← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 17073

شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - صفة الصلاة

ابن تيمية

Полный текст (190 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال أحمد: حديث جبير بن مطعمٍ يدل على صلاة الليل, وحديث أبي هريرة يدل على صلاة النهار. وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ وَنَحْنُ فِي الصَّفِّ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ , فَدَخَلَ فِي الصَّلاَةِ ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا, وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً, وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. فَرَفَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ وَاسْتَنْكَرُوا الرَّجُلَ وَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ هَذَا الْعَالِي الصَّوْتَ» فَقَالُوا: هُوَ هَذَا, فَقَالَ: «وَاللهِ رَأَيْتُ كَلاَمَكَ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ حَتَّى فُتِحَ لَهُ بَابٌ فَيَدْخُلَ فِيهِ» رواه سعيد وأبو نعيم, وروى من حديث وائل بن حجر وعبد الله بن عمر: فَجَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا, وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً,

стр. 72

وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَاحِبُ الْكَلِمَاتِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ, مَا أَرَدْتُ بِهِنَّ إلاَّ خَيْراً. قَالَ: «لَقَدِ رَأَيْتُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ فُتِحَتْ لَهُنَّ فَما تَنَاهَن دُونَ الْعَرْشِ» رواه أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد الجبار عن أبيه. وعن عبد الله بن عمرو: أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: «الله أكبر كبيراً, والحمد لله كثيراً, وسبحان الله بكرةً وأصيلاً, اللهم اجعلك أحبَّ وأحسن شيء إليَّ وأخشى شيء عندي» رواه سعيد وأبو نعيم. ومن ذلك: ما روى [أبو العباس]: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ, وَلَكَ الْحَقُّ أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ, وَوَعْدُكَ الْحَقُّ, وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ, وَالْجَنَّةُ حَقٌّ, وَالنَّارُ حَقٌّ, وَالسَّاعَةُ حَقٌّ, وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ, اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ, وَبِكَ آمَنْتُ, وَعَلَيْكَ

стр. 73

تَوَكَّلْتُ, وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ, وَبِكَ خَاصَمْتُ, وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ, فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ, وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ, أَنْتَ [الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ -أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ-]» رواه الجماعة. وفي رواية لأبي داود: «كَانَ فِي التَّهَجُّدِ يَقُولُ بَعْدَ مَا يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ». ومن ذلك ما روت عائشة: أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ, أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ, اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ, إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» رواه الجماعة إلا البخاري. وفي رواية لأحمد وأبي داود: «كَانَ إِذَا قَامَ كَبَّرَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ» الحديث. ومن ذلك: ما روي عن عائشة ﵂: أنها سُئلت: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَسْتَفْتِحُ النَّبِيُّ ﷺ قِيَامَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ إِذَا قَامَ

стр. 74

كَبَّرَ عَشْرًا, وَحَمِدَ اللهَ عَشْرًا, وَسَبَّحَ عَشْرًا, وَهَلَّلَ عَشْرًا, وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا, وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي وارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أحمد وأبو داود. ومن ذلك: ما روى حذيفة: «اللهُ أَكْبَرُ, ذُو الْمُلْكِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ والْكِبْرِيَاءِ والْعَظَمَةِ» رواه أبو نعيم. وفي رواية: «إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ, ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ والْكِبْرِيَاءِ والْعَظَمَةِ» رواه أبو نعيم, فهذه الاستفتاحات مستحبة في النافلة, كما جاءت بها السنة, ولا بأس بها في الفرض, بل الاستفتاح بها حسن, نص عليه في غير موضعٍ, قال في رواية منصور: أنا أذهب إلى حديث عمر [وإن قال] كل ما روي عن النبي ﷺ , فليس به بأس, وعامةِ ما قال في صلاة الليل. وقال: ما أحسن حديث أبي هريرة في الافتتاح. وقال في حديث جبير بن مطعم: ما أدفع من ذهب إليه وقال في رواية ابن

стр. 75

الحارث: اذهب إلى ما روي عن عمر, ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي من الاستفتاح كان حسناً. فقد نص على جواز الجميع واستحسانه, مع تفضيل استفتاح عمر, وقد قال أيضاً: اذهب في الصلاة إلى افتتاح عمر, قيل له: فهذه الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ ؟ قال: ترى أن افتتاح النبي ﷺ التي جاءت عنه أنه في التطوع إلا حديث عائشة, وقال في رواية أبي القاسم: ما يروى من تلك الأحاديث إنما هي عندي في صلاة التطوع. قال القاضي: فإذا ثبت أنها كانت في نوافل الليل لم يستحب فعلها في صلاة الفرض؛ لأنها لو كانت مستحبة فيها لَخَصَّ بها النفل دون الفرض, وهذا كالدعاء في الركوع والسجود, فلم يكره في الفرض دون النفل, على إحدى الروايتين, وكالقنوت فإنه مشروع في النفل دون الفرض, والصحيح الصريح هو الرواية الأولى, وأن ذلك جميعه حسن في الفرض أيضاً, لأن حديث أبي هريرة صريح أنه كان في الفريضة, وحديث [علي] قد روي فيه أنه كان في الفريضة, وحديث جبير قد روى ابن أبي

стр. 76

أوفى نحوه في الفريضة؛ لأن الرجل الذي افتتح الفريضة بقوله: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا». وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي إذا جاء رجل وقد حفزه النفس وقال: «اللهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ» فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاَتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمِ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ, فَقَالُواْ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا, فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ, جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهُنَّ, فقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا». وفي رواية ابن إبراهيم وقد سُئل عن الرجل يقول: الله أكبر كبيراً, فقال: ما سمعت [بقول]: الله أكبر سبحانك. قال القاضي: فإن قال الله أكبر وأجل وأعظم أو قال: الله أكبر كبيراً أو

стр. 77

قال: الله أكبر من كل شيء, انعقدت صلاته ولم تستحب هذه الزيادة, بل تكره, وقال الآمدي وغيره: لا تستحب ولم يصفها بكراهة. والصحيح أن قوله: الله أكبر كبيراً, لا يكره, بل هو حسن وإنْ كان غيره أفضل منه بخلاف قوله: [الله] أكبر من كل شيء, ونحوه, فإنه غير مأمور به, قال القاضي والآمدي: وهذا يدل على أنه لا تستحب الزيادة على التكبير في صلاة الفرض.

стр. 78

فصل إذا نسي الاستفتاح في موضعه, لم يأت به في الركعة الثانية؛ لفوات محله, هذا عامة قول أصحابنا, وذكر الآمدي أنه [إن] قلنا بوجوبه, كما اختاره ابن بطة, فإنه يأتي به في الثانية: وإن قلنا: لا يجب, فهل يأتي به في الثانية؟ على اختلاف في المذهب, وظاهر المذهب أنه لا يأتي به. والصواب: طريقة أصحابنا أنه لا يأتي بالاستفتاح؛ لأنه ذكر مشروع في موضعٍ, وقد فات محله, فلا يأتي به, كالتسبيح في الركوع والسجود, وقراءة السورة إذا نسيها في الأوليين. وإن ترك الاستعاذة في الركعة الأولى, أتى بها في الثانية, ولا يأتي بها في أثناء القراءة؛ لفوات محلها, كذا ذكر.

стр. 79

مسألة: ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . السنة: لكل من قرأ في الصلاة أو خارج الصلاة: أن يستعيذ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ يعني: إذا أردت القراءة كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي: يريدون العود. فإن قيل: هذا أمر [لمن] كان أكبر مقصوده القراءة فقط, وهو القارئ خارج الصلاة, والقارئ للقرآن في صلاة التراويح. قلنا: الآية تعم القسمين, بل إذا استحب الاستعاذة للقارئ في غير الصلاة, فهي للقارئ في الصلاة أوكد؛ طرداً لوسوسة الشيطان عنه, ولما تقدم من حديث جبير بن مطعم, وروى أبو سعيد أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة استفتح, ثم يقول: «أَعُوذُ بِاللهِ

стр. 80

السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». وفي رواية: «مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» رواه أحمد, والترمذي, وقال: (هذا [أشهر حديث] في هذا الباب) والذي قبله, وإن كان في النافلة, فإنه لا فرق في الاستعاذة [بين] الفريضة والنافلة, [ولو لم يكن كان يبلغنا أنه كان يستعيذ امتثالاً لأمر الله سبحانه, كما لم ينقل عنه نقلاً ظاهراً أنه كان يستعيذ عند القراءة خارج الصلاة, إلا في حديثٍ أو حديثين] , ومعلوم أن ذلك لا مُحَالة له.

стр. 81

وقال الأسود بن يزيد. رأيتُ عمر حين يفتتح الصلاة يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ, وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ, وَلاَ إِلَهَ غَيْرَكَ» ثم يتعوذ. رواه النجاد والدارقطني. وجاءت الاستعاذة في الصلاة عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة.

стр. 82

فصل وفي صفة الاستعاذة أربعة أنواع: أحدها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, كما ذكره الشيخ, وذكره جماعة من أصحابنا, وذكره الآمدي, رواية عن أحمد؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وقال: ابن المنذر: جاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وقد روى سليمان بن صرد قال: أستبَّ رجلان عند النبي ﷺ , فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه, فنظر إليه النبي ﷺ فقال: «إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ هَذَا أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رواه البخاري ومسلم. ولأن في حديث جبير بن مطعم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» وكذلك روى النجاد ثلاث روايات: «أعوذ

стр. 83

بالله من الشيطان الرجيم, إن الله هو السميع العليم» قاله في رواية جماعة, واختاره أبو بكر والقاضي والآمدي وابن عقيل وغيرهم. وقد روي ذلك عن مسلم بن يسّار, وهو من أفضل التابعين؛ لأن ذلك فيه جمع بَيْنَ ظاهِرِ قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ مع قوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ , وهو أبلغ معنى؛ لأن ذكر الصفة بعد الحكم بحرف «إن» يقتضي أن يكون علمه وسمعه سبحانه لدعاء الداعي, وعلمه بما في قلبه, سبب لإعاذته وإجارته من الشيطان. وثانيها: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ لأن فيه جمعاً بين صفة الله تعالى مع تقديمها, وقد تقدم في حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ : «أنه كان يقول بعد الاستفتاح: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم».

стр. 84

وروى أبو داود والنجاد في قصة الإفك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». وروى أحمد في «المسند» عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «من قال إذا أصبح ثلاث مراتٍ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان [الرجيم] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ...﴾ إلى آخر سورة الحشر, وكَّل الله به سبعين ألف ملك يحفظونه حتى يمسي, ومن قالها إذا أمسى, وكَّلَ الله به سبعين ألف ملكٍ يحفظونه حتى يصبح». وروى النجاد عن ابن عمر أنه كان يقول: أعوذ بالله [السميع العليم] من الشيطان الرجيم, وأعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

стр. 85

وثالثهما: أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم, إن الله هو السميع العليم. واختاره ابن أبي موسى وأبو الخطاب, تخصيصاً للصفة بإعادتها, وعملاً بظاهر قوله: «إن الله هو السميع العليم» مع السنة الواردة لذلك, وكيف ما استعاذ بما روى فقد أحسن, مثل أن يقول: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ, مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» وهمزه: الموتة, وهي الصرع. ونفخه: الكبر والخيلاء. ونفثه: الشعر والأغاني الكاذبة.

стр. 86

مسألة: [ثم يقرأ]: بسم الله الرحمن الرجيم, ولا يجهر بشيء من ذلك؛ لقول أنس: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . السنة: أن يقرأ البسملة قبل الفاتحة, وأن يخفيها, أما قراءتها فلما روى أبو نعيم المجمر, قال: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ, وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسْولِ اللهِ ﷺ » رواه النسائي والدارقطني بإسنادٍ جيد, وهو مروي عن إسماعيل بن حمادٍ بن أبي سليمان عن خالد الوالبي عن ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ

стр. 87

صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ بِبِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» رواه الترمذي وقال: [هذا حديث] ليس إسناده بذاك, رواه المعتمر عن إسماعيل محتجاً به, وذكر إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: أنه قال: إسماعيل بن حمادٍ ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي خالد الوالبي, فقال: صالح الحديث. وعن علي ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه الدارقطني, وعن ابن عباس قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ بِبِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» رواه الترمذي والدارقطني, وإسناده ليس بذاك؛ ولأن أحاديث أنسٍ كلها إنما نفي فيها الجهر, فعلم أنهم كانوا يقرؤونها سرًّا, كما صرح به في بعض الروايات, يعني ابتداء القراءة كما سيأتي. ولأن الصحابة

стр. 88

رضي الله عنهم كانوا يقرؤونها وينكرون على من رغب عن قراءتها, وهم أعلم بالسنة, ولأنه يشرع قراءتها في النافلة, فكذلك في الفريضة, ولأنه يشرع قراءتها في أول السورة خارج الصلاة, فكذلك في الصلاة وأولى, ولأنها مكتوبة في المصحف, وإنما كتبت لتقرأ. وهل قراءتها واجبة أو سنة؟ يأتي إن شاء الله توجيهها. والسنة: الإسرار بها, هذا مذهبه الذي لم تختلف فيه نصوصه, وهو قول عامة أصحابه, والجهر بها مكروه, نص عليه, وقد ذهب بعض أهل مذهبه إلى استحباب الجهر بها, وهو قول أبي القاسم عبد الرحمن بن منده, وربما حكى بعض

стр. 89

الناس هذا رواية عنه, وهو غلط, وإنما مذهبه الإسرار؛ لما روى أنس بن مالك ﵁ قال: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ». وفي لفظ «يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ» رواه الجماعة, وفي لفظ «كَانُوا لاَ يَذْكُرُونَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِهَا» رواه أحمد ومسلم, وفي لفظٍ متفقٍ عليه: «فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» رواه أحمد بإسنادٍ جيد شرط الصحيح, ولفظه: «كَانُوا لاَ يَجْهَرُونَ بِبِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وفي لفظ لابن شاهين: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يخفون بسم الله الرحمن الرحيم» , وفي لفظ «كان رسول الله ﷺ يسر بسم الله الرحمن الرحيم وأبو بكر وعمر». فإن قيل: قوله: «بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أراد به السورة, يعني أنه كان يقرأ الفاتحة قبل السورة, والروايات الصريحة لعلها من بعض الرواة رواها بما فهمه من المعنى, يدل على ذلك ما روي سعيد بن زيد عن أبي مسلمة قال: «سَأَلْتُ أَنَسًا: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِبِسْمِ

стр. 90

اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, أَوْ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: إِنَّكَ تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ, وَلاَ سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَطْ قَبْلَكَ» رواه أحمد والترمذي وصححه النسائي, وإسناده على شرط الصحيحين, وقال الدارقطني: إسناده صحيح. قلنا: هذا التأويل لا يصح لو تجرد عن الروايات الصريحة؛ لأنه لو أراد السورة. لذكرها باسمها, فقال: «بالفاتحة» أو «أم الكتاب» أو «أم القرآن» كما عادتهم في سائر الخطاب, فأما تسميتها بالحمد بأول كلمةٍ منها, كما تقول سورة «والعاديات» وسورة «اقرأ» ونحو ذلك كما عرف أهل زماننا, فأما تسميتها الحمد لله رب العالمين بالجملة جميعها, فليس يعرف في اللسان قديماً ولا حديثاً, ثم لو كان المقصود أن يبتدئ القراءة بسورة أم الكتاب, لم تكن فيه فائدة, لأن هذا من العلم العام, مثل كون قراءة الليل يجهر بها وقراءة النهار يخافت بها, وسنَّة ذلك. وفي حديث قتادة: أنهم سألوا أنساً عن ذلك, من توهم بعض الرواة, فقال قولاً عظيماً؛ لأن في الحديث ذِكر لفظ أنس في قوله: «لَمْ يَكُونُوا يَذْكُرُونَ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِها» وهذه زيادة على الرواية الأخرى, ثم قد رواه عن أنسٍ جماعة, كل منهم يؤدي لفظاً صريحاً غير الآخر, ومن تتبع

стр. 91

طرق الحديث علم ذلك. وأما الحديث الآخر: إنْ كان محفوظاً فالظاهر: أن السائل سأل أنساً عن قراءتها سرًّا, فلم يكن إذ ذاك يعلم ذلك, وإنما كان الذي يعلمه أنهم لا يجهرون بها, وعَلم من طريق آخر أنهم كانوا يسرون بها, فرواه في وقتٍ آخر, إن كانت مسألته لأنسٍ قديماً, وإن كان ذلك حديثاً, فلعل أنساً قد نسي؛ لأنه كان في آخر عمره وسعيد ابن يزيد [...]. وبكل حال: مثل هذا لا يصلح أن يعارض الروايات المستفيضة عنه. وأيضاً مما روى أبو الجوزاء عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْد للهِ, رَبِّ الْعَالَمِينَ» رواه أحمد ومسلم, وقد تقدم الكلام على تأويله بالسورة.

стр. 92

وروى ابن شاهين من حديث ابن عمر وأبي هريرة, وعُصمة بن مالك الخطمي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ». وعن أم الحصين قالت: «صليت خلف النبي ﷺ فلما افتتح الصلاة قرأ الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين». وهذه الرواية صريحة بأنهم أرادوا الآية وما بعدها. وأيضاً ما روى ابن عبد الله بن المغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم, فقال: «يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ -قَالَ: وَلَمْ أَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ حَدَثًا فِي الإِسْلاَمِ مِنْهُ- فَإِنِّي صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ عُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا, فَلاَ تَقُلْهَا, إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ, فَقُلِ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» رواه الخمسة إلا أبا

стр. 93

داود, وقال الترمذي: حديث حسن. وفي رواية لابن شاهين: «فإني صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يقرءون بالحمد لله رب العالمين» وهذا -مع أنه نص في عدم الجهر بها- فيه بيان أن قوله: «الحمد لله رب العالمين» إنما كانوا يعنون به الآية وما بعدها ولا يعنون أنه كان يبتدئ بالفاتحة المسماة بالحمد لله رب العالمين, والذي يحقق ذلك مما تقدم أن أنساً وعبد الله بن مغفل وأم الحصين وغيرهم, ممن أطلق إنما كان يروي ذلك لموضع الشبهة واللبس لما اختلفوا في آخر عصر الصحابة, فمن الناس من كان يجهر بها, ومنهم من كان يخفيها, فاحتاج الناس إلى استعلام السنة والرجوع إلى الصحابة في ذلك. فأما أن الفاتحة تقرأ قبل غيرها: فلم يكن عند أحد في ذلك شبهة, ولا يحتاج أن يروى عن فلان أو فلان, أو يحتج بسنة رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون على من خالفه, حتى لو فرضنا أن المراد أنهم كانوا يفتتحون بالسورة, فإن البسملة ليست من السورة, على ما سنذكر إن شاء الله تعالى. وأيضاً حديث: «قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ...» على ما سنذكره, فإنه كالنص في أنه لا يجهر بها.

стр. 94

وأيضاً: فإن هذا قول أكابر الصحابة وجماهيرهم, وهم أعلم بالسنة وأتبع لها, قال الترمذي: على هذا العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم, وقد تقدم ذكر ذلك عن الخلفاء الثلاثة. وروى ابن شاهين وابن أبي موسى عن أبي وائل قال: «كان عمر وعلي لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم» , وعن علي وعمار «أنهما كانا لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم» , وعن الأسود بن يزيد قال: «صليت خلف أمير المؤمنين عمر سبعين صلاة, يكبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك وتعالى جدك, ولا إله غيرك. ثم يقول: الحمد لله رب العالمين» وروى أحمد عن ابن عباس قال: «الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قراءة

стр. 95

الأعراب» وقال بسر بن سعيد -وهو أحد أجلاء التابعين:- «ما أدركت أحداً يفتتح إلا بالحمد لله رب العالمين» , «وسئل الحسن عن الجهر بها في الصلاة فقال: إنما يفعل ذلك الأعراب» , وقال إبراهيم النخعي: «الجهر بدعة» رواهن ابن شاهين. والآثار في ذلك كثيرة في الزجر عن تركها. فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ أنه جهر بها, رواها الدارقطني وغيره, وكذلك عن كثير من أصحابه, وروي أيضاً أحاديث كثيرة في الزجر عن تركها. فإما أن تكون رواية من روى ترك الجهر, أراد به أن النبي ﷺ كان يخفض بها صوته ويجهر بها جهراً خفياً, ثم يرفع صوته بسائر السورة. وإما أن يكون الجهر بها والإسرار سواء؛ لمجيء الأحاديث

стр. 96

بهما, بنى على أنه كان يجهر أحياناً ويخفي أحياناً. قال بعضهم: يكون الجهر بها على حرف من يعدّها من الفاتحة, وتركه على حرف من لا يعدها من الفاتحة, وهما حرفان مشهوران. أو يكون الجهر أوْلى؛ لأنها إما أن تكون آية من الفاتحة فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة, أو آية من القرآن فيجهر بها كسائر القرآن, وإذا كانت التسمية مشروعة في أول الوضوء ففي الصلاة أوْلى. قلنا: أما الأحاديث فضربان ما صرّح فيه بذكر الجهر فليس فيه عن النبي ﷺ شيء صحيح يخرج به الحجة, ولذلك لم يخرج عن أصحاب السنن منها شيء. وقال الدارقطني, وقد سئل عن أحاديث الجهر: ليس فيها عن النبي ﷺ شيء صحيح. وأما عن الصحابة فمنه صحيح و [منه] ضعيف. ومن تتبع أسانيدها علم الضعيف فيها, ويؤكد ذلك أن أكثرها من رواية الصحابة الذي قد صح عنهم عدم الجهر, مثل علي وعمار وأنس, فكيف وما لم يصرح فيه بالجهر وإنما فيه بسم الله الرحمن الرحيم, فهذا يدل على استنان قراءتها, والرد على من رغب عنه. قال أبو عبيد: الأحاديث التي ذكرناها في ترك قراءة:

стр. 97

«بسم الله الرحمن الرحيم» فليس هو على الجهر بها, وإنما غلَّطوا ترك قراءتها في الصلاة أو غير الصلاة, إلا أنه يسرها في الصلاة. ومن نقل عنه من أصحابه الجهر, مثل ابن عباسٍ وابن الزبير وابن عمر, فقد نقل عنهم الإسرار بها, وهذا يدل على أن من جهر بها من الصحابة كان مقصوده تعليم الناس أن قراءتها سنة, كما جهر عمر بالاستفتاح, وكما جهر أبو هريرة بالاستعاذة, وكما جهر ابن عباس بقراءة أم الكتاب على الجنازة, وهذا -والله أعلم- معنى قول الإمام أحمد وقد سأله أبو طالب:

стр. 98

أتجهر ببسم الله الرحمن الرحيم, قال: بالمدينة نعم, وهاهنا من كان يقول إنها آية من كتاب الله, مثل ما قال ابن عباسٍ: بسم الله الرحمن الرحيم آية, وأبو هريرة: هي إحدى آياتها, وابن الزبير: كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم, ويتأولونها أنها آية من كتاب الله وحمل القاضي هذا على أن أهل المدينة كانوا يرون الجهر, فإذا خافت استنكروا فِعله فلم يصلوا معه, وليس كذلك, فإن أهل المدينة كانوا لا يقرءونها سرّاً ولا جهراً, فأراد أحمد ﵁ أن يجهر بها الرجل هناك؛ ليبين أن قراءتها سنّة, ويكون قدوته في الجهر بها من جهر بها من الصحابة على هذا التأويل, ولذلك ما أمر بقراءتها بعد الاستعاذةِ, قال: ومالك لا يرى ذلك, وما يعجبني هذا من قوله, والجهر بها على الوجه مستحب؛ لما قدمناه. فأما اتخاذ الجهر بها سنة فمكروه, نص عليه في غير موضع, لأنه خلاف السنة. فأما النبي ﷺ : فلا شك أن المعروف من حاله كان ترك الجهر, كما نطقت به الأحاديث الصحيحة, وعمل به الخلفاء الراشدون. وما نقل عنه من الجهر بها إنْ صح وكان له أصل, فله ثلاثة أوجه:

стр. 99

أحدهما: أنه يكون جهر بها أحياناً؛ ليعلمهم أنه يقرأها, كما ذكرنا عن أصحابه, ويؤيد هذا أن الجهر بها مروي من طريق أبي هريرة ﵁, وهو الراوي لحديث: «قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي» مع أن المحفوظ غيره, تبيين أصل قراءتها. الثاني: أن يكون جهر بها أحياناً, كما في حديث أبي قتادة: كان يجهر بالآية أحياناً؛ لأن الجهر بها جائز في الجملة, ولا بأس به في الأحيان, وإنما المكروه المداومة عليها.

стр. 100

الثالث: أن يكون ذلك [من] أول الأمر ثم نسخ, وكان آخر الأمرين عنه: ترك الجهر, ويدل على أنه آخر الأمرين: أن أكابر الصحابة عملوا به. وما روى أبو داود في «الناسخ والمنسوخ» عن سعيد بن جبير «أن النبي ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة, قال: وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن, فقالوا: إن محمداً يدعوا إلى إله اليمامة, فأمر الله رسوله بإخفائها, فما جهر بها حتى مات» رواه الطبراني في «المعجم» عن سعد عن ابن عباس مسنداً, ويحقق هذا أن الجهر بها أكثر ما يعرف عن المكيين, مثل عطاء وطاووس ومجاهد, وبهذا يتبين أنه لا يستوي الجهر بها والإسرار مطلقاً. وقول من خرّج ذلك على القراءتين ضعيف, فإنه قد يجهر بها وإن لم تكن قرآناً, كما يجهر بالتأمين, وقد يخافت بها وإن كانت من القرآن, كما سنذكر, ولو صح ذلك لم يمنع أن تكون المخافتة بها أولى, كما تختار بعض الحروف على بعضٍ. وأما كون الجهر بها أولى؛ لأنه من القرآنِ أو من السورة,

стр. 101

فليس ها بمطردٍ فإنه قد يجهر ببعض القرآن دون بعض, [كما] يجهر في بعض الصلواتِ والركعات دون بعضٍ. وأيضاً: فقد ترك النبي ﷺ الجهر بها لحكمة كانت في زمانه, ثم صار ذلك سنةً لمن بعده, كما رمل واضطبع في طواف القدوم؛ لمعنى كان في ذلك الزمان, ثم صار سنة للمسلمين إلى يوم القيامة, وكما أن أصل السعي بين الصفا والمروةِ ورمي الجمرات وذبح الهدي, لما يروى من قصة فِعل إبراهيم وابنه الذبيح وهاجر, ثم جعل الله ذلك عبادةً لمن بعدهم. وأيضاً: فهي وإن كانت آيةً من القرآن, لكن إنما أنزلت لأجل ما بعدها من السورة؛ لأن رسول الله ﷺ ما كان يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم, والتسمية إنما تكون عند ابتداء الأمور وفي أوائلها, فصارت كالتابع لغيره

стр. 102

المقصود من أجله, ففرق بين ما يقصد لنفسه وما يقصد لغيره بصفة القراءة في الجهر والإخفاتِ, كما يخافت بالاستعاذة لما كانت مقصودة لغيرها, ألا ترى أن التسمية مقصودة لما بعدها من حمد الله والثناء عليه والصلاة له؟ والمعنى: بسم الله أقرأ وأصلي, أو: بسم الله صلاتي وقراءتي فبيّن أن يميز بين المقصود لنفسِه والمقصود لغيره.

стр. 103

فصل وهل تجب قراءتها في الصلاة؟ على روايتين منصوصتين. إحداهما: يجب, بناء على أنها من فاتحة

стр. 104

الكتابِ, فإن لم يجعل البسملة أنه كان رأس الآية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وليس نسبة لرؤوس الآي؛ لأن ما قبل الحرف الآخر يكون حرف لين, كما في سائر الآي.

стр. 105

وأيضاً: فقد روي عن أبي هريرة ﵁ موقوفاً ومرفوعاً: «إذا قرأتم الحمد فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم, إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني, وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها» , وروي ذلك عن النبي ﷺ وجماعة من أصحابه, من عدة وجوهٍ رواها الدارقطني وغيره؛ لأنها مكتوبة في أولها في المصحف, فوجبت أن تتلى حيث كتبت كسائر آياتها. والرواية الثانية: لا تجب قراءتها, لكن يكره ترك قراءتها كالاستعاذةِ وأولى, بناءً على أنها ليست من الفاتحةِ, والمفروض أنما هو قراءة الفاتحة, ويمكن أن يقال: هي وإنْ جعلتْ من الفاتحة باعتبار, فليست من القراءة المفروضة, وهذه الرواية هي الصحيحة عند عامة الأصحاب, وهي الغالب على كلام أحمد, وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ :

стр. 106

«مَنْ صَلَّى صَلاَةً لاَ يَقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ» يقولها ثلاثاً, فقيل لأبي هريرة: إنما نكون وراء الإمام, فقال: اقرأها في نفسك, فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ : قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ, وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ, فَإِذَا قَالَ: الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي, وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي, وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي- فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي, فَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ, وَإِذَا قَالَ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَؤُلاَءِ لِعَبْدِي, وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة, وقال أبو زرعة: حديث صحيح. وفيه دلالة من أربعة أوجه: أحدها: أن أبا هريرة هو راوي الحديث, وقد فهم أن أم الكتاب هي الحمد لله رب العالمين, إلى آخرها ولهذا فسر أحد الحديثين بالآخر, وهذا يضعف ما روي عنه بخلافه.

стр. 107

الثاني: أنها لو كانت منها أو هي واجبة لذكرها في القسمة, كما ذكر غيرها؛ لأن المراد بالصلاة: القراءة الواجبة في الصلاة.

стр. 108

.............................................

стр. 109

الثالث: أن القسمة باعتبار الآيات؛ لأنه وقف على رأس كل آية, وجعل يشير إليها, فلو كانت البسملة فيها لكان الذي لله أربع آيات ونصفاً, والذي للعبد اثنتين ونصفاً.

стр. 110

الرابع: أنه قال في آخره: فهؤلاء لعبدي, وهذه صيغة جمع, إنما يشار به إلى ثلاثة آيات, ولو لم تكن ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ رأس آية لقال: «فهاتان» والإشارة إنما هي إلى [الآي] دون الكلمات والحروف, كما قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين, ولعبدي ما سأل. وأيضاً: حديث [أبي بن كعب] وحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث ابن جابر, ولأنها لو كانت من الفاتحة
следующие страницы →