Полный текст (190 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ـ[باب صفة الصلاة]ـ
الأصل في صفة الصلاة: صلاة رسول الله ﷺ , وقوله في صفة الصلاة, وإقراره على صفة الصلاة, وما يستدل به على ذلك؛ لأن الله سبحانه أمر بالصلاة في كتابه, وفرضها على سبيل الإجمال, وفوَّض إلى نبيه محمد ﷺ تفسير ما أجمله, وبيان ما أطلقه, وقد كان جبريل أقام الصلاة للنبي ﷺ صبيحة ليلة أسري به, والناس يأتمون برسول الله ﷺ , وصلى رسول الله ﷺ امتثالاً لأمر الله, وتأويلاً لكتاب الله, فسنته هي التي فسَّرت القرآن وبيَّنته ودلَّت على معناه وعبَّرت عنه, والفعل إذا خرج منه امتثالاً لأمرٍ, وبيانًا لمجمل, كان حكمه حكم ذلك الأمر
стр. 2
وذلك المبين، فتكون الصلاة التي صلاها هي الصلاة التي كتبها الله على المؤمنين وأمرهم بها في كتابه, وقال ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه حين بعثهم إلى قومهم «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» , رواه أحمد والبخاري, «وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَدْ تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: اَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ, وَمَنْ عَمِلَهُ, وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَيْهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ, ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ, ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاَتِهِ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي, وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي» , متفق عليه.
وهذا دليل على الإئتمام به في صفة الصلاة, ويعلموا صفة صلاة رسول الله ﷺ ؛ ليُعمل مثله, وكان يقول «لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلاَمِ وَالنُّهَى, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» يريد بذلك
стр. 3
أن يحفظوا صلاته, ويعقلوها.
وهذه الأقوال نصوص منه في أن الأمة مأمورة أن تصلي كصلاته, على أن القاعدة الكلية: أن أمته أسوته في الأحكام, ما لم يقم دليل التخصيص, وقد أجمعت الأمة على الرجوع في صفة الصلاة إلى فعله, إما وجوباً أو استحباباً, وأن هذا من الأفعال التي يشترك فيها هو وأمته, وقد جاءت الأحاديث بصفة صلاته من وجوهٍ كثيرةٍ, يأتي ما يُحتاج إليه منها في أثناء الباب.
стр. 4
مسألة: وإذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر يجهر بها الإمام وسائر التكبير, ليسمع من خلفه, ويخفيه غيره .
أما القيام في الصلاة وافتتحاها بالتكبير: فمن العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفاً عن سلف, وتوارثوه عن نبيهم ﷺ , وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ , وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ , وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الآيات, وقال تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.
وقد روى عنه من حديث الخاصة - أنه كان يفتتح صلاته بالتكبير: علي بن أبي طالب, وعبد الله بن
стр. 5
عمر, ووائل بن حجر, ومالك بن الحويرث, وأبي هريرة, وعائشة وغيرهم, وكل هذه الأحاديث في الصحيح.
وفي حديث أبي حميد الساعدي عن النبي ﷺ : كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه وقال: الله أكبر. رواه الترمذي وابن ماجة. وقال ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ, وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» , وقال
стр. 6
للمسيء في صلاته: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ» وقال: «إِذَا كَبَّرَ الإِمَامُ فَكَبِّرُوا» , وستأتي هذه الأحاديث [في غيرها] على أن النقل بذلك شاع شياعاً لا يفتقر معه إلى نقل الخاصة.
стр. 7
فصل
وأما إن الإمام يجهر بتكبير الافتتاح وسائر التكبير وبالتسميع وبالسلام, في جميع الصلوات, كما يجهر بالقراءة في صلاة الجهر، فليسمعه المأمومون فيكبّرون بعد تكبيره, ويحمدون بعد تسميعه, ويسلمون بعد تسليمه, وليبلغ صوته لمن لا يراه من المأمومين فيعلمون بانتقالاته فيتابعونه, ولهذا أخبر الذين وصفوا صلاة رسول الله ﷺ أنه كان يكبر ويسمع ويسلم, ولولا أنهم سمعوا ذلك لما علموا, ألا ترى أنهم إنما علموا قراءته في [السر] بتحريك لحيته ﷺ ؟ وقد قال أبو هريرة يا رسول الله:
стр. 8
«أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ» ولم يسمع دعاء الافتتاح, وذلك بَيِّن في أنه كان يجهر بالتكبير وبالقراءة, ويسر دعاء الافتتاح.
وقد جاء ذلك مصرحاً به, فروى سعيد بن الحارث قال: صلى بنا أبو سعيد, فجهر بالتكبير حين افتتح, وحين ركع, وبعد أن قال سمع الله لمن حمده, وحين رفع رأسه من السجود, وحين سجد, وحين رفع, وحين قام من الركعتين, حتى قضى صلاته على ذلك, فلما انصرف قيل له: قد اختلفت الناس على صلاتك, فخرج حتى قام عند المنبر فقال: أيها الناس, إني والله ما أبالي اختلفت صلاتهم أم لم تختلف, إني رأيت رسول الله ﷺ هكذا يصلي.
стр. 9
وسنذكر إن شاء الله الأحاديث التي فيها أنه ﷺ كان يكبر هكذا.
ثم إن بعض الأمراء ترك الجهر بسائر التكبير, فصار بعض الناس يجهل السنة في جهر الإمام بالتكبير, حتى اختلفوا على أبي سعيد, ولهذا لما صلى عمران خلف علي وجهر علي بالتكبير, قال: قد أذكرني هذا صلاة رسول الله ﷺ , وكذلك صلاة عكرمة خلف شيخٍ كبر ثنتين وعشرين تكبيرة. وعامة هذه الأحاديث إنما معناها الجهر, وهو الذي كان قد تركه بعض الأمراء, كما سيأتي إن شاء الله بيانه.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه كان يؤم الناس بالتكبير؛ [يرفع] صوته بالتكبير. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: «إن لكل شيء شعاراً, وإن شعار الصلاة التكبير».
стр. 10
رواه أبو نعيم الفضل ابن دكينٍ في كتاب الصلاة. وشعار الشيء: ما يشعر به, وهذا إنما يكون فيما يظهر ويجهر به.
فأما المأموم فالسنة في حقه أن يخفي التكبير وسائر أنواع الذكر, إلا التأمين والبسملة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ لأنه إنما يصلي لنفسه, فلا يحتاج إلى سماع غيره, وأفضل الذكر: الخفي, بل يكره له الجهر بذلك, كما يكره له الجهر بالقراءة؛ لأنه يغلط غيره من المصلين, إلا أن يجهر بالكلمات أحياناً, كما جهر المستفتح بقوله: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا» وكما جهر العاطس بقوله: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» الحديث, وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك.
стр. 11
كما أن النبي ﷺ قد كان يجهر بالآية أحياناً في صلاة السر, ولا فرق في ذلك بين المؤذن وغيره, وبين من يقصد من المأمومين تبليغ غيره بصوته أو لا يقصد, فإن التبليغ على الإمام, ولهذا استحببنا له رفع الصوت, وليس على المأموم تبليغ, والأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان هو الذي يبلغ المأمومين التكبير, ولم يكن خلفه أحد يبلغهم, فإن مثل هذا لو كان لنقل ولما أراد الصحابة أن ينقلوا الجهر بالتكبير أخبروا أن النبي ﷺ كان يجهر, ولو كان خلفه مؤذن أو غيره يجهر بذلك لنقلوا ذلك, واستدلوا به على ذلك, ولم ينقلوا ذلك إلا في مرض موته ﷺ , فإذا كان صوت الإمام لا يبلغ جميع المصلين إما لضعفه عن الجهر المبالغ بمرض أو كبر, أو لكثرة الجمع وتباعد أقطار المصلين, فيتسحب أن يجهر بعض المأمومين بالتكبير والتحميد والتسليم قدر ما يسمعه سائرهم؛ لما روى جابر بن عبد الله ﵁ قال: اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه وهو قاعد, وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره. وفي لفظٍ: صلى بنا رسول الله
стр. 12
صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه, فإذا كبر رسول الله ﷺ , كبِّر أبو بكر فيسمعنا. رواهما مسلم والنسائي.
وينبغي أن يبين التكبير ويجزمه, ولا يطوله, ولا يمد في غير موضع المد, قال أبو عبد الله: ربما طوّل الإمام في التكبير إذا لم يكن له فقه, والذي يكبر معه ربما جزم التكبير, ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام فقد صار هذا مكبراً قبل الإمام, ومن كبر قبل الإمام فليست له صلاة؛ لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام وكبر قبل الإمام فلا صلاة له.
قال بعض أصحابنا إنْ مد في غير موضع المد, مثل أن يمد بعض الهمزة من اسم الله، فتصير همزة استفهام, أو يزيد ألفاً بعد الباء من أكبر, فتصير جمع كبر: وهو الطبل فارسي معرب الحرة؛ لأن المعنى يتغير به.
стр. 13
فصل
ويستحب أن يقوم الإمام والمأموم إلى الصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة؛ لما روي عن الحجاج بن فروخ الواسطي عن العوام ابن حوشبٍ عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁, قال «كان بلال إذا قال قد قامت الصلاة, نهض رسول الله ﷺ » رواه حرب, وأبو يعلى الموصلي وأبو حفص العكبري وغيرهم, وهو محفوظ عن الحجاج, وقد قيل:
стр. 14
إنه لا يروي إلا عنه, وهو وإن كان فيه لين فليس في الباب حديث يخالفه, وقد اعتضد بعمل الصحابة, قال ابن المنذر وغيره: كان أنس بن مالك إذا قيل: «قد قامت الصلاة» نهض وقام. وعن الحسين بن علي ﵄: أنه كان يفعل ذلك. رواه النجاد وغيره.
ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك, وهذا يتعين اتباعه, لا سيما إذا كان الكلام في الاستحباب, ولم يوجد ما يعتمد عليه سوى ذلك. ولأنَّ قوله: «حي على الصلاة حي على الفلاح» دعاء إلى الصلاة, لكن هو مشترك بين الأذان والإقامة, فإذا قيل: «قد قامت الصلاة» تم الدعاء إلى الصلاة, فينبغي أن تكون الإجابة عقبه, ولأن قوله: «قد قامت الصلاة» فيه معنى الأمر بإقامتها, فاستحب أن يكون القيام إلى الصلاة عقبه, امتثالاً للأمر, وهو
стр. 15
أيضاً إخبار عن قرب قيامها, فإذا كان القيام عقبه كان أتم في القرب, ولأن قيامه قبل ذلك لا حاجة إليه, وتأخيره القيام عن ذلك يقتضي تأخير التحريم والتسوية.
فأما إذا عرضت له حاجة فلا بأس أن يتأخر القيام إلى الصلاة عن الإقامة؛ لما روى أنس قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً في جانب المسجد, فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم, وسيأتي قوله ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي».
فأما التكبير فيستحب أن يكون بعد فراغ الإقامة إن كانت الصفوف مستويةً, كبر عقبها, وإن لم يكن مستوية سواها ثم كبّر, لأنا قد قدمنا عن النبي ﷺ أنه كان يقول كما يقول المؤذن في الإقامة, وصح من غير وجه أنه كان يعدل الصفوف بعد
стр. 16
القيام إلى الصلاة, وقد جاء مفسراً أنه يفعل ذلك بعد الإقامة, فروى البخاري عن أنس ﵁ قال: أقيمت الصلاة, فأقبل النبي ﷺ علينا بوجهه, فقال: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ». وفي روايةٍ [عن] رسول الله ﷺ : بعد أن أقيمت الصلاة قبل أن يكبر أقبل بوجهه على أصحابه. وقال إسحاق بن راهوية: [سن] رسول الله ﷺ أن يكبر بعد فراغ المؤذن من الإقامة كلها, قال: [وأخذ بذلك بعده عمر بن الخطاب ﵁] , وقد روي أبو موسى عن النبي ﷺ قال: «إذا أقمتم الصلاة فليؤمكم أحدكم» , «إذَا قَرَأَ
стр. 17
الإِمَامُ فَأَنْصِتُوا» رواه أحمد.
ثم إذا كان الإمام حاضراً بحيث يرونه, قاموا عند كلمة الإقامة, قام الإمام أو لم يقم, وإن علموا بقربه من المسجد أو خارج المسجد ولم يروه, فهل يقومون؟ على روايتين.
إحداهما: يقومون؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنْبٌ, فَقَالَ لَنَا: «مَكَانِكُمْ» فَمَكْثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا يَعْنِي قِيَامًا ثُمَّ رَجِعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. متفق عليه. ولمسلم عن أبي هريرة قال: إن كانت الصلاة لتقام لرسول الله ﷺ , فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النبي ﷺ مقامه.
والرواية الثانية: لا يقومون حتى يروه؛ لما روى أبو قتادة
стр. 18
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» رواه الجماعة إلا ابن ماجة, بهذا اللفظ إلا البخاري لم يذكر قوله: «خرجت» , وهذا يدل على نسخ ما كانوا يفعلونه قبل ذلك, وقد روي عن أبي خالد الوالبي قال: خرج إلينا علي بن أبي طالب ﵁ وكنا قيام, فقال: «ما لي أراكم سامدين؟» يعني قيامًا. ولأن في ذلك مشقة على المأمومين من غير فائدة, وقيام إلى الصلاة قد تحقق قرب الشروع فيها فلم يكن إليه حاجة.
стр. 19
فصل
وإذا لم تكن الصفوف مستوية سوّاها الإمام وغيره, إلا أن الإمام أخص بذلك؛ لأنه الراعي, قال أنس بن مالك ﵁: كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: «تَرَاصُّوا وَاعْتَدِلُوا» , وقال: قال رسول الله ﷺ : «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ, فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ» متفق عليهما.
وعن محمد بن مسلم بن السائب, صاحب المقصورة, قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك يوماً فقال: هل تدري, لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله, فقال: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذ يمينه ثم ألتفت, فقال: «اعْتَدِلُوا سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» ثم أخذ بيساره فقال: «اعْتَدِلُوا سَوُّوا صُفُوفَكُمْ» رواه أبو داود.
وعن النعمان بن بشير قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا إِذَا قُمْنَا لِلصَّلاَةِ فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ» رواه أبو داود, وعن
стр. 20
عمر ﵁ «أنه كان إذا أقيمت الصلاة استقبل القوم ثم يقول: يا فلان, تقدم, يا فلان، تأخر, سوّوا صفوفكم, استووا. ثم يقبل على القبلة فيكبر» رواه سعيد, قال الترمذي: وروي عن علي ﵁ أنه كان يتعاهد ذلك ويقول: استووا, وكان يقول: تقدم يا فلان, تأخر يا فلان.
وعن نافع «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ, فَإِذَا جَاءُوهُ فَأَخْبَرُوهُ بِأَنْ قَدِ اسْتَوَتْ كَبَّرَ». رواه مالك. وعن سهل ابن مالك عن أبيه قال كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁, فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَأَنَا أُكَلِّمُهُ فِي أَنْ يَفْرِضَ لِي, فَلَمْ أَزَلْ أُكَلِّمُهُ وَهُوَ يُسَوِّي الْحَصَا بِنَعْلَيْهِ, حَتَّى جَاءَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ, فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الصُّفُوفَ قَدِ اسْتَوَتْ فَقَالَ لِي اسْتَوِ فِي الصَّفِّ. ثُمَّ كَبَّرَ. رواه مالك.
стр. 21
وقال أحمد في رسالته [وأمر أبا عبد الله] الإمام أن لا يكبر أول ما يقوم مقامه للصلاة, حتى يلتفت يميناً وشمالاً, فإن رأى الصف معوجاً, والمناكب مختلفة, أمرهم أن يدنو بعضهم من بعض حتى تماس مناكبهم. واعلم أن اعوجاج الصفوف واختلاف المناكب ينقص من الصلاة وأن الفرجة التي تكون بين كل رجلين تنقص من الصلاة, فاحذروا ذلك.
وذكر بعض أحاديث الصفوف, وابن عمر الذي رواه مالك, قال: وروي أن بلالاً كان يسوي الصفوف, ويضرب عراقيبهم
стр. 22
بالدرة حتى يستووا, قال بعض العلماء: قد يشبه هذا أن يكون من بلال على عهد النبي ﷺ عند إقامته قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنه لم يؤذن لأحد بعد النبي ﷺ إلا يوماً واحداً إذا أتى مرجعه من الشام, وذكر قصة تأذين بلال بالشام.
стр. 23
فصل
والمسنون للصفوف خمسة أشياء, مبناها على أصلين, على اجتماع المصلين, وانضمام بعضهم إلى بعض, وعلى استقامتهم واستوائهم؛ لتجتمع قلوبهم وتستقيم, ويتحقق معنى الجماعة الذي هو اجتماعهم في الصلاة مكاناً وزماناً.
قال أبو عبد الله: تسوية الصفوف ودنو الرجال بعضهم من بعض, من تمام الصلاة, وترك ذلك نقص في الصلاة.
أحدها: تسوية الصف وتعديله وتقويمه, حتى يكون كالقدح, وذلك يحصل بالمحاذاة بالمناكب والرُّكَب والكِعاب, دون أصابع الرجلين.
والثاني: التراص فيه وسد الخلل والفُرج, حتى يلصق الرجل منكبه بمنكب الرجل, وكعبه بكعبه.
الثالث: تقارب الصفوف ودنو بعضها من بعضٍ, حتى يكون سجود المؤخر خلف مقام المقدم, من غير ازدحامٍ يفضي إلى أذى المصلين.
والرابع: تكميل الأول فالأول, تحقيقاً للاجتماع, والدنو من الإمام.
والخامس: توسط الإمام, وهو أن يكون في وسط الصف.
стр. 24
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهُ الْحَذَفُ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وعن أنس عن النبي ﷺ : «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» , وكان أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه, وقدمه بقدمه, متفق عليه, والسياق للبخاري. وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثِلاَثًا وَاللهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِهِ. رواه أحمد وأبو داود وهو في «الصحيحين» بقريب من
стр. 25
معناه, وأحاديث الباب كثيرة, ربما يتم أمرها إن شاء الله في موقف الإمام والمأموم.
стр. 26
فصل
والمستحب في حال القيام أن يفرق بين قدميه, فيما ذكره أصحابنا, وهكذا كان أبو عبد الله يفعل, لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه رأى رجلاً صافاً بين قدميه فقال: أخطأ هذا السنة, لو فرج بينهما كان أفضل. ومثل ابن مسعود إذا أطلق السنة فإنما يعني به سنة النبي ﷺ , أنه علم ذلك من رسول الله ﷺ قولاً أو فعلاً.
وعن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يفرج بين قدميه, ولا يمس إحداهما الأخرى, ولكن بين ذلك. رواهما أبو بكر النجاد.
وعن ابن عمر قال: لا تقارب ولا تباعد.
стр. 27
وعن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن قال: كنت مع أبي في المسجد - يعني مسجد البصرة - فنظر إلى رجل قائماً يصلي, قد صف بين قدميه, وألزق إحداهما بالأخرى, فقال: إبي لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب رسول الله ﷺ , ما رأيت أحداً منهم صنع هكذا قط. رواهما الخلال.
والمرواوحة بين القدمين أفضل من الصفن, وهو أن
стр. 28
يعتمد على هذه تارة وعلى هذه تارة, أفضل من أن يعتمد عليهما جميعاً, قال أحمد في رواية صالح وابن منصور, وقد سئل يصفن بين قدميه أو يراوح بينهما؟ قال: يراوح بينهما. وكذلك نقل الجماعة قولاً وفعلاً, وهذا هو الذي ذكره القاضي والآمدي وغيرهما من أصحابنا, لأن هذا أخف على المصلي وأيسر عليه.
стр. 29
مسألة: ويرفع يديه عند ابتداء تكبيره إلى حذو منكبيه, أو إلى فروع أذنيه .
وجملة ذلك أن ي رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح من السنن المتفق عليها, وأما منتهى الرفع: فإن شاء إلى حذو منكبيه, وإن شاء إلى فروع أذنيه, كلاهما جائز غير مكروه من غير خلاف في المذهب. وهل أحدهما أفضل من الآخر؟ على ثلاث رواياتٍ:
стр. 30
إحداهن: أن الرفع إلى حذو المنكبين أفضل؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه, ثم يكبر, فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك, وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك, وقال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» متفق عليه وعن أبي حميد الساعدي ﵁ أنه قال في عشرة من أصحاب النبي ﷺ : «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلاَتِهِ, كَانَ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاَةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ. قَالُوا: صَدَقْتَ» رواه أبو داود والترمذي وصححه. وفي حديث علي وأبي هريرة عن النبي ﷺ «أَنَّهُ
стр. 31
رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ» وهذا اختيار أكثر أصحابنا.
والرواية الثانية: هو إلى فروع الأذنين أفضل. اختاره الخلال وقال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله ﵀ في فتياه وفعله, أن أحب إليه فروع أذنيه, وإن رفع إلى منكبيه فهو جائز؛ لما روى مالك بن الحويرث أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ, وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ, فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» رواه أحمد ومسلم والنسائي. وفي رواية: «يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ» رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وعن (وائل بن حجر) «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ كَبَّرَ حِيَالَ أُذُنَيْهِ» وروى ذلك أيضاً من حديث البراء بن
стр. 32
عازب وابن الزبير, رواه أحمد.
والرواية الثالثة: هما سواء, وهي اختيار الخرقي وأبي حفص العكبري وأبي علي بن أبي موسى وغيرهم؛ لمجيء بكل واحد منهما, فإن صحة الروايات بكل منهما دليل على أن النبي ﷺ كان يفعل هذا تارة وهذا تارة.
ومن رجَّح الأولى قال: إن راويه من الصحابة أكثر وأفضل
стр. 33
[لدى الله] ومكانهم من الرسول أقرب, وهم له ألزم, فيكونون أحفظ وأضبط, ويكون ما نقلوه هو الغالب من صلاة رسول الله ﷺ , ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وفدا على رسول الله ﷺ وفادةً, ثم رجعا إلى قومهما, وأيضاً فإن الإسناد إلى الصحابة بالمنكبين أثبت, اتفق عليه صاحبا الصحيح, وإسناد الرفع إلى الأذنين إنما خرجه مسلم. قالوا: وتحمل روايتهم على رواية المنكبين, ويكون معنى قولهم: حتى يحاذي بهما أذنيه, يعني يقارب محاذاة الأذنين, أو يعني رؤوس الأصابع هي التي حاذت, ويؤيد ذلك أنه قد اختلف عنهم, فروى الدارقطني في حديث مالك بن الحويرث عن النبي ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» إلا أن هذا خلاف المحفوظ في حديثه, لكن قد روي في لفظ بإسناد جيد «حتى يجعلها قريباً من أذنيه».
وأما حديث وائل بن حجر فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن حديث عبد الواحد بن زيادٍ, عن عاصم بن كليبٍ, عن أبيه, عن وائل, عن النبي ﷺ قال: «فاستقبل القبلة ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه» وفيه: «فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» وفيه: «فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» وكذلك رواه الشافعي وغيره عن ابن عيينه عن عاصم, إلا
стр. 34
أن الجماهير, مثل شعبة وأبي عوانة وزائدة بن قدامة والمفضل وجماعة غيرهم, رووه عن عاصم, فقالوا في الحديث: «فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ» وقال بعضهم: «حذاء أذنيه» وكذلك رواه مسلم وغيره من حديث عبد الجبار بن وائل عن وائل عن علقمة.
ومن رجَّح الثاني قال: صحة النقل بهما توجب أن يكون النبي ﷺ فعل كل واحدٍ منهما, لكن الرفع إلى الأذن أزيد, فيكون أولى؛ لأنه زيادة عبادةٍ, ويشبه أن يكون هو آخر الأمرين؛ لأن الوفود إنما قدموا على رسول الله ﷺ بعد الفتح, ولأن الانتقال من النقص إلى الزيادة هو اللائق, لا سيما وقد قال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ومن معه: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وقد رأوه يصلي رافعاً يديه إلى فروع أذنيه.
ومنهم من قال: لعل الرفع إلى المنكبين كان لعذرٍ من به داء وغيره, وليس بشيء.
واعلم أن رفع اليد إلى المنكب أو إلى فروع الأذنين هو: أن يحاذي بيده ذلك العضو, واليد جميعاً لا تحاذيه, فالمحاذاة: إما أن تكون بأصل اليد وهو الرسغ, أو تكون بطرف اليد وهو رؤوس أصابع اليد, أو توسط اليد وهو أصول الأصابع عن الكف, أما الأول فلا أعلم أحداً قال إن المحاذاة تكون بذلك الموضع. وأما الآخران ففيهما وجهان:
стр. 35
أحدهما: أن يحاذي منكبيه أو فروع أذنيه برؤوس أصابعه, وهذا قول القاضي في «المجرد» وطائفة من أصحابنا, منهم أبو محمد؛ لأن المفهوم من قولنا: «رفع يده إلى كذا»: أن يحاذي برأسها ذلك المكان.
والثاني: أن يحاذي بكفه منكبيه أو فروع أذنيه, وهو الذي ذكره القاضي في «الجامع» و «الخلاف» وغيره من أصحابنا, وهو الصحيح المنصوص عن أحمد, قال في رواية: الأذنين. وقد سأله أبو الحرث: إلى أين يرفع يديه؟ قال: يرفعها إلى فروع أذنيه. وقال: الذي اختار له أن يجاوز بهما أذنيه. قال: ورأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يجاوز بهما أذنيه, فقد نص صريحاً إذا قلنا: يرفعهما إلى أذنيه, على مجاوزة الأذنين, ومعلوم أنه لا يجاوزهما بكفه؛ لأن ذلك لم يقله أحد, فعلم أنه جاوزهما برؤوس الأصابع, وكيف يصح أن يحمل قوله: «على رفع رؤوس الأصابع» إلى «فروع الأذنين»؟ وإن كان في الرفع إلى الأذنين, ففي الرفع إلى المنكبين
стр. 36
أولى, ويدل على ذلك وجوه:
أحدها: أنه ليس حمل رفع اليد على رأسها بأولى من أصلها, فيجب حمله على الوسط.
الثاني: أن اليد اسم للجميع, فإذا أُريد نفس محاذاتها لموضع كان اعتبار الوسط أولى؛ لأنه أقرب إلى التعديل.
الثالث: أن الروايات مصرحة بأن حاذي بيده فروع أذنيه أو منكبيه, ففي لفظ «حتى يكونا بحذو منكبيه» وفي رواية «رَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ أُذُنَيْهِ» فقد جعل المحاذي للمنكب والأذن إنما هو اليد, ولم يقل: «رفع يديه إلى منكبيه أو أُذنيه» , حتى يجعل ذلك عائداً لليد, وإنما جعل اليد تحاذي ذلك الموضع, ومعلوم أن ذلك لا يصح في رؤوس الأصابع.
الرابع: أن في حديث وائل بن حجر: «رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ, وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ, ثُمَّ كَبَّرَ» رواه أبو داود, وفي رواية لأحمد: «رأيت رسول الله ﷺ افتتح الصلاة حتى صارت إبهامه تحاذي شحمة أذنه» , وكذلك روى البراء بن عازبٍ عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكون إبهامه حذاء أُذنيه. رواه أحمد. فإذا حاذت الإبهام الأذن, ولو أنه
стр. 37
شحمة الأذن, جاوزت الأصابع الفروع, وهذا مستند المنصوص, ولذلك تأول القاضي وغيره أحاديث الأذنين: على أن رؤوس الأصابع تبلغ فروع الأذنين, وأن أحاديث المنكبين على المنكب نفسه, كما جاء مفسراً في حديث وائل بن حجر, وحمل رواية من روى: إبهاميه, على المقاربة؛ لأن في حديث مالك بن الحويرث: «كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا قَرِيبًا مِنْ أُذُنَيْهِ» رواه أحمد. ولا يخرج عن هذا إلا بعض الروايات التي فيها: جاوز أذنيه, وهي قليلة.
стр. 38
فصل
والسنة: أن يبسط الأصابع ويضم بعضها إلى بعضٍ, وعنه: أن يفرقها أفضل؛ لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ نَشَرَ أَصَابِعِهُ» رواه الترمذي, وذكره الإمام أحمد, رواه الأثرم والخلال, ولفظه: «كان إذا كبر رفع يديه وفرج أصابعه». والأول هو المذهب, وهو الذي رجع إليه أبو عبد الله آخراً؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ : أنه كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدَّا. رواه أحمد وأبو داود والنسائيُّ
стр. 39
والترمذي, وقال: حسن صحيح, هذا أصح من حديث يحيى بن يمان, يعني من حديث النشر, وقال: وحديثه خطأ, وقد توقف أحمد في صحة هذا الحديث, وقال: الناس يروونه: «رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا» , وقال: كنت أذهب إلى حديث أبي هريرة: «كَانَ إِذَا كَبَّرَ نَشَرَ أَصَابِعَهُ» فظنت أنه التفريق, فكنت أفرق أصابعي, فسألت أهل العربية, فقالوا: [هذا هو التفريق وليس النشرَ, وضم أصابعه وقال: قالوا:] هذا هو الضم, وهذا النشر, ومَدَّ [أبي] أصابعُه مدًّا مضمومة, وهذا التفريق, وفرق أصابعه. وكذلك فسر ابن المديني وغيره النشر: بالمد.
وأما رواية التفريج: فإنما رواها صاحبها بالمعنى الذي فهمه مِنَ النشر, وظن أنه التفريج, وإنما هو البسط؛ لأنه يقال: نشرت
стр. 40
الثوب, خلاف: طويته, وإن لم يكن فيه تفريق, فنشر الأصابع: بسطها. وطيها: قبضها, ولأن الرفع حال القيام كالوضع في السجود, وإنما توضع حال السجود مضمومة الأصابع, ولأنه إذا ضمها مبسوطة فإنها تستقيم منتصبةً نحو القبلة, وذلك تكميل للمستحب, فإن المستحب أن يستقبل القبلة ببطونها لا بجانبها, فيكون حين الرفع عن جانب المنكب من غير بعدٍ, مستقيمة أصابعها, لا محاذية للمنكب, لا تتقدم عنه ولا تتأخر.
ويبتدي الرفع حين ابتداءِ التكبير, وينهيه مع انتهائه, فلا يسبق أحدهما صاحبه, ولا يرسلهما قبل أن يقضي التكبير, ولا يثبتهما حتى يقضي التكبير, وإن كان ذلك جائزاً؛ لأن أكثر الأحاديث: «كان يرفع يديه إذا كبر». وعن وائل بن حجر ﵁ أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع [التكبيرة]. رواه أحمد وأبو داود. وعن ابن عمر ﵄ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلاَةِ, فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ». رواه البخاري.
وإن رفع يديه ثم كبر جاز؛ لما تقدم أن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا
следующие страницы →