← Акыда

Акыда · id 17072

حقيقة المثل الأعلى وآثاره

عيسى السعدي

Полный текст (141 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجود المثل، ولهذا فسره ابن عباس ﵄ بقوله: ليس كمثله شيء (١). وقد تضافرت النصوص في الدلالة على بطلان التمثيل وإنكاره وتحريمه قولا وعملا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي مثلا وشبيها، كما أثر عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم (٢). وكذلك العقل فإنه يدل على بطلان التمثيل واستحالته لأن الخالق والمخلوق لو تماثلا للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، فيكون كل منهما واجبا ممكنا، قديما محدثا، غنيا فقيرا، وهو محال عقلا، لما يتضمنه من جمع بين النقيضين (٣). والتنزيه عن المثل محقق لصفات الكمال مستلزم لثبوتها على أكمل وجه، لأن نفي المثل إذا ورد في سياق المدح والثناء اقتضى التفرد بكثرة أوصاف الكمال، يقال: فلان عديم المثل، أو لا مثل له، إذا كان له من صفات الكمال ما لم يشاركه غيره، فما ورد في

стр. 37

النصوص من مدح الرب والثناء عليه بنفي المثل أو الكفء أو الند أو السمي فإنه دليل على كثرة صفات كماله، ونعوت جلاله، حتى تفرد بالكمال المطلق الذي يستحيل معه وجود المثل!. ولهذا أثر عن ابن عباس ﵄ تفسير المثل الأعلى بنفي المثل، وتفسيره بالصفة العليا (١)، لأن النفي محقق لإثبات الكمال كما ذكر آنفا، وكذلك الإثبات فإنه محقق لنفي المثل ومستلزم له، إذ ثبوت الصفة العليا يستحيل معه وجود المثل، لأنهما إن تماثلا لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتماثلا فالصفة العليا لأحدهما وحده، ولهذا ورد في النصوص الجمع بين نفي المثل وإثبات الكمال في موضع واحد، إذ كل واحد منهما مستلزم للآخر ومحقق له، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، فاسم الأحد يتضمن نفي المثل، واسم الصمد يتضمن إثبات جميع صفات الكمال. وهذا مدرك أهل السنة والجماعة في باب الصفات، فإنهم يثبتون صفات الكمال المطلق على وجه الاختصاص بما للرب من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات فيما هو من خصائصه وكمالاته التي تفرد بها في السماوات والأرض، فكل صفة من صفات الكمال فإن الله متفرد بها من كل وجه أو متصف بها على وجه لا يماثله فيه أحد، وهذا من أعظم ما يدخل في حقيقة التوحيد، وهو ألا يشركه شيء فيما هو من خصائصه (٢).

стр. 38

وما تفرد به الرب من صفات الكمال نوعان: ١ - صفات مختصة بالرب من كل وجه: كالخلق والعظمة والكبرياء، فمن ادعى هذا النوع، أو اعتقد أن غيره من الخلق مستحق له كان ممثلا مستحقا لوعيد المفترين. روى الإمام مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني منهما شيئًا عذبته» (١)، وروى الإمام البخاري بسنده عن عائشة ﵂ مرفوعا: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله» (٢). ٢ - صفات يوصف بها العبد في الجملة ويختص الرب بكمالها: كالحياة والعلم والسمع والبصر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقال في حق المخلوق: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [آل عمران: ٢٧]، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]،

стр. 39

فمن ادعى ما اختص به الرب من هذا النوع، أو اعتقده في غيره من الخلق، أو أثبته للرب على نحو يماثل ما عليه الخلق كان ممثلا ضالا، مخالفا لما يستحقه الرب من التنزيه. ويدخل في هذه الجملة مقالات المشبهة التي مضمونها تشبيه الخالق بالمخلوق أو العكس، إما مطلقا أو من بعض الوجوه، كقول هشام بن الحكم الرافضي، وهشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواربي ومن وافقهم من أوائل الشيعة وغيرهم بأن الله تعالى على صورة الإنسان في ذاته وصفاته، وكقول السبئية ومن وافقهم بالبداء، لأن البداء من خصائص علم المخلوق، وكقول غلاة الشيعة من الخطابية وغيرهم بألوهية الأئمة أو علي خاصة، وككثير من مقالات الرافضة والصوفية التي تتضمن وصف أئمتهم وأوليائهم بصفات لا تليق إلا بالله وحده، كالعلم المحيط والقدرة التامة، والغنى المطلق (١). وكذلك فإن من أنكر شيئا مما اختص به الرب من صفات الكمال ظنا أن إثبات القدر المشترك بين الخالق والمخلوق يستلزم التمثيل فإنه ضال معطل لما يستحقه الرب من الكمال، ويدخل في هذه الجملة مقالات النفاة من الباطنية والجهمية محضة ومعتزلة وأشعرية وماتريدية (٢).

стр. 40

وأصل الضلال في هذا الباب مشترك بين الممثلة والمعطلة، فقد اعتقدوا أن ظاهر نصوص الصفات التي تطلق على الرب والعبد إنما يدل على ما يليق بالمخلوق ويختص به، ومن ثم أبقاه الممثلة على ما توهموه، واعتقدوا التشبيه دينا لهم، وفي المقابل أوجب المعطلة تأويل الظاهر أو تفويضه، لاستحالة الأخذ بظاهر النص، لأنه إنما يدل ـ في نظرهم ـ على التمثيل الباطل بنصوص التنزيه! (١). والغريب أن هذا الأصل مبني على قول الجهم بن صفوان في الأسماء التي تقال على الرب والعبد، فقد زعم أنها مجاز في الخالق حقيقة في المخلوق، فنقله هؤلاء بوعي أو بغير وعي لباب الصفات فزعموا أنها حقيقة في المخلوق مجاز في الخالق، ولهذا لم يظهر لهم من دلالاتها إلا ما يتعلق بالمخلوق ويختص به! (٢). وهذا من أفسد الأصول وأخطرها، لأنه يعني صحة نفي أسماء الله وصفاته، إذ خاصة المجاز صحة نفيه!، ويستلزم أيضا أن يكون في العبد أكمل وأتم منها في الرب، إذ إطلاقها على الرب مجرد تمثيل لما هو حقيقة في العبد!. والصواب أن الألفاظ التي تطلق على الرب والعبد حقيقة

стр. 41

فيهما، واختلاف الحقيقتين لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، لأنها من الألفاظ المتواطئة أو المشككة، وهي موضوعة للقدر المشترك، والخصائص لا تدخل في مسماها عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة، فإذا أضيفت لأحدهما دخلت الخصائص، وكان ظاهر ما أضيف للرب إنما يدل على ما يليق ويختص به، وظاهر ما أضيف للمخلوق إنما يدل على ما يليق ويختص به! (١). وقد ترتب على ما اعتقده الممثلة والمعطلة من أن ظاهر نصوص الصفات التمثيل ثلاثة محاذير: ١ - الجناية على نصوص الصفات: وسوء الظن بكلام الله ورسوله، واعتقاد أن القرآن والحديث كله تشبيه وتمثيل، ومن ثم أبقاه الممثلة على ما توهموه، ونشأت الحاجة للتأويل أو تفويض المعاني عند المعطلة. يقول إبراهيم اللقاني: وكل نص أوهم التشبيها فأوله أو فوض ورم تنزيها (٢) ٢ - تعطيل نصوص الإثبات: عما دلت عليه من الصفات اللائقة بجلال الله، وذلك بصرف دلالتها إلى ما يماثل صفات المخلوق، أو نفيها توهما أنها معارضة بنصوص التنزيه عن المثل!. ٣ - تعطيل الخالق عما يستحقه من صفات الكمال: ووصفه بدلا عنها بصفات المخلوقات عند الممثلة، أو بالصفات السلبية المحضة عند المعطلة، حتى آل أمر المعطلة إلى الوقوع في أعظم

стр. 42

مما فروا منه، وذلك بتمثيل الرب بالمنقوصات أو المعدومات. يقول الإمام البخاري: "قال بعض أهل العلم: إن الجهمية هم المشبهة، لأنهم شبهوا ربهم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يخلق" (١). وفي إبطال أساس التعطيل والتمثيل، وتصور محاذيره دلالة واضحة على بطلان المقالتين معا، وكذلك فإن فيما تمدح به الرب من المثل الأعلى دلالة برهانية على بطلان مقالتي التمثيل والتعطيل، إذ حقيقته وصف الرب بما لا مثل له من صفات الكمال. ولدلالة المثل الأعلى نظائر كثيرة تماثله أو تمثل بعض جوانبه، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، فإن اسم الأحد يتضمن نفي المثل، وهو رد على الممثلة، واسم الصمد يتضمن إثبات صفات الكمال، وهو رد على المعطلة (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فإن أولها رد على الممثلة وآخرها رد على المعطلة، ولهذا قال الشوكاني ﵀: "من فهم هذه الآية حق فهمها، وتدبرها حق تدبرها مشى عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة، ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله: وهو السميع البصير، فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي للمماثل قد اشتمل على برد اليقين، وشفاء الصدور، وانثلاج القلوب، فاقدر يا طالب

стр. 43

الحق قدر هذه الحجة النيرة، والبرهان القوي، فإنك تحطم بها كثيرا من البدع، وتهشم بها رؤوسا من الضلالة، وترغم بها أنوف طوائف من المتكلمين" (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فإن نفي الكفء والند والسمي وما في معناها يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال المطلق على وجه التفرد، وفي هذا رد لمقالة التعطيل والتمثيل. يقول ابن القيم: "نفي الكفء والسمي والمثل عنه كمال، لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه، واستحالة وجود مشارك له فيها" (٢). والنصوص الدالة على بطلان مقالة التعطيل بخصوصها أكثر، فكل ما صرحت به النصوص من أعيان الصفات، أو أحكامها، أو الأسماء والأفعال الدالة عليها فإنها أدلة برهانية على بطلان مقالة التعطيل ـ تقدم ذكرها ضمن أدلة الكمال ـ!، وذلك لأن مرض التعطيل أعظم فكانت العناية بالرد على أهله أكثر، ولهذا بعثت الرسل بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفي مماثلة المخلوقات على سبيل الإجمال (٣). ومما يدل على تغلظ مقالات المعطلة ثلاثة أوجه: ١ - أن النصوص المخالفة لأقوال النفاة مستفيضة وإنما

стр. 44

يردونها بتأويلات المريسي وابن فورك والرازي وما يجري مجراها. ٢ - أن حقيقة مقالاتهم تؤول إلى تعطيل الخالق وجحده بالكلية، حتى قيل: المعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما، ولهذا أطلق السلف عليهم لقب المعطلة، لأن مقالاتهم تستلزم تعطيل الذات!. ٣ - أن مقالاتهم تخالف ما اتفقت عليه الملل والفطر السليمة، وإنما تخفى وتروج مقالاتهم لكثرة ما يوردونه من الشبهات (١)، حتى رأينا رجلا كالمقريزي يستعرض مقالاتهم، ثم يقف أمام نصوص الصفات، وإجماع السلف على روايتها، وإثباتها بلا تمثيل، ثم لا يرى فائدة لذلك كله إلا تمكين إثبات مطلق الوجود، والرد على طوائف الملاحدة من أهل الطبائع، وعباد العلل! (٢).

стр. 45

الخاتمة أحمد الله في الختام كما حمدته في البدء فهو أهل للحمد في كل موطن، وبعد: فقد انتهيت من دراستي لحقيقة المثل الأعلى إلى جملة من النتائج، منها: ١ - لفظ (المثل) يستعمل لغة بمعنى النظير، والمثل المضروب، والصفة، واستعماله في هذه المعاني الثلاثة حقيقي، ولا يصح ادعاء أنه حقيقة في معنى النظير مجاز في الباقي، لأن هذه الدعوى مبنية على وجود مواضعة متقدمة، وعلى أن اللغات اصطلاحية، وكلاهما أمران غير مُسَلَّمَيْن. ٢ - وردت عن السلف الصالح عبارات متعددة في تفسير المثل الأعلى، فمن نظر لحقيقة المثل الأعلى فسره بالصفة العليا، أو بالنزاهة عن المثل، وهما معنيان متكاملان ومترابطان، لأن الصفات العليا يستحيل معها وجود المثل وإلا لم تكن عليا، وانتفاء المثل يعني التفرد بأعلى صفات الكمال، ومن نظر لآثار المثل الأعلى فسره بتوحيد العبادة قولا وعملا، أو ببعض أدلته ومعانيه، وذلك لأن التفرد بصفات الكمال يستلزم إفراد الموصوف بها بجميع أنواع العبادة. ٣ - دقة كلمات السلف، وعمق مضامينها، وضرورة فهمها وفق أصولهم ومداركهم، والحذر مما يسلكه بعض العلماء

стр. 46

من تخريج عباراتهم على ما يوافق مذهب الخلف، كما فعل بعض المفسرين بما نقل عنهم من تفسير المثل الأعلى بالشهادة بأن مرادهم الوصف بوحدانية الذات والصفات، أي توحيد الربوبية، وكما حمل آخرون تفسيرهم للمثل الأعلى بنفي المثل على نفي الصفات! وهذا ونظائره خروج بعباراتهم عن أصولهم وقواعدهم المعروفة، ومن هنا تبرز ضرورة تأمل عباراتهم حتى يصل الباحث لمرادهم الحقيقي، وحتى يتمكن من فهم حقيقة اختلاف عباراتهم في كل مسألة: هل هو خلاف حقيقي، أو مجرد اختلاف في المدارك والعبارات وتفسير للفظ ببعض أفراد معناه؟. ٤ - ثبوت المثل الأعلى لله وحده يقتضي بالضرورة إمكان وجود الصفة، وإمكان متعلقها إذا دلت على صفة متعدية، لأن الكمال لا يكون إلا بالحقائق الممكنة، ولهذا لا يجوز أن يفترض أن فعل الممتنع لذاته من الكمال، كما لا يجوز إخراج الصفات الاختيارية من نطاق الكمال، لأن وجودها الممكن إنما يكون على سبيل التعاقب!. ٥ - ثبوت المثل الأعلى يعني تفرد الرب بالكمال المطلق، وهو اسم جامع لصفات الكمال الوجودية المحضة التي لا تستلزم نقصا، ولا تشعر به بوجه من الوجوه، وهذا المعنى يتضمن تنزيه الرب عن ثلاثة أنواع من الصفات: أ - صفات النقص النسبي: وهي ما كانت كمالا في المخلوق دون الخالق، وذلك لدلالتها على الحدوث والعدم والافتقار، وعلى وجود نظير يشارك الرب فيما تفرد به من الكمال، وما يجب له وحده من الحقوق. وهذا يبطل مسلك الضلال من اليهود والنصارى

стр. 47

ومشركي العرب وغيرهم الذين وصفوا الرب بهذا النوع من الصفات، كالصاحبة والولد!. ب - الصفات السلبية المحضة: لأن الكمال إنما يتحقق بصفات وجودية، ولهذا كانت الصفات الثابتة بنصوص القرآن والسنة تدل صراحة أو تضمنا على معان وجودية. وهذا يبطل مسلك المتكلمين الذين وصفوا الرب بصفات سلبية محضة مفصلة، فضلوا عن تحقيق الكمال، وأساءوا الأدب مع الله، وخالفوا القرآن في إثباته ونفيه، وضمنوا ما ذكروه من صفات سلبية تعطيل كثير مما ورد من صفات الإثبات حتى ألزموا تعطيل الذات أو القول بالحلول!. ج - صفات النقص المطلق: لأن إثبات الكمال يستلزم نقلا وعقلا انتفاء ضده وكل ما يستلزم ضده، وعلى هذا الأصل المحكم بنى علماء السلف تنزيه الرب عن النقائص التي لم ينفها السمع بأعيانها، كالحزن والندم والبكاء والمرض. وقد بنى المتكلمون التنزيه عن هذه الصفات على نفي الجسم، وهو دليل مبتدع لم يرد اعتباره مناطا للتنزيه، وهو كذلك مخالف للغة والعقل والطرق الفطرية في الاستدلال، ولهذا لم يحقق التنزيه وإنما أفضى بأهله إلى نفي صفات الكمال، واعتبارها نقائص تستلزم التجسيم!. ٦ - التنزيه عن المثل والكفء داخل في حقيقة المثل الأعلى كما نص على ذلك ابن عباس ﵄، وذلك لأنه محقق لصفات الكمال ومستلزم لثبوتها على أكمل وجه، لأن نفي المثل والكفء إذا ورد في سياق المدح اقتضى التفرد بكثرة أوصاف الكمال. ولهذا أثبت أهل السنة والجماعة صفات الكمال المطلق على وجه

стр. 48

الاختصاص، فكل صفة من صفات الكمال فإن الله متصف بها على وجه لا يماثله فيها أحد سواء كان مما اختص به من كل وجه، كالخلق، أو كان مما اختص بكماله، كالعلم. وقد خالفهم في هذا الأصل طائفتان مشهورتان: الأولى: الممثلة: فقد أثبتوا الصفات على وجه المماثلة بين الخالق والمخلوق إما مطلقا أو من بعض الوجوه!. الثانية: المعطلة: فقد نفوا صفات الكمال أو كثيرا منها ظنا أن إثبات القدر المشترك يستلزم التمثيل!. وأصل الخطأ مشترك بين الطائفتين، فقد اعتقدوا أن ظاهر نصوص الصفات إنما يدل على ما يختص بالمخلوق، ولهذا أبقاه الممثلة على ما توهموه، وأوجب المعطلة تأويله أو تفويضه فرارا مما تخيلوه من التمثيل!. والصواب أن هذه الألفاظ موضوعة للقدر المشترك، والخصائص لا تدخل في مسماها عند الإطلاق، فإذا أضيفت لأحدهما دخلت الخصائص، وكان لكل منهما ما يختص به. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 49

آثار المثل الأعلى " دراسة عقدية"

стр. 50

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ملخص البحث هذه الدراسة مقصودها شرح آثار المثل الأعلى، وبيان ما ينبني على معرفته من أصول وبراهين التوحيد، وذلك من خلال النقاط الآتية: ١ - معرفة الرب وتوحيده هي الثمرة العظمى لمعرفة المثل الأعلى، وهي ثمرة فطرية عقلية من حيث الأصل، إلا أن المعرفة التامة سبيلها العلم بما يجمعه المثل الأعلى من صفات الكمال. ٢ - كمال العلم بمثل الرب الأعلى يثمر في حياة المؤمن صدق العبادة والاستعانة، وكل نوع من صفات الكمال يثمر عبادات قلبية خاصة تدفع الجوارح لفعل الطاعة وترك المعصية. ٣ - براهين التوحيد دائرة مع المثل الأعلى وجودا وعدما، ولهذا جعل الله مثل السوء للمشركين وآلهتهم المزعومة، وأخبر أنه المتفرد بالمثل الأعلى في السماوات والأرض. ٤ - مشروعية الاعتبار بين صفات الرب بقياس الأولى والمساواة، وعدم مشروعيته بين صفات الرب والعبد إلا بقياس الأولى لما في قياس المساواة من التنديد والتمثيل.

стр. 51

المقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد تمدح الرب ﵎ بتفرده بالمثل الأعلى في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]، وجعله طريقا لمعرفته وعبادته، وبرهانا على توحيده وبطلان عبادة ما سواه، فالمعرفة المفصلة لا تحصل إلا بما جاء به الوحي من أخبار عن أسماء الله وأفعاله ومثله الأعلى الجامع لأنواع كمالاته، وتعلق القلوب برب العالمين محبة ورغبة ورهبة وتوكلا، وما يتبع ذلك من صدق العبادة والاستعانة والبراءة من الشرك بجميع أنواعه ومظاهره كل ذلك من آثار العلم بالمثل الأعلى، وصدق التحقق بمعرفة صفات الكمال. ولهذا جعل الله مثل السوء المتضمن لكل نقص وعيب للمشركين وآلهتهم المزعومة، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لكل كمال لله وحده، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]. وعلى هذا الأساس المحكم قامت براهين التوحيد، الصريح منها وما كان عن طريق التشبيه وضرب الأمثال، لأن استحقاق العبادة دائر مع صفات الكمال وجودا وعدما، فمن جمعها فهو الإله الحق الذي له المثل الأعلى، ومن تجرد عنها فهو الإله الباطل الذي له مثل السوء!.

стр. 52

وقد عني علماء السلف بتحديد مدلول المثل الأعلى، وتفسيره من وجوه مختلفة، فمن حيث حقيقته فسروه بصفات الكمال التي يستحيل معها وجود المثل والكفء، ومن حيث آثاره فسروه بالتوحيد وما يتضمنه من حقائق الإيمان، وهما معنيان مترابطان أحكم ترابط وأوثقه، فإن معرفة الرب وعبادته، وبراهين التوحيد وأدلته كلها مبنية على كمال العلم بما يجمعه مثل الرب الأعلى من صفات الكمال. وعلى هذا فإن دراسة المثل الأعلى تتطلب دراسة أمرين مترابطين ومتكاملين: أحدهما: حقيقة المثل الأعلى، وذلك ببيان معناه، وشرح مدلولاته، التي يجمعها ثبوت الكمال الوجودي المطلق المنافي لصفات النقص ووجود المثل، وقد أفردت هذا الجانب بدراسة سابقة، بعنوان: "حقيقة المثل الأعلى". والثاني: آثار المثل الأعلى، وذلك ببيان ما يثمره صدق التحقق بمعرفة المثل الأعلى من حقائق التوحيد، وما ينبني على التفرد به من براهين الإيمان. وهذا الجانب هو موضوع هذه الدراسة، وهي في تمهيد ومطلبين وخاتمة: فالتمهيد: في معنى المثل الأعلى. والمطلب الأول: في معرفة الرب وعبادته، ويشتمل على المسائل الآتية: ١ - فطرية المعرفة والتوحيد. ٢ - أدلة وجود الله وتوحيده. ٣ - دلالة المثل الأعلى على وجود الله وتوحيده.

стр. 53

٤ - ثمرات المثل الأعلى الخاصة. ٥ - براهين التوحيد. ٦ - جناية التعطيل. والمطلب الثاني: في قياس الأولى، ويشتمل على المسائل الآتية: ١ - معنى القياس وإطلاقاته. ٢ - استعمال القياس بين صفات الله تعالى. ٣ - حكم القياس بين صفات الخالق والمخلوقين. ٤ - تطبيق قياس الأولى. ٥ - أما الخاتمة فإجمال لأهم نتائج الدراسة.

стр. 54

تمهيد معنى المثل الأعلى اختلف المفسرون في المراد بالمثل الأعلى في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]، وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المراد بالمثل الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي صفتهم، وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]، أي صفتها، فالمثل الأعلى بمعنى الصفة العليا، وهذا قول لابن عباس ﵄، وقال به الخليل وكثير من المفسرين، كالبغوي والقرطبي وابن كثير. وقد اختلف المفسرون في تعيين الوصف الأعلى، فمنهم من خصه بأوصاف محددة، كالتوحيد والإخلاص، أو النزاهة عن الولد، وهذه طريقة البغوي وابن الجوزي ومن وافقهما. ومنهم من جعله عاما لجميع صفات الكمال ومعاني التنزيه. وهذه طريقة ابن كثير ومن وافقه (١).

стр. 55

والظاهر أن تخصيص الصفة العليا بالتوحيد والإخلاص من تخريجات المفسرين، واجتهاداتهم في التوفيق بين العبارات المأثورة عن السلف في تفسير المثل الأعلى، لأن التوحيد والإخلاص من آثار الوصف الأعلى، وليس هو الوصف الأعلى نفسه، ولهذا درج أكثر المفسرين على اعتبار تفسير المثل الأعلى بالتوحيد قولا مستقلا عن تفسيره بالصفة!. القول الثاني: أن المراد بالمثل الأعلى تنزيه الرب عن وجود المثل. روى الإمام الطبري بسنده عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، قال: "يقول: ليس كمثله شيء" (١). وهذا القول محقق لتفسير المثل الأعلى بالوصف الأعلى، لأن نفي المثل إذا ورد في سياق المدح دل على التفرد بصفات الكمال، ولهذا قال القرطبي: "المثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير" (٢). القول الثالث: أن المراد بالمثل الأعلى كلمة التوحيد، وما دلت عليه من حقائق الإيمان، يقول ابن عباس ﵄: "المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله" (٣). ويؤثر نحوه عن قتادة ومجاهد ومحمد بن المنكدر (٤). وقال قتادة في رواية ثانية: "المثل الأعلى

стр. 56

الإخلاص والتوحيد" (١)، وهي بمعنى الرواية الأولى، ولهذا قال أبو جعفر النحاس: "المعنيان واحد، أي لله التوحيد ونفي كل معبود دونه" (٢). ويدخل تحت هذا القول تفسير المثل الأعلى بما ضربه الله للتوحيد وأهله من الأمثال، وتفسيره بما يحل في قلوب المؤمنين من معرفة الرب ومحبته. يقول ابن تيمية: "وأما المؤمنون فإن الإيمان بالله، ومعرفته، ومحبته، ونوره وهداه، يحل في قلوبهم، وهو المثل الأعلى، والمثال العلمي" (٣). ومما يعضد تفسير المثل الأعلى بالتوحيد قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ ......﴾ [الروم: ٢٧، ٢٨]، فأتبع ما تمدح به من التفرد بالمثل الأعلى ما يشعر بمعناه من أمثال التوحيد، ولهذا كان تفسير المثل الأعلى بالتوحيد هو غالب المأثور عن السلف (٤). وهذا لا يعني ضعف تفسيرهم له بالصفة أو تفسيره بعدم وجود المثل، لاختلاف مدارك عباراتهم، ومآخذ أقوالهم، وذلك لأن المثل الأعلى باعتبار حقيقته يعني التفرد بأوصاف الكمال التي يستحيل معها وجود المثل، وباعتبار آثاره يعني التوحيد وما يحل في القلوب من حقائق الإيمان ومعاني

стр. 57

الإخلاص، ولهذا جنح بعض المفسرين إلى تفسيره بمجموع أو أغلب المأثور عن السلف. يقول الخازن: "ولله المثل الأعلى، أي الصفة العليا المقدسة، وهي أن له التوحيد، وأنه المنزه عن الولد، وأنه لا إله إلا هو، وأن له جميع صفات الجلال والكمال" (١).

стр. 58

المطلب الأول معرفة الرب وعبادته فطرة المعرفة والتوحيد: معرفة الرب وتوحيده أعظم الحقائق المركوزة في فطر الناس أجمعين، فكل من سلمت فطرته من الاجتيال والتبديل فإنه سيذعن لا محالة لما يجده في داخله من الإيمان بوجود خالقه، والإقرار المجمل بمعاني ربوبيته، وكمال صفاته، واستحقاقه وحده للعبادة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وروى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا, قال المصطفى ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١)، وفي رواية لمسلم: «ما من مولود يولد إلا وهو على الملة» (٢)، وفي رواية له أيضا: «إلا على هذه الملة» (٣). يقول ابن تيمية: "الله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده، فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب

стр. 59

عارفا بالله محبا له، عابدا له وحده" (١). أدلة وجود الله وتوحيده: إلى جانب تلك الحجة النابعة من داخل الإنسان وأعماق نفسه فإن هناك حججا خارجية في الأنفس والآفاق, تجمعها حقيقة عقلية أولية واحدة، وهي دلالة الأثر على المؤثر، وهذه الحجج تنتظم ما لا يحصى من آحاد الأدلة، إذ العالم كله دليل وشاهد على وجود الله وتوحيده، ولهذا جنح أهل العلم لحصر أنواع الأدلة دون آحادها، وذلك بطرق متعددة، وتحت أسماء مختلفة، منها: ١ - دليل الخلق والاختراع: فما يعلمه كل عاقل بالمشاهدة والضرورة العقلية من وجود المخلوقات بعد العدم دليل قاطع على وجود الخالق وتوحيده، وذلك لافتقار المخلوق إلى الخالق، واحتياج المحدَث للمحدِث، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦]، وقال: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٨]. وهذا النوع من الاستدلال يرتكز على أصلين معلومين بداهة: أحدهما: حدوث المخلوقات: وهذا معلوم بالمشاهدة في آحاد الحيوان والنبات، وبالضرورة العقلية في الكواكب وسائر

стр. 60

المخلوقات، لأنها مسخرة مدبرة، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة. والثاني: حاجة المحدَث إلى محدِث: وهذا الأصل معلوم بضرورة العقل، فالمحدَث لابد له من محدِث لا يفتقر إلى غيره، وهو الله تعالى. يقول ابن تيمية: "معلوم بضرورة العقل أن المحدث لابد له محدث، وأنه يمتنع تسلسل المخلوقات باتفاق العقلاء، وذلك بأن يكون للمحدَث محدِث، وللمحدِث محدَث إلى غير غاية، وهذا يسمى تسلسل المؤثرات، والعلل، والفاعلية، وهو لا يزول إلا بمحدث أزلي لا يحتاج إلى غيره" (١). ٢ - دليل العناية: فما في الوجود من مظاهر العناية بالمخلوقات عامة، والإنسان خاصة، براهين قاطعة على وجود الخالق، وعلى كماله، وتوحيده. ويدخل في هذا الدليل كثير من صور الاستدلال، منها: أ - دلالة الإتقان: فكل مخلوق يحمل من كمال الإتقان ما يدل على وجود خالقه وكمال ذاته وصفاته، قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، وقال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. ب - دلالة التناسق: فالعالم كله علويَّه وسفليَّه يخضع لنواميس كونية متناسقة ثمرتها التوافق الدقيق بين المخلوقات، والموافقة التامة لوجود الإنسان، قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ

стр. 61

الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦]، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]، أي أدلة على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد وصدق الرسل، ولهذا أطلق متعلق الآية ولم يقيدها بمطلوب معين (١). ج - دلالة الهداية العامة: فإن هداية المخلوقات ودلالتها إلى مصالح معاشها، وسبل بقائها وما يقيمها ويحفظها من أعظم آيات الربوبية، قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠]. يقول ابن القيم: "الهداية العامة قرينة الخلق في الدلالة على الرب ﵎ وأسمائه وصفاته وتوحيده، ومعنى الآية أن الله أعطى كل شيء من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له، وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه. والخلق إعطاء الوجود العيني الخارجي، والهدى إعطاء الوجود العلمي الذهني. والآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه، وطيره ودوابه، فصيحه وأعجمه" (٢).

стр. 62

٣ - دليل المعجزات: فآيات الأنبياء وما يتبعها من نصر الرسل وأتباعهم، وإكرامهم بخوارق العادات، وإجابة الدعوات برهان حسي عقلي قاطع على إثبات الخالق وتوحيده وصدق رسله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠١، ١٠٢]، أي حجج وأدلة تبصر بصدق ما يدعو إليه موسى من الإيمان بالله وتصديق رسوله، وآثار واضحة للإله الحق وصفاته وأفعاله: يقول ابن القيم: "هذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها، وأدلها على الصانع، وصفاته، وأفعاله، وارتباط أدلة هذا الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس (١) والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر به ثم يعود عصا كما كانت من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول، وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا! وهكذا

стр. 63

سائر آياته وآيات الأنبياء، فكلها من أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق رسله واليوم الآخر" (١). دلالة المثل الأعلى على وجود الله وتوحيده: لم يكتف الشرع بتنبيه العباد وإرشادهم لما هو مركوز في فطرهم، وما تعرفه عقولهم من الإيمان المجمل بوجود الله وتوحيده، وإنما عرفهم بربهم ومعبودهم معرفة مفصلة، إذ من المحال أن تستقل العقول بمعرفة فاطرها ومعبودها على التفصيل (٢)، فعرفهم بأسماء الرب وصفاته وأنواع كمالاته التي يجمعها ما تفرد به من المثل الأعلى في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 64

وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. ولهذا النصوص نظائر كثيرة يدخل كل واحد منها ضمن جانب أو أكثر من جوانب المثل الأعلى، وهي: ١ - صفات الكمال الذاتية: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. ٢ - صفات الكمال الفعلية: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ

стр. 65

تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥]. ٣ - التنزيه عن النقائص المتصلة: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، وقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. ٤ - التنزيه عن النقائص المنفصلة: قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وهذه المعرفة المفصلة لابد أن تُثَمِّر في قلب العارف محبة الله

стр. 66

ورجاء ثوابه والخوف من عقابه والالتزام بعبادة الله وحده قولا وعملا، وهذا هو المقصود الأعظم لما أخبرنا الله به من تفرده بالمثل الأعلى في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٢٧ - ٣٠]، فتمدح الحق بتفرده بالمثل الأعلى، ثم أتبع ذلك بالأمر بلزوم موجبه والمقصود من ذكره، وهو البراءة من عبادة ما سوى الله، وإفراد الله بجميع أنواع العبادة. والأمر بهذا التوحيد والإخلاص مستفاد من المثل المضروب ببطلان الشرك ولزوم التوحيد، ومن التشنيع بجهل المشركين واتباعهم أهوائهم بغير علم، ومن الأمر الصريح في آخر الآيات بالإخلاص الموافق للفطرة، ولهذا فسر كثير من علماء السلف المثل الأعلى بمقصوده الأعظم من التوحيد والإخلاص. يقول ابن عباس ﵄: "المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله" (١)، ويقول قتادة: "المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله" (٢)، ويقول: "المثل الأعلى الإخلاص والتوحيد" (٣)، وقال مجاهد: "المثل

стр. 67

الأعلى قول لا إله إلا الله" (١)، وقال محمد بن المنكدر في قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ قال: "لا إله إلا الله" (٢). فالمعرفة والتوحيد أمران متلازمان، وهما أعظم ثمرات المثل الأعلى على الإطلاق، ولهذا كثر في نصوص القرآن والسنة التصريح بصفات الكمال ليعرف العباد ربهم بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتمتلئ قلوبهم بمحبته وصدق التوكل عليه، فإن التحقق بمعرفة صفات الإلهية يورث المحبة الخاصة المستلزمة لكمال الطاعة والعبادة، والتحقيق بمعرفة صفات الربوبية يورث صدق التوكل وكمال الاستعانة، وهي الاعتماد على الله وحده في جلب المنافع ودفع المضار، ثقة بكفاية الله في العطاء والمنع والضر والنفع. فالمعرفة الحق بصفات الإلهية تثمر إفراد الله بالعبادة قولا وعملا، والمعرفة بصفات الربوبية تثمر كمال الاستعانة بالله، والعبادة والاستعانة، أو الشرع والقدر هما أصلا السعادة في الدنيا والآخرة، وخاصة المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد جمع الله هذين الأصلين في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]، يقول ابن تيمية: "الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام: فالمؤمنون المتقون هم له وبه، يعبدونه ويستعينونه. وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم

стр. 68

تحريا للطاعة والورع، ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع. وطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة. فقد يمكن أحدهم، ويكون له نوع من الحال باطنا وظاهرا، ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول (١)، ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين، والعاقبة للتقوى، فالأولون (٢) لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة، ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر، واتبع فيه السنة. وشر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه، فهو لا يشهد أن عمله لله، ولا أنه بالله" (٣). ثمرات المثل الأعلى الخاصة: إذا كانت العبادة والاستعانة ثمرتي التحقق بالعلم بصفات الربوبية والإلهية على وجه الإجمال فإن لكل صفة من صفات الكمال عبادة قلبية خاصة، وحالا معينة يثمرها العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهي كثيرة، منها:

стр. 69

أولا: التوكل: فإن العلم بقدرة الرب وتفرده بالضر والنفع يورث أهله صدق التوكل على الله وحده في جلب المنافع ودفع المضار، وهذه الثمرة من أعلى درجات الإيمان التي توصل أهلها لخيرات الدنيا والآخرة، وأعلاها دخول الجنة بلا حساب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي كافيه في جلب المنافع ودفع المضار. وروى مسلم بسنده عن ابن عباس ﵄: «عرضت عليَّ الأمم .....» الحديث، وفيه: «هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا (١) يدخلون الجنة بغير حساب .....» الحديث إلى قوله: «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» (٢). وهذه الفضيلة لأهل التوكل التام خاصة، وهو ما تميز أهله باجتماع ثلاث خصال قل أن تجتمع في مسلم، وهي: ترك الرقى الشركية، وعدم العمل بمقتضى التشاؤم، وترك الاكتواء في الأحوال المكروهة (٣).

стр. 70

والتوكل عمل قلبي إذا استقر في القلب استتبع آثاره الظاهرة والباطنة، وأهمها اثنان: أحدهما: البراءة التامة من الشرك الأكبر في التوكل، وهو الاعتماد على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، وذلك كالاعتماد على الأولياء المزعومين في الحفظ أو النصر أو الرزق أو العافية أو غير ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله وحده. الثاني: صحة التعامل مع الأسباب، وذلك بالحرص على فعل ما ثبت أنه من الأسباب النافعة شرعا أو قدرا دون اعتماد عليه، أو اعتباره وسيلة مستقلة أو حتمية في حصول المسببات. وفي هذه الثمرة نجاة المسلم من كثير من صور الشرك الخفي، كالاعتماد على الأسباب الظاهرة العادية في حصول آثارها، وكمباشرة بعض الأسباب التي تعتبر شركا أو ذريعة له. روى الإمام أحمد بسنده عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: قال رسول الله ﷺ «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (١). وقد يصل الانحراف في التعامل مع الأسباب بأهله إلى الخروج من الإسلام كلية، وذلك كمن يؤمن بالتأثير الذاتي للأسباب، أو يباشر من الأسباب ما هو مشتمل على الشرك الأكبر، كالرقى والتمائم المشتملة على سؤال غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله (٢).

стр. 71

ثانيا: الحياء: فإن العلم بسمع الرب وبصره، وعلمه المحيط بما في السماوات والأرض، والتحقق بمعيته يثمر في قلوب العباد الاستحياء من اطلاع الرب عليهم، وأن يراهم على ما يكره، فتبقى خواطرهم وألسنتهم وجوارحهم محفوظة من المعاصي الظاهرة والباطنة، ولهذا كثر في القرآن الكريم ذكر صفة العلم في نصوص الجزاء على الأعمال كقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٤]، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، والمعية في الآية معية علم، كما يدل لذلك سياق الآية، حيث بدئت وختمت بالعلم، ولهذا قال علماء السلف: هو معهم بعلمه (١). وهذه المعية تورث القلب كمال الحياء من الله تعالى، وكذلك شأن المعية الخاصة من باب أولى، إذ كلا النوعين يدل على مصاحبة الرب لعبده واطلاعه على أحواله، واختلافهما إنما هو في المقتضى لا في أصل الدلالة، يقول ابن القيم: "المعية نوعان: عامة: وهي معية العلم والإحاطة .... وخاصة: وهي معية القرب .... فهذه تتضمن الموالاة والنصر والحفظ. وكلا المعنيين مصاحبة منه للعبد، لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة، وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة، فـ "مع" في لغة العرب تفيد الصحبة

стр. 72

اللائقة، لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا مجانبة، فمن ظن منها شيئا من هذا فمن سوء فهمه أتي" (١). ثالثا: المحبة: وهي ثمرة العلم بجمال الرب وكماله وإنعامه وإحسانه، لأن القلوب مجبولة على محبة الكمال، وعلى محبة من أحسن إليها. والمحبة التي يثمرها العلم بهاتين الصفتين أكمل أنواع الحب القلبي، وهي محبة التأله التي إذا استقرت في القلب أورثت أهلها كمال الاتباع والإيثار، وموافقة الرب في محبوباته ومكروهاته ظاهرا وباطنا، وليست مجرد دعاوى وعواطف لا حقيقة لها في الواقع، كما يتوهمه المغرورون، أو مجرد محبة عقلية تعني إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، كما يزعم الجهمية نفاة المحبة، إذ الرب عندهم لا يحب ولا يحب، لأن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين الجانبين، ولا مناسبة بين القديم والمحدث!. والقرآن يكذب مقالتهم في نصوص كثيرة، لقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والحق خلاف ما عليه هؤلاء وهؤلاء، فإن محبة الله ـ تعالى ـ تملأ القلب، وتستتبع آثارها الظاهرة والباطنة، التزاما بالشرع واتباعا لأحكامه وتقديما له على كل محبوب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ

стр. 73

تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وهذه المحبة أهم أعمال القلوب على الإطلاق، لأنها أصل أعمال الإيمان كما أن التصديق أصل أقواله، ولهذا كان شرك المحبة أصل الشرك العملي، وأعظم أنواعه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. يقول الآلوسي: "جواب (لو) محذوف، للإيذان بخروجه عن دائرة البيان، أي لوقعوا من الحسرة والندامة فيما لا يكاد يوصف" (١). رابعا: الخوف: وهو ثمرة العلم بصفات العقوبة، كالغضب والسخط والانتقام. والخوف من أعلى مراتب الإيمان، ومن ضرورات تحقيقه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا .......﴾ الآيات [الأنفال: ٢ - ٤] ويقول: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. يقول إبراهيم التيمي: "ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأن أهل الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، وينبغي لمن لا يشفق أن يخاف ألا

стр. 74

يكون من أهل الجنة، لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]. اهـ كلامه" (١). والخوف المحمود تارة يتعلق بالمخوف ذاته، كخوف مقام الرب أو عذابه، وتارة يتعلق بوسائل المخوف، كخوف رد العمل، أو الوقوع في الموبقات، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. روى الإمام أحمد بسنده عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق وهو يخاف أن لا يقبل منه» (٢). وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه" (٣). والخوف من الله تعالى يستلزم القيام بفعل المأمور وترك المحظور، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *

стр. 75

فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]، وأعظم ما يدخل في المحظور شرك العبادة، فإنه أعظم المحرمات، وهو ينتظم أنواعا كثيرة، منها شرك الخوف، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما لا يقدر عليه إلا الله سواء اعتقد أن ذلك على سبيل الكرامة أو الاستقلال. وهذا المعنى هو الذي يعتقده المشركون في آلهتهم، ولهذا كانوا يخافونها ويخوفون بها أولياء الرحمن، قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقال ـ حكاية عن قوم هود ـ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقد ورث هذا الشرك كثير من غلاة الشيعة والصوفية وغيرهم. أما ترك بعض الواجبات خوفا من الناس، كترك ما يجب من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا مما دون الشرك من المحرمات، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، أي يخوفكم بأوليائه، لئلا تجاهدوهم، ولا تأمروهم بمعروف ولا تنهوهم عن منكر (١). خامسا: الرجاء: وهو ثمرة العلم بصفات الرحمة، كالمغفرة واللطف والعفو والبر والإحسان. والرجاء من أعظم عبادات القلوب، وأقوى بواعث الطاعة، وقوته في القلب تكون على حسب قوة المعرفة بالله وصفاته. يقول ابن القيم: "قوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وغلبة رحمته غضبه، ولولا روح
следующие страницы →