ثانيا: الحياء: فإن العلم بسمع الرب وبصره، وعلمه المحيط بما في السماوات والأرض، والتحقق بمعيته يثمر في قلوب العباد الاستحياء من اطلاع الرب عليهم، وأن يراهم على ما يكره، فتبقى خواطرهم وألسنتهم وجوارحهم محفوظة من المعاصي الظاهرة والباطنة، ولهذا كثر في القرآن الكريم ذكر صفة العلم في نصوص الجزاء على الأعمال كقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٤]، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، والمعية في الآية معية علم، كما يدل لذلك سياق الآية، حيث بدئت وختمت بالعلم، ولهذا قال علماء السلف: هو معهم بعلمه (١). وهذه المعية تورث القلب كمال الحياء من الله تعالى، وكذلك شأن المعية الخاصة من باب أولى، إذ كلا النوعين يدل على مصاحبة الرب لعبده واطلاعه على أحواله، واختلافهما إنما هو في المقتضى لا في أصل الدلالة، يقول ابن القيم: "المعية نوعان: عامة: وهي معية العلم والإحاطة .... وخاصة: وهي معية القرب .... فهذه تتضمن الموالاة والنصر والحفظ.
وكلا المعنيين مصاحبة منه للعبد، لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة، وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة، فـ "مع" في لغة العرب تفيد الصحبة
стр. 72
اللائقة، لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا مجانبة، فمن ظن منها شيئا من هذا فمن سوء فهمه أتي" (١).
ثالثا: المحبة: وهي ثمرة العلم بجمال الرب وكماله وإنعامه وإحسانه، لأن القلوب مجبولة على محبة الكمال، وعلى محبة من أحسن إليها. والمحبة التي يثمرها العلم بهاتين الصفتين أكمل أنواع الحب القلبي، وهي محبة التأله التي إذا استقرت في القلب أورثت أهلها كمال الاتباع والإيثار، وموافقة الرب في محبوباته ومكروهاته ظاهرا وباطنا، وليست مجرد دعاوى وعواطف لا حقيقة لها في الواقع، كما يتوهمه المغرورون، أو مجرد محبة عقلية تعني إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، كما يزعم الجهمية نفاة المحبة، إذ الرب عندهم لا يحب ولا يحب، لأن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين الجانبين، ولا مناسبة بين القديم والمحدث!.
والقرآن يكذب مقالتهم في نصوص كثيرة، لقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والحق خلاف ما عليه هؤلاء وهؤلاء، فإن محبة الله ـ تعالى ـ تملأ القلب، وتستتبع آثارها الظاهرة والباطنة، التزاما بالشرع واتباعا لأحكامه وتقديما له على كل محبوب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ
стр. 73
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
وهذه المحبة أهم أعمال القلوب على الإطلاق، لأنها أصل أعمال الإيمان كما أن التصديق أصل أقواله، ولهذا كان شرك المحبة أصل الشرك العملي، وأعظم أنواعه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. يقول الآلوسي: "جواب (لو) محذوف، للإيذان بخروجه عن دائرة البيان، أي لوقعوا من الحسرة والندامة فيما لا يكاد يوصف" (١).
رابعا: الخوف: وهو ثمرة العلم بصفات العقوبة، كالغضب والسخط والانتقام. والخوف من أعلى مراتب الإيمان، ومن ضرورات تحقيقه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا .......﴾ الآيات [الأنفال: ٢ - ٤] ويقول: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. يقول إبراهيم التيمي: "ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأن أهل الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، وينبغي لمن لا يشفق أن يخاف ألا
стр. 74
يكون من أهل الجنة، لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]. اهـ كلامه" (١).
والخوف المحمود تارة يتعلق بالمخوف ذاته، كخوف مقام الرب أو عذابه، وتارة يتعلق بوسائل المخوف، كخوف رد العمل، أو الوقوع في الموبقات، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. روى الإمام أحمد بسنده عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق وهو يخاف أن لا يقبل منه» (٢). وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه" (٣).
والخوف من الله تعالى يستلزم القيام بفعل المأمور وترك المحظور، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى *
стр. 75
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]، وأعظم ما يدخل في المحظور شرك العبادة، فإنه أعظم المحرمات، وهو ينتظم أنواعا كثيرة، منها شرك الخوف، وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما لا يقدر عليه إلا الله سواء اعتقد أن ذلك على سبيل الكرامة أو الاستقلال. وهذا المعنى هو الذي يعتقده المشركون في آلهتهم، ولهذا كانوا يخافونها ويخوفون بها أولياء الرحمن، قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقال ـ حكاية عن قوم هود ـ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقد ورث هذا الشرك كثير من غلاة الشيعة والصوفية وغيرهم.
أما ترك بعض الواجبات خوفا من الناس، كترك ما يجب من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا مما دون الشرك من المحرمات، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، أي يخوفكم بأوليائه، لئلا تجاهدوهم، ولا تأمروهم بمعروف ولا تنهوهم عن منكر (١).
خامسا: الرجاء: وهو ثمرة العلم بصفات الرحمة، كالمغفرة واللطف والعفو والبر والإحسان. والرجاء من أعظم عبادات القلوب، وأقوى بواعث الطاعة، وقوته في القلب تكون على حسب قوة المعرفة بالله وصفاته. يقول ابن القيم: "قوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وغلبة رحمته غضبه، ولولا روح
стр. 76
الرجال لعطلت عبودية القلب والجوارح، وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا" (١).
والرجاء عبادة لا يجوز أن ينفك عنها المسلم لا في حال الإحسان ولا في حالة الإساءة، ففي حال الإحسان يرجو قبول العمل فرضا كان أو نفلا، وفي حال الإساءة يرجو قبول التوبة والتجاوز عن العقوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، أي لمن تاب، ولهذا عمم في المذنبين وأطلق في الذنوب، لأن الله يغفر بالتوبة النصوح لكل مذنب من كل ذنب، وهذه خاصة التوبة من بين أسباب المغفرة.
وقد اختلف أهل العلم في التفضيل بين الرجاءين، فطائفة فضلت رجاء المحسن، لقوة أسباب الرجاء معه، وطائفة فضلت رجاء المذنب التائب، لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل، ومقرون بكسرة رؤية الذنب. والظاهر أن التفضيل لا يتعلق بنوع الرجاء، وإنما يتعلق بمقدار ما يقوم بقلب صاحبه من حقائق التقوى حال رجائه، فمن كان أتقى كان رجاؤه أفضل سواء أكان محسنا أو تائبا، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وفيما تقدم ذكره بيان واضح لنوع الرجاء المحمود، وهو إما
стр. 77
رجاء المحسن لقبول العمل، أو التائب لقبول التوبة. أما الرجاء المجرد عن العمل، والاسترسال في المعاصي اتكالا على عفو الله تعالى فهو من الغرور، والأمن من مكر الله، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، إذ عاقبته استدراج العاصي حتى يهلكه الله في غفلته!.
ولابد من اقتران الخوف والرجاء في قلب المؤمن، لئلا يفضي به الرجاء إلى الأمن من مكر الله، أو يفضي به الخوف إلى القنوط من رحمة الله، واليأس من روحه، ولهذا قرنت صفات الرحمة بصفات العقوبة في مواضع كثيرة من القرآن، لتورث المؤمن قوة في الخوف والرجاء، واعتدالا بين وعد الله ووعيده، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨].
وللرجاء الصادق أكبر الآثار في واقع المسلم، فهو يبعث على التوبة النصوح، والإكثار من الأعمال الصالحة رجاء الفوز بجنة الله، ورؤيته، وسماع كلامه، ويحفظ عقيدة المسلم من التعلق بالمخلوقات، رجاء حصول البركة، أو الشفاعة، أو كشف الضر، أو تحويله، ولهذا لا ترى في حياة المسلم الصادق شيئا من مظاهر شرك الرجاء، كالتبرك بمقامات الأنبياء، أو بذوات الأولياء وأضرحتهم، أو بالعيون والمغارات، أو بغير ذلك من البقاع والأمكنة والأعيان، لأنه يعلم يقينا تفرد الرب بجلب المنافع ودفع المضار، ويؤمن بأن الله وحده هو محل رجائه في كل ما يؤمله من
стр. 78
خيرات الدنيا والآخرة (١).
براهين التوحيد:
تفرد الرب بالمثل الأعلى من أعظم أدلة صحة التوحيد ووجوبه وبطلان الشرك وتحريمه، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، فجعل مثل السوء المتضمن لكل عيب ونقص للمشركين وآلهتهم المزعومة، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لجميع صفات الكمال لله وحده. وهذا يستلزم عقلا بطلان الشرك وصحة التوحيد. وعلى هذا المعنى الجامع والتلازم الضرورية قامت براهين التوحيد وإبطال الشرك، وهي أربعة أنواع:
الأول: الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد العبادة، فإن تفرد الرب بمعاني الربوبية يستلزم إفراده بالعبادة، وذلك لاعتبارات متعددة، منها:
١ - أن التفرد بالربوبية يعني التفرد بتربية العباد بنعمه وإحسانه، وأصل ذلك الخلق، إذ كل ما بعده من النعم تابع له، وفرع عنه، ولاشك أن شكر من تفرد بالخلق والإنعام أوجب شيء في العقول.
٢ - أن التفرد بالربوبية يعني التفرد التام بجلب المنافع ودفع
стр. 79
المضار، وهذا يقتضي عقلا أن يكون الرب وحده محل محبة العبد ورغبته ورهبته.
٣ - أن التفرد بالربوبية يعني التفرد بالخلق والملك والغنى الذاتي، وأن ما عدا الرب مخلوق مملوك فقير لا يصح عقلا أن يكون محلا لمحبة العبد ورغبته ورجائه، ولا لشيء مما ينشأ عن ذلك من عباداته!! وعلى هذه الاعتبارات وما يجري مجراها جاء هذا النوع من براهين القرآن على صحة التوحيد وبطلان الشرك، فمن تفرد بمعاني الربوبية من خلق وتدبير وملك وعناية وهداية ونفع وضر فهو المستحق عقلا وشرعا للعبادة وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]، وقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ......﴾ الآيات [النمل: ٦٠ - ٦٤].
الثاني: الاستدلال بتوحيد الصفات على توحيد العبادة، فإن التفرد بصفات الكمال المطلق يستلزم تعلق القلب بالموصوف بها محبة وخوفا ورجاء وتألها في الظاهر والباطن، وهذا البرهان ينتظم جميع ما ورد من صفات الكمال، فكلها أدلة على توحيد العبادة سواء أصرح بذكر لازمها، أو ذكرت مجردة. فمما ذكر مجردا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:
стр. 80
٦٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، فهذه النصوص ونظائرها لم تذكر لمجرد تقرير الكمال وإنما ذكرت لبيان أن الموصوف بها هو المستحق للعبادة وحده. يقول ابن تيمية: "الله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد، وهما: إثبات الكمال، ردا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو، ردا على المشركين" (١).
أما ما صرح بذكر لازمه من نصوص الصفات فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٢، ٢٣]، وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، فصرح بذكر لازم صفات كماله، وهو البراءة من الشرك وأهله، وإفراد الله بجميع العبادات الظاهرة والباطنة، ومحل الدلالة في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإن الشهادة تدل على توحيد العبادة مطابقة، والتنزيه عن الشرك يستلزم إفراد الله بالعبادة.
وصفات الكمال لا تدل على التوحيد فحسب، بل إنها تدل
стр. 81
مع ذلك على ما يليق بالرب، من الأفعال، ولهذا نزه الرب نفسه عن كل ما ينافي كماله من الأفعال، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، وقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]، فنزه نفسه عن اللعب والعبث والظلم وتصديق المتنبئ بما لا معارض له من البراهين، لأن هذه الأفعال تنافي كماله وحكمته وعدله ورحمته (١).
الثالث: الاستدلال بأوصاف الآلهة الباطلة على التوحيد، فإن كل ما يعبد من دون الله تعالى من بشر، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك يجمعهم مثل السوء من الحدوث والعجز والفقر، وهي كلها صفات نقص تبطل ألوهيتهم المزعومة، وقد فصل القرآن هذه الصفات في نصوص كثيرة بطرق متعددة، منها:
١ - تقرير أن كل ما يعبد من دون الله مخلوق مربوب لا قدرة له على الخلق، وهذا يقتضي ضرورة بطلان الشرك، وأن الإله الحق هو خالق هذه المعبودات والخلق أجمعين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقال: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]. يقول ابن القيم: "إن زعموا أن آلهتهم خلقت شيئا مع الله
стр. 82
طولبوا بأن يروه إياه، وإن اعترفوا بأنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت إلهيتها باطلة ومحالة" (١).
٢ - أن الآلهة المزعومة ليست أهلا للعبادة، وذلك لتجردها من جميع معاني الربوبية، فهي لا تنفع ولا تضر، ولا ترزق ولا تضر، ولا تملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢]، وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣]. يقول ابن القيم: "أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ فلابد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو شريكا لمالكها، أو ظهيرا، أو وزيرا، أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت؛ انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده، فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك
стр. 83
مثقال ذرة في السماوات والأرض، فقد يقول المشرك: هي شريكة لمالك الحق.
فنفى شركتها له، فيقول المشرك: قد تكون ظهيرا أو وزيرا ومعاونا، فقال: وما له منهم من ظهير، فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه" (١).
٣ - بيان ما عليه الآلهة المزعومة من صفات النقص المنافية للألوهية، فهي إما مخلوقات محتاجة، لا قيام لها بنفسها، أو جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال ـ حكاية عن الخليل ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] (٢).
الرابع: الاستدلال على التوحيد بضرب الأمثال في المعاني (٣)،
وهي عبارة عن براهين وحجج تفيد توضيحا للمعنى
стр. 84
أو دلالة على الحكم عن طريق تصوير المعقول في صورة المحسوس، أو تصوير أحد المحسوسين في صورة أظهرهما، واعتبار أحدهما بالآخر. وهي أقوى في النفس، وأبلغ في الإقناع، لقوة التشبيه، وقربه من الحس، واقتران دلالته بالترغيب والترهيب (١). وأمثال التوحيد مما يدخل في معنى المثل الأعلى، ولهذا فسره ابن كيسان بما ضربه الله للتوحيد والشرك من الأمثال (٢)، وهو تفسير للمثل الأعلى باعتبار أثره لا باعتبار حقيقته، وهو يعم تفسيره بكلمة التوحيد، أو بمدلولاتها، أو بأدلتها وبراهينها كما تقدم (٣).
وقد ذكر الله في كتابه كثيرا من الأمثال المشتملة على ذكر ما في الآلهة المزعومة من نقائص وأمثال سوء تنفر القلب، وتهدي
стр. 85
العقل بالبرهان لبطلان الشرك وصحة التوحيد، والتزامه قولا وعملا، رغبا ورهبا، ومنها:
١ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]، فهذا مثل ضربه الله لنفسه وللأوثان، فللأوثان مثل السوء ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض، فالله تعالى هو مالك كل شيء، ينفق على عباده سرا وجهرا وليلا ونهارا، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يقبل عقل أن تكون شريكة لله ومعبودة معه مع هذا التفاوت العظيم! (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، وهذا مثل آخر ضربه الله لنفسه وللوثن، فإن القادر على الحق قولا وأمرا وفعلا لا يماثل الأبكم الذي لا يقدر على شيء البتة لا نطقا ولا فعلا، وهكذا شأن الله مع الأوثان ـ ولله المثل الأعلى ـ فإن كماله المطلق يحيل أن تماثله الأوثان العاجزة في شيء من كمالاته أو حقوقه! (٢).
٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ *
стр. 86
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤]، وقد ضرب الله هذا المثل بأوجز عبارة وأحلاها، وبين فيه ما يعم المعبودات الباطلة من عجز حتى حال الاجتماع والتعاون، فهي لا تقدر على إيجاد مخلوق من أضعف المخلوقات، ولا حتى على الانتصار منه، وذلك لكمال عجزها المستلزم بطلان ألوهيتها ضرورة، إذ من لوازم الألوهية الحق القدرة التامة على كل شيء، ولهذا فإن من عرف الله حق المعرفة، وآمن بصفاته الكاملة، وقدرته التامة عصمه إيمانه من شرك العبادة، إذ لا يبتلى به إلا من لم يقدر الله حق قدره. وهذا المثل يقطع مواد الشرك، وهو من أبلغ ما أنزله الله في إبطال الشرك وتجهيل أهله (١).
٤ - قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]، فمثل اتخاذ الأولياء من دونه، واعتماد المشركين عليهم في حصول المنافع بما في ذلك العزة والقدرة والنصرة مثله باعتماد العنكبوت على أضعف البيوت، فإن اعتمادهم عليها ما زادهم إلا ضعفا، وموالاتهم لها ما زادتهم إلا ذلة، جزاء وفاقا، ومعاملة للمشرك بنقيض مقصوده، كما هي سنة الله مع المشركين (٢).
стр. 87
٥ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ملكه حتى يساويه في التصرف، ويخافه على ماله كما يخاف أمثاله من الشركاء الأحرار؟! فإذ لم ترضوا بهذا لأنفسكم فلم جعلتم خلق الله وعبيده شركاء له في العبادة؟! (١).
وقد رأى القرطبي أن مقصود المثل المضروب في الآية إبطال أن يكون شيء من العالم شريكا لله في شيء من أفعاله، ولهذا قال في تحرير المثل: "كيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركاء في خلقي؟! " (٢). وهذا ليس بصحيح، لأن مقصود المثل إقامة البرهان على توحيد العبادة ـ وهو يتضمن توحيد الأفعال ـ، ودعوة الخلق له قولا وعملا، إذ هو محل الخصومة بين الرسل وأممهم. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
стр. 88
٦ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، وهذا المثل للدلالة على حسن التوحيد وقبح الشرك، وعدم استواء الموحد والمشرك في صفتيهما وحاليهما، فالمشرك الذي يعبد آلهة شتى بمنزلة عبد يملكه شركاء مختلفون متعاسرون، لا يلقاه أحدهم إلا جره واستخدمه، ومع ذلك لا يرضي واحدا منهم بخدمته، لكثرة الحقوق في رقبته، وتعاسر مواليه، وسوء أخلاقهم!! والموحد الذي يعبد الله وحده مثله كمملوك سالم لرجل واحد، لا ينازعه فيه أحد، قد عرف مقاصده وطرق رضاه، فهو في راحة من تشاحن الشركاء، وفي نعمة ورغد عيش من إحسان سيده وتوليه لمصالحه!! فهذا مثل المؤمن في حياته الطيبة، وذاك مثل المشرك فيما يبتلى به من ضنك الحياة. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، أي عيشا ضيقا في الدنيا. يقول ابن كثير: "لا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج، لضلاله وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد، فهذا من ضنك المعيشة" (١).
стр. 89
جناية التعطيل:
المعرفة التامة ناشئة عن العلم بصفات الله تعالى، وإثباتها دون تمثيل أو تعطيل، ولهذا تواطأت النصوص على بيان أسماء الرب وصفاته وأفعاله حتى كأن العباد ينظرون إليه فوق سماواته، مستو على عرشه، يكلم ملائكته، ويسمع أصوات خلقه، ويرى ظواهرهم وبواطنهم، ويدبر أمورهم، ويقضي حاجاتهم. قيل لعبد الله بن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه (١).
فالإيمان بالصفات قاعدة الإيمان، وسبيل المعرفة المفصلة برب العالمين. وقد قعدت المعطلة على رأس هذا الطريق تنفر الناس عن سلوكه بألفاظ ظاهرها يوهم التنزيه عن النقائص والعيوب والحاجة، وحقيقتها تعني تعطيل أوصاف الكمال كليا أو جزئيا، كالتنزيه عن الأعراض والأبعاض والأغراض، ونفي التجدد والتحدد، حتى راجت مقالاتهم على كثير من المسلمين، ونفرت قلوبهم عن طريق الصفات، وحيل بينهم وبين أعظم طرق المعرفة، ولهذا كان المعطلة حقا كما قيل: قطاع الطريق على القلوب! (٢).
وقد تولد عن هذه الجناية العظمى جنايات كثيرة، منها:
١ - تعطيل أعمال القلوب: فإن المعرفة الحق بصفات الإلهية هي القوة الجاذبة إلى محبة الرب، والرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، فإذا عطلوا الأصل، وأنكروا الصفات، تعطل الفرع ولابد، ولهذا ضربت قلوبهم بالقسوة، وظهرت آثارها على كلامهم
стр. 90
وعباداتهم، حتى آل الأمر ببعضهم إلى فعل المحرمات وترك العبادات الظاهرة، كما يذكر عن النَّظَّام وثمامة بن أشرس، وأبي هاشم وغيرهم! (١).
وكذلك فإن المعرفة بصفات الربوبية تورث المؤمن عبادة التوكل، فإن أساس التوكل الإيمان بقدرة الرب وقيوميته، وعلمه، ومشيئته، فإذا عطلوا هذه الصفات تعطل التوكل حتما، ولهذا قال ابن تيمية: "لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف، ولا من القدرية النفاة القائلين: بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب ﷻ . ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات، فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه؟! ولا هو فاعل باختياره؟! ولا له إرادة ولا مشيئة، ولا يقوم به صفة؟! فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى" (٢).
فالمعطل لا يتصور منه عبادة ولا استعانة، ولا شيء مما يتفرع عن هذين الأصلين من أعمال القلوب، إذ كل ذلك ناشئ عن إثبات الصفات، والتحقق بمعرفة حقائقها ومعانيها. يقول ابن القيم: "كيف تصمد القلوب إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه، ولا مباينا له ولا محايثا، بل حظ العرش منه كحظ الآبار والوهاد، والأماكن التي يرغب عن ذكرها؟!
стр. 91
وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يحب ولا يحب، ولا يقوم به فعل البتة، ولا يتكلم ولا يكلم، ولا يَقْرُب من شيء ولا يَقْرُب منه شيء، ولا يقوم به رأفة ولا رحمة ولا حنان، ولا له حكمة، ولا غاية يفعل ويأمر لأجلها؟! فكيف يتصور على ذلك محبته والإنابة إليه، والشوق إلى لقائه، ورؤية وجهه الكريم في جنات النعيم، وهو مستو على عرشه فوق جميع خلقه؟! أم كيف تأله القلوب من لا يَحِبُّ ولا يُحَبُّ، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يفرح ولا يضحك؟! فسبحان من حال بين المعطلة وبين محبته ومعرفته، والسرور والفرح به، والشوق إلى لقائه، وانتظار لذة النظر إلى وجهه الكريم، والتمتع بخطابه في محل كرامته ودار ثوابه! " (١).
٢ - لزوم الشرك والإلحاد، فإن الشرك لازم حتمي للتعطيل، لأن تعلق القلوب بالرب محبة ورغبة ورهبة وتوكلا ناشئ عن استيقان القلوب بعلم الرب، وسمعه وبصره، ورحمته، وجوده، وبره، وإحسانه، وقدرته، وتفرده بجلب النافع ودفع المضار. فإذا نفى المعطل هذه الصفات أبطل مقتضى التعلق برب العالمين، وفزعت الخليقة إلى غيره، وتعلقت قلوبهم بمن يتوهمون فيه العلم بأحوالهم، والقدرة على تحقيق رغباتهم، وقضاء حوائجهم، واتخذوه ندا من دون الله، يدعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه!!.
وإذا كان اللازم مجرد دليل فساد المذهب وليس بمذهب فإن هذه القاعدة قد لا تنطبق هنا من كل وجه، لأن قوة التلازم بين التعطيل والشرك قد تدفع إلى الوقوع في الشرك اعتقادا وعملا، إذ
стр. 92
كل شرك في العالم فإن تعطيل الصفات أصله ومبدؤه، فالمشرك إنما يعبد مع الله غيره إذا ساء ظنه بصفات ربه، فظن أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان، أو يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى من يعرفه بها، أو لا يقدر وحده على الاستقلال بقضاء حاجات العباد، أو شك في رحمته فظن أنه محتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده، أو شك في قوته فظن أنه محتاج إلى أولاد وأولياء يتكثر ويتعزر بهم!.
وكذلك فإن الإلحاد في أسماء الرب لازم حتمي للتعطيل، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ودعاؤه بها يعم دعاء المسألة ودعاء الثناء، ودعاء التعبد. وهذا كله فرع عن ثبوت حقائق الأسماء ومعانيها، فإذا أنكر المعطل معانيها، واعتبرها مجرد أعلام لا تتضمن أوصافا ولا معان أبطل حسن دلالاتها على الرب، وأبطل متعلقاتها من الخلق، وهذا من أعظم الإلحاد عقلا وشرعا ولغة وفطرة، ولهذا قال ابن القيم: المعطل أشر من المشرك! (١)، وهذا محمول على غلاة المعطلة، لأنهم ينكرون جميع الصفات والمشرك غايته أن ينكر بعض الصفات أو يطعن في كمالها، كإنكارهم القدرة على البعث وشكهم في عموم علم الله بأفعال العباد، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ
стр. 93
عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢].
٣ - إنكار أعلى درجات العرفان والنعيم: فإن رؤية الرب عيانا وتكليمه أعلى درجات معرفته، وأعلى نعيم أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وروى الإمام البخاري بسنده عن جرير البجلي ﵁ مرفوعا: قال رسول الله ﷺ : «إنكم سترون ربكم عيانا» (١)، وروى الإمام مسلم بسنده عن صهيب الرومي ﵁ مرفوعا: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فا أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم » (٢). وهذا كله محال عند المعطلة، لأن الله عندهم منزه عن الأبعاض، فلا وجه له، ولا يجوز النظر إليه ولا كلامه، لما يستلزمه ذلك من إثبات الجهة وحلول الحوادث بذات الرب المناقض لحقيقة الألوهية! (٣).
وهذه الجنايات المتعلقة بمعرفة الرب وعبادته تدل على قبح مقالة التعطيل، وأنها من شر مقالات أهل الأرض، وأكثرها مناقضة لموجبات المعرفة والعبادة. ومما يزيدها قبحا كثرة لوازمها الباطلة،
стр. 94
فإنه يلزم مقالة التعطيل على وجه العموم لوازم كثيرة، منها:
١ - سلب كمال الرب، ووصفه بالنقائص والعيوب، ويلزم غلاتهم جحد الصانع ونفيه، وتشبيهه بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات!.
٢ - سوء الظن بربهم، وبكتابه وبنبيه، وبأتباعه، فسوء ظنهم بربهم أفضى بهم إلى تعطيل صفات كماله، وقد جعل الله إنكار الصفات من سوء الظن به، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢، ٢٣].
وسوء ظنهم بالقرآن والسنة أفضى بهم إلى توهم أن ظاهرها إنما يدل على التمثيل، وهو كفر ضلال يستحيل أن يكون مراد الله ورسوله، ولهذا عزلوا الوحي عن معرفة الرب، وعطلوا أدلة صفات الكمال، واختلقوا دعوى تعارض العقل والنقل!.
أما سوء ظنهم بالرسول ﷺ فلأنه في زعمهم كان يتكلم بنصوص الصفات، ويقررها، ويؤكدها، دون أن يُبَيِّنَ للأمة أن الحق فيما يخالف ظاهرها. وهذا يستلزم القدح في علم الرسول، أو بيانه، أو نصحه، أو جميع ذلك!.
وأما سوء ظنهم بأتباع الرسول ﷺ فلأنهم كانوا يرددون ألفاظا لا يفقهون تأويلاتها، ولهذا قالوا: إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعم وأحكم! (١).
стр. 95
وذلك أن طريقة السلف تقوم في نظرهم على التفويض، أي تفويض المعاني وإمرار نصوص الصفات دون اعتقاد لثبوت مدلولها واتصاف الرب بما دلت عليه!.
أما طريقة الخلف وهم المتكلمون وأتباعهم فهي تقوم على تفسير نصوص الصفات بما ينفي حقيقتها عن الرب، ولهذا جعلوا الحق دائرا بين التفويض والتأويل في كل نص يوهم التمثيل في نظرهم، وزعموا أن طريق التفويض أسلم، وطريق التأويل أعلم وأحكم. وهذا تنقص للسلف، وطعن في علمهم وإيمانهم، كما أنه تناقض ظاهر، إذ مقتضى السلامة العلم والحكمة!.
٣ - تعطيل دلالة الخلق والأمر على الصفات، فإن المخلوق يدل على صفات الرب من حيث وجوده وصفاته، فوجود المخلوق بعد عدمه دليل على وجود الخالق وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته، لأن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزما ضروريا، ويستحيل وجوده دونها. وصفات الكمال في المخلوق تدل على صفات خالقه، فما فيه من الإتقان يدل على حكمة خالقه، وما فيه من التخصيصات المتنوعة يدل على الإرادة. وما فيه من رحمة وعلم وسمع وبصر وكلام يدل على ثبوتها للخالق من باب أولى، لأن معطي الكمال أحق به.
وكذلك شأن الأمر فإنه يدل على صفات الكمال، فإن ما في الأوامر الشرعية من الحكم والمصالح والمنافع دليل على علم الخالق وحكمته، وهكذا أوامره وأحكامه الكونية، فإنها تدل على صفاته من وجوه مختلفة، فإن الإحسان إلى المطيعين دليل على المحبة والرضى، وعقوبة العصاة دليل على الغضب، واستجابة
стр. 96
الدعوات دليل على علم الرب بالجزئيات، وعلى سمعه وقدرته ورحمته، وجميع أقداره دليل على كماله، لأن أفعال الله مبنية على الحكمة، فلا يفعل إلا ما فيه مصلحة خالصة أو راجحة.
وهذا لازم لكثير من المعطلة بدرجات متفاوتة، فقد حرموا دلالة الآيات المشهودة كما حرموا دلالة الآيات المسموعة، وهما طريقا معرفة الله في القرآن، ولهذا استحكم جهلهم بالله، حتى كانوا يلتمسون معرفته بالمعميات الفلسفية، والقواعد المنطقية! ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (١).
стр. 97
المطلب الثاني
قياس الأولى
معنى القياس وإطلاقاته:
القياس لغة مصدر لـ "قاس"، بمعنى: قدر الشيء بالشيء، يقال: قاس الثوب بالذراع إذا قدره به، وقاس الطبيب الشجة بالمقياس إذا قدر غورها به (١).
واصطلاحا يطلق حقيقة (٢) على معنيين:
أحدهما: قياس التمثيل: وهو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما (٣)، ويسمى القياس الفقهي، لأن الفقهاء يحتجون به
стр. 98
في إثبات الأحكام الشرعية (١).
والثاني: قياس الشمول: وهو قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر (٢). وهو الذي عني به أهل المنطق، وزعموا أنه الطريق الوحيد لحصول العلوم اليقينية النظرية!، ولهذا استضعفوا قياس التمثيل، لأنه في نظرهم إنما يفيد الظن دون العلم!. والصواب أن حقيقة القياسين واحدة، واختلافهما إنما هو في صورة الاستدلال، وصورة التمثيل أقرب إلى الفطرة، ولهذا عول عليه أكثر العقلاء!.
وأما مفادهما من يقين أو ظن فتبع لمادة القياس لا لصورته، فإن كانت المادة يقينية أفاد اليقين وإلا أفاد الظن تمثيلا كان أو شمولا (٣).
والقياسان كلاهما من تمثيل وشمول يستعملان على وجهين:
الأول: قياس المساواة: وهو أن يكون الغائب مماثلا أو مقاربا للشاهد.
والثاني: قياس الأولى: وهو أن يكون الغائب أولى بالحكم من الشاهد (٤).
стр. 99
أو بعبارة أشمل وأضبط أن يكون المقيس مماثلا للمقيس عليه أو أولى بالحكم منه.
استعمال القياس بين صفات الله تعالى:
استعمال القياس في العلم المتعلق بصفات الله تعالى يكون في اعتبار الغائب من أفعال الله بالمشهود منها، ويكون في اعتبار صفات الخالق بما يشاهد من صفات المخلوق، فإن كان الاعتبار في طرفيه متعلقا بأفعال الله وصفاته؛ جاز في ذلك استعمال قياس الأولى والمساواة، والأدلة على ذلك كثيرة. فمن أدلة قياس المساواة النصوص الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]، فقاس النظير على النظير، ودل بفعله المتحقق بالمشاهدة من إخراج وإحياء على بعث الأموات الذي استبعدوه وأنكروه، إذ الفعل الموعود نظير الفعل المشاهد، ومن أنكره لزمه التناقض والتفريق بين المتماثلين، والطعن في علم الرب وحكمته وإرادته وقدرته، ولهذا حكم الله على منكري البعث بكفر الربوبية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥].
وقد تكرر الاستدلال على البعث بإحياء الأرض بالنبات، وذلك لصحة مقدماته، ووضوح دلالته، وقرب تناوله، وبعده عن كل معارض، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥، ٦]، وقال:
стр. 100
﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، وقال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. يقول ابن القيم: "جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودل بالنظير على نظيره، وجعل ذلك آية ودليلا على خمسة مطالب:
أحدها: وجود الصانع، وأنه الحق المبين، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله.
الثاني: أنه يحيي الموتى.
الثالث: عموم قدرته على كل شيء.
الرابع: إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها.
الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النبات من الأرض" (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، فقاس النظير على النظير، وبَيَّنَ أن القدرة على إذهاب المخاطبين كالقدرة على إذهاب السابقين، فإذا ساووهم
стр. 101
في العلة والمعنى والأعمال؛ ساووهم في الحكم والوعيد والعاقبة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، فأخبر أن حكم الشيء حكم مثله، وكذلك كل موضع أمر فيه بالسير في الأرض فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين من أفعال الله وأمثلته مثل ما حل بالسابقين! (١).
٣ - ما رواه الإمام البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال: يا نبي الله! يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟! قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» (٢)، فقاس الإمشاء على الوجه على الإمشاء على الرجلين، إذ قدرة الرب على الفعل الموعود نظير قدرته على الفعل المشهود. يقول ابن حجر: "المراد بالمشي حقيقته، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته، وزعم بعض المفسرين أنه مثل، وأنه كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، قال مجاهد: هذا مثل المؤمن والكافر. قلت: ولا يلزم من تفسير مجاهد لهذه الآية بهذا أن يفسر به الآية الأخرى (٣)، فالجواب الصادر عن النبي ﷺ ظاهر في تقرير المشي على
стр. 102
حقيقته .... والحكمة في حشر الكافر على وجهه أنه عوقب على عدم السجود لله في الدنيا بأن يسحب على وجهه في القيامة، إظهارا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات" (١).
أما أدلة استعمال قياس الأولى بين صفات الله تعالى فمنها النصوص الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فقاس القدرة على خلق عيسى على القدرة على خلق آدم، لأن من قدر على الخلق من غير أب ولا أم فقدرته على الخلق من غير أب من باب أولى. يقول ابن تيمية: "شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟! " (٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٢]، فقاس القدرة على الأيسر على القدرة على الأعظم، لأن القدرة على النشأة الأولى، وعلى خلق
стр. 103
السماوات والأرض دليل على النشأة الثانية من باب أولى. وقد ذكر الله في ثنايا هذا الدليل الصفات المصححة للإعادة، وهي عموم العلم وتمام القدرة وكمال الإرادة، لأن تعذر الإعادة إنما يكون لقصور في هذه الصفات، ولا قصور في علم من هو بكل شيء عليم، ولا قدرة فوق قدرة من خلق السماوات والأرض، ولا إرادة تعارض من إذا أراد شيئا قال له: كن؛ فيكون! (١).
وقد تكرر الاستدلال على المعاد بخلق الأنفس والآفاق بأفصح العبارات، وأقطعها للعذر، وألزمها للحجة، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦، ٦٧]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ......﴾ [الحج: ٥]، وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٥ - ٨]، فدل على الإعادة بالقياس على النشأة الأولى المعلومة والمشهودة، وهي نشأة أصل البشر من تراب لا حياة فيه، ونشأة آحاد بني آدم تدريجيا في الأطوار حتى إحكام الخلق (٢).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]، فقدرة الله التامة على خلق السماوات والأرض دليل
стр. 104
قطعي على قدرته على إعادة الخلق من باب أولى!.
حكم القياس بين صفات الخالق والمخلوق:
إذا كان الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق، فإنها طريقة قياس الأولى ليس غير، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، أي الصفة العليا التي يستحيل معها وجود المثل. والمراد بالصفة الجنس فتعم جميع صفات الكمال (١). وهذا المعنى يتضمن أمرين:
أحدهما: تنزيه الله عن المثل، وقد بنى العلماء على هذا الأصل تحريم قيام المساواة بين الخالق والمخلوق تمثيلا كان أو شمولا، فلا يجوز أن يستدل على الخالق بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، لأن الله لا مثل له، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا أن يدخل تحت قضية كلية يستوي أفرادها.
والثاني: استحقاق الله تعالى لأعلى صفات الكمال المنافية لجميع النقائص. وقد بنى العلماء على هذا المعنى مشروعية الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق عن طريق قياس الأولى سواء أكانت صورته تمثيلا أم شمولا، فكل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال المطلق فإن الخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من صفات النقص فإن الخالق أولى بالتنزه عنه (٢).
стр. 105
وسياق الآية يبين دلالتها على صحة الاعتبار بين الخالق والمخلوق بطريق الأولى، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٥٧ - ٦٠]، فإذا كانت الأنوثة نقصا وعيبا لا يرضاه المشرك لنفسه، ويكره أن يضاف إليه، فإن الخالق أولى بالنزاهة عن الولد الناقص المكروه، لأن الله تعالى له المثل الأعلى المشتمل على كل كمال وللمشرك مثل السوء المشتمل على كل نقص! وهذه الحجة لبيان تناقض المشركين، لأن انتفاء الولد مطلقا معلوم من النصوص الأخرى! (١).
ومما يعضد دلالة الآية على صحة قياس الأولى، واعتباره طريقا شرعيا في الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق طردا وعكسا النصوص الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فجعل ما في المخلوق من قوة وشدة يدل بطريق الأولى على قوة الخالق وشدته، لأن الخالق أحق بالكمال من المخلوق (٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]، أي
стр. 106
الأفضل من غيره في الكرم الجامع للمحاسن، فيقتضي أنه أحق بجميع المحامد، وهي صفات الكمال، فهو الأحق بالإحسان والرحمة والحكمة والقدرة والعلم والحياة وسائر صفات الكمال (١).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإن اسم العلي يدل على علو الذات والقهر والقدر، وعلو القدر يتضمن الدلالة على أنه الأحق بجميع صفات الكمال، فكل ما في المخلوق من كمال مطلق فإن الله أحق به، لأنه أعلى من المخلوقات قدرا (٢).
٤ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦]. فأبطل الشرك بقياس الأولى، فالعاقل لا يقبل البتة المساواة بين مخلوق يملك ويقدر وآخر لا يملك ولا يقدر، فلأن لا يقبل التماثل في الحقوق والكمالات بين الأوثان العاجزة المملوكة وبين من له المثل الأعلى من باب أولى (٣).
стр. 107
٥ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، فنزه نفسه عن الشريك بمثل مضروب بطريق الأولى، فالسيد من الخلق يتنزه عن مشاركة مماليكه في حقوقه على الرغم من قصور ملكه، فيكون المالك الكامل أولى بالنزاهة عن الشركاء، لأن المخلوق لا يملك إلا بعض منافع عبيده، والخالق يملك أعيان عباده وأفعالهم، فلا يخرج عن ملكه شيء البتة (١).
٦ - روى ابن أبي عاصم بسنده عن أبي رزين ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه يوم القيامة؟ قال: «أكلكم يرى القمر مخليا به؟» قال: نعم، قال: «الله أعظم» (٢)، فأثبت الرؤية لجميع المؤمنين دون تضام وازدحام وقت النظر بالقياس على رؤية القمر، فإنه إذ كان ذلك ممكنا في رؤية المخلوق فإمكانه في رؤية الخالق أولى، لأنه أعظم وأولى بالكمال من كل موجود.
تطبيق قياس الأولى:
استعمل علماء السلف قياس الأولى في الاعتبار بين صفات الخالق، وفي الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق، فمن الاعتبار الأول إثبات المباينة قياسا على الرؤية والكلام، فإذا كان الرب لا
стр. 108
يراه ناسوت في الدنيا، ولا يكلمه بشر إلا من وراء حجاب، كما صرح بذلك المسيح وسائر الأنبياء ـ صلى الله عليهم وسلم ـ فلأن لا يستطيع ملابسته ناسوت بطريق الأولى، لأن ملابسة الشيء أبلغ من رؤيته (١).
ومن هذا الاعتبار أيضا إثبات الإنباء قياسا على التعليم، فإن قدرة الرب على تعليم بني آدم بعد الجهل دليل على قدرته على إنباء أكملهم من باب أولى، لأن من قدر على تعليم الناقص فقدرته على تعليم الأكمل أولى وأحرى. وهذا دليل عقلي على إمكان النبوة، وأما وجود الأنبياء وآياتهم فتعلم بالنقل المتواتر (٢).
والاعتبار بين صفات الخالق بابه واسع، فإنه يجوز فيه استعمال قياس الأولى والمساواة، لأنه لا يتضمن محذورا ولا يفضي إليه بوجه من الوجوه، وقد تضمنت النصوص كلا النوعين، فمن قياس المساواة بين صفات الله تعالى قياس البعث على إحياء الأرض الموات، ومن قياس الأولى بينها قياس الإعادة على ابتداء الخلق.
أما الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق فقد احتاط فيه علماء السلف حيطة تامة، فمنعوه إذا كان قياس مساواة سواء أكان تمثيلا أم شمولا، لما يتضمنه من التمثيل والشرك، والعدل بالله، وهو ضرب الأمثال لله. وأجازوه إذا كان على وجه الأولى، جريا على طريقة القرآن والسنة، واعتمادا على ما تقدم ذكره آنفا من أدلة، ولهذا استعملوه في تقرير وتقريب أصول الإثبات والتنزيه، وفي الاستدلال
стр. 109
على أعيان الصفات نفيا وإثباتا، ومن ذلك الأمور التالية:
١ - وجوب الإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل، فقد استدلوا على هذا الأصل بمثالين من قياس الأولى:
أ - أن ما في الجنة من المطاعم والمشارب والمساكن وغيرها يوافق ما في الدنيا اسما ويخالفه حقيقة، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع توافق الاسم فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق وإن حصل توافق في ألفاظ الصفات (١).
ب - أن الروح ثابتة لا يشك عاقل في وجودها، وقد وصفت في النصوص بصفات ثبوتية وسلبية، كالعروج والقبض، والعقول مع ذلك قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوها أو يشاهدوا نظيرها، فإذا كانت صفات الروح ثابتة حقيقة دون تمثيل أو تعطيل فإن صفات الخالق أولى بذلك الإثبات، وإذا عجز الخلق عن إدراك كيفية صفات الروح فإن عجزهم عن إدراك صفات الخالق أولى (٢).
٢ - صفة العلو والمباينة: يؤمن أهل السنة والجماعة بصفة العلو، علو الذات والقدر والقهر، وأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، وأن علو الرب لا يناقض معيته، لأنها تعني مطلق المصاحبة من غير إشعار بمخالطة أو حلول، ولهم على ذلك أدلة كثيرة من جملتها قياس الأولى، ودلالتهم على ذلك من وجوه:
أ - أن العلو كمال مطلق، وكل ما كان كذلك فإن الله أحق به من كل موجود.
стр. 110
ب - أن العلو ضده السفل، وهو نقص يتنزه عنه المخلوق، ويوصف به المعيب من المخلوقات، فالخالق أحق بالنزاهة عنه، وعدم الاتصاف به (١).
ج - أن القول بالحلول يعني أن يكون الرب في كل مكان بما في ذلك الأماكن التي يتنزه عنها المخلوق فيكون تنزه الرب عنها من باب أولى، ولهذا وصف نفسه بالقداسة والطهارة! (٢).
د - أن المخلوق يمكنه الإحاطة بما في يده دون محايثة فإمكان ذلك في حق الخالق أولى. يقول الإمام أحمد: "لو أن رجلا كان في يديه قدح من قوارير صاف، وفيه شراب صاف، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله وله المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه" (٣).
هـ - أن المخلوق يعلم تفصيل مصنوعاته دون محايثة لها، فالخالق لكل شيء أولى بأن يعلم مخلوقاته، وهو مستو على عرشه، بائن من خلقه. يقول الإمام أحمد: "لو أن رجلا بنى دارا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها، وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله وله