← Акыда

Акыда · id 17071

ثقة المسلم بالله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

محمد بن إبراهيم الرومي

Полный текст (144 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك هاهنا» (١). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي عدي عن الحسن البصري أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم، ثم لي يصدقوا». قال الأصمعي: أقبلت خارجًا من البصرة، فطلع أعرابي على قعود، فقال: من الرجل؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، فقال: اتل علي، فتلوت والذاريات فلما بلغت قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ فقال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها، ووزعها على الناس، وعمد إلى سيفه وقوسه، فكسرهما وولي. فلما حججت مع الرشيد، طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم علي، واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، ثم قال: فهل غير هذا؟ فقرأت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فصاح، فقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! لم يصدقوه بقوله، حتى ألجؤوه إلى اليمين؟! قالها ثلاثاً، وخرجت معها نفسه» (٢). وجاء في نوادر الأصول في أحاديث الرسول: وعن زيد بن أسلم ﵁ أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم لما هاجروا قدموا على رسول الله ﷺ في فلك وقد أرملوا من الزاد فأرسلوا رجلًا منهم إلى رسول الله ﷺ يسأله فلما انتهى إلى باب رسول الله ﷺ سمعه يقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). فقال الرجل ما الأشعريون بأهون الدواب على الله فرجع ولم يدخل على رسول

стр. 72

الله ﷺ فقال لأصحابه «أبشروا أتاكم الغوث» ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله ﷺ فوعده. فبيناهم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءًا خبزًا ولحمًا فأكلوا منها ما شاءوا ثم قال بعضهم لبعض لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله ﷺ ليقضي به حاجته فقالوا للرجلين اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله ﷺ وإنا قد قضينا منه حاجتنا ثم إنهم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله فما رأينا طعامًا أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به فقال يا رسول الله فما رأينا طعامًا أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به فقال «ما أرسلت إليكم شيئًا» فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم فسأله رسول الله ﷺ فأخبره ما صنع وما قال لهم فقال ﷺ ذلك شيء رزقكموه الله سبحانه» (١). قال القرطبي ﵀: «وقال يزيد بن مرثد: إن رجلًا جاع بمكان ليس فيه شي فقال: اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به، فشبع وروي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت» (٢). وفي سنن ابن ماجة عن حبة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ ، وهو يعالج شيئًا فأعناه عليه، فقال: «لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله» (٣).

стр. 73

وروي أن قومًا من الأعراب زرعوا زرعًا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله، فخرجت عليهم أعرابية فقالت: ما لي أراكم قد نكستم رؤوسكم، وضاقت صدوركم، هو ربنا والعالم بنا، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء! ثم أنشأت تقول: لو كان في صخرة في البحر ... صمًّا ململمة ملسًا نواحيها رزق لنفس براها الله لانفلقت ... حتى تؤدي إليها كل ما فيها أو كان بين طباق السبع ... لسهل الله في المرقى مراقيها حتى تنال الذي في اللوح خط لها ... إن لم تنله وإلا سوف يأتيها قلت: وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شي، وهو فراغ القلب مع الرب، رزقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنه وكرمه» (١). إن الله سبحانه يختص بالرزق والتقدير دون شريك ولا معين، ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وسبحانه وبحمده، امتد رزقه للبهائم فضلًا عن العقلاء، فرزق الطير في أوكارها، والسباع في جحورها، والحيتان في قاع بحارها، وشمل رزقه الدواب بأنواعها، وصدق الله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣). فالمخلوق الذي لا يحمل الرزق يحمل إليه الرزق! والذي لا يملك قوت يومه أو غده ييسره الله له قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا

стр. 74

وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١). ومن لطائف ما ذُكر في تفسير هذه الآية ما أورده ابن كثير ﵀: «ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب، فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمطار؛ ولهذا قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ أي: لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تؤخر شيئاً لغد، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: الله يقيض لها رزقها على ضعفها، وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه، حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: «يا بن عمر، مالك لا تأكل؟» قال: قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: «لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا بن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين؟». قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣). فقال رسول الله ﷺ : «إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا بإتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز دينارًا

стр. 75

ولا درهمًا، ولا أخبئ رزقاً لغد». وقد ذكروا أن الغراب إذا فقس عن فراخه البيض، خرجوا وهم بيض فإذا رآهم أبواهم كذلك، نفرا عنهم أياماً حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحًا فاه يتفقد أبويه، فيقيض الله له طيرًا صغارًا كالبرغش فيغشاه فيتقوت منه تلك الأيام حتى يسود ريشه، والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرَا عنه، فإذا رأوه قد اسودّ ريشه عطفَا عليه بالحضانة والرزق» (١). وفي السنة النبوية ما يؤكد للإنسان أهمية أن يثق بالله تعالى في رزقه؛ فإن رزق الإنسان مكتوب له، وهو في بطن أمه فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار» (٢). قال ابن حجر ﵀: «والمراد من كتابة الرزق تقديره قليلًا أو كثيرًا وصفته حراماً أو حلالاً وبالأجل هل هو طويل أو قصير وبالعمل هو صالح أو فاسد ووقع لأبي داود من رواية شعبة والثوري جميعًا عن الأعمش ثم يكتب شقيًّا أو سعيدًا ومعنى قوله شقي أو سعيد أن الملك يكتب إحدى الكلمتين كأن يكتب مثلًا أجل هذا الجنين كذا ورزقه كذا وعمله كذا وهو شقي

стр. 76

باعتبار ما يختم له وسعيد باعتبار ما يختم له كما دل عليه بقية الخبر وكان ظاهر السياق أن يقول ويكتب شقاوته وسعادته لكن عدل عن ذلك لأن الكلام مسوق إليهما والتفصيل وارد عليهما» (١). وجاء في التلخيص المعين على شرح الأربعين: «وقوله: «ويؤمر» أي الملك «بأربع كلمات» والآمر هو الله بكتب «رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». وقوله «رزقه» الرزق هنا: ما ينتفع به الإنسان وهو نوعان: رزق يقوم به البدن، ورزق يقوم به الدين. والرزق الذي يقوم به البدن: هو الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركوب وما أشبه ذلك. والرزق الذي يقوم به الدين: هو العلم والإيمان، وكلاهما مراد بهذا الحديث. «وأجله» أي مدة بقائه في هذه الدنيا، والناس يختلفون في الأجل اختلافًا متباينًا، فمن الناس من يموت حين الولادة، ومنهم من يعمر إلى مائة سنة من هذه الأمة، أما من قبلنا من الأمم فيعمرون إلى أكثر من هذا، فلبث نوح ﵇ في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا. واختيار طول الأجل أو قصر الأجل ليس إلى البشر، وليس لصحة البدن وقوام البدن، إذ قد يحصل الموت بحادث والإنسان أقوى ما يكون وأعز ما يكون، لكن الآجال تقديرها إلى الله » (٢). وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ««ويؤمر يعني الملك بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد» فيكتب رزقه وكتب الرزق يعني هل هو قليل أم كثير ومتى يأتيه وهل ينتقص أم لا ينتقص المهم أنه يكتب كاملاً ويكتب أجله أيضًا في أي يوم وفي أي مكان وفي أي ساعة وفي أي لحظة وعن بعد أم عن قرب وبأي سبب من

стр. 77

الأسباب موته والمهم أنه يكتب كاملا، ويكتب عمله هل هو صالح أم سيئ أم نافع أم قاصر على الشخص نفسه والمهم يكتب كل أعماله ويكتب مآله وما أدرك ما المآل فيكتب هل هو شقي أم سعيد» (١). وما من شك أنه مما يزيد ثقة المسلم في رزق الله سبحانه أنه جل في علاه خزائنه لا تنفد، وعطاؤه لا حدّ له ففي الحديث القدسي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (٢). قال ابن رجب ﵀: «المراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه، وكمال ملكه، وإنَّ ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميع ما سألوه في مقامٍ واحدٍ، وفي ذلك حثُّ للخلق

стр. 78

على سؤاله وإنزال حوائجهم به» (١). وقال المناوي ﵀: «وقوله: «ما زاد ذلك في ملكي شيئًا» نكره للتحقير «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» لأنه مرتبط بقدرته وإرادته وهما باقيتان ذاتيتان لا انقطاع لهما فكذا ما ارتبط بهما وعائد التقوى والفجور على فاعلهما «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد» أي في أرض واحدة ومقام واحد «فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي» لأن أمري بين الكاف والنون قال القاضي: قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد لأن تزاحم السؤال مما يذهل المسؤول ويبهته ويعسر عليه إنجاح مأربهم والإسعاف بمطالبهم «إلا كما ينقص المخيط» بكسر فسكون ففتح الإبرة «إذا أدخل البحر» لأن النقص إنما يدخل المحدود الفاني والله سبحانه واسع الفضل عظيم النوال لا ينقص العطاء خزائنه فخاطب العباد من حيث يعقلون وضرب لهم المثل بما هو غاية القلة ونهاية ما يشاهدونه فإن البحر من أعظم المرئيات والإبرة صغيرة صقيلة لا يعلق بها شيء وإن فرض لكنه لا يظهر حسًّا ولا يعتد به عقلًا فلذا شبه بها «يا عبادي إنما هي أعمالكم» أي: هي جزاء أعمالكم «أحصيها» أضبطها وأحفظها «لكم» أي بعملي وملائكتي الحفظة «ثم أوفيكم إياها» أي أعطيكم جزاءها وافيًا تامًّا إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر والتوفية إعطاء الحق على التمام. وهذا الحديث لجلالته وعظم فوائده كان راويه عن أبي ذر أبو إدريس الخولاني ﵀ إذا حدث به جثا على ركبتيه تعظيماً له» (٢). وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: «ثم قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم

стр. 79

ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» ووجه ذلك: أن الفاجر عدو لله فلا ينصر الله، ومع هذا لا ينقص من ملكه شيئًا لأن الله تعالى غني عنه. «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته» أي إذا قاموا في أرض واحدة منبسطة، وذلك لأنه كلما كثر الجمع كان ذلك أقرب إلى الإجابة. «ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» وهذا من باب المبالغة في عدم النقص، لأن كل واحد يعلم أنك لو أدخلت المخيط وهو الإبرة الكبيرة في البحر ثم أخرجتها فإنها لا تنقص البحر شيئًا ولا تغيره» (١). وقال ابن علان ﵀: «ففي ذلك إشارة إلى أن ملكه تعالى على غاية الكمال، لا يزيد بطاعة جميع الخلق وكونهم على أكمل صفات البر والتقوى، ولا ينقص بمعصيتهم، لأنه تعالى الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، الكامل فلا نقص يلحقه بوجه «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد» أي: أرض واحدة ومقام واحد «فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك» أي: إعطاء كل سائل مسئوله «مما عندي» من الخزائن الإلهية «إلا كما ينقص المخيط» هو بكسر فسكون ففتح: الإبرة: «إذا أدخل البحر» وهو في رأي العين لا ينقص شيئًا من البحر، فكذا الإعطاء من الخزائن الإلهية لا ينقصها شيئًا البتة، لأنها من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان ولا نهاية لهما، والنقص مما لا يتناهى محال بخلافه مما يتناهى، كالبحر وإن جل وعظم وكان أكبر المرئيات في الأرض، بل قد يؤخذ العطاء الكثير من المتناهي ولا ينقص، كالنار والعلم تقتبس منهما ما شاء الله ولا ينقص منهما شيء، بل قد يزيد العلم على

стр. 80

الإعطاء، فعلم أن قوله: «إلا كما ينقص المخيط» الخ، ليس المراد منه حقيقته وإنما هو تمثيل يقرب إلى الفهم» (١). إن هذا الحديث يدلُّ على كمال غنى الله وافتقار عباده إليه، وأنَّ الجنَّ والإنس لو اجتمعوا أوَّلهم وآخرهم، وسأل كلُّ ما يريد، وحقَّق الله لهم ذلك، لم ينقص ذلك ممَّا عند الله إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، والمعنى أنَّه لا يحصل نقصٌ أصلًا؛ لأن ما يعلق بالمخيط - وهو الإبرة - من الماء لا يعتبر شيئًا، لا في الوزن ولا في رأي العين. قال ابن القيم ﵀: «فتأمل ظهور هذين الاسمين اسم الرزاق واسم الغفار في الخليقة ترى وما يعجب العقول وتأمل آثارهما حق التأمل في أعظم مجامع الخليقة وانظر كيف وسعهم رزقه ومغفرته ولولا ذلك لما كان له من قيام أصلًا فلكل منهم نصيب من الرزق والمغفرة فإما متصلًا بنشأته الثانية إما مختصًّا بهذه النشأة» (٢). فلا تشغل همَّك بما ضمن لك من الرزق، فرزقك لا يغدو لغيرك، ورزق غيرك لن يصلك، ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣). لا يأكل أحد رزق أحد، ولا يزاحمه فيه، قال سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٤). وخزائن رزقه لا تنفد: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ

стр. 81

إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (١). وقال جل شأنه: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٢). وقال جل شأنه في بيان شح الإنسان وبخله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ (٣). ٢ - أثر ثقة المسلم بالله في التكفل بالرزق: إن ثقة المسلم بالله تعالى أنه المتكفل برزقه لها الكثير من الآثار الطيبة، ومن أبرز ذلك: أ - تحري الحلال في كسب الرزق: فطالما علم المسلم أن رزقه بيد الله ، ووثق أن الله ضامن له رزقه فإنه بلا شك سيجتهد في تحري الحلال في طلب الرزق؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٤). قال الشيخ السعدي ﵀: «هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات، التي هي الرزق الطيب الحلال، وشكر الله، بالعمل الصالح، الذي به يصلح القلب والبدن، والدنيا والآخرة، ويخبرهم أنه بما يعملون عليهم، فكل عمل عملوه، وكل سعي اكتسبوه، فإن الله يعلمه، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء وأفضله، فدل هذا على أن الرسل كلهم، متفقون على إباحة الطيبات من المآكل، وتحريم الخبائث منها، وأنهم متفقون على كل عمل صالح وإن تنوعت بعض أجناس المأمورات، واختلفت بها الشرائع، فإنها كلها عمل صالح، ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة» (٥).

стр. 82

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: «يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه على ذلك، إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة» (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٤). ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمة حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟» (٥). فعن حذيفة ﵁ قال: قام النبي ﷺ فدعا الناس، فقال: «هلموا إلي، فأقبلوا إليه فجلسوا فقال: هذا رسول رب العالمين جبريل ﵇ نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عليها، فاتقوا الله وأجملوا

стр. 83

في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته» (١). ب - الأخذ بالأسباب وحسن التوكل على الله: وقد جاء في الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنه سمع نبي الله ﷺ يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطاناً» (٢). وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه» (٣). عن المقدام ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» (٤). وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله فقال: «أما في بيتك شيء». قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب

стр. 84

فيه من الماء. قال «ائتني بهما». فأتاه بهما فأخذهما رسول الله ﷺ بيده وقال: «من يشتري هذين». قال رجل أنا آخذهما بدرهم. قال «من يزيد على درهم». مرتين أو ثلاثًا قال رجل أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصارى وقال «اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدومًا فأتنى به». فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده ثم قال له «اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يومًا». فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا. فقال رسول الله ﷺ «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع» (١). قال الإمام ابن القيم ﵀: «لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكيل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكيل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد على مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا» (٢). وبين ﵀ أقسام الناس في طلب الأسباب فقال: فإذا دعوته بالعافية فاستنقذ ما أعطاك من العتائد والأرزاق فإن وصلت بها وإلا فاطلب طلب من

стр. 85

أفلس من مطلوبه، والناس في هذا المقام أربعة أقسام: الأول: فأعجزهم من لم يبذل السبب ولم يكثر الطلب فذاك أمهن الخلق. والثاني: وهو أحزم الناس من أدلى بالأسباب التي نصبها الله تعالى مفضية إلى المطلوب وسأل سؤال من لم يدل بسبب أصلًا بل سؤال مفلس بائس ليس له حيلة ولا وسيلة. والثالث: من استعمل الأسباب وصرف همته إليها وقصر نظره عليها فهذا وإن كان له حظ مما رتبه الله تعالى عليها لكنه منقوص منقطع نصب الآفات والمعارضات لا يحصل له إلا بعد جهد فإذا حصل فهو وشيك الزوال سريع الانتقال غير معقب له توحيدًا ولا معرفة ولا كان سببًا لفتح الباب بينه وبين معبوده. والرابع: وهو رجل نبذ الأسباب وراء ظهره وأقبل على الطالب والدعاء والابتهال فهذا يحمد في موضع، ويذم في موضع، ويشينه الأمر في موضع؛ فيحمد عند كون تلك الأسباب غير مأمور بها إذا فيها مضرة عليه في دينه فإذا تركها وأقبل على السؤال والابتهال والتضرع لله كان محموداً ويذم حيث كانت الأسباب مأمورًا بها فتركها وأقبل على الدعاء كمن حصره العدو وأمر بجهاده فترك جهاده وأقبل على الدعاء والتضرع أن يصرفه الله عنه وكمن جهده العطش وهو قادر على تناول الماء فتركه وأقبل يسأل الله تعالى أن يرويه وكمن أمكنه التداوي الشرعي فتركه وأقبل يسأل العافية ونظائر هذا كثير. ويشتبه الأمر في الأسباب التي لا يتبين له عواقبها وفيها بعض الاشتباه ولها لوازم قد يعجز عنها وقد يتولد عنها ما يعود بنقصان دينه فهذا موضع اشتباه وخطر والحاكم في ذلك كله الأمر فإن خفي فالاستخارة وأمر الله وراء

стр. 86

ذلك (١). قال عامر بن عبد قيس ﵀: أربع آيات في كتاب الله إذا ذكرتهن لا أبالي على ما أصبحت أو أمسيت: الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٤). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٥). وبهذا يظهر أن الثقة بالله في التكفل بالرزق لها الآثار الإيجابية في حياة المسلم.

стр. 87

المبحث الرابع ثقة المسلم بالله تعالى في الدعوة إلى الله ومن ثقة المسلم بالله تعالى أنه يثق أن الله في مجال الدعوة، ويثق أن الله سبحانه كتب لدعوته البقاء والظهور، ويثق في الدعوة التي يحملها مهما واجه من صعوبات وعقبات؛ فليس طريق الدعوة مفروشًا بالورود. ١ - أهمية تكوين الدعاة لنشر الدعوة: والثقة بالله تعالى في مجال الدعوة تستلزم تكوين الدعاة لنشر الدعوة في كل مكان، طالما أنه توجد لدينا الثقة في مضمون الدعوة ورسالتها. إن الدعوة إلى الله مهمة الأنبياء والمرسلين، ثم ورثتهم من العلماء المصلحين. قال ابن القيم ﵀: «ولا يكون من أتباع الرسول على الحقيقة إلا من دعا إلى الله على بصيرة قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). فقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ تفسير لسبيله التي هو عليها فسبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله فمن لم يدع إلى الله فليس على سبيله ... فسبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله» (٢). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «وفي وقتنا اليوم قد يسر الله أمر الدعوة أكثر، بطرق لم تحصل لمن قبلنا، فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر، من طرق كثيرة، وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنة بطرق متنوعة فالواجب على أهل العلم والإيمان، وعلى خلفاء الرسول ﷺ أن يقوموا بهذا الواجب، وأن يتكاتفوا فيه، وأن يبلغوا رسالات الله إلى عباد الله

стр. 88

ولا يخشوا في الله لومة لائم، ولا يحابوا في ذلك كبيرًا ولا صغيرًا ولا غنيًّا ولا فقيرًا، بل يبلغون أمر الله إلى عباد الله، كما أنزل الله، وكما شرع الله، وقد يكون ذلك فرض عين إذا كنت في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، فإذا كنت في مكان ليس فيه من يقوى على هذا الأمر، ويبلغ أمر الله سواك، فالواجب عليك أنت أن تقوم بذلك، فأما إذا وجد من يقوم بالدعوة والتبليغ، والأمر والنهي غيرك، فإنه يكون حينئذ في حقك سنة، وإذا بادرت إليه وحرصت عليه كنت بذلك منافسًا في الخيرات» (١). وقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: «واجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم، وكذا في كل قرية وكل عامي عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف غيره، وإلا فهو شريك في ... الإثم ... ومعلوم أن الإنسان لا يولد عالماً بالشرع، وإنما يجب التبليغ على أهل العلم. فكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها. والإثم ... ـ أي في ترك التبليغ ـ على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه أظهر، وهو بصناعتهم أليق» (٢). ومما يدل على أهمية تكوين الدعاة لنشر الدعوة، وبيان الإسلام، قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀: «هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع الرسول في غزوة تبوك، فإنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله ﷺ ؛ قالوا: فنسخ ذلك بهذه الآية.

стр. 89

وقد يقال: إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها، وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم، ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا: النفير المعين وبعده، ﷺ ، تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه وإما للجهاد؛ فإنه فرض كفاية على الأحياء. وقال قتادة ﵀ في هذه الآية: هذا إذا بعث رسول الله ﷺ الجيوش، أمرهم الله ألا يعروا نبيَّه ﷺ ، وتقيم طائفة مع رسول الله تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم. وقال الحسن البصري ﵀: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ قال: ليتفقه الذين خرجوا، بما يردهم الله من الظهور على المشركين، والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم» (١). وقال الشيخ رشيد رضا ﵀: «والآية تدلُّ على وجوب تعميم العلم والتَّفقُّه في الدين والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة وتفقيه النَّاس فيه على الوجه الذي يصلح به حالهم، ويكونون به هداةً لغيرهم، وأن المتخصصين لهذا التفقه بهذه النِّيَّة، لا يقلون في الدَّرجة عند الله عن المجاهدين بالمال والنَّفس لإعلاء كلمة الله والدِّفاع عن الملَّة والأمَّة: بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون فيها الدِّفاع فرضًا عينيًا، والدَّلائل على هذا كثيرة» (٢). وقال الشيخ السعدي ﵀: «وفي هذه الآية أيضاً دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية

стр. 90

ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمار متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور» (١). ومما يدل على أهمية إعداد الدعاة ما جاء عن أبي قلابة قال: حدثنا مالك ﵁ قال: «أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا فلمَّا ظنَّ أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمَّن تركنا بعدنا فأخبرناه قال ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم ومروهم وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدكم وليؤمَّكم أكبركم» (٢). وأوصى النبي ﷺ الدعاة الذين يرسلهم إلى الأمصار، فعن أبي بردة ﵁ أن النبي ﷺ بعث معاذاً وأبا موسى ﵄ إلى اليمن قال: «يسِّرَا ولا تعسِّرَا وبشِّرَا ولا تنفِّرَا وتطاوعَا ولا تختلفَا» (٣). وأمر الرسول ﷺ بالبلاغ عنه فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «بلِّغوا عنِّي ولو آية وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النَّار» (٤). قال الشيخ محمد الغزالي ﵀: «إن تكوين الدعاة يعني تكوين الأمة، وأثر الرجل العبقري فيمن حوله كأثر المطر في الأرض، وأثر الشعاع في المكان المتألق، والأمم العظيمة ليست إلا صناعة حسنة لنفر من الرجال

стр. 91

الموفقين. إن عوام الناس وجماهيرهم في عامة الأحايين لا وزن لهم، ولا تأثير حقيقياً في واقع الحياة وتاريخ الناس، بل يظلون في أماكنهم حيارى حتى يجئ القائد الممتاز فيوجههم هنا وهناك. إن عبء الدعوة ثقيل، ومهمة هداية الناس عمل جليل، ومن ثم وجب أن يختار الدعاة من بين صفوف الأمة وفق معايير معينة، وألا يترك هذا الأمر للظروف تفرضه، مما يدفع بالعجزة والقاصرين والجاهلين إلى هذا المجال الحسَّاس فيكون الضرر لا النفع» (١). والداعية له فضل كبير فهو من أحسن الناس قولًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). وعن الحسن البصري ﵀: «أنه تلا هذه الآية ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقال: هذا حبيب الله هذا ولي الله هذا صفوة الله هذا خيرة الله هذا أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال إنني من المسلمين هذا خليفة الله» (٣). قال الرازي ﵀: «قوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ يدل على أن الدعوة إلى الله أحسن من كل ما سواها ... إذا عرفت هذا فنقول الدعوة إلى الله أحسن الأعمال بمقتضى هذه الآية» (٤). وقال القاسمي ﵀: «أي: لا أحد أحسن مقالًا ممن دعا الناس إلى

стр. 92

عبادته تعالى، وكان من الصالحين المؤتمرين، والمسلمين وجوههم إليه تعالى في التوحيد. قال القاشاني: وإنما قدم الدعوة إلى الحق والتكميل؛ لكونه أشرف المراتب، ولاستلزامه الكمال العلمي والعملي، وإلا لما صحت الدعوة. انتهى. وفي الآية إشارة إلى ترغيبه ﷺ في الإعراض عن المشركين، وعما كانوا يقولونه من اللغو في التنزيل، مما قصه تعالى عنهم فيما تقدم. وإرشاده إلى المواظبة على التبليغ، والدعوة، ببيان أن ذلك أحسن الطاعات ورأس العبادات، فهذا هو سر انتظام هذه الآية في إثر ما سبق. وثمة وجه آخر. وهو أن مراتب السعادات اثنان: كامل وأكمل. أما الكامل فهو أن يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملًا في ذاته. فإذا فرغ من هذه الدرجة، اشتغل بعدها بتكميل الناقصين. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١). إشارة إلى المرتبة الأولى. وهي اكتساب الأحوال التي تفيد كمال النفس في جوهرها. فإذا حصل الفراغ من هذه المرتبة، وجب الانتقال إلى المرتبة الثانية، وهي الانتقال بتكميل الناقصين، وذلك إنما يكون بدعوة الخلق إلى الدين الحق، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ الآية. واعلم أن من آتاه الله قريحة قوية، ونصيبًا وافيًا من العلوم الإلهية، عرف أنه لا ترتيب أحسن ولا أكمل من ترتيب آيات القرآن، أفاده الرازي. ويدخل في الآية كل من دعا إلى الله بطريق من الطرق المشروعة، وسبيل من السبل المأثورة؛ لأن الدعوة الصحيحة هي الدعوة النبوية، ثم ما انتهج منهجها في الصدع بالحق، وإيثاره على الخلق.

стр. 93

وفي الآية دليل على وجوب الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن الدعوة إلى الله أحسن الأعمال، وكل ما كان أحسن الأعمال، فهو واجب» (١). وقال الشيخ أبو بكر الجزائري: «لما ذكر تعالى بشرى أهل الإيمان وصالح الأعمال ذكر هنا بشرى ثانية لهم أيضًا فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هذه ثلاثة شروط الأول دعوته إلى الله تعالى بأن يعبد فيطاع ولا يعص ويذكر ولا ينسى، ويشكر ولا يكفر والثاني وعمل صالحًا فأدى الفرائض واجتنب المحارم، والثالث وفاخر بالإسلام معتزًا به وقال إنني من المسلمين، فلا أحد أحسن قولًا من هذا الذي ذكرت شروط كماله، ويدخل في هذا أولاً الرسل، وثانيًا العلماء، وثالثًا المجاهدون ورابعًا المؤذنون وخامسًا الدعاة الهداة المهديون» (٢). والداعية له الأجر الكثير؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٣). وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «إني أبدع بي فاحملني فقال «ما عندي». فقال رجل يا رسول الله أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله ﷺ : «من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله»» (٤). وقال النووي ﵀: «فيه فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة

стр. 94

لفاعله وفيه فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات» (١). وقال د. فضل إلهي: «ومما يبين عظمة الدعوة إلى الله تعالى أن الله جعل القيام بها من شعار أتباع النبي الكريم ﷺ قال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀: «يقول الله تعالى لعبد ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس: أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي» (٣). وقال الإمام ابن القيم ﵀: «وسواء كان المعنى أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة أو كان الوقف عند قوله أدعو إلى الله ثم يبتدئ على بصيرة أنا ومن اتبعني فالقولان متلازمان فإنه أمره سبحانه أن يخبر أن سبيله الدعوة إلى الله فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله وهو على بصيرة وهو من أتباعه ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله ولا هو على بصيرة ولا هو من أتباعه فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم» (٤). (٥)

стр. 95

٢ - الثقة بالله تعالى من أهم صفات الداعية: إن الداعية له مكانة مميزة، قال د. حمد العمار: «وينبغي على الداعية وهو يسير في طريق الدعوة الطويل الموحش المليء بالأشواك والعقبات أن يتذكر دائمًا في يسره وعسره فضل دعوته وقيمتها ومنزلتها عند الله سبحانه وما وعد الله سبحانه به دعاته الصادقين ليزدادوا خيرًا ونشاطًا وتنافسًا في ميدان الدعوة قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). وليفرحوا بفضل الله ومنه وكرمه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢). فينبغي على الداعية أن يتذكر تفضل الله عليه ومنته عليه أن هداه للإسلام وأن جعله ممن أنار الله بصيرته وتحمل قسطًا من أمانة تبليغ هذا الدين، وتحمل شيئًا من المسؤولية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٣). ومما ميز الله به الدعاة عن غيرهم أنهم خير الناس» (٤). إن الثقة في الله تعالى تعطي الداعية دافعًا نفسيًا قويًا في الدعوة إلى الله تعالى. يقول الشيخ علي محفوظ ﵀: «ومن صفات الداعية إلى الله تعالى قوة الثقة بالله في وعده، وكمال الرجاء في حصول الفائدة، مهما طال به العلاج وعظمت المصاعب؛ فإنه متى تمكن ذلك من نفسه انبعثت همته، وقوي نشاطه، وتنبه إلى انتهاز كل فرصة بما يناسبها موقنًا بأنه إن لم يظهر تأثيره

стр. 96

اليوم فغدًا يظهر، مؤمنًا بأن الباطل زهوق، ولا بد من يوم يتغلب فيه الحق على الباطل، فإن دولة الباطل مؤقتة لا ثبات لها في ذاتها وإنما بقاؤها في نوم الحق عنها، ودولة الحق هي الثابتة بذاتها فلا يغلب أنصاره ما داموا معتصمين به مجتمعين عليه. فلا يليق بالداعي أن ييأس من الإصلاح إن لم يؤثر عمله الأول مرة، بل عليه أن يكرر النصيحة والعظمة المرة بعد الأخرى بنشاط لا يعرف الملل، ورجاء لا يعتريه اليأس» (١). إن الثقة بالله وبالنصر من عند الله، والاعتماد على توفيقه وتأييده يوجد عند كل من الدعاة الحق، وتلك الثقة هي التي تأخذ بيديه، وتمسح الدموع من عينيه عندما يقف المعاندون في طريق الدعوة ويريدون أن يزرعوا العقبات في سبيل امتدادها حتى ليخل إلى الداعية أنها وصلت إلى طريق مسدود، وسوف لا تستطيع أن تشق طريقها إلى الأمام فإذا بالداعية يشعر كأن نصر الله حليفه، ويد الله شريكه، ويتأكد في قرارة نفسه، أنها سوف تستوفى حظها من الامتداد والانتشار، مهما وضعت في طريقها العراقيل وقامت الجنادل والصخور؛ لأن الله رضيها منهجًا صحيحًا وطريقًا محببًا، وتلك هي الثقة التي تتمثل في الآية الكريمة: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢). وبهذه الثقة وحسن التوكل يتأكد للداعي أن الدعم الإلهي حليفه، وتأييد الله قرينه. إن الجراءة في الحق قوة نفسية رائعة يستمدها المؤمن الداعية من الإيمان بالله الواحد الأحد، ومن الحق الذي يعتقده، ومن الخلود السرمدي الذي يوقن به، ومن القدر الذي يستسلم إليه، ومن المسؤولية التي يستشعر بها، وعلى قدر نصيب المؤمن من الإيمان بالله الذي لا يغلب، وبالحق الذي لا يخذل، يكون

стр. 97

نصيبه من قوة الجرأة والشجاعة، وإعلان كلمة الحق التي لا تخشى في الله لومة لائم» (١). إن المختصين بالعلم ليس كالجاهل، فأول ما ينبغي أن يتحلى به الداعية: الإخلاص؛ ثم الثقة في وعد الله إذا جاءه من طريق قطعي لا يتطرق إلا ثبوته شك فلا يحل له أن يتوقف - مثل القرآن - بل عليه أن يثق أن الله ناصره مهما خذله الناس، ومهما كان وحيدًا فريدًا، فإذا قرأ في القرآن: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). فليعلم أنه غالب ما استقام على أمر الله . قال القاسمي ﵀: «وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: حزب الشيطان المحادين ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على إهلاك من حاده ورسله، عزيز فلا يغلب في قضاءه» (٣). وقال الشيخ السعدي ﵀: «هذا وعد ووعيد، وعيد لمن حاد الله ورسوله بالكفر والمعاصي، أنه مخذول مذلول، لا عاقبة له حميدة، ولا راية له منصورة. ووعد لمن آمن به، وبرسله، واتبع ما جاء به المرسلون، فصار من حزب الله المفلحين، أن لهم الفتح والنصر والغلبة في الدنيا والآخرة، وهذا وعد لا يخلف ولا يغير، فإنه من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده» (٤).

стр. 98

وإذا قرأ قول الله : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). فليعلم أنه متى استقام على أمره غلب ولو بعد حين، ولو كان وحيدًا فريدًا. إن الرجل إذا تصدر الدعوة إلى الله وكان مستقيمًا على أمر الله فليثق يقينًا بنصر الله ، ومن تمام ثقته بنصر الله : ألا يعتمد قلبه إلا على الله، وييئس من مصر الجماهير له، ولا يزعجه قلة الأتباع إذا كان ذا منهج مستقيم، فالرسل كان أتباعهم قلة، وحديث النبي ﷺ المعروف عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجئ النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم هذا فيقولون لا فيقال له هل بلغت قومك فيقول نعم فيقال له من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيدعى محمد وأمته فيقال لهم هل بلغ هذا قومه فيقولون نعم فيقال وما علمكم فيقولون جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢). قال يقول عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣). ٣ - الثقة بالله تعالى تعلم الداعية الصبر: وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (٤). قال الفخر الرازي ﵀: «والمعنى أنه تعالى أمره ﷺ باتباع الوحي والتنزيل، فإن وصل إليه بسبب ذلك الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن

стр. 99

يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين» (١). وقال ابن كثير ﵀: «وقوله ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أي يفتح بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي خير الفاتحين بعدله وحكمته» (٢). وقال د. وهبة الزحيلي: «الرسول كغيره من الرسل والمؤمنين يجب عليه اتباع ما أوحى الله له، والصبر على الطاعة وعن المعصية، فإن أصابه مكروه بسب نشر دعوته، فليصبر عليه إلى أن يحكم الله فيه وله؛ بالنصر على أعدائه والغلبة على المكذبين» (٣). وأمر الله تعالى سيد الدعاة ﷺ بالصبر على ما يقول المعاندون لدعوته وأن يحلي هذا الصبر بالجمال فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (٤). قال الفخر الرازي ﵀: «المعنى إنك لما اتخذتني وكيلًا؛ فاصبر على ما يقولون وفوض أمرهم إلي؛ فإنني لما كنت وكيلًا لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بإصلاح أمور نفسك، واعلم أن مهمات العباد محصورة في أمرين كيفية معاملتهم مع الله، وكيفية معاملتهم مع الخلق، والأول أهم من الثاني، فلما ذكر تعالى في أول هذه السورة ما يتعلق بالقسم الأول أتبعه بما يتعلق بالقسم الثاني، وهو سبحانه جمع كل ما يحتاج إليه من هذا الباب في هاتين الكلمتين، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مخالطًا للناس أو مجانبًا

стр. 100

عنهم فإن خالطهم فلا بد له من المصابرة على إيذائهم وإيحاشهم، فإنه إن كان يطمع منهم في الخير والراحة لم يجد فيقع في الغموم والأحزان، فثبت أن من أراد مخالطة مع الخلق فلا بد له من الصبر الكثير، فأما إن ترك المخالطة فذاك هو الهجر الجميل، فثبت أنه لا بد لكل إنسان من أحد هذين الأمرين» (١). والداعية الصابر محفوف بالرعاية الربانية كما حفظ الله نبيه وأمره بالصبر فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀: «أي اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا والله يعصمك من الناس» (٣). وما الصبر إلا خلق سار عليه الدعاة وعلى رأسهم الأنبياء جميعًا يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤). قال الطبري ﵀: «وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ وتعزية له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إياه على ما جاءهم به من الحق من عند الله. يقول تعالى ذكره إن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون من قومك فيجحدوا نبوتك وينكروا آيات الله أنها من عنده؛ فلا يحزنك ذلك، واصبر على تكذيبهم إياك، وما تلقى منهم من المكروه في ذات الله حتى يأتي نصر الله؛ فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم فنالوهم بمكروه فصبروا على تكذيب قومهم إياهم ولم يثنهم ذلك من المضي لأمر الله الذي

стр. 101

أمرهم به من دعاء قومهم إليه حتى حكم الله بينهم وبينهم ولا مبدل لكلمات الله ولا مغير لكلمات الله» (١). وقال د. علي محمد الصلابي: «كان بناء الجماعة المؤمنة في الفترة المكية يتم بكل هدوء وتدرج وسرية، وكان شعار هذه المرحلة هو توجيه المولى المتمثل في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢). فالآية الكريمة تأمر النبي ﷺ بأن يصبر على تقصير وأخطاء المستجيبين لدعوته، وأن يصبر على كثرة تساؤلاتهم خاصة إن كانت خاطئة، وأن يصبر على ترددهم في قبول التوجيهات، وأن يجتهد في تصبيرهم على فتنة أعداء الدعوة، وأن يوضح لهم طبيعة طريق الدعوة، وأنها شاقة، وأن لا يغرر به مغرر ليبعده عنهم، وأن لا يسمع فيهم منتقصًا، ولا يطيع فيهم متكبرًا أغفل الله قلبه عن حقيقة الأمور وجوهرها» (٣). قال د. علي محمد الصلابي: «لم يفتر المشركون عن أذى رسول الله ﷺ منذ أن صدع بدعوته إلى أن خرج من بين أظهرهم وأظهره الله عليهم، ويدل على ذلك مبلغ هذا الأذى تلك الآيات الكثيرة التي كانت تتنزل عليه في هذه الفترة تأمره بالصبر، وتدله على وسائله، وتنهاه عن الحزن، وتضرب له أمثلة من واقع إخوانه المرسلين مثل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٥). وقال

стр. 102

سبحانه: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (١). وقال : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢). (٣) وكذلك دعا النبي ﷺ أصحابه إلى التحلي بهذه الفضيلة في دعوتهم فعن خبَّاب بن الأرتِّ ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّدٌ بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا قال: «كان الرَّجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشقُّ باثنتين وما يصدُّه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ وما يصدُّه ذلك عن دينه والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذِّئب على غنمه ولكنَّكم تستعجلون» (٤). قال بدر الدين العيني ﵀: «وحاصل المعنى: لا تستعجلوا فإن من كان قبلكم قاسوا ما ذكرنا فصبروا، وأخبرهم الشارع بذلك ليقوى صبرهم على الأذى» (٥). وقال علي القاري ﵀: «وقوله ﷺ في الحديث «ولكنَّكم تستعجلون» أي سيزول عذاب المشركين فاصبروا على أمر الدين كما صبر من سبقكم من المؤمنين على أشد من عذابكم لقوة اليقين» (٦). وما من شك أن «الصبر من الصفات اللازمة لكل إنسان، إذ بدونه لا

стр. 103

يستطيع بلوغ ما يريد لأن المراد لا ينال غالبًا إلا بتحمل المكاره وحبس النفس عليها. وهذا مطرد في جميع أمور الحياة، فالطالب يحبس نفسه على المذاكرة والدرس وكف نفسه عما تهواه من لذة وراحة حتى يستوعب الدروس لينجح في الامتحان، وكذلك التاجر، وكذلك أي صاحب غرض يريد نواله. وما يقال عن الأفراد يقال عن الأمم، فالأمة التي تريد بلوغ ما تصبو إليه تحتاج إلى صبر عظيم وتحمل للمشاق، والانتصار في الحروب يكون بجانب الذي يملك أسبابه، ومن أعظم أسبابه الصبر، فالصبر إذن ضروري لكل إنسان في الحياة وإلا صار هشًا سريع الانكسار أمام الأحداث وما أكثرها في الحياة، فإنها مملوءة بالمنغصات والمشقات والصعاب والمؤلمات، فإذا لم يقابلها بشيء من الصبر انكسر وتفتت وتمزقت شخصيته في دروب الحياة فتسحقه الأقدام وتلقيه بعيداً عن طريق المارين .. وإذا كان الصبر ضروريًا لأي إنسان، لا سيما للمسلم، فإن الصبر للداعي المسلم أشد ضرورة له من غيره، لأنه يعمل في ميدانين ميدان نفسه، يجاهدها ويحملها على الطاعة ويمنعها من المعصية وميدان خارج نفسه، وهو ميدان الدعوة إلى الله، ومخاطبة الناس في موضوعها، فيحتاج إلى قدر كبير من الصبر في المجالين. مجال النفس ومجال الدعوة، حتى يستطيع تجاوز العقبات وتحمل الأذى، فان فقد الصبر قعد أو انسحب من الميدان وحق عليه الحساب وفاته الثواب» (١). «وإذا كان الابتلاء مما قضت به سنة الله في الحياة، فإن ابتلاء الدعاة إلى الله مما جرت به السنة الإلهية أيضًا؛ فهم يبتلون بأذى الكفرة والمارقين بالقول والكيد واليد. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢).

стр. 104

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). ومعنى يستخفنك: يحملونك على الخفة والطيش بعدم الصبر، والدعاة إلى الله يكيد لهم أهل الباطل ويفترون عليهم الكذب، ويؤذونهم بأنواع الأذى لأنهم قوم يجهلون وضالون. وقد أوذي أصحاب النبي ﷺ في مكة أشد الأذى، وكان رسول الله ﷺ يأمرهم بالصبر «صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة» فعلى الداعي المسلم أن يقابل الأذى الذي يلقاه بالصبر الجميل، كما فعل رسول الله ﷺ وصحابته الكرام ومن قبلهم رسل الله، فان هذا الصبر مما ينعقد عليه عزم المؤمنين وتتوجه إليه إرادتهم، قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). (٤) قال الشيخ محمد الغزالي ﵀: «ولقد ذكر الله أسماء ثمانية عشر نبيًا ﵈، فهو أولو العزم وأصحاب الرسالات الأولى، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥). وهذا الأمر بالاقتداء كان ماثلًا في ذهن النبي ﷺ

стр. 105

وهو يقوم بتبليغ الدعوة» (١). إن المثابرة على الدعوة، والاستعانة على وعثاء الطريق بطول الصبر، وحسن التأسى وصدق الاعتماد على الله، وتفاني الداعية في حقيقة رسالته، هو طريق النجاح، ومحاولة الإفلات من هذه السنة العامة لا يتاح لأحد، وفي هذا يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢). إن أنباء المرسلين تتابعت على كر الدهور مؤكدة هذه الحقيقة، ومؤكدة كذلك أن عقبى الصبر الجميل جميلة، وأن نصر الله يجيء في نهاية المطاف كما يجيء الصباح بمد اعتكار الظلام. وقوانين المجتمع الإنساني في ذلك تشبه قوانين الحياة المادية لا تنخرم ولا تتخلف. لقد قال يوسف ﵇ لإخوته: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). إن هذه الآية كأي قانون مادي في علم الطبيعة أو الكيمياء تشير إلى أن الفرد الذي يستجمع هاتين الخلتين من معنى الإحسان لا بد أن يدركه التوفيق وتلحظه العناية وينجح في حياته حيث يخفق الآخرون الذين يقصرون في هذا المضمار .. ولذلك يقول إخوة يوسف ﵇ له: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (٤). وإيثار الله ليوسف ﵇ لم يكن عطاء من غير مؤهل، بل أتى بعد مراحل شاسعة من الكفاح والعفاف والمصابرة والتجمل ... وكما تصدق هذه السنة في حياة الأفراد تصدق في حياة الجماعات فإن الأمم لا ترزق التمكين في الأرض

стр. 106

ولا تنال حظًّا من سيادة الله إلا إذا مرت بأدوار من العمل المضني والجهاد الشاق، وصبرت على تكاليف الرسالات التي تحملها، والتقدم الذي تنشده. والقرآن الكريم يذكر السر في تسويد الأقدمين. من بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١). «إذا استحكمت الأزمات وتعقدت حبالها، وترادفت الضوائق وطال ليلها، فالصبر وحده هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط، والهداية الواقية من القنوط. والصبر فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه، ولا بد أن يبني عليها أعماله وآماله وإلا كان هازلًا .. يجب أن يوطن نفسه على احتمال المكاره دون ضجر، وانتظار النتائج مهما بعدت، ومواجهة الأعباء مهما ثقلت، بقلب لم تعلق به ريبة، وعقل لا تطيش به كُربة، يجب أن يظل موفور الثقة بادي الثبات، لا يرتاع لغيمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرى وأخرى، بل يبقى موقنًا بأن بوادر الصفو لا بد آتية، وأن من الحكمة ارتقابها في سكون ويقين. وقد أكد الله أن ابتلاء الناس لا محيص عنه، حتى يأخذوا أهبتهم للنوازل المتوقعة، فلا تذهلهم المفاجآت ويضرعوا لها» (٢). إن من عوامل النجاح: ثقة الداعية بدعوته، وإيمانه الراسخ المطلق بأنها الحق الذي لا ريب فيه .. فهنا يتحول إلى قدوة في قوله وفعله، يتحول إلى إمام ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣). فلا بد أن نكون دعاة صادقين وأئمة هادين مهديين، لا بد من الصبر على الدين، فلا تزحزحنا عنه أو عن بعض عقائده أو أحكامه استخفافات الذين لا يوقنون، ولا بد من اليقين المطلق الذي لا يقبل المراجعة أو الشك بأنه الحق.

стр. 107

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (١). وقال جلا وعلا: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ (٢). ومن الثقة في الدعوة ألا نقبل عليها مساومة أو مداهنة؛ فإن هذا الدين دين الله، لا يقبل سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). قال الشيخ السعدي ﵀: «أي: من يدين الله بغير دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، فعمله مردود غير مقبول، لأن دين الإسلام هو المتضمن للاستسلام لله، إخلاصًا وانقيادًا لرسله فما لم يأت به العبد لم يأت بسبب النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، وكل دين سواه فباطل» (٤). ولقد ضرب النبي ﷺ المثل الأعلى في ثقته في الدعوة والرسالة عندما رفض التهديد والوعيد والمساومة على دين الله. «وجاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله

стр. 108

لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. عَظُم علي أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله ﷺ وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله ﷺ أن عمه خاذله، وأنه ضعف عن نصرته، فقال: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر - حتى يظهره الله أو أهلك فيه - ما تركته»، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدًا» (١). ومن خلال ذلك يظهر أهمية ثقة المسلم بالله تعالى في مجال الدعوة إلى الله، وضرورة الثبات على المبدأ والحق، والثبات على الدين.

стр. 109

المبحث الخامس ثقة المسلم بالله تعالى في النصر على الأعداء ومن ثقة المسلم بالله تعالى أنه يثق أن بالله في النصر على الأعداء، طالما أخذ بالأسباب، واستعان بالله تعالى، وكان جهاده وقتاله في سبيل الله، وفي سبيل الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وليس لأي غرض من أغراض الدنيا، ولعل من أبرز الشواهد والنماذج التي تؤكد هذه الثقة ما يلي: ١ - ثقة نبي الله موسى ﵇ بالله تعالى في نصره على فرعون: أشار القرآن الكريم في أكثر من موضع إلى قصة الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، وكيف أراد فرعون قتل موسى ﵇ والتخلص منه، وكيف ظن فرعون أنه يستطيع بجنده وعتاده أن يهزم كلمة التوحيد، ولكن كانت كلمة الله هي العليا، ووثق موسى ﵇ في نصر الله له على عدوه فرعون، ومما جاء في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ (١). قال الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى﴾ نبينا ﴿مُوسَى﴾ إذ تابعنا له الحجج على فرعون، فأبى أن يستجيب لأمر ربه، وطغى وتمادى في طغيانه ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ ليلاً ﴿بِعِبَادِي﴾ يعني بعبادي من بني إسرائيل، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ

стр. 110

طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ يقول: فاتخذ لهم في البحر طريقا يابسًا، واليَبَس واليَبْس: يجمع أيباس، تقول: وقفوا في أيباس من الأرض، واليَبْس المخفف: يجمع يبوس. وأما قوله ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ فإنه يعني: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك، ولا تخشى غرقًا من بين يديك ووحلًا. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ. وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾. يقول تعالى ذكره: فسرى موسى ببني إسرائيل إذ أوحينا إليه أن أسر بهم، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده في اليم ما غشيهم، فغرقوا جميعًا ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ يقول جلّ ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبيل، وأخذ بهم على غير استقامة، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم بالكفر بالله، وتكذيب رسله ﴿وَمَا هَدَى﴾ يقول: وما سلك بهم الطريق المستقيم، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى ﵇، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يهدهم بأمره إياهم بذلك، ولم يهتدوا بإتباعهم إياه» (١). وقال الشوكاني ﵀: «هذا شروع في إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوهم، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ أي اجعل لهم طريقًا، ومعنى ﴿يَبَسًا﴾: يابسًا، وصف به الفاعل مبالغة، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ في محل نصب على الحال، أي آمنا من أن يدرككم العدو، أو صفة أخرى لطريق، والدرك اللحاق بهم من فرعون وجنوده. وقوله ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي
следующие страницы →