علةٍ توهنُ الانقيادَ». ومعنى كلامِه: أن أولَ مراتبِ تعظيمِ الحقِّ : تعظيمُ أمرِه ونهيِه، وذلك لأن المؤمنَ يعرِفُ ربَّه ? برسالتِه التي أرسلَ بها رسولَ اللهِ ﷺ إلى كافةِ الناسِ، ومقتضاها: الانقيادُ لأمرِهِ ونهيهِ، وإنما يكونُ ذلك بتعظيمِ أمرِ اللهِ واتباعِه، وتعظيمِ نهيِه واجتنابِه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه واجتنابه دالًّا على تعظيمِه لصاحبِ الأمرِ والنهيِ، ويكونُ بحسبِ هذا التعظيمِ من الأبرارِ المشهودِ لهم بالإيمانِ والتصديقِ وصحةِ العقيدةِ، والبراءةِ من النفاقِ الأكبرِ. فإن الرجلَ قد يتعَاطَى فعلَ الأمرِ لنظرِ الخلقِ وطلبِ المنزلةِ والجاهِ عندَهم، ويتَّقِي المناهِيَ خشيةَ سقوطِه من أعينِهم، وخشيةَ العقوباتِ الدنيويَّةِ من الحدودِ التي رتَّبَها الشارعُ على المناهِي، فهذا ليس فعلُه وتركه صادرًا عن تعظيمِ الأمرِ والنهيِ، ولا عن تعظيمِ الآمرِ الناهِي» (١).

стр. 40

كيف نعرف الله ؟ (١) الربُّ تعالى يدعُو عبادَه في القرآنِ إلى معرفتِه من طريقينِ: أحدُهما: النظرُ في مفعولاتِه. والثاني: التفكُّرُ في آياتِه وتدبُّرُها. فتلكَ آياتُه المشهودَةُ، وهذه آياتُه المسموعَةُ المعقولَةُ. فالنوعُ الأولُ: كقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة:١٦٤]، إلى آخرها. وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] .. وهو كثيرٌ في القرآنِ. والثاني: كقولِه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] .. وهو كثيرٌ أيضًا. فأمَّا المفعولاتُ، فإنها دالَّةٌ على الأفعالِ، والأفعالُ دالَّةٌ على الصفاتِ؛ فإنَّ المفعولَ يدلُّ على فاعلِ فعلِه، وذلكَ يستلزِمُ وجودَه وقدرتَه ومشيئتَه وعلمَه لاستحالةِ صدورِ الفعلِ الاختياريِّ من معدومٍ أو موجودٍ لا قدرةَ له ولا حياةَ ولا علمَ ولا إرادةَ. ثم ما في المفعولاتِ من التخصُّصَاتِ المتنوعةِ دالٌّ على إرادةِ الفاعلِ،

стр. 41

وأنَّ فعلَه ليس بالطبعِ بحيثُ يكونُ واحدًا غيرَ متكررٍ. وما فيها من المصالحِ والحِكمِ والغاياتِ المحمودةِ دالٌّ على حكمتِه تعالى. وما فيها من النفعِ والإحسانِ والخيرِ دالٌّ على رحمتِه. وما فيها من البطشِ والانتقامِ والعقوبةِ دالٌّ على غضبِه. وما فيها من الإكرامِ والتقريبِ والعنايةِ دالٌّ على محبتِه. وما فيها من الإهانةِ والإبعادِ والخذلانِ دالٌّ على بُغضِه ومَقتِه. وما فيها من ابتداءِ الشيءِ في غايةِ النقصِ والضعفِ ثم سَوْقِهِ إلى تمامِه ونهايتِه دالٌّ على وقوعِ المعادِ. وما فيها من أحوالِ النباتِ والحيوانِ وتصرُّفِ المياهِ دليلٌ على إمكانِ المعادِ. وما فيها من ظهورِ آثارِ الرحمةِ والنعمةِ على خلقِه دليلٌ على صحةِ النبوَّاتِ. وما فيها من الكمالاتِ التي لو عَدِمَتْها كانتْ ناقصةً دليلٌ على أنَّ معطي تلكَ الكمالاتِ أحقُّ بها. فمفعولاتُه من أدلِّ شيءٍ على صفاتِه وصِدْقِ ما أخبرَتْ به رُسُلُه عنه؛ فالمصنوعاتُ شاهدةٌ تُصَدِّقُ الآياتِ المسموعاتِ، منبهةٌ على الاستدلالِ بالآياتِ المصنوعاتِ. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، أي أنَّ القرآنَ حقٌّ، فأخبرَ أنَّه لا بدَّ أن

стр. 42

يُريَهُم من آياتِه المشهودَةِ ما يبيِّنُ لهم أنَّ آياتِه المتلوَّةَ حقٌّ. ثم أخبرَ بكفايةِ شهادتِه على صحةِ خَبَرِه بما أقامَ من الدلائلِ والبراهينِ على صدقِ رسولِه. فآياتُه شاهدةٌ بصدقِه، وهو شاهدٌ بصدقِ رسولِه بآياتِه. فهو الشاهدُ والمشهودُ له، وهو الدليلُ والمدلولُ عليه. فهو الدليلُ بنفسِه على نفسِه كما قالَ بعضُ العارفينَ: كيفَ أطلبُ الدليلَ على من هو دليلٌ لي على كلِّ شيءٍ؟ فأيُّ دليلٍ طلبتَه عليه فوجودُه أظهرُ منه. ولهذا قال الرُّسُلُ لقومِهم: ... ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾؟ [إبراهيم:١٠]؛ فهو أعرفُ من كلِّ معروفٍ، وأبينُ من كلِّ دليلٍ. فالأشياءُ عُرِفَتْ به في الحقيقةِ، وإنْ كانَ عُرِفَ بها في النَّظَرِ، والاستدلالِ بأفعالِه وأحكامِه عليه. * * *

стр. 43

معرفةُ جمالِ اللهِ (١) من أعزِّ أنواعِ المعرفةِ: معرفةُ الربِّ سبحانه بالجمالِ، وهي معرفةُ خواصِّ الخلقِ، وكلُّهم عَرَفَهُ بصفةٍ من صفاتِه، وأتمُّهم معرفةً من عَرَفَهُ بكمالِه وجلالِه وجمالِه سبحانه، ليسَ كمثلِه شيءٌ في سائرِ صفاتِه، ولو فَرَضْتَ الخلقُ كلُّهم على أجملِهم صورةً، وكلُّهم على تلكَ الصورةِ، ونَسَبْتَ جمالَهم الظاهرَ والباطنَ إلى جمالِ الربِّ سبحانَه لكانَ أقلَّ من نسبةِ سراجٍ ضعيفٍ إلى قرصِ الشمسِ، ويكفِي في جمالِه أنَّه لو كَشَفَ الحجابَ عن وجْهِه لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُه (٢) ما انتهى إليه بصرُه من خلقِه. ويكفِي في جمالِه أنَّ كلَّ جمالٍ ظاهرٍ وباطنٍ في الدنيا والآخرةِ فمن آثارِ صنعَتِه، فما الظنُّ بمَنْ صدرَ عنه هذا الجمالُ؟! ويكفِي في جمالِه: أنَّه لَهُ العزَّةُ جميعًا، والقوَّةُ جميعًا، والجودُ كلُّه، والإحسانُ كلُّه، والعلمُ كلُّه، والفضلُ كلُّه، ولِنُورِ وجهِه أَشْرَقَتِ الظلماتُ، كما قالَ النبيُّ ﷺ في دعاءِ الطائفِ: «أعوذُ بنورِ وجهِكَ الذي أشرقَتْ لهُ الظلماتُ وصلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرةِ» (٣). وقال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: ليسَ عندَ ربِّكُم ليلٌ ولا نهارٌ، نورُ السمواتِ والأرضِ من نورِ وجهِه، فهو سبحانَه نورُ السمواتِ والأرضِ، ويومَ القيامةِ إذا جاء لفصلِ القضاءِ تُشْرِقُ الأرضُ بنُوره.

стр. 44

ومن أسمائِه الحسنى (الجميلُ). وفي الصحيح عنه ﷺ : «إن اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ» (١). وجمالُه سبحانَه على أربعِ مراتِبٍ: جمالُ الذاتِ، وجمالُ الصفاتِ، وجمالُ الأفعالِ، وجمالُ الأسماءِ. فأسماؤُه كلُّها حُسْنَى، وصفاتُه كلُّها صفاتُ كمالٍ، وأفعالُه كلُّها حكمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ ورحمةٌ. وأمَّا جمالُ الذَّاتِ، وما هو عليه، فأمرٌ لا يُدْرِكُهُ سِوَاهُ، ولا يعلمُه غيرُه، وليسَ عندَ المخلوقينَ منه إلا تعريفاتٌ تَعَرَّفَ بها إلى مَنْ أَكْرَمَهُ من عبادِه، فإنَّ ذلكَ الجمالَ مصونٌ عن الأغيارِ محجوبٌ بسترِ الرداءِ والإزارِ، كما قال رسوله ﷺ فيما يُحْكَى عنه: «الكبرياءُ رِدَائي، والعظمةُ إزاري» (٢). ولما كانت الكبرياءُ أعظمُ وأوسعُ كانتْ أَحَقَّ باسمِ الرداءِ؛ فإنه سبحانَه الكبيرُ المتعالِ، فهو سبحانَه العليُّ العظيمُ. قال ابنُ عباسٍ: حجبَ الذاتَ بالصفاتِ، وحجبَ الصفاتِ بالأفعالِ، فما ظنُّكَ بجمالٍ حُجِبَ بأوصافِ الكمالِ وسُتِرَ بنعوتِ العظمةِ والجلالِ؟! ومن هذا المعنى يُفْهَمُ بعضُ معانِي جمالِ ذاتِه؛ فإنَّ العبدَ يترقَّى من معرفةِ الأفعالِ إلى معرفةِ الصفاتِ، ومن معرفةِ الصفاتِ إلى معرفةِ الذاتِ. فإذا شاهدَ شيئًا من جمالِ الأفعالِ، استدلَّ به على جمالِ الصفاتِ، ثم استَدَلَّ بجمالِ الصفاتِ على جمالِ الذاتِ.

стр. 45

ومن ههنا يتبينُ أنَّهُ سبحانَه لهُ الحمدُ كلُّه، وأنَّ أحدًا من خَلْقِهِ لا يُحصِي ثناءً عليه، بل هو كما أثْنَى على نفسِه، وأنه يستحقُّ أن يُعْبَدَ لذاتِه، ويُحَبَّ لذاتِه، ويُشْكَرَ لذاته، وأنه سبحانَه يُحِبُّ نفسَه ويُثني على نفسِه ويحمدُ نفسَه، وأن محبَّتَه لنفسِه وحمدَه لنفسِه وثناءَه على نفسِه وتوحيدَه لنفسِه، هو في الحقيقةِ الحمدُ والثناءُ والحبُّ والتوحيدُ؛ فهو سبحانه كما أَثْنَى على نفسِه، وفوقَ ما يُثْنِي به عليه خلقُه. وهو سبحانه كما يُحِبُّ ذاتَه يحبُّ صفاتِه وأفعالَه، فكلُّ أفعالِه حسنٌ محبوبٌ، وإن كانَ في مفعولاتِه ما يُبْغِضُهُ ويكرهُه، فليس في أفعالِه ما هو مكروهٌ مسخوطٌ، وليسَ في الوجودِ ما يُحَبُّ لذاتِه ويُحْمَدُ لذاتِه إلا هو سبحانَه. وكل ما يُحَبُّ سواهُ، فإنْ كانَتْ محبَّتُه تابعةٌ لمحبتِه سبحانَه بحيثُ يُحَبُّ لأجلِه، فمحبَّتُه صحيحةٌ، وإلا فهي محبةٌ باطلةٌ. وهذا هو حقيقةُ الإلهيةِ؛ فإنَّ الإلهَ الحقَّ هو الذي يُحَبُّ لذاتِه ويُحْمَدُ لذاتِه. فكيفَ إذا انضافَ إلى ذلكَ إحسانُه وإنعامُه وحلمُه وتجاوزُه وعفوُه وبرُّه ورحمتُه؟ فعلى العبدِ أنْ يعلَمَ أنَّه لا إلهَ إلا اللهُ، فيحبُّه ويحمدُه لذاتِه وكمالِه، وأنْ يعلمَ أنَّه لا مُحْسِنَ على الحقيقةِ بأصنافِ النعمِ الظاهرةِ والباطنةِ إلا هو، فيحبُّه لإحسانِه وإنعامِه، ويحمَدُه على ذلكَ؛ فيحبُّه من الوجهينِ جميعًا. وكما أنَّه ليسَ كمثلِه شيءٌ، فليسَ كمحبَّتِه محبةٌ. والمحبَّةُ معَ الخضوعِ هي العبوديةُ التي خُلِقَ الخلقُ لأجلِها؛ فإنَّها غايةُ الحبِّ بغايةِ الذُّلِّ، ولا يصلحُ ذلكَ إلَّا له سبحانَه. والإشراكُ به في هذا، هو الشركُ الذي لا يَغْفِرُه اللهُ، ولا يقبلُ لصاحِبِه عملًا.

стр. 46

وحمدُه يتضمَّنُ أصلينِ: الإخبارُ بمحامدِه وصفاتِ كمالِه، والمحبةُ له عليها. فمَنْ أخبرَ بمحاسنِ غيرِه من غيرِ محبةٍ له لم يَكُنْ حامدًا. ومن أحبَّه من غير إخبارٍ بمحاسنِه لم يَكُنْ حامدًا حتى يجمَعَ الأمرينِ. وهو سبحانَه يحمدُ نفسَه بنفسِه، ويحمدُ نفسَه بما يُجْرِيهِ على ألسنةِ الحامدينَ له من ملائكتِه وأنبيائِه ورُسلِه وعبادِه المؤمنينَ؛ فهو الحامدُ لنفسِه بهذا وهذا؛ فإن حمدَهم له بمشيئتِه وإذنِه وتكوينِه؛ فإنَّه هو الذي جعلَ الحامدَ حامدًا، والمسلمَ مسلمًا، والمصلِّيَ مصليًا، والتائبَ تائبًا؛ فمنه ابتدأتِ النعمُ وإليه انتهَتْ، فابتدأَتْ بحمدِه وانتهَتْ إلى حمدِه. وهو الذي ألهمَ عبدَه التوبةَ، وفرحَ بها أعظمَ فرحٍ، وهي من فَضْلِه وجُودِه. وألهمَ عبدَه الطاعةَ، وأعانَه عليها، ثم أثابَه عليها، وهي من فَضْلِهِ وجودِه. وهو سبحانَه غنيٌّ عن كلِّ ما سواهُ بكلِّ وجهٍ، وما سواهُ فقيرٌ إليه بكلِّ وجهٍ، والعبدُ مفتقرٌ إليه لذاتِهِ في الأسبابِ والغاياتِ؛ فإنَّ ما لا يكونُ به لا يكونُ، وما لا يكونُ له لا يَنْفَعُ. * * *

стр. 47

أعرفُ الناسِ باللهِ (١) من الناسِ من يعرفُ اللهَ بالجودِ والإفضالِ والإحسانِ، ومنهم من يعرِفُه بالعفوِ والحلمِ والتجاوزِ، ومنهم من يعرفُه بالبطشِ والانتقامِ، ومنهم من يعرفُه بالعلمِ والحكمةِ، ومنهم من يعرفُه بالعزِّةِ والكبرياءِ، ومنهم من يعرفُه بالرحمةِ والبرِّ واللطفِ، ومنهم من يعرفُه بالقهرِ والملكِ، ومنهم من يعرفُه بإجابةِ دعوتِه وإغاثةِ لهفتِهِ وقضاءِ حاجتِه. وأعظمُ هؤلاءِ معرفةً: من عَرَفَه من كلامِه؛ فإنَّه يعرِفُ ربًّا قد اجتمعَتْ له صفاتُ الكمالِ ونعوتُ الجلالِ، منزَّهٌ عن المثالِ، بريءٌ من النقائص والعيوبِ، له كلُّ اسمٍ حسنٍ وكلُّ وصفِ كمالٍ، فعَّالٌ لما يريدُ، فوقَ كلِّ شيءٍ، ومع كلِّ شيءٍ، وقادرٌ على كلِّ شيءٍ، ومقيمٌ لكلِّ شيءٍ، آمرٌ ناهٍ، متكلمٌ بكلماتِه الدينيةِ والكونيةِ، أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأجملُ من كلِّ شيءٍ، أرحمُ الراحمينَ، وأقدرُ القادرينَ، وأحكمُ الحاكمينَ. فالقرآنُ أُنْزِلَ لتعريفِ عبادِه به، وبصراطِه الموصلِ إليه، وبحالِ السالكينَ بعد الوصولِ إليه. * * *

стр. 48

الحمدُ من طرقِ تعظيمِ اللهِ تعالى ومن الوسائلِ التي تُفضِي إلى تعظيمِ اللهِ تعالى وإجلالِه: كثرةُ حمدِه والثناءِ عليه سبحانه وشكرِه على نعمِه. وقدْ روى البخاريُّ عن أبي أمامةَ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا رَفَعَ مائدتَه قال: «الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غيرَ مكفيٍّ، ولا مودَّعٍ، ولا مستغنَىً عنه». فاللهُ تعالى لا يستطيعُ أحدٌ أن يكافِيه على إنعامِه أبدًا، لأنَّ شكرَه سبحانه هو نعمةٌ من نِعَمِه كما قيل: إذا كان شُكري نعمةَ اللهِ نعمةً ... عليَّ له في مثلِها يجبُ الشكرُ فكيف وقوعُ الشكرِ إلا بفضلِه ... وإنْ طالتِ الأيامُ واتَّصلَ العمرُ إذا مسَّ بالسرَّاءِ عمَّ سرورُها ... وإن مسَّ بالضرَّاءِ أعقَبَها الأجرُ فما منهما إلا لهُ فيه نعمةٌ ... تضيقُ بها الأوهامُ والسِّرُّ والجهرُ فالمعظِّمُ لربِّه يعترفُ بقلبِه أنَّه لو أنفقَ جميعَ عمرِه في قيامِ الليلِ وصيامِ النهارِ ولم يَزَلْ لسانُه رطبًا بذكرِ اللهِ، فإنَّه لا يستطيعُ تأديةَ شكرِ نعمةٍ واحدةٍ منْ نعمِ اللهِ عليه. ومعَ ذلكَ فإنَّه يَجِبُ على العبدِ أن يَلْهَجَ بحمدِ اللهِ تعالى وشكرِه والثناءِ عليهِ وأن يقدِّمَ ذلكَ بين يَدَيْ دُعائِهِ وسؤالِه. فإنَّ الحمدَ يتضمَّنُ مدحَ المحمودِ بصفاتِ كمالِه، ونعوتِ جلالِه، معَ محبَّتِه والرِّضَا عنه، والخضوعِ له. فلا يكونُ حامدًا من جَحَدَ صفاتِ المحمودِ، ولا من أعرضَ عن محبَّتِه والخضوعِ له. وكلَّما كانت صفاتُ كمالِ المحمودِ أكثرَ كان حمدُه أكملَ، وكلما نقصَ من صفاتِ كمالِه نقصَ من حمدِه

стр. 49

بحَسَبِها. ولهذا كانَ الحمدُ كلُّه للهِ حمدًا لا يحصِيهِ سِوَاهُ، لكمالِ صفاتِه وكثرتِها. ولأجلِ هذا لا يُحْصِي أحدٌ من خلقِه ثناءً عليه، لما له من صفاتِ الكمالِ، ونعوتِ الجلالِ التي لا يحصِيها سِوَاهُ. ومعلومٌ بالفِطَرِ والعقولِ السليمةِ والكُتُبِ السماويَّةِ: أنَّ فاقدَ صفاتِ الكمالِ لا يكونُ إلهًا، ولا مدبِّرًا، ولا ربًّا، بل هو مذمومٌ، معيبٌ ناقصٌ، ليسَ له الحمدُ، لا في الأولى ولا في الآخرةِ. وإنَّما الحمدُ في الأولى والآخرةِ لمن له صفاتُ الكمالِ، ونعوتُ الجلالِ، التي لأجلِها استحَقَّ الحمدَ. وكذلكَ حمدُه لنفسِه على عدمِ اتِّخَاذِ الولدِ المتضمِّنِّ لكمالِ صَمَدِيَّتِه وغِنَاه وملكِه، وتعبيدِ كلِّ شيءٍ له. فاتِّخَاذُ الولدِ يُنَافِي ذلكَ، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٦٨]. وحمدُ نفسِه على عدمِ الشريكِ، المتضمِّنِ تفرُّدِه بالربوبيَّةِ والإلهيَّةِ، وتوحُّدِه بصفاتِ الكمالِ التي لا يوصَفُ بها غيرُه، فيكونُ شريكًا له. فلو عَدِمَها لكانَ كلُّ موجودٍ أكملَ منه. لأنَّ الموجودَ أكملُ من المعدومِ. ولهذا لا يحمدُ نفسَه سبحانه بعدمٍ، إلا إذا كانَ متضمِّنًا لثبوتِ كمالٍ. كما حَمِدَ نفسَه بكونِه لا يموتُ لتضمُّنِه كمالَ حياتِه. وحَمِدَ نفسَه بكونِه لا تأخُذُه سنةٌ ولا نومٌ، لتضمُّنِ ذلك كمالَ قيوميَّتِه. وحَمِدَ نفسَه بأنَّه لا يعزُبُ عن علْمِهِ مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ، لكمالِ علمِه وإحاطتِه.

стр. 50

وحَمِدَ نفسَه بأنَّه لا يظلِمُ أحدًا، لكمالِ عدلِه وإحسانِه. وحَمِدَ نفسَه بأنَّه لا تدركُه الأبصارُ، لكمالِ عظمَتِه، يُرى ولا يُدْرَكُ، كما أنه يُعْلَمُ ولا يُحَاطُ به علمًا. فمجرَّدُ نفْيِ الرؤيةِ ليسَ بكمالٍ. لأنَّ العدمَ لا يُرى. فليسَ في كونِ الشيءٍ لا يُرَى كمالٌ ألبتةَ. وإنَّما الكمالُ في كونِه لا يحاطُ به رؤيةً ولا إدراكًا، لعظمَتِه في نفسِه، وتعلِّيهِ عن إدراكِ المخلوقِ له. وكذلكَ حَمِدَ نفسَه بعدمِ الغفلةِ والنسيانِ، لكمالِ علمِه. فكلُّ سَلْبٍ في القرآنِ حَمِدَ اللهُ به نفْسَه فلمضادَتِه لثبوتِ ضِدِّه، ولتضمُّنِه كمالَ ثبوتِ ضِدِّهِ. فعلمت أنَّ حقيقةَ الحمدِ تابعةٌ لثبوتِ أوصافِ الكمالِ، وأنَّ نفيَها نفيٌ لحمدِه، ونفيُ الحمدِ مستلزمٌ لثبوتِ ضدِّه (١). * * *

стр. 51

التفكرُ من طرقِ تعظيمِ اللهِ تعالى فمن تعظيمِ اللهِ ﵎: التفكرُ في آياتِه وآلائِه وبديعِ صُنْعِه كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. قال ابنُ كثير ﵀: «ومعنى الآيةِ أن اللهَ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي هذه في ارتفاعِها واتساعِها، وهذه في انخفاضِها وكثافَتِها واتضاعِها، وما فيها من الآياتِ المشاهَدَةِ العظيمةِ من كواكبَ سياراتٍ، وثوابتَ وبحارٍ وجبالٍ وقفارٍ وأشجارٍ ونباتٍ، وزروعٍ وثمارٍ، وحيوانٍ ومعادنَ، ومنافعَ مختلفةِ الألوانِ والروائحِ والطعومِ والخواصِّ، ﴿وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي تعاقُبُهما وتقارضُهما الطولَ والقِصَرَ، فتارةً يطولُ هذا ويقصُرُ هذا، ثم يعتدلانِ ثم يأخذُ هذا من هذا فيطولُ الذي كان قصيرًا، ويقصُرُ الذي كانَ طويلًا. وكلُّ ذلك تقديرُ العزيزِ العليمِ، ولهذا قال تعالى: ﴿لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ أي العقولِ التامةِ الذكيةِ التي تُدركُ الأشياءَ بحقائِقِها على جليَّاتِها، وليسُوا كالصُمِّ البُكْمِ الذين لا يعقلونَ، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٥ - ١٠٦]، ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾. كما ثبت في صحيحِ البخاريِّ عن عمرانَ بن حصينٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ -

стр. 52

قال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطعْ فقاعدًا، فإن لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ» (١) أي لا يقطعونَ ذكرَه في جميعِ أحوالِهم بسرائرِهم وضمائرِهم وألسنتِهم، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي يفهمونَ ما فيهما من الحِكَمِ الدالةِ على عظمةِ الخالقِ وقدرتِه وعلمِه وحكمتِه واختيارِه ورحمتِه. وقال الشيخُ أبو سليمانَ الدارانيُّ: إني لأخرجُ من منزلي فما يقعُ بصري على شيءٍ إلا رأيتُ للهِ عليَّ فيه نعمةً ولي فيه عبرةٌ. رواه ابنُ أبي الدنيا في كتابِ التوكلِ والاعتبارِ. وعن الحسنِ البصريِّ أنه قالَ: تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيامِ ليلةٍ، وقال الفضيلُ: قال الحسنُ: الفكرةُ مرآةٌ تريك حسناتِك وسيئاتِك. وقال سفيانُ بن عيينةَ: الفكرةُ نورٌ يدخلُ قلبَك وربَّما تمثَّل بهذا البيتِ: إذا المرءُ كانت له فكرةٌ ... ففي كلِّ شيءٍ لهُ عبرةٌ وعن عيسى ﵇ أنه قال: «طُوبى لمن كانَ قيلُه تذكُّرًا وصمتُه تفكرًا، ونظرُه عِبَرًا». قال لقمانُ الحكيمُ: «إن طولَ الوحدةِ ألهمُ للفكرةِ، وطولَ الفكرةِ دليلٌ على طرقِ بابِ الجنةِ». وقال وهبُ بنُ منبهٍ: «ما طالت فكرةُ امريءٍ إلا فَهِمَ، ولا فَهِمَ امرؤٌ قطُّ إلا عَلِمَ، ولا عَلِمَ امرؤٌ قطُّ إلا عَمِلَ». وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: «الكلامُ بذكرِ اللهِ حسنٌ، والفكرةُ في نعمِ اللهِ أفضلُ العبادةِ».

стр. 53

وقال مغيثٌ الأسودُ: «زورُوا القبورَ كلَّ يومٍ تُفَكِّرُكم، وشاهدُوا الموقفَ بقلوبِكم، وانظرُوا إلى المنصرفِ بالفريقينِ إلى الجنةِ أو النارِ، وأشعِرُوا قلوبَكم وأبدانَكُم ذكرَ النارِ ومقامِعَها وأطباقَها». وعنِ ابن عباسٍ أنه قال: «ركعتانِ مقتصدتانِ في تفكرٍ، خيرٌ من قيامِ ليلةٍ والقلبُ ساهٍ». وقال الحسنُ البصريُّ: «يا ابنَ آدمَ، كلْ في ثلثِ بطنِك، واشربْ في ثلثِه، ودعْ ثلثَه الآخرَ تتنفسُ للفكرةِ». وقال بعضُ الحكماءِ: «من نظرَ إلى الدنيا بغيرِ العبرةِ، انطمس من بصرِ قلبِه بقدرِ تلك الغفلةِ». وقال بشرُ بنُ الحارثِ الحافي: «لو تفكَّر الناس في عظمةِ اللهِ تعالى لما عَصَوْهُ». وقال الحسنُ عن عامرِ بنِ عبدِ قيسٍ، قال: «سمعتُ غيرَ واحدٍ ولا اثنينِ ولا ثلاثةٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ يقولونَ: إن ضياءَ الإيمانِ أو نورَ الإيمانِ التفكُّرُ». وعن عيسى ﵇ أنه قال: «يا ابنَ آدمَ الضعيفَ اتقِ اللهَ حيثما كنتَ، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ المساجدَ بيتًا، وعلِّم عينَيْك البكاءَ، وجسدَك الصبْرَ، وقلبَكَ الفِكْرَ، ولا تهتمّ برزقِ غدٍ». وعن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه بكى يومًا بين أصحابِه، فسُئل عن ذلك، فقال: «فكرتُ في الدنيا ولذاتِها وشهواتِها، فاعتبرتُ منها

стр. 54

بها، ما تكادُ شهواتُها تنقضي حتى تكدِّرَها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرةٌ لمن اعتبر إنَّ فيها مواعظَ لمن ادَّكَرَ». وقال ابنُ أبي الدنيا: «أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: نزهةُ المؤمنِ الفِكَر ... لذةُ المؤمنِ العِبَر نحمدُ اللهَ وحدَه ... نحنُ كلٌّ على خَطَر ربَّ لاهٍ وعمرُه ... قد تقضَّى وما شَعَر رُبَّ عيشٍ قد كان فو ... قَ المنى مونَقَ الزَّهَر في خريرٍ من العُيو ... نِ وظلٍ من الشَّجَر وسرورٍ من النَّبَا ... تِ وطيبٍ من الثَمَر غيَّرتْه وأهلَه ... سرعةُ الدهرِ بالغِيَر نحمدُ الله وحدَه ... إن في ذا لمعتَبَر إنَّ في ذا لعِبْرةٌ ... للَّبيبِ إن اعتَبَر وقد ذم الله تعالى من لا يعتبرُ بمخلوقاتِه الدالةِ على ذاتِه وصفاتِه وشرعِه وقدرِه وآياتِه، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٥ - ١٠٦]، ومدح عبادَه المؤمنينَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ أي ما خلقْتَ هذا الخلقَ عبثًا، بل بالحقِّ لتجْزِيَ الذين أساؤوا

стр. 55

بما عمِلوا، وتجزي الذين أحسَنوا بالحسْنى، ثم نَزَّهُوهُ عن العبثِ وخلقِ الباطلِ، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي عن أن تخلقَ شيئًا باطلًا ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي يا من خلق الخلقَ بالحقِّ والعدلِ، يا من هو منزَّهٌ عن النقائصِ والعيبِ والعبثِ. قِنَا من عذابِ النارِ بحولِك وقوتِك وقَيِّضْنَا لأعمالٍ ترضَى بها عنا. ووفِّقْنَا لعملٍ صالحٍ تهدينا به إلى جناتِ النعيمِ، وتجيرنا به من عذابِك الأليم» (١). * * *

стр. 56

وفي أنفسِكم أفلا تُبصرون تفكَّرْ في نفسِك أيُّها الإنسانُ .. أين كنتَ؟ وكيف جئتَ؟ ومم خلقتَ؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ* ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ* ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَانَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٦]. فالإنسانُ إذا تفكَّر بعقلِه في نفسِه رآها مدبَّرةً وعلى أحوالٍ شتَّى مُصَرَّفة .. كان نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم لحمًا وعظمًا .. فيعلمُ ـ بهذا الفكرِ ـ أنه لم ينتقِلْ من حالِ النقصِ إلى حالِ الكمالِ، لأنَّه لا يقدرُ على أن يحدثَ لنفسِه في الحالٍ الأفضلِ التي هي كمالُ عقلِه وبلوغِ أشدِّه عُضْوًا من الأعضاءِ، ولا يمكنُه أن يزيد في جوارحِه جارحةً، فيدلُّه ذلك على أنه في حالِ نقصِه وأوانِ ضعفِه على فِعل ذلك أعجزُ. وقد يرى نفسَه شابًّا ثم كهلًا، ثم شيخًا وهو لم ينقِلْ نفسَه من حالِ الشبابِ والقوةِ إلى حالِ الشيخوخةِ والهرمِ، ولا اختارَه لنفسِه، ولا في وُسْعِه أن يزايلَ حالَ المشيبِ ويراجعَ قوةَ الشبابِ. فيعلمُ بذلك أنه ليس هو الذي فعلَ تلكَ الأفعالَ بنفسِه، وأنَّ له صانعًا صنَعَه، وناقلًا نَقَلَهُ من حالٍ إلى حالٍ، ولولا ذلك لم تتبدلْ أحوالُه بلا ناقلٍ ولا مدبرٍ.

стр. 57

وقالَ بعضُ الحكماءِ: إن كلَّ شيءٍ في العالمِ الكبيرِ له نظيرٌ في العالمِ الصغيرِ الذي هو بدنُ الإنسانِ ولذلك قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذرايات:٢١]. • والسمعُ والبصرُ منها بمنزلةِ الشمسِ والقمرِ في إدراكِ المدركاتِ بها. • وأعضاؤُه تصيرُ عند البِلى ترابًا من جنسِ الأرضِ. • وفيه من جنسِ الماءِ العرقُ وسائرُ رطوباتِ البدنِ. • ومن جنسِ الهواءِ فيه الروحُ والنفسُ. • ومن جنسِ النارِ فيه المرةُ الصفراءُ. • وعروقُه بمنزلةِ الأنهارِ في الأرضِ. • وكَبِدُه بمنزلةِ العيونِ التي تستمدُّ منها الأنهارُ لأن العروقَ تستمدُّ من الكبدِ. • ومثانَتُه بمنزلةِ البحرِ؛ لانصبابِ ما في أوعيةِ البدنِ إليها، كما تنصبُّ الأنهارُ إلى البحرِ. • وعظامُه بمنزلةِ الجبالِ التي هي أوتادُ الأرضِ. • وأعضاؤُه كالأشجارِ، فكما أنَّ لكلِّ شجرةٍ ورقًا وثمرًا، فَلِكُلِّ عضوٍ فعلٌ أو أثرٌ. • والشعرُ على البدنِ بمنزلةِ النباتِ والحشيشِ على الأرضِ.

стр. 58

• ثمَّ إنَّ الإنسانَ يحكي بلسانِه كلَّ صوتِ حيوانٍ، ويحاكِي بأعضائِه صنعَ كلِّ حيوانٍ. فهو العالمُ الصغيرُ مع العالمِ الكبيرِ، مخلوقٌ مُحدَثٌ لصانعٍ واحدٍ لا إلهَ إلا هُو (١). قال قتادةُ في قولِه تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ قالَ: «من تفَكَّرَ في نفسِه علِمَ أنَّه خُلِقَ ليَعْبُدَ اللهَ»، وقال ابنُ الزبيرِ ومجاهدٌ: «المرادُ: سبيلُ الخلاءِ والبولِ». وقال السائبُ بنُ شريكٍ: «يأكلُ ويشربُ من مكانٍ واحدٍ ويُخْرِجُ من مكانينِ». ولو شَرِبَ لبنًا محضًا لخرجَ منه الماءُ ومنهُ الغائطُ. وقال ابنُ زيدٍ: «المعنى أنَّه خلقَكُم من ترابٍ وجعلَ لكمُ السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ ﴿ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]». وقال السدِّيُّ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: «في حياتِكُم وموتِكم وفيما يدخلُ ويخرجُ من طعامِكم». وقال الحسنُ: «في الهرمِ بعدَ الشبابِ، والضعفِ بعدَ القوَّةِ، والشيبِ بعدَ السوادِ». وقيلَ المعنى: وفي خلقِ أنفسِكم من نطفةٍ وعلقةٍ ومُضْغةٍ ولحمٍ وعظمٍ إلى نفخِ الروحِ، وفي اختلافِ الألسنةِ والألوانِ والصورِ إلى غيرِ ذلكَ من

стр. 59

الآياتِ الباطنةِ والظاهرةِ، وحسبُكَ بالقلوبِ وما ركَزَ فيها من العقولِ، وما خُصَّت به من أنواعِ المعاني والفنونِ، وبالألسنِ والنطقِ ومخارجِ الحروفِ، والأبصارِ والأطرافِ، وسائرِ الجوارحِ، وتأتيها لما خُلقتْ له، وما سوَّى في الأعضاءِ من المفاصلِ للانعطافِ والتثَنِّي ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، وقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ يعني بَصَرَ القلبِ، ليعرِفُوا كمال قدرة الخالق (١). أراد رجلٌ أن يحاججَ الإمامَ عليًّا ﵁ فوقفَ وقال: «يا عليّ! إني سائلُك .. فقال الإمام: سلْ تفقهًا ولا تسأل تعنُّتًا. فقالَ الرجلُ: أنت حَمَلْتني على ذلك ثم قال: هل رأيتَ ربَّك يا عليّ؟ قال: ما كنتُ أعبد ربًّا لم أرَه! فقال الرجلُ: كيف رأيته؟ قال: لم تَرَهُ العيونُ بمشاهدةِ العيانِ، ولكن رأتْه القلوبُ بحقيقةِ الإيمانِ، ربي واحدٌ لا شريكَ له، أحدٌ لا ثانيَ له، فردٌ لا مِثلَ له، لا يحويه مكانٌ، ولا يداولُه زمانٌ، لا يُدْرَكُ بالحواسِّ، ولا يُقَاسُ بالقِيَاسِ» (٢). قال عليّ ﵁: دواؤُك فيكَ وما تبصرُ ... وداؤُك منكَ وما تشعرُ وتزعمُ أنَّك جرمٌ صغيرٌ ... وفيكَ انطَوَى العالمُ الأكبرُ فمن تأمل في ذاتِه، وتفكَّرَ في صفاتِه ظهرت له عظمةُ باريه، وآياتُ مُبْدِيه ..

стр. 60

فسبحانه من ربٍّ لا يُضَاهَى، ومنانٍ لا يُحصَى كرمُهُ ولا يتناهى، ونحن في تيارِ بحرِ جودِه سابحونَ، وعن إقامةِ مراسمِ شُكْرِهِ قاصرونَ. وما أحسنَ قولَ بعضِ العارفينَ: أنه تعالى يملكُ عبادًا غيرَك، وأنت ليس لك ربٌّ سواه ثم إنك تتساهلُ في خدمَتِهِ، والقيامِ بوظائفِ طاعتِهِ، كأنَّ لك ربًّا بل أربابًا غيرَه، وهو سبحانه يعتني بتربيتِك حتى كأنه لا عبدَ له سواك، فسبحانَه ما أتمَّ تربيتَه، وأعظمَ رحمتَه (١). إليك إلهَ الخلقِ أرفعُ رغبتي ... وإن كنتُ ياذا المنِّ والجودِ مجرمًا ولما قَسَا قلبي وَضَاقَتْ مذَاهبي ... جعلتُ الرَّجا مِني لعفوكَ سُلَّمًا تعاظَمَنِي ذنبي فلما قرنتُه ... بعفْوِكَ ربِّي كان عفوُكَ أعظَمَا وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنبِ لم تَزَلْ ... تجُودُ وتعفُو مِنَّةً وتكرُّما ولولاكَ لم يصمدْ بإبليسَ عابدٌ ... فكيفَ وقد أغْوَى صفيَّكَ آدمَا فيا ليتَ شِعْرِي هل أصيرُ لجنةٍ ... فَأَهْنَا وأما للسعيرِ فأنْدَمَا وإني لآتِي الذنبَ أعرفُ قدرَه ... وأعلمُ أن اللهَ يعفُو ويرحَمَا فإن تعفُ عني تعفُ عن متمردٍ ... ظلُومٍ غشُومٍ لا يزايلُ ماثَمًا وإن تنتقِمْ مني فلستُ بآيسٍ ... ولو أُدْخِلَتْ نفسي بجُرمي جهنَّمَا * * *

стр. 61

عنايةُ اللهِ بالإنسانِ جاء في بعضِ الآثارِ: يا ابن آدم! أنَّى تعجزُني وقد خلقتُك من نطفةٍ، ثم من علقةٍ، ثمَّ من مضغةٍ، ثم نفختُ فيك الروحَ، وجعلتُ لك مُتَّكأً عن يمينِك، ومتَّكأً عن شمالِك. فالذي عن يمينِك الكبدُ، والذي عن شمالِك الطحالُ، وجعلتُ وجهك إلى ظهرِ أمِّك حتى لا تفزَعَ من الرَّحِمِ، وغشَّيتُ وجهَك بغشاءٍ حتى لا تؤذيكَ رائحةُ الطعامِ، ورزقتُك وأنتَ في بطنِ أمِّك. حتى إذا جاءَ وقتُ خروجِك إلى الدنيا، أمرتُ الملكَ الموكَّلَ، فأخرجَك إلى الأرضِ، ليسَ لكَ يدٌ تبطِشُ، ولا رِجْلٌ تسعَى بها، ولا سنٌّ يقطَعُ. وأنبتُّ لك في صَدْرِ أمِّك عرقَيْنِ رقيقينِ يُغَذِّيَانِكَ بلبنٍ سائغٍ، باردٍ في الصيفِ، دافئٍ في الشتاءِ. وقذفتُ محبَّتَك في قلبِ والدَيْكَ، فلا يأكلانِ حتى تأكلَ، ولا يشربانِ حتى تشربَ، ولا يرقدانِ حتى ترقدَ، حتى إذا اشتدَّ عودُك، وقَوِيَ جسمُك بارَزْتَني بالمعاصي، ولم تستحِ منِّي! ومعَ ذلك إن تبتَ إليَّ قبلتُك، وإن سألتَنِي أعطيتُك، وإن استَغْفَرْتَنِي غفرتُ لكَ، وأنا الرحمنُ الرحيمُ. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ* وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم﴾ [يس:٧٧ - ٧٩]. عن بُسرِ بن جِحَاشٍ القرشيِّ أنَّ النبيَّ ﷺ بزقَ يومًا في كفِّهِ، فوضَع عليها أصبعَه، ثم قالَ: «قالَ اللهُ: ابنَ آدمَ! أنَّى تُعجِزُنِي، وقد خلقْتُك من مثلِ هذه .. حتى إذا سوَّيتُك وعدَّلتُك مشيتَ بين بردين، وللأرضِ منك وئيدٌ،

стр. 62

فجَمعتَ ومنعتَ .. حتى إذا بلغَتِ التراقِيَ قلتَ: أتصدَّقُ، وأنَّى أوانُ الصدقةِ» [رواه أحمد]. قال ابنُ الجوزيِّ: «وجميعُ الموجوداتِ من آثارِ قدرتِه .. وأعجبُ آثارِ الآدميّ، فإنك إذا تفكرتَ في نفسِك كَفَى، وإذا نظرتَ في خلقِك شَفَى! أليس قد فعلَ في قطرةٍ من ماءٍ ما لو انقَضَتِ الأعمارُ في شرحِ حكمَتِه ما وفَّتْ؟ كانتِ النقطةُ مغموسةً في دمِ الحيضِ ومقياسُ القدرةِ يشقُّ السَّمْعَ والبصرَ! خلق منها ثلاثمائةٍ وستينَ عظمًا، وخمسمائةٍ وتسعًا وعشرينَ عَضَلَةً، كلٌّ من ذلك تحتَه حكمةٌ. فالعينُ سبعُ طبقاتٍ، وأربعةٌ وعشرينَ عضلةً لتحريكِ حَدَقَةِ العينِ وأجفانِها، لو نُقِصَتْ منها واحدةٌ لاختلَّ الأمرُ. وأظهرَ في سوادِ العينِ على صِغَرِه صورةَ السماءِ مع اتساعِها. وخالفَ بينَ أشكالِ الحناجرِ في الأصواتِ. وسخَّر المعدةَ لإنضاجِ الغذاءِ. والكبدَ لإحالتِه إلى الدمِ. والطحالَ لجذبِ السوداءِ. والمرارةَ تناولُ الصفراءَ كلَّها.

стр. 63

والعروقَ كالخدمِ للكبدِ، تنفذُ منها الدماءُ إلى أطرافِ البدنِ. فيا أيُّها الغافلُ! ما عندكَ خبرٌ منك، فما تعرفُ من نفسِكَ إلا أن تجوعَ فتأكلَ، وتشبعَ فتنامَ، وتغضبَ فتخاصِمَ، فبماذَا تميزتَ على البهائمِ؟!

стр. 64

انظر حولَك .. تأملاتٌ في الكونِ والآفاقِ ارفعْ بصرَ فِكْرِكَ إلى عجائبِ السمواتِ، فتلمَّح الشمسَ في كلِّ يومٍ في منزلٍ، فإذا انخفَضَتْ بَرَدَ الهواءُ وجاءَ الشتاءُ، وإذا ارتفَعَتْ قَوِيَ الحرُّ، وإذا كانت بين المنزلتينِ اعتدلَ الزمانُ. ثم اخفِضْ بَصَرَكَ إلى الأرضِ، ترى فِجَاجَها مذلَّلةً للتسخيرِ، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥]، وتفكَّروا في شُربِها بعد جَدْبِها بكأسِ القطرِ. وتلمَّحْ خروجَ النباتِ يرفُلُ في ألوانِ الحُللِ على اختلافِ الصورِ والطعومِ والأراييحِ. وانظرْ كيفَ نَزَلَ القطرُ إلى عِرقِ الشَّجَرِ، ثم عاد ينجذبُ إلى فروعِها، ويجري في تجاويفِها بعروقٍ لا تفتقِرُ إلى كُلْفَةٍ. فلا حظَّ للغافلِ في ذلك إلا سماعُ الرعدِ بأذنِه، ورؤيةِ النباتِ والمطرِ بعينيه .. كلا! لو فُتح بصرُ البصيرةِ لقرأَ على كلِّ قطرةٍ خطًّا بالقلمِ الإلهِيِّ: أنَّها رزقُ فلانٍ في وقتِ كذا!! ثم انظُرْ إلى المعادنِ لحاجاتِ الفقيرِ إلى المصالحِ، فمنها مودعٌ كالرصاصِ والحديدِ، ومنها مصنوعٌ بسببِ غيرِه كالأرضِ السبخةِ، يُجمعُ فيها ماءُ المطرِ فيصيرُ مِلْحًا. وانظرْ إلى انقسامِ الحيواناتِ ما بين طائرٍ وماشٍ وإلهامِها ما يُصلِحُها. وانظرْ إلى بُعْدِ ما بين السماءِ والأرضِ، كيف ملأَ ذلكَ الفراغَ هواءً، لتستنشقَ منه الأرواحُ، وتَسْبَحَ الطير في تيَّارِه إذا طارَتْ.

стр. 65

وانظرْ بفكرِك إلى سَعَةِ البحرِ وتسخيرِ الفُلكِ فيه، وما فيه من دابةٍ. قال يحيى بنُ أبي كثيرٍ: خلقَ اللهُ ألفَ أمةٍ، فأسْكَنَ ستمائةٍ في البحرِ، وأربعمائةٍ في البرِّ. واعجبًا لك! لو رأيتَ خطًّا مستحسَنَ الرَّقْمِ، لأدرَكَك الدهشُ من حكمةِ الكاتبِ، وأنت تَرَى رقومَ القدرةِ ولا تعرفُ الخالقَ، فإن لم تَعْرِفْهُ بتلك الصنعةِ، فتَعَجَّبْ كيف أعْمَى بصيرتَك مع رؤيةِ بصرِك! (١). فسبحانَك يا ربَّنا .. يا من سبحتْ له الكائناتُ .. وسجدَ له الصخرُ والنباتُ .. وتدكدَكَتْ لخشيتِه الجبالُ الراسياتُ .. ويهتفُ حمدًا جمالُ الصباحِ ... وسِحرُ الربيعِ الشهيُّ العَطِر وسِحْرُ السماء الشَّحيُّ الوديعُ ... وهمسُ النسيمِ ولحنُ المَطَر تُسبِّحُه نغماتُ الطيورِ ... يُسبِّحُه الظلُّ تحتَ الشَّجَر يُسبِّحه النبعُ بين المروجِ ... يسبِّحُ دومًا أريجُ الزَّهَر يسبِّحه النورُ بين الغصونِ ... وسِحْرُ المساءِ وضوءُ القَمَر قال الإمامُ ابنُ الجوزيِّ: عَرض لي في طريقِ الحجِّ خوفٌ من العربِ، فَسِرْنَا على طريقِ خيبرٍ، فرأيتُ من الجبالِ الهائلةِ والطرقِ العجيبةِ ما أذهَلَنِي .. وزادتْ عظمةُ الخالقِ في صَدْرِي، فصارَ يعرِضُ لي عند ذكرِ تلك الطرقِ نوعُ تعظيمٍ لا أجدُه عند ذكرِ غيرِهَا.

стр. 66

فصحتُ بالنفسِ: ويحكِ! اعبُرِي إلى البحرِ، وانظري إليه وإلى عجائِبِه بعينِ الفكْرِ، تُشاهدِي أهوالًا هي أعظمُ من هذه .. ثم اخرُجي عن الكونِ، والتفتي إليه، فإنكِ ترينَه بالإضافةِ إلى السمواتِ والأفلاكِ كذرَّةٍ في فلاةٍ .. ثم جُولي في الأفلاكِ .. وطوفي حولَ العرشِ .. وتلمَّحِي ما في الجنانِ والنيرانِ .. ثم اخرُجِي عن الكلِّ والتَفِتِي إليه .. فإنكِ تشاهدينَ العالَمَ في قبضةِ القادرِ الذي لا تَقِفُ قدرَتُه عندَ حدٍّ .. ثم التفِتِي إليكِ .. فتلمَّحِي بدايتكِ ونهايتَكِ .. وتفكَّرِي فيما قبل البدايةِ وليس إلا العدمُ .. وفيما بعدَ البِلَى وليس إلا الترابُ!! فكيف يأنسُ بهذا الوجودِ من نَظَرَ بعينِ فكرِهِ المبدأَ والمنتَهَى؟ وكيف تغفلُ القلوبُ عن ذكرِ هذا الإلهِ العظيمِ؟ باللهِ لو صَحَّت النفوسُ عن سُكْرِ هواها لذابتْ من خوفِه .. أو لغابَتْ في حبِّه .. غيرَ أنَّ الحسَّ غَلَبَ .. فعظُمَتْ قدرةُ الخالقِ عندَ رؤية جبلٍ .. وإن الفطنةَ لو تلمَّحتْ المعانِيَ لدلَّت القدرةُ عليه أوفى من دليلِ الجبلِ. فسبحانَ من شغلَ أكثرَ الخلقِ بما هم فيه عما خُلِقوا له .. سبحانَه» [صيد الخاطر]. الفجرُ بدَّده الضحى وعلى الضحى شدَّ الأصِيل والليلُ يدنو زحفُه فكأنما انَهَمَرَتْ سُيُول أرخَى على الدنيا دُجَاهُ فعمَّ في الدنيا الذُّهُول الصمتُ لوَّن هذه الدنيا وغطَّاها خُمُول والريحُ أعياها السُّرى والبدرُ من ضعفٍ خَجُول

стр. 67

ونظرتُ من يَحْمِي الأنامَ وعزَّ في الناسِ السبيلُ! ونظرتُ من للنَّجْمِ يُمْسِكُه فلا يخشَى أُفُول!! ونظرتُ ثم نظرتُ ثم رأيتُ كم حَارَتْ عُقُول ونَظَرْتُ ثم نَظَرْتُ يا سبحانَ ربِّي ما أقُول وضحَ الدليلُ وغابَ عنا أنه وَضَحَ الدَّلِيل ولربما تَحْوِي يَدِي وأنا بما تَحْوِي جَهُول!! ذكر الحافظُ ابنُ رجبٍ عن بعضِ السلفِ أنه قرأَ في بعض الكتب المنزلةِ: «يقولُ اللهُ : يؤمَّلُ غيري للشدائدِ .. والشدائدُ بيدِي .. وأنا الحيُّ القيومُ .. ويُرجَى غيري .. ويُطرقُ بابُه بالبُكرَاتِ! وبيدي مفاتيحُ الخزائنِ .. وبابي مفتوحٌ لمن دعاني!! من ذا الذي أمَّلني لنائبةٍ فقطعتُ به .. أو من ذا الذي رَجَاني لعظيمٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءَه!! .. ومن ذا الذي طرقَ بابي فلم أَفْتَحْ له؟ أنا غايةُ الآمالِ .. فكيف تَنْقِطُعُ الآمالُ دوني؟! أبخيلٌ أنا؟ فيبخِّلُني عَبْدِي!! أليس الدنيا والآخرةُ والكرمُ والفضلُ كلُّه لي؟! فما يمنعُ المؤمِّلينَ أن يؤمّلوني؟!

стр. 68

لو جمعتُ أهلَ السمواتِ وأهلَ الأرضِ .. ثم أعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ .. وبلّغتُ كلَّ واحدٍ منهم أمَلَه .. لم يُنْقِصْ ذلك من مُلكي ذرةً .. وكيف يَنْقُصُ مُلكٌ أنا قيّمُهُ؟! فيا بؤسًا للقَانِطِينَ من رَحْمَتِي!! ويا بؤسًا لمن عَصَاني .. وتوثَّب على مَحَارِمي!! * * *

стр. 69

تعظيمُ اللهِ تعالى من خلالِ أسمائِه وصفاتِه لا شكَّ أنَّ من أعظمِ أسبابِ تعظيمِ الله : تدبُّرُ معانِي أسمائِهِ الحسْنَى وما تدلُّ عليه من صفاتٍ وما توجِبُهُ من آثارٍ عظيمةٍ، ولذلكَ نَبَّهَ اللهُ على التأمُّلِ والتدبُّرِ في تلكَ الآثارِ فقالَ في صفةِ «الرحمةِ»: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠]. فإذا جَهِلَ الإنسانُ معانِيَ تلكَ الأسماءِ الحسْنَى، وجَهِلَ ما تدلُّ عليه من صفاتٍ، كيفَ له أن يَعْرِفَ آثارَ هذهِ الأسماءِ ويَنْتَفِعَ بها فقد قال سبحانه: ﴿قلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، وقال: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]. والدعاءُ هنا يَتَضَمَّنُ نوعينِ: أولًا: دعاءُ المسألةِ والطلبِ: وذلك بأن تُقَدِّمَ بين يَدَيْ دعائِك من أسماءِ اللهِ ما يكونُ مناسبًا للمطلوبِ، كما قال ابنُ القيمِ: يسألُ في كلِّ مطلوبٍ بما يكونُ مقتضيًا لذلك المطلوبِ، فيكونُ السائلُ متوسِّلًا إليه بذلك الاسمِ، ومن تأمَّلَ أدعيةَ الرسلِ وجدَها مطابقةً لهذا. ثانيًا: دعاءُ الثناءِ والعبادةِ: وذلكَ بأنْ تُمَجِّدَهُ وتُثْنِيَ عليه بأسمائِهِ الحسْنَى وأن تَتَعَبَّدَ للهِ تعالَى بمقتَضَى هذهِ الأسماءِ.

стр. 70

ولا شكَّ أن الجهلَ بمعانِي هذه الأسماءِ الحسْنَى يمْنَعُ من الانتفاعِ بها في هذا البابِ. وقدْ أكثرَ الإمامُ ابنُ القيمِ وأطابَ في ذكرِ معانِي أسماءِ اللهِ الحسْنَى، وتَبِعَهُ في ذلكَ الشيخُ عبدُ الرحمنِ بنِ سَعْدِيٍّ رحمهما الله (١)، وكان مما قالا: * * *

стр. 71

نظراتٌ في الأسماءِ والصفاتِ وآثارِها قال ابنُ القيمِ عن هذا المشهدِ: «وهو من أجلِّ المشاهدِ. والمطَّلِعُ على هذا المشهدِ: معرفةُ تعلقِ الوجودِ خلقًا وأمرًا بالأسماءِ الحُسْنَى، والصفاتِ العُلَى، وارتباطُه بها. وإن كان العَالَم ـ بما فيه ـ من بعضِ آثارِها ومقتضياتِها. وهذا من أجلِّ المعارفِ وأشرفِها، وكلُّ اسمٍ من أسمائِه سبحانَه له صفةٌ خاصَّةٌ. فإن أسماءَه أوصافُ مدحٍ وكمالٍ. وكلُّ صفةٍ لها مقتضَىً وفِعْلٌ: إمَّا لازمٌ وإما مُتَعَدٍّ، ولذلكَ الفعلِ تعلُّقٌ بمفعولٍ هو من لوازِمِهِ. وهذا في خلقِهِ وأمرِهِ، وثوابِهِ وعقَابِهِ. كلُّ ذلكَ آثارُ الأسماءِ الحسنَى وموجِبَاتُها. ومن المحالِ تعطيلُ أسمائِه عن أوصافِها ومعانِيها، وتعطيلُ الأوصافِ عما تقتضِيهِ وتستَدْعِيه من الأفعالِ، وتعطيلُ الأفعالِ عن المفعولاتِ، كما أنه يستحيلُ تعطيلُ مفعولِه عن أفعالِه وأفعالِه عن صفاتِه، وصفاتِه عن أسمائِه. وتعطيلُ أسمائِه وأوصافِه عن ذاتِه. وإذا كانتْ أوصافُه صفاتِ كمالٍ، وأفعالُه حكمًا ومصالحَ، وأسماؤُه حُسْنَىً: ففرضُ تعطيلِها عن موجباتِها مستحيلٌ في حقِّه. ولهذا ينكرُ سبحانه على من عطَّلَهُ عن أمرِه ونهيِه، وثوابِه وعقابِه، وأنه

стр. 72

بذلكَ نسبَهُ إلى ما لا يليقُ به وإلى ما يتنزَّهُ عنه، وأنَّ ذلكَ حُكْمٌ سيِّئٌ ممن حكمَ به عليه، وأنَّ من نسَبَه إلى ذلكَ فما قدَرَهُ حقَّ قَدْرِه، ولا عظَّمَهُ حقَّ تعظِيمِه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، وقال تعالى في حقِّ مُنْكِرِي المعادِ والثوابِ والعقابِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقالَ في حقِّ من جَوَّزَ عليهِ التسويةَ بينَ المختلفَيْنِ، كالأبرارِ والفجارِ، والمؤمنينَ والكفارِ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، فأخبرَ أنَّ هذا حكمٌ سيَّئٌ لا يليقُ به، تَابَاهُ أسماؤُه وصفاتُه. وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]، عن هذا الظنِّ والحسبانِ، الذي تَابَاهُ أسماؤُه وصفاتُه. ونظائرُ هذا في القرآنِ كثيرةٌ. يَنْفِي فيها عن نفسِهِ خلافَ موجبِ أسمائِه وصفاتِه. إذ ذلك مستلزمٌ تعطيلَها عن كمالِها ومقتضياتِها. فاسمُهُ (الحميدُ، المجيدُ) يمنعُ تركَ الإنسانِ سُدًى مُهملًا معطَّلًا، لا يُؤمرُ ولا يُنهَى. ولا يثابُ ولا يعاقبُ. وكذلك اسمُه (الحكيمُ) يأبَى ذلكَ. وكذلكَ اسمُه (الملكُ) واسمُه (الحيُّ) يمنعُ أنْ يكونَ معطَّلًا من الفعلِ. بلْ حقيقةُ (الحياةِ) الفعلُ. فكلُّ حيٍّ فعَّالٌ. وكونُه سبحانَهَ (خالقًا قيومًا) من موجباتِ حياتِه ومقتضياتِها.

стр. 73

واسمُه (السميعُ البصيرُ) يوجبُ مسموعًا ومرئيًا. واسمُهُ (الخالقُ) يقتضِي مخلوقًا. وكذلكَ (الرزَّاقُ). واسمُهُ (المَلِكُ) يقتضي مملكةً وتصرُّفًا وتدبيرًا، وإعطاءً ومنعًا، وإحسانًا وعدْلًا، وثوابًا وعقابًا. واسمُهُ (البَرُّ المُحسنُ، المُعطِي، المنَّانُ) ونحوُها تقتضِي آثارَهَا وموجباتِها. إذا عُرِفَ هذا. فمن أسمائِه سبحانَهُ (الغفَّارُ، التوَّابُ، العفُوُّ) فلا بدَّ لهذه الأسماءِ من متعلقاتٍ، ولا بدَّ من جنايةٍ تُغْفَرُ، وتوبةٍ تُقْبَلُ، وجرائمَ يُعْفَى عنها. ولا بدَّ لاسمِهِ (الحكيمِ) من متعلَّقٍ يظهرُ فيه حُكمُهُ، إذ اقتضاءُ هذه الأسماءِ لآثارِها كاقتضاءِ اسمِ (الخالقِ، الرزَّاقِ، المعطِي، المانعِ) للمخلوقِ والمرزوقِ والمعطى والممنوعِ. وهذه الأسماءُ كلُّها حسْنَى. والربُّ تعالى يحبُّ ذاتَه وأوصافَه وأسماءَه. فهو عَفُوٌّ يُحِبُّ العفوَ، ويحبُّ المغفرةَ، ويحبُّ التوبةَ، ويفرحُ بتوبةِ عبدِه حينَ يتوبُ إليهِ أعظَمَ فَرَحٍ يخطُرُ بالبالِ. وكان تقديرُ ما يغفِرُه ويعفُو عن فاعِلِه، ويحلمُ عنه، ويتوبُ عليه ويسامِحُه: من موجبِ أسمائِه وصفاتِه، وحُصولُ ما يحبُّه ويرضَاهُ من ذلك. وما يحمدُ به نفسَه، ويحمَدُه به أهلُ سمواتِه وأهلُ أرضِه: ما هو من موجباتِ كمالِه ومقتَضَى حمدِه. وهو سبحانَه: (الحميدُ المجيدُ) وحمدُه ومجدُه يقتضِيَانِ آثارَهُمَا.

стр. 74

ومن آثارِهِمَا: مغفرةُ الزلَّاتِ، وإقالَةُ العَثَرَاتِ، والعَفْوُ عن السيئاتِ، والمسامحةُ على الجناياتِ، مع كمالِ القدرةِ على استيفاءِ الحقِّ، والعلمُ منه سبحانه بالجنايةِ ومقدارِ عقوبَتِها، فحِلمُهُ بعدَ علمِهِ، وعفوُهُ بعدَ قدرَتِهِ، ومغفرَتُهُ عن كمالِ عزَّتِهِ وحكمَتِهِ، كما قال المسيح ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، أي فمغفرتُك عن كمالِ قدرتِكَ وحكمتِكَ، لستَ كمن يغفرُ عَجْزًا، ويسامحُ جَهْلًا بقدرِ الحقِّ، بلْ أنت عليمٌ بحقِّكَ، قادرٌ على استيفائِه، حكيمٌ في الأخذِ به. فمن تأملَ سريانَ آثارِ الأسماءِ والصفاتِ في العالمِ، وفي الأمرِ، تبيَّنَ له أن مصدرَ قضاءِ هذه الجناياتِ من العبيدِ، وتقديرَها: هو من كمالِ الأسماءِ والصفاتِ والأفعالِ. وغاياتُها أيضًا: مقتَضَى حمدِه ومجدِه، كما هو مقتَضَى ربوبيَّتِهِ وإلهيَّتِهِ. فله في كلِّ ما قَضَاهُ وقَدَّرَهُ الحكمةُ البالغةُ، والآياتُ الباهرةُ، والتعرفاتُ إلى عبادِه بأسمائِه وصفاتِه، واستدعاءُ محبتِهم له، وذكرِهم له، وشكرِهم له، وتعبدِهم له بأسمائِه الحُسْنَى. إذ كلُّ اسمٍ فله تعبُّدٌ مختصٌّ به، علمًا ومعرفةً وحالًا. وأكملُ الناسِ عُبوديةً: المتعبِّدُ بجميعِ الأسماءِ والصفاتِ التي يطلعُ عليها البشرُ، فلا تحجُبُه عبوديةُ اسمٍ عن عبوديةِ اسمٍ آخرَ، كمنْ يَحْجُبُهُ التعبدُ باسمِ (القديرِ) عن التعبُّدِ باسمِ (الحليمِ الرحيمِ) أو يحجُبُهُ عبوديةُ اسمِه (المُعطِي) عن عبوديةِ اسمِه (المَنَّاعِ) أو عبوديةِ اسمِهِ (الرَّحيمِ والعفوِّ والغفورِ) عن اسمِه (المنتقمِ) أو التعبُّدُ بأسماءِ (التودُّدِ، والبِرِّ، واللُّطفِ،

стр. 75

والإحسانِ) عن أسماءِ (العدلِ، والجبروتِ، والعظمةِ، والكبرياءِ) ونحو ذلك. وهذه طريقةُ الكُمَّلِ من السائرينَ إلى اللهِ. وهي طريقةٌ مشتقةٌ من قلبِ القرآنِ. قال الله تعالى: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، والدعاءُ بها يتناولُ دعاءَ المسألةِ، ودعاءَ الثناءِ، ودعاءَ التعبدِ. وهو سبحانَه يدعُو عبادَه إلى أن يعرفُوه بأسمائِه وصفاتِه، ويُثْنُوا عليه بها، ويأخذُوا بحظِّهِم من عبوديَّتِها. وهو سبحانَه يحبُّ موجبَ أسمائِه وصفاتِه. فهو (عليمٌ) يحبُّ كلَّ عليمٍ (جَوادٌ) يُحبُّ كلَّ جوادٍ (وترٌ) يحبُّ الوترَ (جميلٌ) يحبُّ الجمالَ (عَفُوٌّ) يحبُ العَفْوَ وأهلَهُ (حَيِيٌّ) يحبُّ الحياءَ وأهلَهُ (بَرٌّ) يحبُّ الأبرارَ (شكُورٌ) يحبُّ الشاكرينَ (صبورٌ) يحبُّ الصابرينَ (حليمٌ) يحبُّ أهلَ الحلمِ. فلمحبتِه سبحانَه للتوبةِ والمغفرةِ، والعفوِ والصفحِ: خلقَ من يغفرُ له، ويتوبُ عليهِ، ويعفُو عنه، وقدَّرَ عليه ما يقتَضِي وقوعَ المكروهِ والمبغوضِ له، ليترتبَ عليهِ المحبوبُ لهُ المرضِي له، فتوسُّطُه كتوسُّطِ الأسبابِ المكرُوهَةِ المفضِيَةِ إلى المحبوبِ. فرُبَّما كان مكرُوهُ العبادِ إلى ... محبوبِها سببٌ ما مِثلُه سببُ والأسبابُ ـ مع مسبَّباتِها ـ أربعةُ أنواعٍ: محبوبٌ يُفضِي إلى محبوبٍ. ومكروهٌ يُفضِي إلى محبوبٍ.
следующие страницы →