← Акыда

Акыда · id 17071

ثقة المسلم بالله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

محمد بن إبراهيم الرومي

Полный текст (144 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون أي فاصبروا وانتظروا الفرج من الله فإن الله سيتم هذا الأمر وقد صار الأمر كما أقسم ﵊ ففي هذا الحديث آية من آيات الله حيث وقع الأمر مطابقًا لما أخبر به النبي ﷺ . وآية من آيات النبي ﷺ حيث صدقة الله بما أخبر به وهذه شهادة له من الله بالرسالة كما قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١). وفيه أيضًا دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين وإذا صبر الإنسان ظفر فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج ولا يظن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة. قد يبتلي الله المؤمنين بالكفار يؤذنهم وربما يقتلونهم كما قتلوا الأنبياء. اليهود من بني إسرائيل قتلوا الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين، فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر بل يبقى راسيًا كالصخرة والعاقبة للمتقين والله تعالى مع الصابرين. فإذا صبر وثابر وسلك الطرق التي توصل إلى المقصود ولكن بدون فوضى وبدون استفسار وبدون إثارة بطريق منظمة لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطا ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم. والمؤمن يصبر ويتئد ويعمل بتؤده ويوطن نفسه ويخطط تخطيطًا منظمًا يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار ويفوت عليهم الفرص لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير يريدون أن يثيروهم حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا هذا الذي نريد وحصل بذلك شر كبير.

стр. 37

فالرسول ﷺ قال لأصحابه اصبروا فالمؤمن فيمن قبلكم - وأنتم أحق بالصبر منه - كان يعمل به هذا العمل ويصبر فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان فاصبروا حتى يأتي الله بأمره والعاقبة للمتقين. فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر ولكن اعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله ولا تمل فالدرب طويل لا سيما إذا كنت أول الفتنة فإن القائمين بها سوف يحاولون ما استطاعوا أن يصلوا إلى قمة ما يريدون فاقطع عليهم السبيل وكن أطول منهم نفسًا وأشد منهم مكرًا فإن هؤلاء الأعداء يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» (١). ولقد وعد مولانا عباده بالسعة بعد الضيق، وبالعافية بعد البلاء، وبالرخاء بعد الشدة، واليسر بعد العسر قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٢). قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : فإن مع الشدة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوله ما أنت بسبيله رجاء وفرجاً بأن يُظفرك بهم، حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به طوعاً وكرهاً. ورُوي عن النبي ﷺ أن هذه الآية لما نزلت، بشَّر بها أصحابه «وقال: لن يغلب عسر يسرين»» (٣). إن الله يخاطب نبيه محمدًا ﷺ بأن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه. وقد لازمه معك فعلًا. فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك، فخفف حملك، الذي أنقض ظهرك. وكان اليسر مصاحبًا للعسر،

стр. 38

يرفع إصره، ويضع ثقله. وإنه لأمر مؤكد يكرره بألفاظه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ .. وهذا التكرار يشير بأن الرسول ﷺ كان في عسرة وضيق ومشقة، اقتضت هذه الملاحظة، وهذا التذكير، وهذا الاستحضار لمظاهر العناية، وهذا الاستعراض لمواقع الرعاية، وهذا التوكيد بكل ضروب التوكيد .. والأمر الذي يثقل على نفس محمد هكذا لا بد أنه كان أمراً عظيماً .. ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير، وأسباب الانشراح، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (١). إن مع العسر يسرًا .. فخذ في أسباب اليسر والتيسير. فإذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الأرض، ومع شواغل الحياة .. إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد .. العبادة والتجرد والتطلع والتوجه ... ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ .. إلى ربك وحده خالياً من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم .. إنه لا بد من الزاد للطريق. وهنا الزاد. ولا بد من العدة للجهاد. وهنا العدة .. وهنا ستجد يسرًا مع كل عسر، وفرجًا مع كل ضيق. وعن عبد الله بن عباس ﵁ قال كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: «يا غلام إنيّ أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». وفي رواية: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في

стр. 39

الشدة، واعلم: أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (١). قال ابن رجب الحنبلي ﵀: «ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالركوب واليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتدَّ وعظُم وتناهى، وحصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكُّل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإنَّ الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ ... قَدْرًا﴾ (٢). وروى آدم بن أبي إياس في "تفسيره" بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: جاء مالك الأشجعي إلى النبي ﷺ ، فقال: أُسر ابني عوفٌ، فقال له: أرسل إليه أن رسول الله ﷺ يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فأتاه الرسول فأخبره، فأكب عوف يقول: لا حول ولا قوَّة إلا بالله، وكانوا قد شدُّوه بالقِدِّ فسقط القِدُّ عنه، فخرج إذا هو بناقةٍ لهم فركبها، فأقبل فإذا هو بسرح القوم الذين كانوا شدُّوه، فصاح بهم، فاتبع آخرها أوَّلها، فلم يفاجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف وربِّ الكعبة، فقالت أمه: واسوأتاه، وعوف كئيب يألم ما فيه من القد، فاستبق الأب والخادم إليه، فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلًا، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فأتى أبوه رسول الله ﷺ ، فأخبره عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله ﷺ :

стр. 40

«اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعًا بإبلك»، ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (١). قال الفضيل ﵀: والله لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئًا، لأعطاك مولاك كلَّ ما تريد. وذكر إبراهيم بن أدهم عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألة هي ألحلف من أن يقول العبد: ما شاء الله، قال: يعني بذلك التفويض إلى الله وقال سعيد بن سالم القداح: بلغني أنَّ موسى ﵇ كانت له إلى الله حاجه، فطلبها، فأبطأت عليه، فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه، فعجب، فأوحى الله إليه: أما علمت أن قولك: ما شاء الله أنجحُ ما طلبت به الحوائج. وأيضًا فإن المؤمن إذا استبطأ الفرج، وأيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعُّه، ولم يظهر عليه أثر الإجابة يرجع إلى نفسه بالملائمة، وقال لها: إنما أتيت من قبلك، ولو كان فيك خير لأجبت، وهذا اللوم أحبُّ إلى الله من كثير من الطاعات، فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه أهل لما نزل به من البلاء، وأنَّه ليس بأهل لإجابة الدعاء، فلذلك تسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنِّه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله. قال وهب ﵀: تعبَّد رجل زمانًا، ثم بدت له إلى الله حاجةٌ، فصام سبعين سبتًا، يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل الله حاجته فلم يُعطَها، فرجع إلى نفسه فقال: منك أتيت، لو كان فيك خير، أعطيت حاجتك، فنزل إليه عند ذلك ملكٌ، فقال: يا ابن آدم ساعتك هذه خيرٌ من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا

стр. 41

فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢). وقال حاكيًا عن يعقوب ﵇ أنه قال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣). ثم قص قصة اجتماعهم عقيب ذلك. وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليمِّ، وإغراق عدوِّهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمَّد ﷺ مع أعدائه، وإنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، وغير ذلك» (٤). إن اليقين والثقة بالله من أعظم ما يناله العبد من توحيد الله تعالى؛ فصاحب التوحيد على يقينٍ من ربه، مصدق بآياته، مؤمن بوعده ووعيد كأنه يراها رأي العين، فهو واثق بالله متوكل عليه راضٍ بقضائه وقدره، محتسب الأجر والثواب منه. إن النفس الموحدة تمتلئ بالطمأنينة والسكينة حتى في أشد المواقف،

стр. 42

وأصعب الظروف، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن العبد في طلب ما ينفعه ودفع ما يضرُّه لا يوجه قلبه إلا إلى الله؛ فلهذا قال المكروب: «لا إله إلاَّ أنت». ومثل هذا ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنَّ النَّبي ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلاَّ الله العظيم الحليم لا إله إلاَّ الله ربُّ العرش العظيم لا إله إلاَّ الله ربُّ السموات وربُّ الأرض ربُّ العرش الكريم» (٢). فإنَّ هذه الكلمات فيها تحقيق التَّوحيد وتألُّه العبد ربَّه وتعلُّق رجائه به وحده لا شريك له وهي لفظ خبرٍ يتضمَّن الطَّلب. والنَّاس وإن كانوا يقولون بألسنتهم: لا إله إلاَّ الله فقول العبد لها مخلصًا من قلبه له حقيقة أخرى وبحسب تحقيق التَّوحيد تكمل طاعة الله. قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٣). فمن جعل ما يألهه هو ما يهواه فقد اتَّخذ إلهه هواه أي جعل معبوده هو ما يهواه وهذا حال المشركين الذين يعبد أحدهم ما يستحسنه فهم يتَّخذون أندادًا من دون الله يحبُّونهم كحبِّ الله» (٤). إن الثقة بالله تعالى في تفريج الكرب ورفع البلاء مما ينبغي أن يكون في اعتقاد المسلم في كل لحظة وكل حين.

стр. 43

قال ابن القيم ﵀: «إن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه كما جاء عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كلَّه خير وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له» (١). فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته، ولهذا كان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأقرب إليهم فالأقرب يبتلى المرء على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة شدد عليه البلاء وإن كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة» (٢). ويشدد الإمام ابن القيم ﵀ على ضرورة وأهمية الثقة بالله تعالى في تفريج الكربات لأن له الحول والقوة: «فالحول والقوة التي يرجى لأجلهما المخلوق ويخاف إنما هي لله، وبيده في الحقيقة فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه فإنه على قدر خوفك من غير الله يسلط، عليك وعلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان، وهذا حال الخلق أجمعه وإن ذهب عن أكثرهم علماً وحالاً فما شاء الله كان ولا بد وما لم يشأ لم يكن ولو اتفقت عليه الخليقة. فالتوحيد مفزع أعدائه وأوليائه فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى

стр. 44

الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١). وأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع إليه اتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل هذه سنة الله في عباده فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد فلا يلقى في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجى منها إلا التوحيد فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها» (٢). وقال ﵀: «فإن قلت فبأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع قلت بالتوحيد والتوكل والثقة بالله وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو وأن الأمر كله لله ليس لأحد مع الله شيء» (٣). ٢ - الدعوة إلى الثقة بالله تعالى في تفريج الكربات: جاءت العديد من النصوص الشرعية التي تدعو المسلم وتؤكد عليه ضرورة الثقة بالله تعالى في تفريج الكربات ومن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (٤). قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم، الداعين إلى عبادة أوثانهم: من الذين ينجيكم، ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ

стр. 45

الْبَرِّ﴾، إذا ضللتم فيه فتحيَّرتم، فأظلم عليكم الهدى والمحجة، ومن ظلمات البحر إذا ركبتموه، فأخطأتم فيه المحجة، فأظلم عليكم فيه السبيل، فلا تهتدون له، غير الله الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء ﴿تَضَرُّعًا﴾، منكم إليه واستكانة جهرًا وخفية، يقول: وإخفاء للدعاء أحيانًا، وإعلانًا وإظهارًا تقولون: لئن أنجيتنا من هذه يا رب أي من هذه الظلمات التي نحن فيها، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، يقول: لنكونن ممن يوحدك بالشكر، ويخلص لك العبادة، دون من كنا نشركه معك في عبادتك. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ أي: قل لهؤلاء العادلين بربهم سواه من الآلهة، إذا أنت استفهمتم عمن به يستعينون عند نزول الكرب بهم في البر والبحر: الله القادر على فرجكم عند حلول الكرب بكم، ينجيكم من عظيم النازل بكم في البر والبحر من همّ الضلال وخوف الهلاك، ومن كرب كل سوى ذلك وهمّ لا آلهتكم التي تشركون بها في عبادته، ولا أوثانكم التي تعبدونها من دونه، التي لا تقدر لكم على نفع ولا ضر، ثم أنتم بعد تفضيله عليكم بكشف النازل بكم من الكرب، ودفع الحالِّ بكم من جسيم الهم، تعدلون به آلهتكم وأصنامكم، فتشركونها في عبادتكم إياه. وذلك منكم جهل» (١). وقال ابن كثير ﵀: «قال تعالى ممتنا على عباده في إنجائه المضطرين ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية إذا هاجت الريح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ

стр. 46

وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي: جهرًا وسرًا ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الضائقة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: بعدها، ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ أي: بعد ذلك ﴿تُشْرِكُونَ﴾ أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى» (٣). وقال د. الزحيلي في تفسير هذه الآية: «لا يثبت الإنسان غالباً على العهد، ولا يفي بالوعد، ولا يستقر على حال الاستقامة، فتراه بطبعه غداراً خائناً، يلجأ إلى الله وقت الشدة والخوف، وينسى الله بعد النجاة، ويعود إلى ضلالة وجهله. والواجب الذي يمليه العقل والوفاء بالجميل والإخلاص أن يستمر الإنسان على أصل العقيدة الصحيحة والإيمان الحق والعبادة لمن أنعم عليه بجلائل النعم ودقائقها، لا سيما في أحوال الأزمات والمحن. وهذه حال من الأحوال التي ذكرتها الآية: وهي إذا أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك ودعوتم الله، وأقسمتم: لئن أنجانا الله من هذه الشدائد، لنكونن من الطائعين المستقيمين. وهذا توبيخ من الله لأولئك المشركين في دعائهم إياه عند الشدائد، ثم يدعوه معه غيره في حالة الرخاء، كما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.

стр. 47

إنه مثل ضربه الله، بقصد التقريع والتوبيخ لمن تعهد بالإيمان ونبذ الشرك لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة، وحب الإخلاص، والمشركون قد جعلوا بدلاً منه وهو الإشراك، فحسن أن يقرعوا ويوبخوا على هذا المنهج، وإن كانوا مشركين قبل النجاة وفي الآية إيماء إلى أن من أشرك في عبادة الله تعالى غيره، فهو لم يعبده لأن شرط العبادة الإخلاص، والتوحيد أساس العبادة. والآية صريحة بأنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في وقت المحنة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات إذ لا يقبل عقلًا أن يأتي الإنسان بأمور أربعة عند حصول الشدائد: وهي الدعاء، والتضرع، والإخلاص بالقلب، والتزام الاشتغال بالشكر، ثم يرتد على عقيبه، ويعمل بنقيض هذه الأمور بعد النجاة وإحراز السلامة من الله تعالى وحده الذي يهيئ الأسباب للإنجاء من المخاوف، أو يغمر عباده بواسع الرحمة والفضل، وبدقائق اللطف والإلهام» (١). وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجرداً من وسائل النصرة وأسباب الخلاص. لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده. وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى .. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة

стр. 48

التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء. فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. هو وحده دون سواه. يجيبه ويكشف عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق. والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء، وفترات الغفلة. يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة. فأما حين تلجئهم الشدة، ويضطرهم الكدب، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة، ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما كانوا من قبل غافلين أو مكابرين. قال محمد الطاهر ابن عاشور ﵀: «ارتقى الاستدلال من التذكير بالتصرف الرباني في ذوات المخلوقات إلى التذكير بتصرفه في أحوال الناس التي لا يخلو عنها أحد في بعض شؤون الحياة وذلك حال الاضطرار إلى تحصل الخير، وحال انتياب السوء، وحال التصرف في الأرض ومنافعها، فهذه ثلاثة الأنواع لأحوال البشر. وهي: حال الاحتياج، وحالة البؤس، وحالة الانتفاع. الحالة الأولى: وهي حالة الاحتياج مضمنة في قوله ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ فالمضطر هو ذو الضرورة أي الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحصول، وهذه مرتبة الحاجيات فالمرء محتاج إلى أمور كثيرة بها قوام أوده ليست متصلة بذاته مثل الأقوات والنكاح والملابس اللازمة فالمرء يتطلبها بوجوده من المعاوضات، وقد يتعسر بعضها وهي تتعس بقدر وفرة منافعها وعزة حصولها فيسأل الله أن يعطيها. والمعنى: أن المضطر إذا دعا لتحصيل ما اضطر إليه فإنه لا يجيبه إلا الله بقطع النظر عن كونه يجيب بعضاً ويؤخر بعضاً. والحالة الثانية: وهي حالة البؤس هي المشار إليها بقوله ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ والكشف: أصله رفع الغشاء، فشبه السوء الذي يعتري المضرور بغشاء يحول دون المرء ودون الاهتداء إلى الخلاص تشبيه معقول بمحسوس.

стр. 49

والمعنى: إن الله يكشف السوء عن المسوء إذا دعاه أيضًا فحذف من الجملة المعطوفة لدلالة ما ذكر مع الجملة المعطوف عليها، أي يكشف السوء عن المستاء إذا دعاه. وظاهر التقييد بالظرف يقتضي ضمان الإجابة. والواقع أن الإجابة منوطة بإرادة الله تعالى بحسب ما يقتضيه حال الداعي وما يقتضيه معارضه من أصول أخرى، والله أعلم بذلك. والحالة الثالثة: وهي حالة الانتفاع هي المشار إليها بقوله ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي يجعلكم تعمرون الأرض وتجتنون منافعها، فضمن الخلفاء معنى المالكين فأضيف إلى الأرض على تقدير: مالكين لها، والملك يستلزم الانتفاع بما ينتفع به منها. وأفاد خلفاء بطريق الالتزام معنى الوراثة لمن سبق، فكل حي هو خلف عن سلفه. والأمة خلف عن أمة كانت قبلها جيلاً بعد جيل. ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال، وما اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلها» (١). ومما يدل من السنة على الثقة بالله في تفريج الكرب ما جاء عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب، أو في الكرب: الله ربي لا أشرك به شيئًا» (٢). وهذا الحديث فيه ثناء على الله وتعظيم له عند الكرب، فكون المسلم يدعو بهذا الدعاء فهو يريد التخلص من الشيء الذي يهمه، مثل ما جاء في أن من دعاء بلفظ الجلالة فقد دعا باسم الله الأعظم، فيكون ذلك من

стр. 50

أسباب القبول. وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: «لا إله إلاَّ الله العظيم الحليم لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم الفتاوى لا إله إلاَّ الله ربُّ السموات وربُّ الأرض ربُّ العرش الكريم» (١). وعن طلحة بن عبيد الله ﵁؛ أن عمر ﵄ رآه كئيباً فقال: مالك يا أبا محمد كئيباً؟ لعله ساءتك إمرة ابن عمك؟ يعني أبا بكر، قال: لا، وأثنى على أبي بكر، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: «كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا فرج الله عنه كربته وأشرق لونه، فما منعني أن أسأله عنها إلا القدرة عليها حتى مات، فقال له عمر: إني لأعلمها، فقال له طلحة: وما هي؟ فقال له عمر: هل تعلم كلمة هي أعظم من كلمة أمر بها عمه: لا إله إلاَّ الله؟ فقال طلحة: هي والله هي» (٢). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يرقي يقول: «امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء لا يكشف الكرب إلاَّ أنت» (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم، إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني،

стр. 51

وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجاً قال: فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: "بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها» (١). إن كل المعاني والنصوص السابقة تؤكد للمسلم ضرورة وأهمية الثقة في الله تفريج كل كرب وشدة ونازلة مهما عظمت. ٣ - نماذج لمن وثق بالله وفرج الله كربته: إن هناك العديد من النماذج والصور لمن وثق بالله وفرج الله كربه وهمه، وكان السبب الرئيس هو يقينه الكامل في الله بأنه لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ومن أمثلة ذلك: ١ - نبي الله نوح ﵇: قال الله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ *﴾ (٣). قال الشيخ أبو بكر الجزائري: «وعلى إثر ذكره تعالى إهلاك المنذرين وإنجائه المؤمنين من عباده المخلصين ذكر قصة تاريخية لذلك وهي نوح وقومه

стр. 52

حيث أنذر نوح قومه ولما جاء العذاب أنجى الله عباده المخلصين وأهلك المكذبين المنذرين فقال تعالى في ذكر هذه القصة الموجزة ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ أي دعانا لنصرته من قومه ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ نحن له ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ باستثناء امرأته وولد كنعان ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وهو عذاب الغرق. وقوله ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ إلى يوم القيامة وهذا جزاء له على صبره في دعوته وإخلاصه وصدقه فيها إذ كل الناس اليوم من أولاده الثلاثة وهم سام وهو أبو العرب والروم وفارس، وحام وهو أبو السودان ويافث وهو أبو الترك والخزر وهم التتار ضيقوا العيون ولهذا سموا الخزر من خزر العين وهو ضيقها وصغرها، ويأجوج ومأجوج، وقوله ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ﴾ أي في أجيال البشرية التي أتت بعده وهو الذكر الحسن والثناء العطر المعبر عنه بقوله تعالى ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ وقوله تعالى ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي كما جزينا نوحاً لإيمانه وصبره وتقواه وصدقه ونصحه وإخلاصه نجزي المحسنين في إيمانهم وتقواهم وهذه بشرى للمؤمنين وقوله ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثناء عليه وبيان لعلة الإكرام والإنعام عليه. ودعوة إلى الإيمان بالترغيب فيه، وقوله ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾ أي أغرقناهم بالطوفان بكفرهم وشركهم وتكذيبهم بعد أن أنجينا المؤمنين» (١). ٢ - نبي الله موسى ونبي الله هارون ﵉: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي

стр. 53

الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ *﴾ (١). قال الشيخ السعدي ﵀: «يذكر تعالى منَّته على عبديه ورسوليه، موسى، وهارون ابني عمران، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب المستبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظ، وتفصيل كل شيء، وأن الله هداهما الصراط المستقيم، بأن شرع لهما ديناً ذا أحكام وشرائع مستقيمة موصلة إلى الله، ومنَّ عليهما بسلوكه. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ أي: أبقى عليهما ثناء حسنًا، وتحية في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في الأولين» (٢). ٣ - نبي الله يونس ﵇: قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀: «إن يونس بن متَّى ﵇، بعثه الله إلى أهل قرية «نينوى»، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه تمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفضلانها، وخارت البقر

стр. 54

وأولادها، وثغث الغنم وحملانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١). وأما يونس ﵇، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلجَّجت بهم، وخافوا أن يغرقوا فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٢). أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس ﵇، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، ، من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود ﵁ - حوتًا يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظماً؛ فإن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك له يكون سجنًا. وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾: قال الضحاك: لقومه، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نضيق عليه في بطن الحوت. يروى نحو هذا عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم، واختاره ابن جرير، وقال عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، وقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ

стр. 55

الظَّالِمِينَ﴾ قال عبد الله بن مسعود ﵁: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في بطن حوت، في ظلمة البحر. قال ابن مسعود، وابن عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقُّها، حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾. وقال عوف ﵀: لما صار يونس ﵇ في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يارب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد. وقال سعيد بن أبي الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا. رواهما ابن جبير. وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي أخرجناه من بطن الحوت، وتلك الظلمات، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء» (١). وعن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة ذي النون إذا دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلاَّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له» (٢). ٤ - نبي الله أيوب ﵇: قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ

стр. 56

مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٢). قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: واذكر عبدنا ورسولنا، أيوب - مثنيًا معظمًا له، رافعًا لقدره - حين ابتلاه، ببلاء شديد، فوجده صابرًا راضيًا عنه، وذلك أن الشيطان سلط، على جسده، ابتلاء من الله، وامتحانًا فنفخ في جسده، فتقرح قروحاً عظيمة ومكث مدة طويلة، واشتد به البلاء، ومات أهله، وذهب ماله، فنادى ربه: رب ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فتوسل إلى الله بالإخبار عن حالة نفسه، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ، وبرحمة ربه الواسعة العامة فاستجاب الله له، وقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (٣). فركض برجله فخرجت من ركضته عين ماء باردة فاغتسل منها وشرب، فأذهب الله عنه ما به من الأذى، ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ أي: رددنا عليه أهله وماله. ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ بأن منحه الله العافية من الأهل والمال شيئًا كثيرًا، ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ به، حيث صبر ورضي، فأثابه الله ثوابًا عاجلًا قبل ثواب الآخرة. ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي: جعلناه عبرة للعابدين، الذين ينتفعون بالعبر، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء، ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب،

стр. 57

وجدوه الصبر، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر» (١). ٥ - أصحاب الغار الثلاثة: وقد أشار إليهم النبي ﷺ فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز (٢). فذهب وتركه، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق فساقها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا. فانساخت عنهم الصّخرة (٣). فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا؛ وأهلي وعيال يتضاغون من الجوع (٤). وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.

стр. 58

فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أن كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي، وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة الدينار. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا» (١). قال ابن حجر ﵀: وفي هذا الحديث استحباب الدعاء في الكرب والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل واستنجاز وعده بسؤاله واستنبط منه بعض الفقهاء استحباب ذكر ذلك في الاستسقاء واستشكله المحب الطبري لما فيه من رؤية العمل والاحتقار عند السؤال في الاستسقاء أولى لأنه مقام التضرع وأجاب عن قصة أصحاب الغار بأنهم لم يستشفعوا بأعمالهم وإنما سألوا الله إن كانت أعمالهم خاصة وقبلت أن يجعل جزاءها الفرج عنهم فتضمن جوابه تسليم السؤال ولكن بهذا القيد وهو حسن وقد تعرض النووي لهذا وذكر هذا الحديث ونقل عن القاضي حسين وغيره استحباب ذلك في الاستسقاء ثم قال وقد يقال إن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق ولكن النبي ﷺ أثنى عليهم بفعلهم فدل على تصويب فعلهم وقال السبكي الكبير ظهر لي أن الضرورة قد تلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الأعمال في الدنيا وأن هذا منه ثم ظهر لي أنه ليس في الحديث رؤية عمل بالكلية لقول كل منهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فلم يعتقد أحد منهم في عمله الإخلاص بل أحال أمره إلى الله فإذا لم يجزموا بالإخلاص فيه مع كونه أحسن أعمالهم فغيره أولى فيستفاد منه أن الذي يصلح في مثل هذا أن يعتقد الشخص تقصيره

стр. 59

في نفسه ويسئ الظن بها ويبحث على كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه فيفوض أمره إلى الله ويعلق الدعاء على علم الله به فحينئذ يكون إذا دعا راجيًا للإجابة خائفاً من الرد فإن لم يغلب على ظنه إخلاصه ولو في عمل واحد فليقف عند حده ويستحي أن يسأل بعمل ليس بخالص قال وإنما قالوا ادعوا الله بصالح أعمالكم في أول الأمر ثم عند الدعاء لم يطلقوا ذلك ولا قال واحد منهم أدعوك بعملي وإنما قال إن كنت تعلم ثم ذكر عمله انتهى» (١). ****

стр. 60

المبحث الثالث ثقة المسلم بالله تعالى في التكفل بالرزق ومن ثقة المسلم بالله تعالى أنه يثق أن الله متكفل برزقه، وأن على الإنسان أن يأخذ بالأسباب التي تجلب الرزق، ويثق أن الله سيعطيه ما قدر له من رزق، ولن ينقص منه شيئًا. ١ - الدعوة إلى ثقة المسلم بالله في التكفل بالرزق: لقد دلت الكثير من النصوص الشرعية على أهمية الثقة بالله في التكفل بالأرزاق، وأن جميع المخلوقين ضمن الله رزقهم قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١). قال الطبري ﵀: «يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، وما تدب دابة في الأرض. و «الدابة» «الفاعلة»، من دبَّ فهو يدب، وهو دابٌّ، وهي دابة. ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ يقول: إلا ومن الله رزقها الذي يصل إليها، هو به متكفل، وذلك قوتها وغذاؤها وما به عيشها. قال مجاهد، في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ قال: ما جاءها من رزقٍ فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعًا، ولكن ما كان من رزقٍ فمن الله. وقوله: ﴿يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ حيث تستقر فيه، وذلك مأواها الذي تأوي إليه ليلًا أو نهارًا ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ الموضع الذي يودعها، إما بموتها، فيه، أو دفنها. وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ حيث تأوي ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، حيث تموت» (٢).

стр. 61

وقال ابن كثير ﵀: «يخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات، من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بحريها، وبريها، وأنه ﴿يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ أي: يعلم أين مُنتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه من وكرها، وهو مستودعها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: حيث تأوي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت. وعن مجاهد: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحم، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلب، كالتي في الأنعام، وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢). (٣) لقد أخبر في هذه الآية برزق الجميع، والدابة كل حيوان يدب والرزق حقيقة ما يتغذى به الحي، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده. قيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله. ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٤). فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟

стр. 62

فقال: كأن ماله إلا السماء! يا هذا الأرض له والسماء له، فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض وأنشد: ورازق هذا الخلق في العسر واليسر ... وكيف أخاف الفقر والله رازقي وللضب في البيداء والحوت في البحر ... تكفل بالأرزاق للخلق كلهم (١) قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: جميع ما دب على وجه الأرض، من آدمي، أو حيوان بري أو بحري، فالله تعالى قد تكفل بأرزاقهم وأقواتهم، فرزقها على الله. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ أي: يعلم مستقر هذه الدواب، وهو: المكان الذي تقيم فيه وتستقر فيه، وتأوي إليه، ومستودعها: المكان الذي تنتقل إليه في ذهابها مجيئها، وعوارض أحوالها. ﴿كُلٌّ﴾ من تفاصيل أحوالها ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: في اللوح المحفوظ المحتوي على جميع الحوادث الواقعة، والتي تقع في السموات والأرض. الجميع قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيها مشيئته، ووسعها رزقه، فلتطمئن القلوب إلى كفاية من تكفل بأرزاقها، وأحاط علماً بذواتها، وصفاتها» (٢). إنه ما من نوع من أنواع دواب الأرض أو البحر أو الجو إلا على الله رزقها ومعيشتها وغذاؤها المناسب لها، المعد لطعامها بعد البحث والحركة والعمل، ويعلم مستقرها ومستودعها، أي يعلم منتهى سيرها في الأرض حيث تأوي إليه وهو مستقرها، والموضع الذي تأوي إليه من وكرها، ومكان موتها ودفنها، وهو مستودعها، وهذا يشمل بداية تكوينها ووجودها في الأصلاب والأرحام

стр. 63

وأيام الحياة والممات. وكل ما ذكر من كل الدواب وأرزاقها ومستقرها ومستودعها ثابت مكتوب في اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع مقادير الخلق. وهذا دليل على أن الله تعالى متكفل بأرزاق المخلوقات كلها، وقد أوجب ذلك على نفسه بكلمة على المفيدة للوجوب تفضلاً منه ورحمة، إلا أن الرزق بمقتضى سنته تعالى في الكون خاضع لمبدأ ارتباط الأسباب بالمسببات، أي أن الحصول على الرزق مرتبط بالسعي والعمل، بعد توافر الإلهام المودع في الخلائق، وهدايتهم إلى الطلب والتحصيل، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١). ومن الآيات التي تدل على ضرورة أن يثق المسلم في تكفل الله برزقه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: «أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا إلا أن ييسره الله عليكم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ فالسعي في السبب لا ينافي التوكل وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنه سمع نبي الله ﷺ يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» (٣). فأثبت لها رواحًا وغدوًا لطلب الرزق مع توكلها على الله وهو المسخر المسير المسبب» (٤).

стр. 64

وقال الشوكاني ﵀: «ثم امتن سبحانه على عباده، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ أي: سهلة لينة تستقرون عليها، ولم يجعلها خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون فيها والمشي عليها، والذلول في الأصل واحد المنقاد الذي يذل لك، ولا يستصعب عليك، والمصدر الذل، والفاء في قوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور، والأمر للإباحة. قال مجاهد، والكلبي، ومقاتل: مناكبها طرقها وأطرافها وجوانبها. وقال قتادة، وشهر بن حوشب: مناكبها جبالها، وأصل المنكب الجانب، ومنه منكب الرجل، ومنه الريح النكباء لأنها تأتي من جانب دون جانب ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي: مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي: وإليه البعث من قبوركم لا إلى غيره، وفي هذا وعيد شديد» (١). وقال النسفي ﵀: «وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ لينة سهلة مذللة لا تمنع المشي فيها ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ جوانبها استدلالًا واسترزاقًا أو جبالها أو طرقها ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي من رزق الله فيها ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي وإليه نشوركم فهو سائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم» (٢). ومن الآيات أيضًا التي تدعو المسلم إلى الثقة بالله تعالى في رزقه، وأنه ينبغي للعبد أن يطلب الرزق من الله تعالى فقط قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا

стр. 65

فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١). قال الرازي ﵀: «وذكر بطلان مذهبهم بأبلغ الوجوه، وذلك لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور، إما لكونه مستحقاً للعبادة بذاته كالعبد يخدم سيده الذي اشتراه سواء أطعمة من الجوع أو منعه من الهجوع، وإما لكونه نافعاً في الحال كمن يخدم غيره لخير يوصله إليه كالمستخدم بأجره، وإما لكونه نافعًا في المستقبل كمن يخدم غيره متوقعا منه أمرًا في المستقبل، وإما لكونه خائفًا منه. فقال إبراهيم: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ إشارة إلى أنها لا تستحق العبادة لذاتها لكونها أوثانًا لا شرف لها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إشارة إلى عدم المنفعة في الحال وفي المآل، وهذا لأن النفع، إما في الوجود، وإما في البقاء لكن ليس منهم نفع في الوجود، لأن وجودهم منكم حيث تخلقونها وتنحتونها، ولا نفع في البقاء لأن ذلك بالرزق، وليس منهم ذلك، ثم بين أن ذلك كله حاصل من الله فقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فقوله: الله إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته وقوله: ﴿الرِّزْقَ﴾ إشارة إلى حصول النفع منه عاجلًا وآجلًا. وقال ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ نكرة، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ معرفًا فما الفائدة؟ فنقول قال الزمخشري ﵀ قال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ نكرة في معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلًا، وقال معرفة عند الإثبات عند الله أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه، وفيه وجه آخر وهو أن الرزق من الله معروف بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢).

стр. 66

والرزق من الأوثان غير معلوم فقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ لعدم حصول العلم به وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ الموعود به، ثم قال: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ أي اعبدوه لكونه مستحقًّا للعبادة لذاته واشكروا له أي لكونه سابق النعم بالخلق وواصلها بالرزق ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي اعبدوه لكونه مرجعاً منه يتوقع الخير لا غير) (١). ونص الله سبحانه في القرآن الكريم أنه رزاق يرزق الخلق كلهم لا فرق بين بر وفاجر، ومؤمن وكافر، وأن المطلوب منهم ليس تدبير الأرزاق، وإنما عبادة الخلاق قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢). قال الماوردي ﵀: «فيه خمسة تأويلات: أحدها: إلا ليقروا بالعبودية طوعًا أو كرهًا، قاله ابن عباس ﵄. الثاني: إلا لآمرهم وأنهاهم، قاله مجاهد ﵀. الثالث: إلا لأجبلهم على الشقاء والسعادة، قاله زيد بن أسلم ﵀. الرابع: إلا ليعرفوني، قاله الضحاك ﵀. الخامس: إلا للعبادة، وهو الظاهر، وبه قال الربيع بن أنس ﵀. وقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم. الثاني: ما أنفسهم، قاله أبو الجوزاء.

стр. 67

الثالث: ما أريد منهم معونة ولا فضلًا» (١). وقال ابن عاشور ﵀: «وجملة ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ تقرير لمعنى ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ بإبطال بعض العلل والغايات التي يقصدها الصانعون شيئًا يصنعونه أو يتخذونه، فإنه المعروف في المعرف أن من يتخذ شيئًا إنما يتخذه لنفسه، وليست الجملة لإفادة. الجانب المقصور دونه بصيغة القصر لأن صيغة القصر لا تحتاج لذكر الضد. ولا يحسن ذكر الضد ولا يحسن ذكر الضد في الكلام البليغ. فقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ كناية عن عدم الاحتياج إليهم لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام واللباس والسكن وإنما تحصل بالرزق وهو المال، فلذلك ابتدئ به ثم عطف عليه، أي إعطاء الطعام لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر، وقد لا يجده صاحب المال إذا قحط الناس فيحتاج إلى من يسلفه الطعام أو يطعمه إياه، وفي هذا تعريض بأهل الشرك إذ يهدون إلى الأصنام الأموال والطعام تتلقاه منه سدنة الأصنام. والرزق هنا: المال كقوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢). وقوله: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ (٣). ويطلق الرزق على الطعام كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٤). ويمنع من إرادته

стр. 68

هنا عطف ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. تعليل لجملتي ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ و ﴿الرِّزْق﴾ هنا بمعنى ما يهم المال والإطعام. والرزاق: الكثير الإرزاق، والقوة: القدرة. وذو القوة: صاحب القدرة. ومن خصائص ﴿ذُو﴾ أن تضاف إلى أمر مهم، فعلم أن القوة هنا قوة خلية من النقائص. والمتين: الشديد، وهو هنا وصف لذي القوة، أي الشدائد القوة، وقد عد ﴿الْمَتِينُ﴾ في أسمائه تعالى. فالمعنى أنه المستغني غنى مطلقاً فلا يحتاج إلى شيء فلا يكون خلقه الخلق لتحصيل نفع له ولكن لعمران الكون وإجراء نظام العمران بإتباع الشريعة التي يجمعها معنى العبادة في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وإظهار اسم الجلالة في ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضاه: إني أنا الرزاق، فعدل عن الإضمار إلى الاسم الظاهر لتكون هذه الجملة مستقلة بالدلالة لأنها سيرت مسير الكلام الجامع والأمثال: وحذفت ياء المتكلم من ﴿يَعْبُدُونِ﴾ و ﴿يُطْعِمُونِ﴾ للتخفيف، ونظائره كثيرة في القرآن. وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ طريق قصر لوجود ضمير الفصل، أي: لا رزاق، ولا ذا قوة، ولا متين إلا الله، وهو قصر إضافي، أي دون الأصنام التي يعبدونها. فالقصر قصر إفراد بتنزيل المشركين في إشراكهم أصنامهم بالله منزلة من يدعي أن الأصنام شركاء لله في صفاته التي منها: الإرزاق، والقوة، والشدة، فأبطل ذلك بهذا القصر» (١).

стр. 69

وقال الزمخشري ﵀: «يريد: أن شأني مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإن ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإما مجهز في تجارة ليفي ربحًا. أو مرتب في فلاحة ليعتل أرضًا. أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته. أو محتطب. أو محتش. أو طابخ. أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأما مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غنى عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي المتين الشديد القوة. قرئ بالرفع صفة لذو، وبالجر صفة للقوة على تأويل الاقتدار، والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة: أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء» (١). والذي يظهر من الآيات أن الله لا يريد من خلق الناس جلب نفع له، ولا دفع ضرر عنه، كما تريده السادة عادة من عبيدهم، فإن الله هو الغني المعطي، الرزاق المعطي , الذي يرزق مخلوقاته، ويقوم بما يصلحهم، وهو ذو القدر والقوة، والشديد القوة، فلم يخلقهم لنفع ينفعونه به، فعليهم أن يؤدوا ما خلقوا له من العبادة. والخلاصة: أنه تعالى خلق العبادة ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وهو غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. وقد أقسم الله تعالى أن رزق العباد مكفوب لهم فقال سبحانه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٢).

стр. 70

قال ابن كثير ﵀: «ثم قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ يعني: المطر، ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ يعني: الجنة. قاله ابن عباس، ومجاهد وغير واحد. وقال سفيان الثوري ﵀: قرأ واصل الأحدب ﵀ هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فقال: ألا إني أرى رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة فمكث فيها ثلاثاً لا يصيب شيئًا، فلما أن كان في اليوم الثالث إذا هو بدَوْخَلَة من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الموت بينهما» (١). قال د. وهبة الزحيلي: «ثم ذكر الله تعالى ضمانة الرزق للأنفس والعباد كلهم فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ أي، وفي السماء تقدير الأرزاق وتعيينها، وفيها ما توعدون من خير أو شر، وجنة ونار، وثواب وعقاب، ففي السماء التي هي السحاب المطر، وفي السماء أسباب الرزق من الشمس والقمر والكواكب والمطالع والمغارب التي تختلف بها الفصول، التي يكون تغيرها مناسباً لأنواع النباتات المختلفة التي تسقى بماء الأمطار، وتسوقها الرياح، وتغذيها الشمس بحرارتها، ويمنحها نور القمر قوة ونموًّا ونضجًا. ثم أقسم الله تعالى بذاته المقدسة على أحقية البعث وضمان الرزق، فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ أي فورب العزة والجلال، إن ما أخبرتكم به في هذه الآيات، وما وعدتكم به من أمر القيامة والبعث والجزاء، وتيسير الرزق وضمانه، حق لا مرية فيه، كائن لا محالة، فلا تشكوا فيه، كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون، فهو كمثل نطقكم، فكما أنكم لا تشكون في نطقكم فكذلك هذا، كما تقول: إنه لحق، كما أنك تتكلم وترى وتسمع. وكان معاذ إذا حدث بالشيء

стр. 71

يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك هاهنا» (١). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي عدي عن الحسن البصري أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم، ثم لي يصدقوا». قال الأصمعي: أقبلت خارجًا من البصرة، فطلع أعرابي على قعود، فقال: من الرجل؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، فقال: اتل علي، فتلوت والذاريات فلما بلغت قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ فقال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها، ووزعها على الناس، وعمد إلى سيفه وقوسه، فكسرهما وولي. فلما حججت مع الرشيد، طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم علي، واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، ثم قال: فهل غير هذا؟ فقرأت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فصاح، فقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! لم يصدقوه بقوله، حتى ألجؤوه إلى اليمين؟! قالها ثلاثاً، وخرجت معها نفسه» (٢). وجاء في نوادر الأصول في أحاديث الرسول: وعن زيد بن أسلم ﵁ أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم لما هاجروا قدموا على رسول الله ﷺ في فلك وقد أرملوا من الزاد فأرسلوا رجلًا منهم إلى رسول الله ﷺ يسأله فلما انتهى إلى باب رسول الله ﷺ سمعه يقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). فقال الرجل ما الأشعريون بأهون الدواب على الله فرجع ولم يدخل على رسول

стр. 72

الله ﷺ فقال لأصحابه «أبشروا أتاكم الغوث» ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله ﷺ فوعده. فبيناهم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءًا خبزًا ولحمًا فأكلوا منها ما شاءوا ثم قال بعضهم لبعض لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله ﷺ ليقضي به حاجته فقالوا للرجلين اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله ﷺ وإنا قد قضينا منه حاجتنا ثم إنهم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله فما رأينا طعامًا أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به فقال يا رسول الله فما رأينا طعامًا أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به فقال «ما أرسلت إليكم شيئًا» فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم فسأله رسول الله ﷺ فأخبره ما صنع وما قال لهم فقال ﷺ ذلك شيء رزقكموه الله سبحانه» (١). قال القرطبي ﵀: «وقال يزيد بن مرثد: إن رجلًا جاع بمكان ليس فيه شي فقال: اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به، فشبع وروي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت» (٢). وفي سنن ابن ماجة عن حبة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ ، وهو يعالج شيئًا فأعناه عليه، فقال: «لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله» (٣).

стр. 73

وروي أن قومًا من الأعراب زرعوا زرعًا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله، فخرجت عليهم أعرابية فقالت: ما لي أراكم قد نكستم رؤوسكم، وضاقت صدوركم، هو ربنا والعالم بنا، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء! ثم أنشأت تقول: لو كان في صخرة في البحر ... صمًّا ململمة ملسًا نواحيها رزق لنفس براها الله لانفلقت ... حتى تؤدي إليها كل ما فيها أو كان بين طباق السبع ... لسهل الله في المرقى مراقيها حتى تنال الذي في اللوح خط لها ... إن لم تنله وإلا سوف يأتيها قلت: وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شي، وهو فراغ القلب مع الرب، رزقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنه وكرمه» (١). إن الله سبحانه يختص بالرزق والتقدير دون شريك ولا معين، ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وسبحانه وبحمده، امتد رزقه للبهائم فضلًا عن العقلاء، فرزق الطير في أوكارها، والسباع في جحورها، والحيتان في قاع بحارها، وشمل رزقه الدواب بأنواعها، وصدق الله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). فالمخلوق الذي لا يحمل الرزق يحمل إليه الرزق! والذي لا يملك قوت يومه أو غده ييسره الله له قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا

стр. 74

وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). ومن لطائف ما ذُكر في تفسير هذه الآية ما أورده ابن كثير ﵀: «ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب، فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمطار؛ ولهذا قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي: لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تؤخر شيئاً لغد، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: الله يقيض لها رزقها على ضعفها، وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه، حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: «يا بن عمر، مالك لا تأكل؟» قال: قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: «لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا بن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين؟». قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣). فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا بإتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز دينارًا

стр. 75

ولا درهمًا، ولا أخبئ رزقاً لغد». وقد ذكروا أن الغراب إذا فقس عن فراخه البيض، خرجوا وهم بيض فإذا رآهم أبواهم كذلك، نفرا عنهم أياماً حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحًا فاه يتفقد أبويه، فيقيض الله له طيرًا صغارًا كالبرغش فيغشاه فيتقوت منه تلك الأيام حتى يسود ريشه، والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرَا عنه، فإذا رأوه قد اسودّ ريشه عطفَا عليه بالحضانة والرزق» (١). وفي السنة النبوية ما يؤكد للإنسان أهمية أن يثق بالله تعالى في رزقه؛ فإن رزق الإنسان مكتوب له، وهو في بطن أمه فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار» (٢). قال ابن حجر ﵀: «والمراد من كتابة الرزق تقديره قليلًا أو كثيرًا وصفته حراماً أو حلالاً وبالأجل هل هو طويل أو قصير وبالعمل هو صالح أو فاسد ووقع لأبي داود من رواية شعبة والثوري جميعًا عن الأعمش ثم يكتب شقيًّا أو سعيدًا ومعنى قوله شقي أو سعيد أن الملك يكتب إحدى الكلمتين كأن يكتب مثلًا أجل هذا الجنين كذا ورزقه كذا وعمله كذا وهو شقي
следующие страницы →