ثِقَة الْمُسلم بِاللَّه تَعَالَى فِي ضوء الْكتاب وَالسّنة
تأليف
أ. د. مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان الرُّومِي
الْأُسْتَاذ بكلية التربية - جَامِعَة الْملك سعود
دَار كنوز إشبيليا
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير النبيين وسيد المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى من اتبعه واقتفى أثره إلى يوم الدين وبعد:
فإن الثقة بالله تعالى، والاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضار، وحصول الأرزاق وحصول النصر على الأعداء، وشفاء المرضى وغير ذلك من أهم المهمات وأوجب الواجبات، ومن صفات المؤمنين، ومن شروط الإيمان، ومن أسباب قوة القلب ونشاطه، وطمأنينة النفس وسكينتها وراحتها، ومن أسباب الرزق، والثقة بالله وبكفايته لعبده، هو من أهم عناصر عقيدة المسلم الصحيحة في الله تعالى.
وهذه الثقة بالله تعالى التي يتمثلها المسلم في حياته في علاقته بربه ، لا يفهم منها أنها مجرد كلمة تلوكها الألسن، ولا تعيها القلوب، وتتحرك بها الشفاه، ولا تفهمها العقول، أو تترواها الأفكار، أو هو نبذ الأسباب، وترك العمل، والقنوع بالرضا بالهون والدون تحت شعار الثقة بالله تعالى، والرضا بما تجري به الأقدار، بل إن المسلم يفهم الثقة بالله أنها جزء من إيمانه وعقيدته، وأنها طاعة لله بإحضار كافة الأسباب المطلوبة لأي عمل من الأعمال التي يريد مزاولتها والدخول فيها، فلا يطمع في ثمرة بدون أن يقدم أسبابها، ولا يرجو نتيجة ما بدون أن يضع مقدمتها، غير أن موضوع إثمار تلك الأسباب، وإنتاج تلك المقدمات يفوضه إلى الله إذ هو القادر عليه دون سواه.
وثقة المسلم بالله تعالى تشمل كل جوانب حياته، وكل صغيرة وكبيرة يجعل المسلم ثقته بالله تعالى أمام عينيه.
стр. 3
وهذا البحث قد حاولت فيه أن أغطي الجوانب المختلفة لثقة المسلم بالله تعالى، وعلى هذا فقد جاء في مقدمة وتمهيد وستة مباحث وخاتمة:
تمهيد: أهمية الثقة بالله تعالى في حياة المسلم.
المبحث الأول: ثقة المسلم بالله تعالى في استجابة الدعاء.
المبحث الثاني: ثقة المسلم بالله تعالى في تفريج الكربات.
المبحث الثالث: ثقة المسلم بالله تعالى في التكفل بالرزق.
المبحث الرابع: ثقة المسلم بالله تعالى في الدعوة إلى الله.
المبحث الخامس: ثقة المسلم بالله تعالى في النصر على الأعداء.
المبحث السادس: ثقة المسلم بالله تعالى في إنفاذ وعده سبحانه.
وقد حرصت في بيان ذلك أن أعتمد على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وأقوال العلماء وشروحهم، وما أثر عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
وما كان من صواب فمن الله، وما كان من نقص أو تقصير فمني، ومن الشيطان واستغفر الله.
وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 4
تمهيد
أهمية الثقة بالله تعالى في حياة المسلم
إن الله خلق الله الخلق جميعًا لغاية واحدة؛ لعبادته وحده لا شريك له قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).
قال الشيخ السعدي ﵀: «هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفةً لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم» (٢).
وقد بين لهم كيفية العبادة، ووضَّح لهم صفتها، وفصَّل لهم أنواعها، فثمة عبادات ظاهرة بالجوارح؛ كالصلاة والصيام، وما إلى ذلك، وعبادات باطنة قلبية كالخوف منه، والتوكل عليه، والرضا به، وما أشبه ذلك، ومن هذه العبادات القلبية التي تعبد الله بها عبادة: الثقة به، وصدق الاعتماد عليه، وحسن التوكل عليه، وتفويض الأمور إليه ..
والثقة بالله صفة من صفات الأنبياء؛ فخليل الرحمن إبراهيم ﵇ حينما ألقي في النار كان على ثقة عظيمة بالله؛ فكفاه الله شر ما أرادوا به من كيد، وحفظه من أن تصيبه النار بسوء، قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا
стр. 5
فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (١).
ونبينا محمد ﷺ كان على ثقة كاملة بالله تعالى ولا أدل على ذلك ما كان في هجرته ﷺ من مكة إلى المدينة واختبائه بغار حراء، ومع قرب المشركين منه ﷺ يثق أن الله سينجيه منهم ويقول لأبي بكر ﵁: ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر الصديق ﵁ حدثه قال: «نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢).
وقد نص الله تعالى على ذلك إذ قال : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣).
والثقة أيضاً صفة من صفات الأولياء الصادقين؛ قال يحيى بن معاذ ﵀: «ثلاث خصال من صفة الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والغنى به عن كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء» (٤).
стр. 6
وهي كذلك صفة من صفات العباد الزهاد، فقد جاء رجل إلى حاتم الأصم ﵀ فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط الزهد وآخر الزهد؟ فقال: «رأس الزهد الثقة بالله ووسطه الصبر وآخره الإخلاص» (١). وقال حاتم ﵀ أيضاً: «وأنا أدعو الناس إلى ثلاثة أشياء: إلى المعرفة وإلى الثقة وإلى التوكل؛ فأما معرفة القضاء فأن تعلم أن القضاء عدل منه، فإذا علمت أن ذلك عدل منه فإنه لا ينبغي لك أن تشكو إلى الناس أو تهتم أو تسخط، ولكنه ينبغي لك أن ترضى وتصبر. وأما الثقة فالإياس من المخلوقين، وعلامة الإياس أن ترفع القضاء من المخلوقين، فإذا رفعت القضاء منهم استرحت منهم واستراحوا منك، وإذا لم ترفع القضاء منهم فإنه لا بد لك أن تتزين لهم وتتصنع لهم، فإذا فعلت ذلك فقد وقعت في أمر عظيم، وقد وقعوا في أمر عظيم وتصنع، فإذا وضعت عليهم الموت فقد رحمتهم وأيست منهم. وأما التوكل فطمأنينة القلب بموعود الله تعالى فإذا كنت مطمئناً بالموعود استغنيت غنى لا تفتقر أبدًا» (٢) والثقة بالله تجعل العبد راضيًا بالله، يائسًا مما في أيدي الناس.
قال حاتم الأصم ﵀: «من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلب في رضا الله: أولها الثقة بالله، ثم التوكل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة، والأشياء كلها تتم بالمعرفة» (٣).
وقيل لأبي حازم ﵀: «يا أبا حازم ما مالك؟ قال: (ثقتي بالله تعالى، وإياسي مما في أيدي الناس» (٤).
стр. 7
ومن وثق بالله نجاه الله من كل كرب أهمه.
قال أبو العالية ﵀: (إن الله - تعالى - قضى على نفسه أن من آمن به هداه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). ومن توكل عليه كفاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٢) ومن أقرضه جازاه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣) ومن استجار من عذابه أجاره، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤) والاعتصام الثقة بالله، ومن دعاه أجابه، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٥) فكن واثقًا بالله، متوكلًا عليه، معتصمًا به) (٦).
ومن تحلى بالثقة بالله فقد فاز بالجنة؛ قال شقيق البلخي ﵀: «من عمل
стр. 8
بثلاث خصال أعطاه الله الجنة: أولها: معرفة الله بقلبه ولسانه وسمعه وجميع جوارحه، والثاني: أن يكون بما في يد الله أوثق مما في يديه، والثالث: يرضى بما قسم الله له، وهو مستيقن أن الله تعالى مطلع عليه، ولا يحرك شيئًا من جوارحه إلا بإقامة الحجة عند الله، فذلك حق المعرفة.
ثم بين الثقة بالله وشرحها وفسرها، فقال: (وتفسير الثقة بالله أن لا تسعى في طمع، ولا تتكلم في طمع، ولا ترجو دون الله سواه، ولا تخاف دون الله سواه، ولا تخشى من شيء سواه، ولا يحرك من جوارحه شيئًا دون الله، يعني في طاعته واجتناب معصيته» (١).
والثقة بالله دليل على تحقيق العبد للاستعانة بالله كلما أمرنا ربنا جل وعلا في القرآن الكريم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢).
«والاستعانة بالله تقوم على الثقة بالله، والاعتماد عليه. فقد يثق الإنسان بغيره، ولا يعتمد عليه في أموره، لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به، لحاجته إليه. والله وحده هو الذي بيده كل شيء، والمستعان في كل شيء، والعبد ليس بيده شيء، وهو محتاج إلى عون ربه في كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣) والمستعان هو الله .
فأهل الطاعة يستعينون به على فعل الطاعات، وترك المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤). والاستعانة: طلب العون من الله على الطاعة.
стр. 9
أما أهل المعاصي، فحين ترك العاصي سؤال العون من الله على طاعته، أعانه على معصيته، فتوجه إليها بعونه عليها، وحرمه سبحانه العون على الطاعة، فلم يتوجه إليها كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
فالعباد كلهم مصروفون في طاعاتهم ومعاصيهم بقدرة الله وعونه .. إما بجنود الملائكة الهادية .. أو بجنود الشياطين المضلة .. فلا طاعة ولا معصية إلا بعون الله، وهو فعله على الإطلاق في الخير والشر، فلا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله وعونه» (٢).
وقد علم النبي ﷺ عبد الله ابن عباس ﵄ كيف تكون الثقة بالله تعالى فعن ابن عباس ﵄ قال كنت خلف رسول الله ﷺ يوما فقال: «يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف» (٣).
هذا وقد بين الإمام ابن القيم ﵀ الثقة بالله تعالى فقال: «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الثقة بالله تعالى. قال صاحب المنازل: الثقة: سواد عين التوكل ونقطة دائرة التفويض وسويداء قلب التسليم وصدر الباب
стр. 10
بقوله تعالى لأم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله تعالى إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجرياته إلى حيث ينتهي أو يقف ومراده: أن الثقة خلاصة التوكل ولبه كما أن سواد العين: أشرف ما في العين وأشار بأنه نقطة دائرة التفويض إلى أن مدار التوكل عليه وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط ونسبة جهات المحيط إليها نسبة واحدة وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض.
وكذلك قوله: سويداء قلب التسليم فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه وهي المهجة التي تكون بها الحياة وهي في وسطه فلو كان التفويض قلباً لكانت الثقة سويداءه ولو كان عيناً لكانت سوادها ولو كان دائرة لكانت نقطتها.
وقد تقدم أن كثيرًا من الناس يفسر التوكل بالثقة ويجعله حقيقتها ومنهم من يفسره بالتفويض ومنهم من يفسره بالتسليم فعلمت: أن مقام التوكل يجمع ذلك كله فكأن الثقة عند الشيخ هي روح والتوكل كالبدن الحامل لها ونسبتها إلى التوكل كنسبة الإحسان إلى الإيمان والله أعلم» (٢).ثم بين ﵀ درجات الثقة بالله تعالى فقال: «وهي على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: درجة الإياس وهو إياس البعد عن مقاومات الأحكام ليقعد عن منازعة الأقسام ليتخلص من قحة الإقدام.
стр. 11
يعني أن الواثق بالله لاعتقاده: أن الله تعالى إذا حكم بحكم وقضى أمراً فلا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه فمن حكم الله له بحكم وقسم له بنصيب من الرزق أو الطاعة أو الحال أو العلم أو غيره: فلا بد من حصوله له ومن لم يقسم له ذلك: فلا سبيل له إليه ألبتة كما لا سبيل له إلى الطيران إلى السماء وحمل الجبال فبهذا القدر يقعد عن منازعة الأقسام فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته.
الدرجة الثانية: درجة الأمن وهو أمن العبد من فوت المقدور وانتقاض المسطور فيظفر بروح الرضى وإلا فبعين اليقين وإلا فبلطف الصبر. يقول: من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن وذلك أن من تحقق بمعرفة الله وأن ما قضاه الله فلا مرد له ألبتة: أمن من فوت نصيبه الذي قسمه الله له وأمن أيضًا من نقصان ما كتبه الله له وسطره في الكتاب المسطور فيظفر بروح الرضى أي براحته ولذته نعيمه لأن صاحب الرضى في راحة ولذة وسرور كما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «الرضا أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تَلُم أحدًا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريصٍ، ولا يرده كراهية كارهٍ، والله بقسطه وعلمه جعل الرَّوح والفرح في اليقين والرِّضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشَّكِّ والسَّخط» (١).
فإن لم يقدر العبد على روح الرضى ظفر بعين اليقين وهو قوة الإيمان ومباشرته للقلب بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلا كشف الحجاب المانع من مكافحة البصر فإن لم يحصل له هذا المقام حصل على لطف الصبر وما فيه من حسن العاقبة كما في الأثر المعروف: استطعت أن تعمل لله بالرضى مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر ما تكره النفس خيرًا كثيرًا.
الدرجة الثالثة: معاينة أزلية الحق ليتخلص من محن القصود وتكاليف الحمايات والتعريج على مدارج الوسائل قوله: معاينة أزلية الحق أي متى شهد
стр. 12
قلبه تفرد الرب بالأزلية غاب بها عن الطلب لتيقنه فراغ الرب تعالى من المقادير وسبق الأزل وثبوت حكمها هناك فيتخلص من المحن التي تعرض له دون القصود ويتخلص أيضًا من تعريجه والتفاته وحبس مطيته على طرق الأسباب التي يتوسل بها إلى المطالب، وهذا ليس على إطلاقه فإن مدارج الوسائل قسمان: وسائل موصلة إلى عين الرضى فالتعريج على مدارجها معرفة وعملًا وحالًا وإيثارًا هو محض العبودية ولكن لا يجعل تعريجه كله على مدارجها بحيث ينسى بها الغاية التي هي وسائل إليها، وأما تخلصه من تكاليف الحمايات فهو تخلصه من طلب ما حماه الله تعالى عنه قدرًا فلا يتكلف طلبه وقد حمي عنه ووجه آخر: وهو أن يتخلص بمشاهدة سبق الأزلية من تكاليف احترازاته وشدة احتمائه من المكاره لعلمه بسبق الأزل بما كتب له منها فلا فائدة في تكلف الاحتماء نعم يحتمي مما نهى عنه وما لا ينفعه في طريقه ولا يعينه على الوصول» (١).والثقة بالله تعالى لها صور متعددة في حياة المسلم يمكن من خلالها تحقيق هذه الثقة، ومن أبرز نماذج ذلك:
стр. 13
المبحث الأول
ثقة المسلم بالله تعالى في استجابة الدعاء
من صور الثقة بالله تعالى: الثقة به في استجابة الدعاء، وقد دلت نصوص الكتاب السنة على أهمية الدعاء وضرورة أن يثق المسلم في ربه في استجابة الدعاء، وجاء في الكتاب والسنة نماذج متعددة لثقة الأنبياء في ربهم عندما دعوه سبحانه، وكيف استجاب لهم.
١ - أهمية الدعاء وثقة المسلم في استجابة الله له:
للدعاء أهمية كبيرة في حياة المسلم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١).
قال الطبري ﵀: «يعني تعالى ذكره: بذلك وإذا سألك يا محمد عبادي عني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم أسمع دعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم» (٢). وقال الشيخ السعدي ﵀: «هذا جواب سؤال، سأل النبي ﷺ بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ لأنه تعالى، الرقيب الشهيد، المطلع على السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو قريب أيضًا من داعيه، بالإجابة، ولهذا قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق.
стр. 14
فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصًا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة، فلهذا قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغني المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم» (١).
وقال القرطبي ﵀: «قوله تعالى: "وإذا سألك" المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي، ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن: سببها أن قومًا قالوا للنبي ﷺ : أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت. قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي بالإجابة. وقيل بالعلم. وقيل: قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام. قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ أي أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول» (٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣).
стр. 15
لقد أخبر الله أنه إن دعاه العبد وعبده بحق، استجاب له، فإن الدعاء في نفسه عبادة، والدعاء: هو السؤال بجلب النفع ودفع الضر. ودعاء غير الله لا يفيد شيئًا، فإن القادر على إجابة الدعاء هو الله، والله سبحانه هو الذي أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق. وإن الذين يتكبرون ويتعظمون عن دعاء الله وعبادته وحده، سيدخلون جهنم صاغرين أذلاء.
ولقد اشتملت الآية على أمر العبادة بالدعاء والتكفل لهم بالإجابة فضلًا من الله وكرمًا، وهذا وعد، كذلك اشتملت أيضًا على وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، فالله هو الكريم الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة.
قال ابن كثير ﵀: «هذا من فضله، ﵎، وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب» (١).
وللدعاء أدب لا بد أن يراعى. إنه إخلاص القلب لله. والثقة بالاستجابة مع عدم اقتراح صورة معينة لها، أو تخصيص وقت أو ظرف فهذا الاقتراح ليس من أدب السؤال. والاعتقاد بأن التوجه للدعاء توفيق من الله، والاستجابة فضل آخر.
فأما الذين يستكبرون عن التوجه لله فجزاؤهم الحق أن يوجهوا أذلاء صاغرين لجهنم! وهذه نهاية الكبر الذي تنتفخ به قلوب وصدور في هذه الأرض الصغيرة، وفي هذه الحياة الرخيصة، وتنسى ضخامة خلق الله. فضلًا على نسيانها عظمة الله. ونسيانها للآخرة بعد النفخة والاستكبار.
стр. 16
وفي فضل توجه المسلم بالدعاء لله جاء عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة»، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١). (٢)
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء» (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه» (٤).
والواجب على المسلم أن يدعو الله تعالى وهو واثق في الله في استجابة دعائه؛ فيسأل الله تعالى بعزم ورغبة وحضور قلب ورجاء.
قال تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٥).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي وارحمني إن شئت ارزقني إن شئت وليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء لا مكره له» (٦).
стр. 17
قال ابن حجر ﵀: «قوله فليعزم المسألة في رواية أحمد عن إسماعيل المذكور الدعاء ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه وأن يجزم بوقوع مطلوبة، ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى وإن كان مأموراً في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل معنى العزم أن يحسن الظن بالله في الإجابة قوله ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني، ومن رواية العلاء ليعزم وليعظم الرغبة ومعنى قوله ليعظم الرغبة أي يبالغ في ذلك بتكرار الدعاء والإلحاح فيه ويحتمل أن يراد به الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير، والمراد أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء فيخفف الأمر عليه ويعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله سبحانه فهو منزه عن ذلك فليس للتعليق فائدة.
وقيل: المعنى أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه والأول أولى قال ابن عبد البر ﵀ لا يجوز لأحد أن يقول اللهم أعطني إن شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا لأنه كلام مستحيل لا وجه له لأنه يفعل إلا ما شاءه وظاهره أنه حمل النهي على التحريم وهو الظاهر.
وقال ابن بطال ﵀ في الحديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريمًا.
وقد قال ابن عيينة ﵀ لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه يعني من التقصير فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال رب انظرني إلى يوم يبعثون وقال الداودي معنى قوله ليعزم المسألة أن يجتهد ويلح ولا يقل إن شئت كالمستثنى ولكن دعاء البائس الفقر قلت وكأنه أشار بقوله كالمستثنى إلى أنه إذا قالها على سبيل التبرك لا يكره وهو جيد» (١).
وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : «أنه ذكر رجلًا من بني
стр. 18
إسرائيل سأل بعضهم بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بالشهداء أشهدهم فقال كفى بالله شهيدًا قال فأئتني بالكفيل قال كفى بالله كفيلًا قال صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبًا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها ثم أتى بها إلى البحر فقال اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً ألف دينا فسألني كفيلًا فقلت كفى بالله كفيلًا فرضي بك وسألني شهيدًا فقلت كفى بالله شهيدًا فرضي بك وأني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني أستودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما نشرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وحدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه قال هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه قال فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة فانصرف بالألف دينار راشداً» (١).
قال بدر الدين العيني ﵀: «وفيه أن من توكل على الله فإنه ينصره فالذي نقر الخشبة وتوكل حفظ الله تعالى ماله والذي أسلفه وقنع بالله كفيلًا أوصل الله تعالى ماله إليه وفيه جواز ركوب البحر بأموال الناس والتجارة وفيه أن الله تعالى متكفل بعون من أراد أداء الأمانة وأن الله يجازي أهل الإرفاق بالمال بحفظه عليهم مع أجر الآخرة كما حفظه على المسلف» (٢).
стр. 19
إن ثقة المسلم في ربه تجعله يدعوه سبحانه بكل ما يريد، ولا يستعظم على الله شيء «ومن آداب الدعاء أن يسأل الله تعالى حاجاته كلها فلا يمنعه من الدعاء استعظام المطلوب ولا احتقاره» (١).
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من آمن بالله ورسوله وأقام الصَّلاة وصام رمضان كان حقًّا على الله أن يدخله الجنَّة هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها قالوا: يا رسول الله أفلا ننبِّئ النَّاس بذلك قال إنَّ في الجنَّة مئة درجةٍ أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله كلُّ درجتين ما بينهما كما بين السَّماء والأرض فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنَّه أوسط الجنَّة وأعلى الجنَّة وفوقه عرش الرَّحمن ومنه تفجَّر أنهار الجنَّة» (٢).
ومن الثقة في الله في استجابة الدعاء أن يجعل المسلم دعاءه كله لله واستعانته بالله وسؤاله لله فعن عبد الله ابن عباس ﵁ قال كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: «يا غلام، إني أعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجدْه تجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أن الأمَّة لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف» (٣).
стр. 20
قال ابن رجب ﵀: «هذا منزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١). فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة.
واعلم أن سؤال الله دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب، وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة» (٢).
ومن الثقة في الله في استجابة الدعاء أن يحرص المسلم على الصبر وعدم الاستعجال، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يستجاب لأحدكم ما لم يجعل، يقول: دعوت فلم يستجب لي» (٣).
قال ابن حجر ﵀: «وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أن يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار» (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل». قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء» (٥).
قال ابن بطال ﵀: «قال بعض العلماء: قوله: «ما لم يعجل» يعني يسأم الدعاء ويتركه فيكون كالمان بدعائه، وأنه قد أتى من الدعاء ما كان
стр. 21
يستحق به الإجابة، فيصبر كالمبخل لربّ كريم، لا تعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء، ولا تضره الذنوب. وقال بعضهم: إنما يعجل العبد إذا كان غرضه من الدعاء نيل ما سأل، وإذا لم ينل ما يريد ثقل عليه الدعاء، ويجب أن يكون غرض العبد من الدعاء هو الدعاء لله، والسؤال منه، والافتقار إليه أبدًا، ولا يفارق سمة العبودية وعلامة الرق، والانقياد للأمر والنهي، والاستسلام لربه تعالى بالذلة والخشوع، فإن الله تعالى يحب الإلحاح في الدعاء. وقال بعض السلف: لأنا أشد خشيةً أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١). فقد أمر بالدعاء ووعد بالإجابة وهو لا يخلف الميعاد» (٢).
وقال ابن الجوزي ﵀: «اعلم أن الله لا يرد دعاء المؤمن غير أنه قد تكون المصلحة في تأخير الإجابة وقد لا يكون ما سأله مصلحة في الجملة فيعوضه عنه ما يصلحه وربما أخر تعويضه إلى يوم القيامة فينبغي للمؤمن ألا يقطع المسألة لامتناع الإجابة فإنه بالدعاء متعبد وبالتسليم إلى ما يراه الحق له مصلحة مفوض» (٣).
وقال ابن القيم ﵀: «ومن الآفات التي تمنع أثر الدعاء أن يتعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله» (٤).
стр. 22
إن الثقة بالله تعالى، واليقين بالإجابة (١): من أعظم الشروط لقبول الدعاء الثقة بالله تعالى، وأنه على كل شيء قدير؛ لأنه تعالى يقول للشيء كن فيكون، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، ومما يزيد ثقة المسلم بربه تعالى أن يعلم أن جميع خزائن الخيرات والبركات عند الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٤).
وقال النبي ﷺ في الحديث القدسي الذي رواه عن ربه ﵎: «... يا عبادي لو أن أوَّلكم وآخركُم وإنسَكُم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقُصُ المِخيطُ إذا أُدخِلَ البَحر» (٥).
وهذا يدل على كمال قدرته ، وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والآخرين: من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد (٦)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «يدُ الله (٧) ملأى لا يَغِضُها نفقةٌ سحاء (٨) الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء (٩)
стр. 23
والأرض؛ فإنه لم يغِض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده (١) الميزان يخفض ويرفع» (٢).
فالمسلم إذا علم ذلك، فعليه أن يدعو الله وهو موقن بالإجابة؛ لما تقدم؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أنَّ الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ» (٣).
وبين الإمام ابن القيم ﵀ أن الدعاء المقبول الذي يستجيب الله لصاحبه لا بد أن يكون حاضر القلب، واثقًا في إجابة الله له.
«وإذا جمع مع الدَّعاء حضور القلب وجمعيَّته بكليَّته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة، وهي: الثُّلث الأخير من اللَّيل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصَّلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تُقضى الصَّلاة من ذلك اليوم، وآخر ساعة بعد العصر.
وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الربِّ، وذُلًّا له، وتضرُّعًا، ورقَّة. واستقبل الدَّاعي القبلة. وكان على طهارةٍ. ورفع يديه إلى الله. وبدأ بحمد الله والثَّناء عليه، ثمَّ ثنَّى بالصَّلاة على محمَّدٍ عبده ورسوله ﷺ ثمَّ قدَّم بين يدي حاجته التَّوبة والاستغفار. ثمَّ دخل على الله، وألحَّ عليه في المسألة، وتملَّقه ودعاه رغبةً ورهبةً. وتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده. وقدَّم بين يدي دعائه صدقةً، فإنَّ هذا الدُّعاء لا يكاد يُردُّ أبدًا،
стр. 24
ولا سيَّما إن صادف الأدعية التي أخبر النَّبيُّ ﷺ أنها مظنَّة الإجابة، أو أنَّها متضمِّنةٌ للاسم الأعظم» (١).
٢ - استجابة الله لدعاء من وثق في إجابته سبحانه:
لقد اهتم الأنبياء والرسل ﵈ وأتباعهم من عباد الله الصالحين بالدعاء، فاستجاب الله دعاءهم، لأنهم كانوا على ثقة ويقين باستجابة الله لهم، وهذا كثير في القرآن والسنة، ومن ذلك ما يأتي:
١ - آدم ﵇: قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، فغفر الله لهما كما قال سبحانه: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، ثم أكرمه الله بالاصطفاء فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، وخصَّه بالاجتباء، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٥).
٢ - نوح ﵇: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (٦).
قال الشيخ السعدي ﵀: «يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح ﵇، أول الرسل، أنه لما دعا قومه إلى الله، تلك المدة الطويلة فلم يزدهم دعاؤه، إلا فرارًا، أنه نادى ربه فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ
стр. 25
تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (١) فاستجاب الله له ومدح تعالى نفسه فقال: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ لدعاء الداعين، وسماع تبتلهم وتضرعهم، أجابه إجابة طابق ما سأل، نجاه وأهله من الكرب العظيم» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ (٤).
٣ - زكريا ﵇: قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (٥).
قال ابن كثير ﵀: «لما رأى زكريا ﵇، أن الله تعالى يرزق مريم ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ
стр. 26
في الولد، وإن كان شيخاً كبيراً قد ضعف ووَهَن منه العظم، واشتعل رأسه شيبًا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداءً خفيًّا، وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: ولداً صالحاً ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته. ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سُمِّي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان» (١).
فزكريا ﵇ قد شرح أسباب دعائه، وعرض ضعفه على القويِّ؛ فهو واهِنُ العظم، أشيب الرأس، يخاف الموالي، وامرأته - فوق كلِّ ذلك - عاقرٌ لا تُنجب، وهو يَطلب الولد!
إنَّ أيَّ شخص غير واثق بالله لو يعلم أنَّ شيخًا كبيرًا لا ينجب، وامرأته عاقرٌ، وقد علاه المشيب، يدعو الله الولد - سيقول إذ ذاك: لقد جنَّ الشيخ وربِّ الكعبة! ويحدث أن يستهزئ به، أو يسخر منه، ونسي أنَّ الله لا يعجزه شيء.
إن الله تعالى لا يطلب منَّا أن نقدِّم لأسباب دعائنا، وأن نشرح أحوالنا وأمورنا؛ فهو يعلم السِّر وأخفى - لا يطلب ذلك إلاَّ لأجل أن يستحضر المحتاج حالة ضعفه، وأن يخشع قلبه، وتَخضع جوارحه، ويكون منكسرًا صادقًا في دعائه، وقد كان زكريَّا هكذا، فهذا أدبٌ من آداب الدعاء، ورسنٌ من أرسان قبوله.
٥ - موسى ﵇: قال الله عن دعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ (١)، وقال الله تعالى عن موسى وهارون: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
٦ - محمد ﷺ وأصحابه: قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣).
قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: اذكروا نعمة الله عليكم، لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، وطلبتم منه أنه يعينكم وينصركم ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ وأغاثكم بعدة أمور:
منها: أن الله أمدكم ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي: يردف بعضهم بعضاً.
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: إنزال الملائكة ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ وإلا فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ .. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغالبه مغالب، بل هو القهار،
стр. 29
الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا. ﴿حَكِيمٌ﴾ حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها» (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢).
والأدعية التي دعا بها رسول الله ﷺ ، وشوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدًّا لا تحصر، لثقة النبي ﷺ الكبيرة في ربه، ومنها على سبيل المثال:
أ - دعاؤه ﷺ لأنس بن مالك ﵁ قال ﷺ : «اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته (٣)، [وأطل حياته، واغفر له]» (٤)، قال أنس ﵁: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون نحو المائة اليوم (٥)، [وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة] (٦)، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة» (٧).
стр. 30
وكان له ﵁ بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك (١).
ب - دعاؤه ﷺ لأم أبي هريرة ﵁، فأسلمت فورًا، قال أبو هريرة ﵁: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أمَّ أبي هريرة، فقال رسول الله ﷺ : «اللَّهم اهد أمَّ أبي هريرة»، فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ ، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف (٢)، فسمعت أمي خشف قدميَّ (٣)، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضة الماء (٤)، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ثم قالت، يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، وأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال قلت: يا رسول الله، أبشر قد استجاب الله دعوتك، وهدى أمَّ أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال خيرًا، قال: قلت يا رسول الله! ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : «اللهم حبب عُبيدك هذا وأمَّه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين» , فما خُلِقَ مُؤمِنٌ يسمع ربي ولا يراني إلا أحبني (٥).
стр. 31
جـ - دعاؤه ﷺ لعروة بن أبي الجعد البارقي، وذلك أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه» (١).
د - دعاؤه ﷺ على سراقة بن مالك ﵁، لحق سراقة النبي ﷺ يريد أن يقتله وأبا بكر ﵁، لكي يحصل على دية كل واحدٍ منهما؛ لأن قريشًا جعلوا لمن يقتل رسول الله ﷺ وأبا بكر أو أسرهما دية كل واحد منهما، فلحق سراقة النبي ﷺ وعندما رآه أبو بكر قال: يا رسول الله! هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: «اللَّهم اصرعه»، وساخت يدا فرس سراقة في الأرض حتى بلغت الركبتين، فقال سراقة: يا رسول الله! ادع الله لي، فدعا له رسول الله ﷺ ، ونجت فرسه، ورجع يخفي عنهما، فكان أول النهار جاهدًا على النبي ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة (٢) له يخفي عنه (٣).
إن الواجب على المسلم أن يُحسن ظنَّه بالله حتى في أصعب المواقف، لأن الله تعالى بيده مفاتِحُ كلِّ شيء إذا أراد شيئًا حدثَ لتوِّه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤) وليس على الله بعزيزٍ أن
стр. 32
يستجيب دعاء عبده إن علم فيه الصِّدق، وحسن اليقين به، حتَّى ولو كان في عرف الناس من المستحيلات؛ لأنَّك إن استشعرت بأنَّك تدعو عظيماً قادرًا؛ فإنه سيستجيب لك، حتَّى ولو كان القدر يجرى على خلاف ذلك.
إن الثقة بالله في استجابة الدعاء تجعل المسلم يدعو ربه وهو يعلم أن الله تعالى لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عليه شيء قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀: «قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل؟ كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فخليت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعم بعد كمال القوة، وكثرة العدد والعدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئًا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لا يعجزه شيء، إذا أراد كونه في السموات والأرض؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أي: عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها» (٢).
وقال الشيخ أبو بكر الجزائري:
«وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لم يكن يعجز الله شيء فيفوت الله ويهرب منه ولا يقدر عليه بل إنه غالب لكل شيء وقاهر له وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ تقرير لقدرته وعجز كل شيء أمامه، فإن العليم القدير لا يعجزه شيء بالاختفاء والتستر، ولا بالمقاومة والهرب» (٣).
стр. 33
المبحث الثاني
ثقة المسلم بالله تعالى في تفريج الكربات
ومن أبرز صور ثقة المسلم بالله تعالى ثقته في تفريج الكرب والشدة فإنه لا يقدر على ذلك إلا الله، وكم من شدة وكرب عظيم ظن العبد أنه لا مخرج لها ولا منجى منها لكن عندما يثق في مولاه، ويتذكر قدرته جل في علاه؛ فإنها سرعان ما تتحل وتنفرج وتبدد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١).
١ - أهمية الثقة بالله تعالى في تفريج الكربات:
إن الحياة الدنيا مليئة بالمحن والمتاعب والبلايا والشدائد والنكبات، إن صفت يومًا كدرت أيامًا، وإن أضحكت ساعة أبكت أيامًا، لا تدوم على حال قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
فقر وغنى، عافية وبلاء، صحة ومرض، عز وذل، فهذا مصاب بالعلل والأسقام، وذاك مصاب بعقوق الأبناء، وهذا مصاب بسوء خلق زوجته وسوء عشرتها، وتلك مصابة بزوج سيئ الأخلاق، فظ الخلق، سيئ العشرة، وثالث مصاب بكساد تجارته وسوء صحبه الجيران، وهكذا إلى نهاية سلسلة الآلام التي لا تقف عند حد، ولا يحصيها عدّ.
стр. 34
ولا يزيل هذه الآلام، ويكشف هذه الكروب إلا الله علام الغيوب الذي يجيب المضطر إذا دعاه، والمسلم حالة في البأساء الصبر والإنابة إلى الله، يتوسل بالأسباب الموصلة إلى كشف المكروه، لا يستكين للحادثات، ولا يضعف أمام الملمات، يحاول التخلص منها في حزم الأقوياء وعزيمة الأصفياء، قدوته في ذلك سيد المرسلين، وإمام الصابرين، فقد حل به وبأصحابه الكرام من الشدائد والمحن والابتلاء ما تقشعر منه الأبدان، فما وهنوا، وما ضعفوا، وما استكانوا، بل قابلوا تلك الخطوب بالصبر والثبات: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
وعن أبي عبد الله خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ ، وهو متوسد بردًا له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تستغفر لنا، ألا تدعو لنا، فقال: «قد كان من قلبكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (٢).
قال ابن بطال ﵀: (وقول خباب ﵁ للنبي ﷺ : «ألا تدعو الله أن يكفينا» يعنى عدوان الكفار عليهم بمكة قبل هجرتهم وضربهم لهم وإيثاقهم بالحديد.
وفيه من الفقه: أن النبي ﷺ لم يترك الدعاء في ذلك على أن الله أمرهم
стр. 35
بالدعاء أمرًا عامًا بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١). وبقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). إلا لأنه ﷺ علم من الله أنه قد سبق من قدره وعلمه أن يجرى عليهم ما جرى من البلوى والمحن ليؤجروا عليها على ما جرت عادته في سائر أتباع الأنبياء من الصبر على الشدة في ذات الله، ثم يعقبهم بالنصر والتأييد، والظفر وجزيل الأجر، وأما غير الأنبياء ﵈ فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة تنزل بهم؛ لأنهم لا يعلمون الغيب فيها، والدعاء من أفضل العبادة ولا يخلو الداعي من إحدى الثلاث التي وعد النبي ﷺ بها.
وفيه: علامات النبوة وذلك خروج ما قال ﷺ من تمام الدين وانتشار الأمر وإنجاز الله ما وعد نبيه ﷺ من ذلك» (٣).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: «حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت ﵁ يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة فجاؤوا يشكون إلى النبي ﷺ وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فبين النبي ﷺ أن من كان قبلنا ابتلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء يحفر له حفرة ثم يلقى فيها ثم يؤتى بالمنشار على مفرق رأسه ويشق، وأيضًا يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة.
ثم أقسم ﷺ أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر يعني سيتم ما جاء به الرسول ﷺ من دعوة الإسلام حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت
стр. 36
لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون أي فاصبروا وانتظروا الفرج من الله فإن الله سيتم هذا الأمر وقد صار الأمر كما أقسم ﵊ ففي هذا الحديث آية من آيات الله حيث وقع الأمر مطابقًا لما أخبر به النبي ﷺ .
وآية من آيات النبي ﷺ حيث صدقة الله بما أخبر به وهذه شهادة له من الله بالرسالة كما قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١). وفيه أيضًا دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين وإذا صبر الإنسان ظفر فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج ولا يظن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة.
قد يبتلي الله المؤمنين بالكفار يؤذنهم وربما يقتلونهم كما قتلوا الأنبياء.
اليهود من بني إسرائيل قتلوا الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين، فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر بل يبقى راسيًا كالصخرة والعاقبة للمتقين والله تعالى مع الصابرين.
فإذا صبر وثابر وسلك الطرق التي توصل إلى المقصود ولكن بدون فوضى وبدون استفسار وبدون إثارة بطريق منظمة لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطا ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم.
والمؤمن يصبر ويتئد ويعمل بتؤده ويوطن نفسه ويخطط تخطيطًا منظمًا يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار ويفوت عليهم الفرص لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير يريدون أن يثيروهم حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا هذا الذي نريد وحصل بذلك شر كبير.
стр. 37
فالرسول ﷺ قال لأصحابه اصبروا فالمؤمن فيمن قبلكم - وأنتم أحق بالصبر منه - كان يعمل به هذا العمل ويصبر فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان فاصبروا حتى يأتي الله بأمره والعاقبة للمتقين.
فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر ولكن اعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله ولا تمل فالدرب طويل لا سيما إذا كنت أول الفتنة فإن القائمين بها سوف يحاولون ما استطاعوا أن يصلوا إلى قمة ما يريدون فاقطع عليهم السبيل وكن أطول منهم نفسًا وأشد منهم مكرًا فإن هؤلاء الأعداء يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» (١).
ولقد وعد مولانا عباده بالسعة بعد الضيق، وبالعافية بعد البلاء، وبالرخاء بعد الشدة، واليسر بعد العسر قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٢).
قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : فإن مع الشدة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوله ما أنت بسبيله رجاء وفرجاً بأن يُظفرك بهم، حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به طوعاً وكرهاً.
ورُوي عن النبي ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بشَّر بها أصحابه «وقال: لن يغلب عسر يسرين»» (٣).
إن الله يخاطب نبيه محمدًا ﷺ بأن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه. وقد لازمه معك فعلًا. فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك، فخفف حملك، الذي أنقض ظهرك. وكان اليسر مصاحبًا للعسر،
стр. 38
يرفع إصره، ويضع ثقله. وإنه لأمر مؤكد يكرره بألفاظه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ .. وهذا التكرار يشير بأن الرسول ﷺ كان في عسرة وضيق ومشقة، اقتضت هذه الملاحظة، وهذا التذكير، وهذا الاستحضار لمظاهر العناية، وهذا الاستعراض لمواقع الرعاية، وهذا التوكيد بكل ضروب التوكيد .. والأمر الذي يثقل على نفس محمد هكذا لا بد أنه كان أمراً عظيماً .. ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير، وأسباب الانشراح، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (١).
إن مع العسر يسرًا .. فخذ في أسباب اليسر والتيسير. فإذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض، ومع شواغل الحياة .. إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد .. العبادة والتجرد والتطلع والتوجه ... ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ .. إلى ربك وحده خالياً من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم .. إنه لا بد من الزاد للطريق. وهنا الزاد. ولا بد من العدة للجهاد. وهنا العدة .. وهنا ستجد يسرًا مع كل عسر، وفرجًا مع كل ضيق.
وعن عبد الله بن عباس ﵁ قال كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: «يا غلام إنيّ أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
وفي رواية: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في
стр. 39
الشدة، واعلم: أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (١).
قال ابن رجب الحنبلي ﵀: «ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالركوب واليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتدَّ وعظُم وتناهى، وحصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكُّل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإنَّ الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ ... قَدْرًا﴾ (٢).
وروى آدم بن أبي إياس في "تفسيره" بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: جاء مالك الأشجعي إلى النبي ﷺ ، فقال: أُسر ابني عوفٌ، فقال له: أرسل إليه أن رسول الله ﷺ يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فأتاه الرسول فأخبره، فأكب عوف يقول: لا حول ولا قوَّة إلا بالله، وكانوا قد شدُّوه بالقِدِّ فسقط القِدُّ عنه، فخرج إذا هو بناقةٍ لهم فركبها، فأقبل فإذا هو بسرح القوم الذين كانوا شدُّوه، فصاح بهم، فاتبع آخرها أوَّلها، فلم يفاجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف وربِّ الكعبة، فقالت أمه: واسوأتاه، وعوف كئيب يألم ما فيه من القد، فاستبق الأب والخادم إليه، فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلًا، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فأتى أبوه رسول الله ﷺ ، فأخبره عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله ﷺ :
стр. 40
«اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعًا بإبلك»، ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (١).
قال الفضيل ﵀: والله لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئًا، لأعطاك مولاك كلَّ ما تريد. وذكر إبراهيم بن أدهم عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألة هي ألحلف من أن يقول العبد: ما شاء الله، قال: يعني بذلك التفويض إلى الله وقال سعيد بن سالم القداح: بلغني أنَّ موسى ﵇ كانت له إلى الله حاجه، فطلبها، فأبطأت عليه، فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه، فعجب، فأوحى الله إليه: أما علمت أن قولك: ما شاء الله أنجحُ ما طلبت به الحوائج.
وأيضًا فإن المؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعُّه، ولم يظهر عليه أثر الإجابة يرجع إلى نفسه بالملائمة، وقال لها: إنما أتيت من قبلك، ولو كان فيك خير لأجبت، وهذا اللوم أحبُّ إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه أهل لما نزل به من البلاء، وأنَّه ليس بأهل لإجابة الدعاء، فلذلك تسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنِّه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله.
قال وهب ﵀: تعبَّد رجل زمانًا، ثم بدت له إلى الله حاجةٌ، فصام سبعين سبتًا، يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل الله حاجته فلم يُعطَها، فرجع إلى نفسه فقال: منك أتيت، لو كان فيك خير، أعطيت حاجتك، فنزل إليه عند ذلك ملكٌ، فقال: يا ابن آدم ساعتك هذه خيرٌ من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك.
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا