← Акыда

Акыда · id 17071

ثقة المسلم بالله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

محمد بن إبراهيم الرومي

Полный текст (144 стр.). Показаны 106–144 · переход к 111.

стр. 106

ولا تنال حظًّا من سيادة الله إلا إذا مرت بأدوار من العمل المضني والجهاد الشاق، وصبرت على تكاليف الرسالات التي تحملها، والتقدم الذي تنشده. والقرآن الكريم يذكر السر في تسويد الأقدمين. من بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١). «إذا استحكمت الأزمات وتعقدت حبالها، وترادفت الضوائق وطال ليلها، فالصبر وحده هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط، والهداية الواقية من القنوط. والصبر فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه، ولا بد أن يبني عليها أعماله وآماله وإلا كان هازلًا .. يجب أن يوطن نفسه على احتمال المكاره دون ضجر، وانتظار النتائج مهما بعدت، ومواجهة الأعباء مهما ثقلت، بقلب لم تعلق به ريبة، وعقل لا تطيش به كُربة، يجب أن يظل موفور الثقة بادي الثبات، لا يرتاع لغيمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرى وأخرى، بل يبقى موقنًا بأن بوادر الصفو لا بد آتية، وأن من الحكمة ارتقابها في سكون ويقين. وقد أكد الله أن ابتلاء الناس لا محيص عنه، حتى يأخذوا أهبتهم للنوازل المتوقعة، فلا تذهلهم المفاجآت ويضرعوا لها» (٢). إن من عوامل النجاح: ثقة الداعية بدعوته، وإيمانه الراسخ المطلق بأنها الحق الذي لا ريب فيه .. فهنا يتحول إلى قدوة في قوله وفعله، يتحول إلى إمام ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣). فلا بد أن نكون دعاة صادقين وأئمة هادين مهديين، لا بد من الصبر على الدين، فلا تزحزحنا عنه أو عن بعض عقائده أو أحكامه استخفافات الذين لا يوقنون، ولا بد من اليقين المطلق الذي لا يقبل المراجعة أو الشك بأنه الحق.

стр. 107

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (١). وقال جلا وعلا: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (٢). ومن الثقة في الدعوة ألا نقبل عليها مساومة أو مداهنة؛ فإن هذا الدين دين الله، لا يقبل سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: من يدين الله بغير دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، فعمله مردود غير مقبول، لأن دين الإسلام هو المتضمن للاستسلام لله، إخلاصًا وانقيادًا لرسله فما لم يأت به العبد لم يأت بسبب النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، وكل دين سواه فباطل» (٤). ولقد ضرب النبي ﷺ المثل الأعلى في ثقته في الدعوة والرسالة عندما رفض التهديد والوعيد والمساومة على دين الله. «وجاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله

стр. 108

لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. عَظُم علي أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله ﷺ وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله ﷺ أن عمه خاذله، وأنه ضعف عن نصرته، فقال: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر - حتى يظهره الله أو أهلك فيه - ما تركته»، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدًا» (١). ومن خلال ذلك يظهر أهمية ثقة المسلم بالله تعالى في مجال الدعوة إلى الله، وضرورة الثبات على المبدأ والحق، والثبات على الدين.

стр. 109

المبحث الخامس ثقة المسلم بالله تعالى في النصر على الأعداء ومن ثقة المسلم بالله تعالى أنه يثق أن بالله في النصر على الأعداء، طالما أخذ بالأسباب، واستعان بالله تعالى، وكان جهاده وقتاله في سبيل الله، وفي سبيل الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وليس لأي غرض من أغراض الدنيا، ولعل من أبرز الشواهد والنماذج التي تؤكد هذه الثقة ما يلي: ١ - ثقة نبي الله موسى ﵇ بالله تعالى في نصره على فرعون: أشار القرآن الكريم في أكثر من موضع إلى قصة الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، وكيف أراد فرعون قتل موسى ﵇ والتخلص منه، وكيف ظن فرعون أنه يستطيع بجنده وعتاده أن يهزم كلمة التوحيد، ولكن كانت كلمة الله هي العليا، ووثق موسى ﵇ في نصر الله له على عدوه فرعون، ومما جاء في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ (١). قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى﴾ نبينا ﴿مُوسَى﴾ إذ تابعنا له الحجج على فرعون، فأبى أن يستجيب لأمر ربه، وطغى وتمادى في طغيانه ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ ليلاً ﴿بِعِبَادِي﴾ يعني بعبادي من بني إسرائيل، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ

стр. 110

طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ يقول: فاتخذ لهم في البحر طريقا يابسًا، واليَبَس واليَبْس: يجمع أيباس، تقول: وقفوا في أيباس من الأرض، واليَبْس المخفف: يجمع يبوس. وأما قوله ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ فإنه يعني: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك، ولا تخشى غرقًا من بين يديك ووحلًا. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ. وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾. يقول تعالى ذكره: فسرى موسى ببني إسرائيل إذ أوحينا إليه أن أسر بهم، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده في اليم ما غشيهم، فغرقوا جميعًا ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ يقول جلّ ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبيل، وأخذ بهم على غير استقامة، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم بالكفر بالله، وتكذيب رسله ﴿وَمَا هَدَى﴾ يقول: وما سلك بهم الطريق المستقيم، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى ﵇، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يهدهم بأمره إياهم بذلك، ولم يهتدوا بإتباعهم إياه» (١). وقال الشوكاني ﵀: «هذا شروع في إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوهم، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ أي اجعل لهم طريقًا، ومعنى ﴿يَبَسًا﴾: يابسًا، وصف به الفاعل مبالغة، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ في محل نصب على الحال، أي آمنا من أن يدرككم العدو، أو صفة أخرى لطريق، والدرك اللحاق بهم من فرعون وجنوده. وقوله ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي

стр. 111

علاهم وأصابهم ما علاهم وأصابهم، والتكرير للتعظيم والتهويل، وقال ابن الأنباري: غشيهم البعض الذي غشيهم؛ لأنه لم يغشهم كل ماء البحر، بل الذي غشيهم بعضه. فهذه العبارة للدلالة على أن الذي غرقهم بعض الماء، والأوَّل أولى لما يدل عليه من التهويل والتعظيم ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ أي أضلهم عن الرشد، وما هداهم إلى طريق النجاة، لأنه قدَّر أن موسى ومن معه لا يفوتونه لكونهم بين يديه يمشون في طريق يابسة، وبين أيديهم البحر، وفي قوله: ﴿وَمَا هَدَى﴾ تأكيد لإضلاله؛ لأن المضل قد يرشد من يضله في بعض الأمور» (١). لقد أمر الله موسى ﵇ حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، وينقذهم من قبضة فرعون، دون أن يشعر بهم أحد، وأمره أن يتخذ أو يجعل لهم طريقًا يابسًا في وسط البحر، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين. وأشعره بالأمان والنجاة، فقال له: أنت آمن لا تخاف أن يدركك وقومك فرعون وقومه، ولا تخشى أن يغرق البحر قومك، أو لا تخاف إدراك فرعون ولا تخشى الغرق بالماء. والتعبير عن بني إسرائيل بكلمة بعبادي دليل على العناية بهم، وأنهم كانوا حينئذ قومًا صالحين، وإيماء بقبح صنع فرعون بهم من الاستعباد والظلم. وتبعهم فرعون ومعه جنوده، فغشيهم من البحر ما غشيهم مما هو معروف ومشهور، فغرقوا جميعًا. وتكرار غَشِيَهُم للتعظيم والتهويل. وأما تورط فرعون الداهية الذكي في متابعة موسى ﵇ فكان بسبب أنه

стр. 112

أمر مقدمة عسكره بالدخول، فدخلوا وما غرقوا، فغلب على ظنه السلامة، فلما دخل الكل أغرقهم الله تعالى. قال ابن عطية ﵀: «هذا استئناف إخبار عن موسى من أمر موسى وبينه وبين مقال السحرة المتقدم مدة من الزمان حدثت فيها لموسى وفرعون حوادث، وذلك أن فرعون لما انقضى أمر السحرة وغلب موسى وقوي أمره وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل فأقام موسى على وعده حتى غدره فرعون ونكث وأعلمه أنه لا يرسلهم معه، فبعث الله حينئذ الآيات المذكورة في غير هذه الآيات الجراد والقمل إلى آخرها كلما جاءت آية وعد فرعون أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف القول فإذا انكشف نكث حتى تأتي أخرى، فلما كانت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج بني إسرائيل من مصر في الليل هارباً، و «السرى» سير الليل، و ﴿أَنْ﴾ في قوله ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ يجوز أن تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب، ويجوز أن تكون الناصبة للأفعال وتكون في موضع نصب ب ﴿أَوْحَيْنَا﴾ وقوله تعالى ﴿بِعِبَادِي﴾ إضافة تشريف لبني إسرائيل، وكل الخلق عباد الله. فأوحي إلى موسى أن يقصد ﴿الْبَحْرِ﴾ فخرج بنو إسرائيل فرأوا أن العذاب من ورائهم والبحر من أمامهم وموسى يثق بصنع الله تعالى فلما رآهم فرعون قد هبطوا نحو البحر طمع فيهم، وكان مقصدهم إلى موضع منقطع فيه الفحوص والطرق الواسعة، فضرب موسى ﵇ البحر فانفلق اثنتي عشرة فرقة، طرقًا واسعة بينها حيطان ماء واقف فدخل موسى ﵇ بعد أن بعث الله تعالى ريح الصبا، فجففت تلك الطرق حتى يبست، ودخلو بنو إسرائيل ووصل فرعون إلى المدخل وبنو إسرائيل كلهم في البحر فرأى الماء على تلك الحال فجزع قومه واستعظموا الأمر، فقال لهم إنما انفلق لي من هيبتي، وهاهنا كمل إضلاله لهم وحمله الله تعالى على الدخول، وتتابع الناس حتى تكاملوا في البحر فانطبق عليهم، فسمع بنو إسرائيل انطباق البحر وهم

стр. 113

قد خرجوا بأجمعهم من البحر فعجبوا وأخبرهم موسى أن فرعون وقومه قد هلكوا فيه، فطلبوا مصداق ذلك، فلفظ البحر الناس وألقى الله تعالى فرعون على فجوة من الأرض بدرعه المعروفة له» (١). ومن الآيات أيضًا التي تؤكد على ثقة نبي الله موسى في ربه، وإنجائه من فرعون وجنده ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ *فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾ (٢). والمراد أنه لما رأى كل من الفريقين صاحبه، قال بنو إسرائيل وقد أيقنوا بالهلاك: إن فرعون وجنوده لحقوا بنا وسيقتلوننا، أو إنا لمتابعون وسنموت على أيديهم. فطمأنهم موسى ﵇ وهدأ نفوسهم قائلًا: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ قال موسى: كلا لا يدركوننا، إن معني ربي بالحفظ والنصرة سيهدين قال موسى: كلا لا يدركوننا، إن معي ربي بالحفظ والنصرة سيهديني إلى طريق النجاة والخلاص منهم، وسينصرني عليهم وأوحى الله إلى موسى: أن بضرب البحر بعصاه، فضربه بها، ففيها سلطان الله الذي أعطاه،

стр. 114

فانفلق اثني عشر طريقاً، وصارت كل قطعة من الماء المجوز عن الانسياب الواقف عن التحرك كالجبل الشامخ الكبير، وكانت الطرق الجافة بالهواء والشمس بعدد أسباط بني إسرائيل، لكل سبط منهم طريق، وأنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم، فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده، ولم يبق منهم أحد. «إن في هذه القصة وما فيها من العجائب لعبرة وعظمة وآية دالة على قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى ﵇، وعلى إنجاء عباد الله المؤمنين وإهلاك الكافرين. أي ولم يؤمن أكثر من بقي في مصر من القبط، وكذلك لم يؤمن أكثر بني إسرائيل، فإن هذه المعجزة تحمل على الإيمان، ومع ذلك كذَّب بنو إسرائيل، واتخذوا العجل إلهًا، وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. وفي هذا تسلية للرسول ﷺ عما أغمه وأحزنه من تكذيب قومه، مع قيام الأدلة والمعجزات على الإيمان بالله والرسل. وإن الله تعالى لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه المؤمنين. وهذا بشارة بالنصر للنبي ﷺ في المستقبل القريب» (١). ٢ - ثقة النبي ﷺ بربه في غزوة بدر: وذلك حيث كان عدد المشركين أكثر من عدد المؤمنين، ولكن النبي ﷺ كان واثقًا في نصر الله له. «أما رسول الله ﷺ فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: «اللَّهم أنجز لي ما وعدتني، اللَّهم إني أنشدك عهدك ووعدك»، حتى إذا حَمِىَ الوَطيس، واستدارت رحى الحرب بشدة واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها، قال: «اللَّهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا». وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك.

стр. 115

وأوحى الله إلى ملائكته: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (١). وأوحى إلى رسوله ﷺ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢). أي إنهم ردف لكم، أو يردف بعضهم بعضًا أرسالًا، لا يأتون دفعة واحدة. وأغفي رسول الله ﷺ إغفاءة واحدة، ثم رفع رأسه فقال: «أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النَّقْعُ» وفي رواية ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، وعلى ثناياه النَّقْعُ». ثم خرج رسول الله ﷺ من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٣). ثم أخذ حفنةً من الحصباء، فاستقبل بها قريشًا وقال: «شاهت الوجوه» ورمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة، وفي ذلك أنزل الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤). (٥) إن حقيقة النصر في بدر كانت من الله تعالى قال سبحانه فقد بين أن النصر لا يكون إلا من عند الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ

стр. 116

اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). «وفي هاتين الآيتين تأكيد على أن النصر لا يكون إلا من عند الله ، والمعنى: ليس النصر إلا من عند الله دون غيره، و «العزيز» أي: ذو العزة التي لا ترام، و (الحكيم) أي: الحكيم فيما شرعه من قتال الكفار مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته . ويستفاد من هاتين الآيتين: تعليم المؤمنين الاعتماد على الله وحده، وتفويض أمورهم إليه مع التأكيد على أن النصر إنما هو من عند الله وحده، وليس من الملائكة أو غيرهم، فالأسباب يجب أن يأخذ بها المسلمون، لكن يجب أن لا يغتروا بها، وأن يكون اعتمادهم على خالق الأسباب حتى يمدهم الله بنصره وتوفيقه، ثم بين سبحانه مظاهر فضله على المؤمنين، وأن النصر الذي كان في بدر، وقتلهم المشركين، ورمي النبي ﷺ المشركين بالتراب يوم بدر إنما كان في الحقيقة بتوفيق الله أولًا وبفضله ومعونته. وبهذه الآية الكريمة يربي القرآن المسلمين ويعلمهم الاعتماد عليه، قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). ولما بيَّن أن النصر كان من عنده، وضح بعض الحكم من ذلك النصر، قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ

стр. 117

يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١). وأمر المؤمنين أن يتذكروا دائمًا تلك النعمة العظيمة؛ نعمة النصر في بدر، ولا ينسوا من أذهانهم كيف كانت حالتهم قبل النصر، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). (٣) ٣ - ثقة النبي في ربه في غزوة أحد: ورغم هزيمة المسلمين في غزوة أحد إلا أن النبي ﷺ كان واثقًا في الله تعالى، ولم تكن الهزيمة أبدًا سببًا في زعزعة العقيدة، والتمسك بالإيمان الكامل بالله . ففي هذه الغزوة جاء تذكير المؤمنين بالسنن ودعوتهم للعلو الإيماني، وهذا لثقتهم في ربهم قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤). إن المتأمل في هذه الآيات الكريمة يجد أن الله لم يترك المسلمين لوساوس الشيطان في محنة غزوة أحد، بل خاطبهم بهذه الآيات التي بعث بها الأمل في قلوبهم، وأرشدهم إلى ما يقويهم ويثبتهم، ويمسح بتوجيهاته دموعهم ويخفف عنهم آلامهم.

стр. 118

قال القرطبي ﵀: «هو تسلية من الله تعالى للمؤمنين» (١). ففي الآيات السابقة دعوة للتأمل في مصير الأمم السابقة التي كذبت بدعوة الله تعالى، وكيف جرت فيهم سنته على حسب عادته، وهي الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم على أمره. وجاء التعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذبين التي تدعو إلى التعجب، وتثير الاستغراب، وتغرس الاعتبار والاتعاظ في قلوب المؤمنين؛ لأن هؤلاء المكذبين مكن الله لهم في الأرض ومنحهم الكثير من نعمه، ولكنهم لم يشكروه عليها، فأهلكهم بسبب طغيانهم» (٢). وقال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٣). بيَّن الله - سبحانه - لهم أن الجروح والقتلى يجب ألا تؤثر في جسدهم واجتهادهم في جهاد العدو؛ وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله من قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى. وقال الزمخشري ﵀: «والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم، ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال،

стр. 119

فأنتم أولى أن لا تضعفوا. فعن ابن عباس ﵄ قال: إنه كان يوم أحد بيوم بدر، قتل المؤمنون يوم أحد، اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله ﷺ يوم بدر المشركين فجعل الدولة عليهم وقد ذكر الله تعالى أربع حكم لما حدث للمؤمنين في غزوة أحد وهي: تحقق علم الله تعالى وإظهاره للمؤمنين، وإكرام بعضهم بالشهادة التي توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات، وتطهير المؤمنين وتخليصهم من ذنوبهم ومن المنافقين، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدًا رويدًا» (١). ونلحظ من خلال أحداث غزوة أحد: أن المسلمين انتصروا في أول الأمر حينما امتثلوا لأوامر الرسول ﷺ ، وانقادوا لتعليمات قائدهم وأميرهم عبد الله بن جبير ﵁ بينما انهزموا حينما خالفوا أمره ﷺ ونزل الرماة من الجبل لجمع الغنائم مع بقية الصحابة ﵃ قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). إن من أبرز ما يدل على ثقة الرسول ﷺ بالله في هذه الغزوة هو ثناؤه على الله تعالى الرسول ﷺ يثني على ربه ويدعوه. فعن عبيد بن رفاعة الزرقي ﵁ قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ : «استووا حتى أثني على ربي »، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: «اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما

стр. 120

قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك». «اللهم إني أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق» (١). قال ابن حجر ﵀: «قال العلماء: وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة، منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهي؛ لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول ﷺ ألا يبرحوا منه. ومنها أن عادة الرسل أن تبتلي وتكون لها العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائمًا دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين، فلما جرت هذه القصة، وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًا في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم. ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس. وكسرًا لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا، وجزع المنافقون. ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم،

стр. 121

فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليهم. ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين» (١). ٤ - ثقة النبي بالله تعالى في غزوة الأحزاب: ومن الثقة في نصر الله تعالى ما كان من النبي ﷺ في غزوة الأحزاب، وقد التفت عليه جموع الشرك والمشركين، وصناديد الكفر والمنافقين ومع ذلك كان النبي ﷺ واثقًا من نصر الله تعالى له. فعن البراء بن عازب ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق قال وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول قال فشكوها إلى رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ قال عوف وأحسبه قال وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول فقال: بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله أني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ثم قال بسم الله وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله أني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا ثم قال بسم الله وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله أني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا» (٢). ولقد كان المسلمون يدعون الله تعالى: «اللَّهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا»، ودعا رسول الله ﷺ على الأحزاب، فقال: «اللَّهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم».

стр. 122

وقد سمع الله دعاء رسوله والمسلمين، فبعد أن دبت الفرقة في صفوف المشركين وسري بينهم التخاذل أرسل الله عليهم جندًا من الريح فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طُنُباً إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار، وأرسل جندًا من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف. وأرسل رسول الله ﷺ في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحالة، وقد تهيأوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله ﷺ وقد رد الله عدوه بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفاه الله قتالهم، فصدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فرجع إلى المدينة» (١). ولقد كان ﷺ يبشر أصحابه بالنصر والظفر ويعدهم الخير. أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدة ما تكنه ضمائرهم حتى قالوا: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢). وانسحبوا قائلين: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (٣). (٤). إنه يتضح في تلك الغزوة شدة تضرع الرسول ﷺ ونزول النصر: «كان رسول الله ﷺ كثير التضرع والدعاء والاستعانة بالله، وخصوصاً في مغازيه، وعندما اشتد الكرب على المسلمين أكثر مما سبق حتى بلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فما كان من المسلمين

стр. 123

إلا أن توجهوا إلى الرسول ﷺ وقالوا: يا رسول الله هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر، فقال: نعم. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا». وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» (١). فاستجاب الله سبحانه دعاء نبيه ﷺ ، فأقبلت بشائر الفرج فقد صرفهم الله بحوله وقوته، وزلزل أبدانهم وقلوبهم، وشتت جمعهم بالخلاف، ثم أرسل عليهم الريح الباردة الشديدة، وألقى الرعب في قلوبهم، وأنزل جنودًا من عنده سبحانه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٢). قال القرطبي ﵀: «وكانت هذه الريح معجزة للنبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ والمسلمين كانوا قريبًا منهم، ولم يكن بينهم إلا عرض الخندق، وكانوا في عافية منها ولا خبر عندهم بها ... وبعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفساطيط (٣). وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيول بعضها في بعض، وأرسل عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب المعسكر حتى كان سيد كل خباء يقول: يا بني فلان هلم إليَّ فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء النجاء، لما بعث الله عليهم الرعب» (٤). وحرص الرسول ﷺ أن يؤكد لصحبه ثم للمسلمين في الأرض، أن هذه

стр. 124

الأحزاب التي تجاوزت عشرة آلاف مقاتل لم تهزم بالقتال من المسلمين، رغم تضحياتهم، ولم تهزم بعبقرية المواجهة، إنما هزمت بالله وحده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» (٢). «ودعاء رسول الله ﷺ ربه، واعتماده عليه وحده، لا يتناقض أبدًا مع التماس الأسباب البشرية للنصر، فقد تعامل ﷺ في هذه الغزوة مع سنة الأخذ بالأسباب، فبذل جهده لتفريق الأحزاب، وفك الحصار، وغير ذلك من الأمور. إن رسول الله ﷺ يعلمنا سنة الأخذ بالأسباب، وضرورة الالتجاء إلى الله وإخلاص العبودية له؛ لأنه لا تجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوافر وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، فقد كان الدعاء والتضرع إلى الله من الأعمال المتكررة الدائمة التي فزع إليها رسول الله ﷺ في حياته كلها» (٣). وما من شك أن النماذج كثيرة ومتعددة في الثقة في نصر الله، ولكن يكفي للتدليل ما ذكرنا.

стр. 125

المبحث السادس ثقة المسلم بالله تعالى في إنفاذ وعده سبحانه ومن ثقة المسلم بالله تعالى أنه يثق أن بالله في إنفاذ وعده الذي وعده لعباده، وفي ضوء هذا الوعد يتحرك المسلم في الحياة. ١ - الثقة في أن وعد الله سبحانه لا يتخلف: أشار القرآن الكريم في كثير من الآيات إلى أن الله لا يخلف الميعاد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: يقولون في دعائهم: إنك - يا ربنا - ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلاً بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر» (٢). وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٣). قال د. وهبة الزحيلي: «وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ أي: لا تزال القوارع والبلايا من القتل والأسر، والسلب تصيب الكافرين في الدنيا بسبب تكذيبهم لك وتماديهم في الكفر، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا،

стр. 126

كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). حتَّى يأتي وعد الله حتى ينجز الله وعده لك فيهم، بنصرك عليهم، وهو فتح مكة كما قال ابن عباس وآخرون، أو حتى ينتهي هذا العالم بالنسبة لكفار آخرين. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ إن الله ينجز وعده الذي وعدك به، من النصر عليهم، ولا ينقض وعده لرسله بالنصر لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة» (٢). ٢ - الثقة في وعد الله بنصر رسله: دلت النصوص الشرعية على أن وعد الله لا يتخلف في نصر رسله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣). قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: ولقد سبق منا القول لرسلنا إنهم لهم المنصورون: أي مضى بهذا منا القضاء والحكم في أمّ الكتاب، وهو أنهم لهم النُّصرة والغلبة بالحجج. وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ يقول: وإن حزبنا وأهل ولايتنا لهم الغالبون، يقول: لهم الظفر على أهل الكفر بنا، والخلاف علينا» (٤). والمراد من الآيات أنه لقد سبق وعدنا بالنصر والظفر على الكفار في الدنيا والآخرة لعبادنا الرسل الذين أرسلناهم للإنذار والتبشير، ففي الدنيا: تكون الغلبة والقهر لهم بالأسر والقتل والتشريد أو الإجلاء أو بالحجة

стр. 127

والبرهان، ونحو ذلك، وفي الآخرة: الظفر بالجنة، والنجاة من النار، وهذا في الأعم الأغلب. وجند الله: حزبه، وهم الرسل وأتباعهم. وشرط النصر معروف، وهو الإيمان الصحيح بالله ، والعمل بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتزام دين الله شرعاً ودستوراً ونظاماً ومنهج حياة. وقال الشيخ السعدي ﵀: لقد سبقت كلمة الله التي لا مرد لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين، أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم، نصراً عزيزاً، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند الله، بأن كانت أحواله مستقيمة، وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور» (١). وقال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى مقررًا لوعده ومؤكدًا: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي: من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ثم أخبر أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده، ولا يغالب، وذو انتقام ممن كفر به وجحده» (٣). وقال ابن عطية ﵀: «والمعنى: لا تحسب يا محمد - أنت ومن اعتبر بالأمر من أمتك وغيرهم - أن الله لا ينجز ميعاده في نصره رسله، وإظهارهم، ومعاقبة من كفر بهم، في الدنيا أو في الآخرة، فإن الله عزيز لا يمتنع منه شيء، ذو انتقام من الكفرة لا سبيل إلى عفوه عنهم» (٤).

стр. 128

وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وعد الله لا يخلف لأن كلامه حق وصدق، ولكن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون وعده، ولا أنه لا خلف في وعده. إلى غير ذلك من الآيات التي تقرر نصر الله لرسله ووعده بذلك، وثقة الأنبياء في نصر الله لهم. ٣ - الثقة في وعد الله للمؤمنين بدخول الجنة: والآيات في هذا المعنى كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٤). قال الشيخ السعدي ﵀: «ولما بين مآل الأشقياء أولياء الشيطان ذكر مآل السعداء أوليائه فقال: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ

стр. 129

قِيلًا﴾ أي: ﴿آَمَنُوا﴾ بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره على الوجه الذي أمروا به علماً وتصديقاً وإقراراً. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الناشئة عن الإيمان؟ وهذا يشمل سائر المأمورات من واجب ومستحب، الذي على القلب، والذي على اللسان، والذي على بقية الجوارح. كل له من الثواب المرتب على ذلك بحسب حاله ومقامه، وتكميله للإيمان والعمل الصالح. ويفوته ما رتب على ذلك بحسب ما أخل به من الإيمان والعمل، وذلك بحسب ما علم من حكمة الله ورحمته، وكذلك وعده الصادق الذي يعرف من تتبع كتاب الله وسنة رسوله. ولهذا ذكر الثواب المرتب على ذلك بقوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من أنواع المآكل والمشارب اللذيذة، والمناظر العجيبة، والأزواج الحسنة، والقصور، والغرف المزخرفة، والأشجار المتدلية، والفواكه المستغربة، والأصوات الشجية، والنعم السابغة، وتزاور الإخوان، وتذكرهم ما كان منهم في رياض الجنان، وأعلى من ذلك كله وأجل رضوان الله عليهم وتمتع الأرواح بقربه، والعيون برؤيته، والأسماع بخطابه الذي ينسيهم كل نعيم وسرور، ولولا الثبات من الله لهم لطاروا وماتوا من الفرح والحبور، فلله ما أحلى ذلك النعيم وما أعلى ما أنالهم الرب الكريم، وماذا حصل لهم من كل خير وبهجة لا يصفه الواصفون، وتمام ذلك وكماله الخلود الدائم في تلك المنازل العاليات، ولهذا قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. فصدق الله العظيم الذي بلغ قوله وحديثه في الصدق أعلى ما يكون، ولهذا لما كان كلامه صدقاً وخبره حقاً، كان ما يدل عليه مطابقةً وتضمناً وملازمة كل ذلك مراد من كلامه، وكذلك كلام رسوله ﷺ -

стр. 130

لكونه لا يخبر إلا بأمره ولا ينطلق إلا عن وحيه» (١). وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣). وقال جل شأنه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ (٥). وأخبر عن حال أهل الإيمان أنهم يقولون: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٦). ووعد سبحانه أهل الإيمان بالاستخلاف في الأرض قال جل شأنه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٧).

стр. 131

قال جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). وأخبر عن وعده بأنه وعد الصدق فقال جل شأنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٢). والآيات في هذا المعنى كثيرة، وأهل الإيمان عملوا بهذه الآيات، وعلموا أن وعد الله حق فوثقوا في ذلك، وكانت دافعًا لهم لقوة الإيمان وزيادته، والحرص على الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى. ولا أدل على ذلك من موقف عمير بن الحمام ﵁ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ بسيسة عيناً ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ «قال لا أدري ما استثنى بعض نسائه» قال فحدثه الحديث قال فخرج رسول الله ﷺ فتكلم فقال «إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا» فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة فقال «لا إلا من كان ظهره حاضراً» فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ «لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» قال: يقول: عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال «نعم» قال بخ بخ فقال رسول الله ﷺ «ما يحملك على قولك بخ بخ» قال لا والله يا رسول الله إلى رجاء أن أكون من أهلها قال «فإنك من أهلها» فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة قال فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل

стр. 132

حتى قتل» (١). وعن ثابت قال قال أنس ﵁ «عمي الذي سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدراً قال فشق عليه قال أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه وإن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع قال فهاب أن يقول غيرها قال فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس يا أبا عمرو أين؟ فقال واهاً لريح الجنة أجدوه دون أحد قال فقاتلهم حتى قتل قال فوُجِد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية قال فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر فما عرفت أخي إلا ببنانه ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٢). قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه» (٣). ٤ - الثقة في وعد الله لعباده الصالحين: ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما وعد الله به أم موسى من رد ابنها إليها، ومنحه النبوة والرسالة، وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤). وقد علق ابن القيم ﵀ على فعل أم موسى وتنفيذها لأمر الله سبحانه فقال: «فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله تعالى إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجريانه إلى حيث

стр. 133

ينتهي أو يقف» (١). قال ابن كثير ﵀: «ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يُفني بني إسرائيل فَيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة. فقالوا لفرعون: إنه يوشك - إن استمر هذا الحال - أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يقمن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك. فأمر بقتل الوالدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هارون، ﵇، في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى، ﵇، في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك، وقوابل يَدُرْنَ على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يَقبَلُها إلا نساء القبط، فإذا ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلامًا دخل أولئك الذبَّاحون، بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا قبَّحهم الله. فلما حملت أم موسى به ﵇، لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا وأحبته حبًا زائدًا، وكان موسى، ﵇، لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعاً وشرعاً فلما ضاقت ذرعاً به ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومهدت فيه مهدًا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد ممَّن تخاف جعلته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، وربطته بحبل عندها. فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع

стр. 134

الماء واحتمله، حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحة دونها. فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها» (١). قال الشيخ السعدي ﵀: «فهذه الأمور كلها، قد تعلقت بها إرادة الله، وجرت بها مشيئته، وإذا أراد أمراً سهل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك، فإنه قدر وأجرى من الأسباب - التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه - ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود. فأول ذلك، لما أوجد الله رسوله موسى ﵇ الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه، وكان في وقت تلك المخافة العظيمة، التي يذبحون بها الأبناء، أوحى إلى أمه أن ترضعه، ويمكث عندها. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ بأن أحسست أحداً تخافين عليه منه أن يوصله إليهم، ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي نيل مصر، في وسط تابوت مغلق، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فبشرها بأنه سيرده عليها، وأنه سيكبر ويسلم من كيدهم، ويجعله الله رسولاً وهذا من أعظم البشائر الجليلة، وتقديم هذه البشارة لأم موسى، ليطمئن قلبها، ويسكن روعها، فإنها خافت عليه، وفعلت ما أمرت به، ألقته في اليم، فساقه الله تعالى» (٢). ومن النماذج أيضًا التي تدل على الثقة بما وعد الله به عباده الصالحين ما كان من هاجر ﵍ فعن سعيد بن جبير ﵀ قال عبد الله بن عباس ﵄: «أوَّل ما اتَّخذ النساء المنطق من قبل أمّ إسماعيل اتَّخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة ثمَّ جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه فوضعهما

стр. 135

«حتى وضعهما» عند البيت عند دوحة فوق زمزم «الزَّمزم» في أعلى المسجد وليس بمكَّة يومئذٍ أحد وليس بها ماءٌ فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابًا فيه تمرٌ وسقاءً فيه ماء ثمَّ قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أمُّ إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا «في هذا» الوادي الذي ليس فيه إنسٌ «أنيسٌ» ولا شيء فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له آلله الذي أمرك بهذا قال: نعم قالت إذن لا يضيّعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات «الدعوات» ورفع يديه فقال ربِّ ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ وجعلت أمُّ إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السِّقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوَّى أو قال يتلبَّط «يتلمَّظ» فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرق درعها ثمَّ سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثمَّ أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرَّات قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ «فذلك سعي النَّاس «فلذلك سعي النَّاس» بينهما فلمَّا أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت صهٍ تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضًا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ «غواثٌ» فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوِّضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال ابن عبَّاس قال النبي ﷺ يرحم الله أمُّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا قال فشربت وأرضعت ولدها ...» (١).

стр. 136

ففي هذه القصة العظيمة يظهر لنا كيف أن الله ﵎ حفظ هاجر ﵍ وولدها إسماعيل، وأكرمها بكرامات عدة، منها: أولًا: أن الله لم يضيعها، بل حفظها وولدها، وأكرمها بنبع ماء زمزم، فقد كانت السبب في خروجه، فقد أرسل الله ملكاً ليضرب برجله في الأرض، فخرج ماء زمزم، قال عنه النبي ﷺ : «لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً». ثانيًا: أن الله ﵎ جعل تعبها وسعيها في طلب الماء، وبحثها عنه؛ ركناً من أركان الحج التي لا يتم إلا بها، قال ﷺ : «فذلك سعي الناس بينهما»، كل هذه الكرامات - وغيرها - بسبب إيمانها بربها، ووثوقها به، وقوة اعتمادها عليه، وصدق توكلها عليه. ومن خلال ما سبق يظهر لنا الثقة بالله تعالى في إنفاذ وعده.

стр. 137

الخاتمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير النبيين وسيد المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى من اتبعه واقتفى أثره إلى يوم الدين وبعد: فقد ظهر من خلال البحث أهمية الثقة بالله تعالى في حياة المسلم، وكيف أنها تمثل ركناً مهماً في حياته، وتعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة. واستبانت أيضًا ثقة المسلم بالله تعالى في استجابة الدعاء، وكيف أن الله وعد باستجابة دعاء من يدعوه، وتم عرض نماذج لإجابة الله دعاء من دعاه. وكذلك تم توضيح ثقة المسلم بالله تعالى في تفريج الكربات، وأنه جلا وعلا المقصود وحده في الحوائج، ويكشف الكرب عن المكروبين، ويلبي حاجة المضطرين، وكذلك ثقة المسلم بالله تعالى في التكفل بالرزق، فلا يرتجي المسلم من أحد نفعًا ولا ضرًا، وإنما تعلقه بالله تعالى، وعلى العبد أن يأخذ بالأسباب، ويحسن التوكل على الله. وظهر من خلال البحث ثقة المسلم بالله تعالى في الدعوة إلى الله، وكيف أن ذلك من أهم صفات الداعية التي ينبغي أن يتحلى بها، مما يولد عنده الشجاعة والجرأة في الحق، والاجتهاد في نشر الدعوة، وتبليغ رسالة الإسلام. وكذلك ثقة المسلم بالله تعالى في النصر على الأعداء، وكيف أيد الله تعالى أنبياءه ومن وثق فيه بالنصر المبين. وأخيرًا كانت ثقة المسلم بالله تعالى في إنفاذ وعده سبحانه الذي لا يتخلف ولا يتبدل. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 138

فهرس المصادر والمراجع ١ - إحياء علوم الدين، الإمام أبو حامد الغزالي، ط/ ١، دار الفكر، بيروت: ١٤٢٤ هـ. ٢ - أصول الدعوة، د. عبد الكريم زيدان، ط/ ٢، مؤسسة الرسالة، بيروت: ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م. ٣ - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ابن القيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط/ ٢، دار المعرفة، بيروت: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م. ٤ - أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، أبو بكر جابر الجزائري، ط/ ٣، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م. ٥ - بدائع الفوائد، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ابن قيم الجوزية، تحقيق: هشام عبد العزيز عطا، عادل عبد الحميد العدوي، أشرف أحمد، ط/ ١، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة: ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م. ٦ - بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية، أبو سعيد محمد بن محمد الخادمي، ط/ ١، مطبعة الحلبي، القاهرة: ١٣١٨ هـ. ٧ - التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، ط/ ١، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت: ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م. ٨ - تفسير القرآن الحكيم، الشيخ محمد رشيد رضا، ط/ الهيئة المصرية العامة للكتاب: ١٩٩٠ م. ٩ - تفسير القرآن العظيم، الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، ط/ ٢، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.

стр. 139

١٠ - تفسير الماوردي المسمى (النكت والعيون)، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، ط/ دار الكتب العلمية، بيروت. ١١ - التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، د. وهبة بن مصطفى الزحيلي، ط/ ٢، دار الفكر المعاصر، دمشق: ١٤١٨ هـ. ١٢ - التلخيص المعين على شرج الأربعين، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، إعداد: سلطان بن سراي الشمري، ط/ دار الثريا للنشر. ١٣ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ط/ ١، مؤسسة الرسالة، بيروت: ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م. ١٤ - جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط/ ١، مؤسسة الرسالة، بيروت: ١٤٢٠ هـ - ٣٠٠٠ م. ١٥ - جامع العلوم والحكم، أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ط/ ١، دار المعرفة، بيروت: ١٤٠٨ هـ. ١٦ - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، ط/ دار الكتب المصرية، القاهرة: ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م. ١٧ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد ﷺ . خير الأنام، ابن قيم الجوزية، ط/ دار الكتب العلمية، بيروت. ١٨ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، أبو عبد الله معمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ط/ دار المعرفة، بيروت: ١٤١٨/ ١٩٩٧ م. ١٩ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ط/ ٤، دار الكتاب العربي، بيروت: ١٤٠٥ هـ.

стр. 140

٢٠ - خلق المسلم، الشيخ محمد الغزالي، ط/ ٢، دار الكتب الإسلامية، القاهرة: ١٩٨٥ م. ٢١ - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي، تحقيق: خليل مأمون شيحا، ط/ ٤، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م. ٢٢ - الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري، ط/ ١٧، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م. ٢٣ - رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، ابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الله بن محمد المديفر، ط/ ١، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض: ١٤٢٠ هـ. ٢٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، ط/ ٢٧، مؤسسة الرسالة، بيروت: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م. ٢٥ - سلاح المؤمن في الدعاء والذكر، محمد بن محمد بن علي بن همام بن راجي الله بن سرايا بن داود، تحقيق: محيي الدين ديب مستو، ط/ دار ابن كثير، دمشق: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م. ٢٦ - سنن ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، حواشيه: محمود خليل، ط/ مكتبة أبي المعاطي. ٢٧ - سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، ط/ دار الكتاب العربي، بيروت. ٢٨ - سنن الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرين، ط/ دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٢٩ - السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، د. علي محمد الصلابي، ط/ ٧، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت: ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.

стр. 141

٣٠ - شرج رياض الصالحين، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ط/ ١، دار السلام، القاهرة: ٢٠٠٢ م. ٣١ - شرج صحيح البخاري، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، ط/ ٢، مكتبة الرشد، الرياض: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م. ٣٢ - شرح صحيح الإمام مسلم، النووي، ط/ دار الحديث، القاهرة: ٢٠٠٤ م. ٣٣ - شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ط/ مؤسسة الجريسني، الرياض. ٣٤ - شعب الإيمان، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، حققه وخرج أحاديثه: د. عبد العلي عبد الحميد حامد، ط/ ١، مكتبة الرشد بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م. ٣٥ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البستي، ترتيب: علي بن بلبان بن عبد الله، علاء الدين الفارسي، المنعوت بالأمير، ط/ مؤسسة الرسالة، بيروت. ٣٦ - صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، ط/ ١، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م. ٣٧ - صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، ط/ ١، دار الشعب، القاهرة: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م. ٣٨ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابووي، تحقيق وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط/ دار إحياء التراث العربي، بيروت.

стр. 142

٣٩ - صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط/ المكتب الإسلامي، بيروت. ٤٠ - صفات الداعية، عبد الله ناصح علوان، ط/ ١، دار السلام، القاهرة: ١٩٩٥ م. ٤١ - صفات الداعية، أ. د. حمد بن ناصر العمار، ط/ ٣، دار اشبيليا، الرياض: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م. ٤٢ - عقيدة المسلم، الشيخ، محمد الغزالي، ط/ ١، دار نهضة مصر. ٤٣ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدو الدين العيني الحنفي، ط/ ٢، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة: ٢٩٨٤ م. ٤٤ - فتح الباري شرج صحيح البخاري، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ط/ ١، دار المعرفة، بيروت: ١٣٧٩ هـ. ٤٥ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ط/ ٢، دار الحديث، القاهرة: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م. ٤٦ - فضل الدعوة إلى الله تعالى، أ. د. فضل إلهي، ط/ ١، مؤسسة الجريسي، الرياض: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م. ٤٧ - فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، د. محمد سعيد رمضان البوطي، ط/ دار الفكر المعاصر، بيروت: ١٩٩٤ م. ٤٨ - الفوائد، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي بن قيم الجوزية، ط/ ٢، دار الكتب العلمية، بيروت: ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م. ٤٩ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، زين الدين محمد عبد الرؤوف بن علي المناوي، ط/ ١، دار الكتب العلمية، بيروت: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م. ٥٠ - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، ط/ دار الكتاب العربي، بيروت: ١٤٠٧ هـ.

стр. 143

٥١ - كشف المشكل من حديث الصحيحين، أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب ط/ دار الوطن، الرياض: ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م. ٥٢ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، تحقيق: أنور الباز، عامر الجزار، ط/ ٣، دار الوفاء: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م. ٥٣ - مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز، جمع وإشراف: د. محمد بن سعد الشويعر، ط/ ١، دار القاسم للنشر، الرياض. ٥٤ - محاسن التأويل، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم القاسمي، تحقيق: محمد باسل عيون السود، ط/ ١، دار الكتب العلمية، بيروت: ١٤١٨ هـ. ٥٥ - المحرر الوجيز، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي، تحقيق: الرحالة الفاروق، عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، السيد عبد العال السيد إبراهيم، محمد الشافعي الصادق العناني، ط/ ٢، مطبوعات وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، قطر: ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م. ٥٦ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبى بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط/ ٢، دار الكتاب العربي، بيروت: ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م. ٥٧ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، ط/ ١، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة. ٥٨ - مرقاة المفاتيح شرج مشكاة المصابيح، علي بن سلطان محمد القاري، تحقيق جمال عيتاني، ط/ دار الكتب العلمية، بيروت: ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.

стр. 144

٥٩ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيبًاني، تحقيق وتعليق: شعيب الأرنؤوط، ط/ مؤسسة قرطبة، القاهرة. ٦٠ - مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة، الشيخ محمد الغزالي، ط/ ١، دار الدعوة، القاهرة: ١٩٨٣ م. ٦١ - معجم ابن الأعرابي، أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي، ط/ دار السلام، القاهرة: ١٩٩٨ م. ٦٢ - مفاتيح الغيب، الإمام محمد بن عمر المعروف بفخر الدين الرازي، ط/ دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٦٣ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ط/ دار الكتب العلمية، بيروت: ٢٠٠٠ م. ٦٤ - موسوعة فقه القلوب، محمد بن إبراهيم بن عبد الله التويجري، ط/ ١، بيت الأفكار الدولية، الأردن: ٢٠٠٦ م. ٦٥ - نوادر الأصول في أحاديث الرسول ﷺ ، محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، ط/ دار الجيل، بيروت: ١٩٩٢ م. ٦٦ - نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، محمد بن عفيفي الخضري، تحقيق: هيثم هلال، ط/ ١، دار المعرفة بيروت: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م. ٦٧ - هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة، الشيخ علي محفوظ، ط/ دار الاعتصام.