← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17073

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - صفة الصلاة

ابن تيمية

Полный текст (190 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أولى, ويدل على ذلك وجوه: أحدها: أنه ليس حمل رفع اليد على رأسها بأولى من أصلها, فيجب حمله على الوسط. الثاني: أن اليد اسم للجميع, فإذا أُريد نفس محاذاتها لموضع كان اعتبار الوسط أولى؛ لأنه أقرب إلى التعديل. الثالث: أن الروايات مصرحة بأن حاذي بيده فروع أذنيه أو منكبيه, ففي لفظ «حتى يكونا بحذو منكبيه» وفي رواية «رَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ أُذُنَيْهِ» فقد جعل المحاذي للمنكب والأذن إنما هو اليد, ولم يقل: «رفع يديه إلى منكبيه أو أُذنيه» , حتى يجعل ذلك عائداً لليد, وإنما جعل اليد تحاذي ذلك الموضع, ومعلوم أن ذلك لا يصح في رؤوس الأصابع. الرابع: أن في حديث وائل بن حجر: «رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ, وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ, ثُمَّ كَبَّرَ» رواه أبو داود, وفي رواية لأحمد: «رأيت رسول الله ﷺ افتتح الصلاة حتى صارت إبهامه تحاذي شحمة أذنه» , وكذلك روى البراء بن عازبٍ عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكون إبهامه حذاء أُذنيه. رواه أحمد. فإذا حاذت الإبهام الأذن, ولو أنه

стр. 37

شحمة الأذن, جاوزت الأصابع الفروع, وهذا مستند المنصوص, ولذلك تأول القاضي وغيره أحاديث الأذنين: على أن رؤوس الأصابع تبلغ فروع الأذنين, وأن أحاديث المنكبين على المنكب نفسه, كما جاء مفسراً في حديث وائل بن حجر, وحمل رواية من روى: إبهاميه, على المقاربة؛ لأن في حديث مالك بن الحويرث: «كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا قَرِيبًا مِنْ أُذُنَيْهِ» رواه أحمد. ولا يخرج عن هذا إلا بعض الروايات التي فيها: جاوز أذنيه, وهي قليلة.

стр. 38

فصل والسنة: أن يبسط الأصابع ويضم بعضها إلى بعضٍ, وعنه: أن يفرقها أفضل؛ لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ نَشَرَ أَصَابِعِهُ» رواه الترمذي, وذكره الإمام أحمد, رواه الأثرم والخلال, ولفظه: «كان إذا كبر رفع يديه وفرج أصابعه». والأول هو المذهب, وهو الذي رجع إليه أبو عبد الله آخراً؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ : أنه كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدَّا. رواه أحمد وأبو داود والنسائيُّ

стр. 39

والترمذي, وقال: حسن صحيح, هذا أصح من حديث يحيى بن يمان, يعني من حديث النشر, وقال: وحديثه خطأ, وقد توقف أحمد في صحة هذا الحديث, وقال: الناس يروونه: «رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا» , وقال: كنت أذهب إلى حديث أبي هريرة: «كَانَ إِذَا كَبَّرَ نَشَرَ أَصَابِعَهُ» فظنت أنه التفريق, فكنت أفرق أصابعي, فسألت أهل العربية, فقالوا: [هذا هو التفريق وليس النشرَ, وضم أصابعه وقال: قالوا:] هذا هو الضم, وهذا النشر, ومَدَّ [أبي] أصابعُه مدًّا مضمومة, وهذا التفريق, وفرق أصابعه. وكذلك فسر ابن المديني وغيره النشر: بالمد. وأما رواية التفريج: فإنما رواها صاحبها بالمعنى الذي فهمه مِنَ النشر, وظن أنه التفريج, وإنما هو البسط؛ لأنه يقال: نشرت

стр. 40

الثوب, خلاف: طويته, وإن لم يكن فيه تفريق, فنشر الأصابع: بسطها. وطيها: قبضها, ولأن الرفع حال القيام كالوضع في السجود, وإنما توضع حال السجود مضمومة الأصابع, ولأنه إذا ضمها مبسوطة فإنها تستقيم منتصبةً نحو القبلة, وذلك تكميل للمستحب, فإن المستحب أن يستقبل القبلة ببطونها لا بجانبها, فيكون حين الرفع عن جانب المنكب من غير بعدٍ, مستقيمة أصابعها, لا محاذية للمنكب, لا تتقدم عنه ولا تتأخر. ويبتدي الرفع حين ابتداءِ التكبير, وينهيه مع انتهائه, فلا يسبق أحدهما صاحبه, ولا يرسلهما قبل أن يقضي التكبير, ولا يثبتهما حتى يقضي التكبير, وإن كان ذلك جائزاً؛ لأن أكثر الأحاديث: «كان يرفع يديه إذا كبر». وعن وائل بن حجر ﵁ أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع [التكبيرة]. رواه أحمد وأبو داود. وعن ابن عمر ﵄ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلاَةِ, فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ». رواه البخاري. وإن رفع يديه ثم كبر جاز؛ لما تقدم أن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا

стр. 41

بحذو منكبيه ثم يكبر. وعن وائل بن حجر ﵁: «أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ, حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ, وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ». وكذلك إن أثبتهما مرفوعتين بعد التكبير, أو رفع عقب التكبير جاز؛ لما روى مسلم في «صحيحه»: أن مالك بن الحويرث كان إذا صلى كبر ثم رفع يديه, وإذا أراد أن يركع رفع يديه, وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه, وحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل هذا. ولفظ البخاري: «كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ» وإنما اخترنا الأول لأن أكثر الأحاديث تدل عليه, ولأن الرفع هيئته للتكبير, فكان معه كسائر الهيئات. ومعنى قولنا: «ينهيهما مع انتهائه» لأصحابنا فيه وجهان موماً إليهما من أبي عبد الله ﵀: أحدهما: أن ينهيه قبل حط يديه, فلا يرسل يديه قبل أن يقضي التكبير, وهذا ظاهر كلامه في رواية حرب: رفع اليدين مع التكبير, فإن الرفع لا يدخل فيه الوضع والإرسال, وعلى هذا فقد يحتاج أن يثبتهما مرفوعتين إذا طول التكبير, حتى يفرق, وإن جزم التكبير لم يحتج إلى ذلك, وهذا قول القاضي

стр. 42

والآمدي وغيرهما من أصحابنا, لأن قوله: «يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» «وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ» يوجب ذلك. وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ «كان يرفعهما مع التكبير». وإن رفعهما ثم كبر وهما مرفوعتان ثم أرسلهما جاز, كما اختاره أبو إسحاق؛ لما تقدم من حديث ابن عمر: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ, ثُمَّ يُكَبِّرُ». وإن اخترنا الأول؛ لأن الرفع هيئة التكبير, فكان معه كسائر الهيئات, ولهذا لم يستحب أن تبقى بعده. وأما إثباتهما مرفوعتين بعد التكبير فلا يستحب, وإن فعله جاز.

стр. 43

وقال الآمدي: يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير, وابتداء الوضع مع انتهائه, فعلى هذا يكون انتهاء الرفع هو وضعه وإن أقطع اليدين أو إحداهما رفع بحسب قدرته.

стр. 44

فصل ومن عجز عن استعمال الرفع رَفَعَ ما تمكن, وإن لم يتمكن الرفع إلا أن يجاوز أذنيه فعله, [وإن فعله] وإن عجز عنه بإحدى اليدين فعله بالأخرى, وإن نسيه [حتى لهيئة] سقط؛ لأنه هيئة فات محلها, وإن ذكره في أثناء التكبير بادر إليه؛ لبقاء محله, وإن كانت يداه في ثوبه رفعهما بحسب الإمكان تحت الثوب: لما روى وائل بن حجر قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الشِّتَاءِ فَرَأَيْتُ أَصْحَابَهُ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ فِي الصَّلاَةِ». وفي رواية: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ أُذُنَيْهِ - قَالَ - ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى صُدُورِهِمْ, وَعَلَيْهِمْ بَرَانِسُ وَأَكْسِيَةٌ». وفي رواية قالت: «ثُمَّ جِئْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ, فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّى, الثِّيَابِ يُحَرِّكُونَ أَيْدِيهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ مِنَ الْبَرْدِ» رواه أحمد وأبو داود.

стр. 45

والأولى له أن يخرج يديه وقت الرفع, فيرفعهما, ثم يلتحف بعد ذلك, وإن كان مرتدياً؛ لأن وائل بن حجر قال: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ, ثُمَّ الْتَحَفَ, ثُمَ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ, وَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ -قَالَ- فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا, فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ رَفَعَ يَدَيْهِ».

стр. 46

مسألة: ويجعلهما تحت سرته . يعني: إذا انقضى التكبير فإنه يرسل يديه ويضع يده اليمنى فوق اليسرى على الكوع, بأن يقبض الكوع باليمنى, أو يبسط اليمنى عليه ويُوجّه أصابعهما إلى ناحية الذراع, ولو جعل اليمنى فوق الكوع أو تحته على الكف اليسرى, جاز؛ لما روى وائل بن حجر أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حِنَ دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ «ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى». رواه مسلم, وفي رواية لأحمد وأبي داود: «وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ». وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاَةِ» قال أبو حازم [ولا أعلمه إلا ينمي] ذلك إلى رسول الله ﷺ . رواه أحمد والبخاري.

стр. 47

وعن قبيصة بن هلبٍ عن أبيه. قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة, والترمذي وقال: حديث حسن, وعليه العمل عند [أكثر] أهل العلم من أصحاب النبي والتابعين. ولأن ذلك أزين وأقرب إلى الخشوع, وهو: قيام الذليل بين يدي العزيز. ولا يستحب ذلك في قيام الاعتدال عن الركوع, لأن السنة لم ترد به, ولأن زمنه يسير يحتاج فيه إلى التهيؤ للسجود.

стр. 48

ويجعلهما تحت سرته, أو تحت صدره, من غير كراهةٍ لواحدٍ منهما, والأول أفضل في إحدى الروايات عنه, اختارها الخرقي والقاضي وغيرهما. رواه أحمد وأبو داود والدارقطني عن أبي جحيفة قال: قال علي ﵁: «إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الأَكُفِّ تَحْتَ السُّرَّةِ» , ويذكر ذلك من حديث ابن مسعودٍ عن النبي ﷺ , وقد احتج به الإمام أحمد.

стр. 49

وروى ابن بطة عن أبي هريرة ﵁ قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الصَّلاَةِ تَحْتَ السُّرَّةِ» , والصحابي إذا قال: «السنة» انصرف إلى سنة النبي ﷺ , ولأن ذلك أبعد عن التكفين المكروه. وفي الأخرى: تحت الصدر أفضل, اختارها طائفة من أصحابنا, لما روى جرير الضبي قال: «رَأَيْتُ عَلِيًّا يُمْسِكُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ عَلَى الرُّسْغِ فَوْقَ السُّرَّةِ» رواه أبو داود. وروى قبيصة بن هلبٍ عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يضع هذه على صدره. ووضع

стр. 50

يحيى بن سعيد «الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَوْقَ الْمِفْصَلِ» رواه أحمد. والرواية الثالثة: هما سواء: اختارها ابن أبي موسى وغيره؛ لتعارض الآثار في ذلك. فأما وضعهما على الصدر, فيكره, نص عليه, وذكر عن أبي أيوب عن أبي معشر قال: يكره التكفير في الصلاة, وقال:

стр. 51

التكفير: يضع يمينه عند صدره في الصلاة, وما روى من الآثار على الوضع على الصدر, فهل هو محمول على مقاربته؟

стр. 52

مسألة: ويجعل نظره إلى موضع سجوده . وجملة ذلك: أنه يكره للمصلي رفع البصر إلى السماء أو الالتفات يمنة ويسرة لغير حاجةٍ كراهة شديدة؛ لما روى جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ أَنْ لاَ يَرْجِعَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ؟» رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة. وعن أنس عن النبي ﷺ قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ؟» فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» رواه الجماعة إلا مسلَّماً والترمذي. وعن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال: «[لَيَنْتَهِيَنَّ] أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاَةِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارَهُمْ» رواه أحمد ومسلم.

стр. 53

وعن عائشة ﵂ قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: «اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ» رواه أحمد والبخاري. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لاَ يَزَالُ اللهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ, فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إِيَّاكَ وَالاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ, فَإِنَّ الاِلْتِفَاتَ فِي الصَّلاَةِ هَلَكَةٌ, فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ, فَفِي التَّطَوُّعِ لاَ فِي الْفَرِيضَةِ» رواه الترمذي وصححه. وعن عطاءٍ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا قام إلى الصلاة, إنه بين عيني الرحمن عز

стр. 54

وجل, فإذا التفت قال له الرب: إلى من تلتفت؟ إلى من هو خير لك مني؟ ابن آدم, أقبل عليّ فأنا خير لك ممن تلتفت إليه». ويكره أن ينظر إلى شيء يلهيه, كائناً من كان. ويكره أن يغمض بصره؛ لأنه من فعل اليهود.

стр. 55

ولا يكره أن ينظر أمامه؛ لأن الأفضل أن ينظر إلى موضع سجوده. وقال أبو الحسن الآمدي: يستحب أن ينظر في حال

стр. 56

قيامه إلى موضع سجوده, وفي حال ركوعه إلى قدميه, وفي حال سجوده إلى أنفِه, وفي حال جلوسه إلى موضع يديه؛ لأنه أجمع لهمته, وأبعد لفكرته؛ لقوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. وخشوع البصر: ذله واختفاضه, كما قال: ﴿أَبْصَارُهَا

стр. 57

خَاشِعَةٌ﴾ وكذلك جاء في صفة النبي ﷺ : «كان خافض الطرف, ونظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء» قال مجاهد: «الخشوع: غض البصر وخفض الجناح كان الرجل من أصحاب محمد إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء, أو يحدِّث نفسه بشيء من شأن الدنيا». رواه ابن جرير وغيره. ورواه الإمام أحمد وسعيد وغيرهما عن محمد بن سيرين:

стр. 58

أن رسول الله ﷺ كان يقلب بصره في السماءِ, فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فطأطأ رأسه. قال ابن سيرين: «فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يُجَاوِزَ بَصَرَهُ مُصَلاَّهُ». النظر حال التشهد: ويستحب في التشهد: أن ينظر إلى إشارته؛ لما روى عبد الله بن الزبير ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ أَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ, وَلَمْ يُجَاوِزْ بَصَرَهُ إِشَارَتَهُ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

стр. 59

وإذا أحس بشيء, فقال أحمد: ما يعجبني أن يلتفت, قال الآمدي: هذا على طريق الورع.

стр. 60

مسألة: ثم يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ, وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ» . لا يختلف المذهب أن استحباب الاستفتاح في صلاة الفريضة والنافلة بعد التكبير, فبأيها استفتح فحسن, وقد جاء فيه عن النبي ﷺ وأصحابه أنواع عديدة, لكن عامتها إنما كان يستفتح به النبي ﷺ في صلاة الليل في النوافل, فبأيها استفتح فحسن, وإنما استحببنا هذا الاستفتاح على غيره, لوجوه: أحدهما: أنه روي عن النبي ﷺ من وجوه: فروى أبو سعيد الخدري قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ, وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ, وَلاَ إِلَهَ غَيْرَكَ» رواه الخمسة.

стр. 61

وعن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ, وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ, وَلاَ إِلَهَ غَيْرَكَ» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني. وعن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ, وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ, وَلاَ إِلَهَ غَيْرَكَ» رواه الدارقطني بإسنادٍ جيدٍ وروي أيضاً عن [ابن] عمر ﵁ عن النبي ﷺ , والمشهور أنه عن عمر. ورواه الطبراني في «الدعاء» من حديث ابن مسعود وعبد الله بن عمر

стр. 62

والحكم بن عمير اليماني, وفي رواية له: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: «إذا قمتم إلى الصلاة فقولوا: سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك وتعالى جدك, ولا إله غيرك, وإن لم تزيدوا على التكبير [أجزأكم]». وهذا أمر منه ولم يجيء في الاستفتاح الأمر إلا في هذا. ورواه النجاد من حديث جابر وابن مسعودٍ. الثاني: أنه يختاره عامة أصحاب النبي ﷺ , قال الترمذي: عليه العمل عند الصحابة والتابعين. وروى سعيد عن أبي بكر

стр. 63

الصديق ﵁ أنه كان يستفتح بذلك, وكان أبو بكر أشبه الناس صلاة برسول الله, وهو مشهور عن عمر, رواه مسلم في «الصحيح» عن عبد الله: أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ, وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ, وَلاَ إِلَهَ غَيْرَكَ». ليسمعنا ذلك ويعلمنا, وعلى هذا الوجه اعتمد أحمد لوجوه: أحدها: أن عامة الاستفتاحات المأثورة عن النبي ﷺ إنما هي في النوافل. الثاني: أن هذا جهر عمر به في الفريضة؛ ليعلمه الناس بحضرة أصحاب النبي ﷺ , ولم ينكروه عليه, وهو إنما يعلم الناس سنة النبي ﷺ , ولا شيء يختاره لنفسه, وكذلك أقره الناس على ذلك ولم ينكره عليه أحد, بل قد روى الدارقطني عن عثمان مثل ذلك, وروى [ابن] المنذر عن ابن مسعودٍ مثل ذلك, وإذا كان الخلفاء الراشدون على ذلك علم أنه المسنون

стр. 64

غالباً. الثالث: ما روى سعيد بن منصور وغيره عن الضحاك في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: حين تقوم إلى الصلاة, قال: تقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ, وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ, وَلاَ إِلَهَ غَيْرَكَ» وقال النبي ﷺ للأعرابي المسيء في صلاته: «لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ, ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ اللهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ, وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» رواه أبو داود والنسائي. فالافتتاح بهذا أشبه بامتثال الأمر في الكتاب والسنة. الرابع: أن أفضل الكلام بعد القرآن أربع, وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر, فاستفتح الصلاة بالتكبير

стр. 65

وضم إليها سبحانك اللهم وبحمدك ولا إله غيرك فقد أتى بمعنى هذه الكلمات, وضم إليها: تبارك اسمك وتعالى جدك, والجدّ هو العظمة والكبرياء, وهو الأمثل الأعلى في السماوات والأرض. فإذا انضم إلى الباقيات الصالحات أسماؤه سبحانه وصفاته, فقد حصل الثناء في جميع الجهات. الخامس: إن هذه الكلمات كلها في القرآن أمراً وثناءً, والذكر الموافق للقرآن أفضل من غيره, أما التكبير فقال: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ وأما التسبيح والتحميد فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾

стр. 66

وكان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ» يتأول هذه الآية, فعلم أن قول العبد: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» يكون امتثالاً لها, وكذلك قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ , ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. وأما التبريك فقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وأما التعلية فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ وأما التهليل فكثير. السادس: أن هذا ثناء محض على الله وما سواه؛ إما إخبار عن الحال التي هو فيها, أو دعاء ومسألة, والثناء على الله أفضل منهما, وكذلك اختير التسبيح في الركوع والسجود, على قول العبد: لك سجدت, وعلى الدعاء. السابع: أن ما سواه فيه طول ينافي ما يشرع في المكتوبة من التخفيف, وكذلك من يختاره من العلماء لا يختار جميعه, فكأن الذكر المعمول بجميعه [أولى] من الذكر المعمول ببعضه, ولهذا والله أعلم كان النبي ﷺ إنما يقول غالباً في قيام الليل؛

стр. 67

لطوله. الثامن: أنه قد ثبت أن هذا مسنون في المكتوبة, وغيره مما يختاره بعض العلماء إنما روي أنه كان في النافلة. والأفضل أن يقول «ولا إله» بفتح الهاء وإن قالها بالضم

стр. 68

والتنوين جاز, قال ابن عقيل: وهو أفضل؛ لأن التنوين حرفان يعيد في الصلاة. والمذهب أن الفتح أفضل؛ لأنه هو اللغة الغالبة التي يقرأ بها, وإن ضمها ففيه خلاف [من النحاة العامة] , وكذلك جاءت ألفاظ الأذان وغيره في قولنا: لا إله إلا الله, ولأن معناها أكمل وأتم لأنها .... . وأما سائر أنواع الاستفتاح, فمنها: ما روى أبو هريرة ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاَةِ سَكَتَ هُنَيْئَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, أرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ, مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ, اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا تُنَقِّي الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ, اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» متفق عليه. وهذا صريح في المكتوبة, قال

стр. 69

أحمد: ما أحسن حديث أبي هريرة في الاستفتاح, ولعله ﷺ كان يستفتح بهذا أحياناً, أو كان يقوله بعد: سبحانك اللهم, كما كان يقوله في الاعتدال عن الركوع بعد التحميد, كما نذكر إن شاء الله. ومنها: ما رواه علي ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ, إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ, اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ, أَنْتَ رَبِّي, وَأَنَا عَبْدُكَ, ظَلَمْتُ نَفْسِي, وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي, فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاَ, إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ, [وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ, لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ, وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا, لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ] , لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ, وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ وَأَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ, تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ, أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي, والترمذي وصححه, وفي رواية لأبي داود «أَنَّهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ» وروى بعض ذلك أيضاً من حديث جابر ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر, وفي

стр. 70

حديث محمد بن [مسلمة]: كَانَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تَطَوُّعَاً قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ» رواه النسائي. ومن ذلك: ما روى جبير بن مطعم ﵁ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا, اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا, اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا, الْحَمْدُ للهِ كثيرًا, الْحَمْدُ للهِ كثيرًا, الْحَمْدُ للهِ كثيرًا, سُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً, سُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً, سُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً, اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ, مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ». وفي رواية: «يَقُولُ فِي التَّطَوُّعِ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.

стр. 71

قال أحمد: حديث جبير بن مطعمٍ يدل على صلاة الليل, وحديث أبي هريرة يدل على صلاة النهار. وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ وَنَحْنُ فِي الصَّفِّ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ , فَدَخَلَ فِي الصَّلاَةِ ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا, وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً, وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. فَرَفَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ وَاسْتَنْكَرُوا الرَّجُلَ وَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ هَذَا الْعَالِي الصَّوْتَ» فَقَالُوا: هُوَ هَذَا, فَقَالَ: «وَاللهِ رَأَيْتُ كَلاَمَكَ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ حَتَّى فُتِحَ لَهُ بَابٌ فَيَدْخُلَ فِيهِ» رواه سعيد وأبو نعيم, وروى من حديث وائل بن حجر وعبد الله بن عمر: فَجَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا, وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً,

стр. 72

وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَاحِبُ الْكَلِمَاتِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ, مَا أَرَدْتُ بِهِنَّ إلاَّ خَيْراً. قَالَ: «لَقَدِ رَأَيْتُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ فُتِحَتْ لَهُنَّ فَما تَنَاهَن دُونَ الْعَرْشِ» رواه أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد الجبار عن أبيه. وعن عبد الله بن عمرو: أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: «الله أكبر كبيراً, والحمد لله كثيراً, وسبحان الله بكرةً وأصيلاً, اللهم اجعلك أحبَّ وأحسن شيء إليَّ وأخشى شيء عندي» رواه سعيد وأبو نعيم. ومن ذلك: ما روى [أبو العباس]: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَقُّ أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ, وَوَعْدُكَ الْحَقُّ, وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ, وَالْجَنَّةُ حَقٌّ, وَالنَّارُ حَقٌّ, وَالسَّاعَةُ حَقٌّ, وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ, اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ, وَبِكَ آمَنْتُ, وَعَلَيْكَ

стр. 73

تَوَكَّلْتُ, وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ, وَبِكَ خَاصَمْتُ, وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ, فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ, وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ, أَنْتَ [الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ -أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ-]» رواه الجماعة. وفي رواية لأبي داود: «كَانَ فِي التَّهَجُّدِ يَقُولُ بَعْدَ مَا يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ». ومن ذلك ما روت عائشة: أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ, أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ, اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ, إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» رواه الجماعة إلا البخاري. وفي رواية لأحمد وأبي داود: «كَانَ إِذَا قَامَ كَبَّرَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ» الحديث. ومن ذلك: ما روي عن عائشة ﵂: أنها سُئلت: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَسْتَفْتِحُ النَّبِيُّ ﷺ قِيَامَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ إِذَا قَامَ

стр. 74

كَبَّرَ عَشْرًا, وَحَمِدَ اللهَ عَشْرًا, وَسَبَّحَ عَشْرًا, وَهَلَّلَ عَشْرًا, وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا, وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي وارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أحمد وأبو داود. ومن ذلك: ما روى حذيفة: «اللهُ أَكْبَرُ, ذُو الْمُلْكِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ والْكِبْرِيَاءِ والْعَظَمَةِ» رواه أبو نعيم. وفي رواية: «إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ, ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ والْكِبْرِيَاءِ والْعَظَمَةِ» رواه أبو نعيم, فهذه الاستفتاحات مستحبة في النافلة, كما جاءت بها السنة, ولا بأس بها في الفرض, بل الاستفتاح بها حسن, نص عليه في غير موضعٍ, قال في رواية منصور: أنا أذهب إلى حديث عمر [وإن قال] كل ما روي عن النبي ﷺ , فليس به بأس, وعامةِ ما قال في صلاة الليل. وقال: ما أحسن حديث أبي هريرة في الافتتاح. وقال في حديث جبير بن مطعم: ما أدفع من ذهب إليه وقال في رواية ابن

стр. 75

الحارث: اذهب إلى ما روي عن عمر, ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي من الاستفتاح كان حسناً. فقد نص على جواز الجميع واستحسانه, مع تفضيل استفتاح عمر, وقد قال أيضاً: اذهب في الصلاة إلى افتتاح عمر, قيل له: فهذه الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ؟ قال: ترى أن افتتاح النبي ﷺ التي جاءت عنه أنه في التطوع إلا حديث عائشة, وقال في رواية أبي القاسم: ما يروى من تلك الأحاديث إنما هي عندي في صلاة التطوع. قال القاضي: فإذا ثبت أنها كانت في نوافل الليل لم يستحب فعلها في صلاة الفرض؛ لأنها لو كانت مستحبة فيها لَخَصَّ بها النفل دون الفرض, وهذا كالدعاء في الركوع والسجود, فلم يكره في الفرض دون النفل, على إحدى الروايتين, وكالقنوت فإنه مشروع في النفل دون الفرض, والصحيح الصريح هو الرواية الأولى, وأن ذلك جميعه حسن في الفرض أيضاً, لأن حديث أبي هريرة صريح أنه كان في الفريضة, وحديث [علي] قد روي فيه أنه كان في الفريضة, وحديث جبير قد روى ابن أبي
следующие страницы →