خطوَات ... إِلَى السَّعَادَة
تأليف
د. عبد المحسن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقَاسِم
إِمَام وخطيب الْمَسْجِد النَّبَوِيّ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذه مقتطفات مختصرة في موضوعات متنوعة تعين العبد للوصول إلى شاطئ السعادة، وقد سميته: "خطوات إلى السعادة"، وعلى هذا النهج سار الأئمة الأعلام في مؤلفاتهم، كابن القيم في كتابه "الفوائد" و"بدائع الفوائد"، وابن الجوزي في "صيد الخاطر"، وابن حزم في "مداواة النفوس".
أسأل الله أن ينفع به وأن يجعله ذخراً لنا في الآخرة.
د. عبد المحسن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقَاسِم
إِمَام وخطيب الْمَسْجِد النَّبَوِيّ
стр. 3
السعادة
السعادة جنة الأحلام ومنتهى الآمال، كل البشر ينشدها، وقليل من يدركها، ومع اختلاف العباد ومعايشهم وتباين وسائلهم وغاياتهم وتنوع لغاتهم وأجناسهم، ومع افتراق مشاربهم وطموحاتهم، إلا أنهم متفقون على طلب السعادة، لتوجعهم من مكابدة الحياة وآلامها، لطمعهم في حياة سعيدة هنيئة لا أحزان فيها ولا هموم، ونوال السعادة منحة من الرحمن يهبها لمن يشاء من عباده، فمنهم من ينعم في جناها، ومنهم من يحرمها ويعيش في أمانيها، والموفق من هدي إليها فسلكها وخطى إليها وعمل لها وجانب ما يضادها مما يجلب له الشقاء.
• أين أجد السعادة ؟
ظن بعض الناس أن السعادة في المال والثراء، ومنهم من توهمها في المنصب والجاه، ومنهم من طلبها في تحقيق الأماني المحرمة، والخلق في سعي حثيث لنيلها، وفي جد وتشمير لتحصيلها، فمن مدرك لها ومن محروم منها، ومن بائس شقي توهم السعادة على غير حقيقتها، فآثر دنياه على دينه، وهواه على آخرته، فجنى الوهم والهم وكابد المعيشة وقاسى الأحزان.
والسعادة لن تُنال إلا بتقوى الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وبالبعد عن المعاصي والسيئات، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا
стр. 4
قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
قال شيخ الإسلام: "الإيمان بالله ورسوله هو جماع السعادة وأصلها" (١) فالحياة وما فيها من متاع لا سعادة فيها بلا تقوى.
قال الشاعر:
ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد
فتقوى الله خير الزاد ذخراً ... وعند الله للأتقياء مزيد
• طريق السعادة:
لا سبيل إلى السعادة إلا بطاعة الله، ومن أكثر من الأعمال الصالحة واجتنب الذنوب والخطايا عاش سعيداً وكان من ربه قريباً، قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
قال ابن كثير: "الحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت" (٢) والسعادة تزهو إذا حقق العبد توحيد ربه، وعلق قلبه بخالقه، وفوض جميع أموره إليه. قال ابن القيم: "التوحيد يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة، والفرح والابتهاج" (٣).
والسعادة يكتمل عقدها بالإحسان إلى الخلق مع ملازمة طاعة الله. قال شيخ الإسلام: "والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم
стр. 5
ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم" (١).
ومن ذاق طعم الإيمان ذاق حلاوة السعادة، وعاش منشرح الصدر مطمئن القلب ساكن الجوارح. قال ابن القيم: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، وقال لي مرة ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني" (٢).
• المحروم من السعادة:
الشقاء في اتباع الهوى باقتراف المعاصي والسيئات، ولذات الدنيا المحرمة مشوبة بالمضار، وهي سبب الشقاء في الدنيا والآخرة قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]. أي في شدة وضيق.
قال شيخ الإسلام: "كل شر في العالم مختص بالعبد، فسببه: مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وأن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة" (٣).
والفرار من الشقاء إلى السعادة يكون بالتوبة والإنابة إلى الله. قال ابن القيم: "ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار" (٤) فاطرق أبواب التوبة وأوصد أبواب المعاصي لتذوق طعم السعادة، فعافية القلب في ترك الآثام والذنوب على القلب منزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته، ومن انتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة أغناه الله بلا مال وآنسه بلا صاحب والشقي من أعرض عن طاعة مولاه، واقترف ما حرم الله.
стр. 6
• كيف أعرف أني سعيد ؟
من جمع ثلاثة كان سعيداً حقاً: الشكر على النعم، والصبر على الابتلاء، والاستغفار من الذنوب.
قال ابن القيم: "إذا أُنعم عليه شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا ينفك عبد عنها أبداً" (١).
وإذا أطرقت ملياً تُحاسب نفسك على تقصيرها، وتعظم زلاتها، وتخشى من هفواتها خوفاً من بارئها، وتتغافل عما قدمت من محاسن بين يديها طمعاً في ثواب خالقها، فتلك أمارة على نفس تطلب حياة سعيدة. قال ابن القيم: "علامة السعادة أن تكون حسنات العبد خلف ظهره، وسيئاته نصب عينيه، وعلامة الشقاوة أن يجعل حسناته نصب عينيه، وسيئاته خلف ظهره" (٢).
فالسعيد من اتقى خالقه وحسنت معاملته مع الخلق، وشكر النعم واستعملها في طاعته، وتلقى البلاء بالصبر والاحتساب، وشرح الفؤاد يقيناً منه بأن الله يطهره بذلك ويرفع درجاته واستغفر ربه عن الخطايا وندم على الأوزار.
стр. 7
الإخلاص لله طريق السعادة
غنى العبد بطاعة ربه والإقبال عليه، وإخلاص الأعمال لله أصل الدين وتاج العمل، وهو عنوان الوقار، وسمو الهمة، ورجحان العقل، وطريق السعادة، ولا يتم أمر ولا تحصل بركة إلا بصلاح القصد والنية، وقد أمر الله نبيه محمداً ﷺ بالإخلاص في أكثر من آية، فقال له: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] وقال له: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]، فصلاح العمل من صلاح النية، وصلاح النية من صلاح القلب.
وأصل قبول الأعمال عند الله الإخلاص مع المتابعة يقول ابن مسعود ﵁: "لا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا بما وافق السنة".
والإخلاص عزيز في جانب العبادات يقول ابن الجوزي (١): "ما أقل من يعمل لله تعالى خالصاً؛ لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم".
ويقول ابن رجب (٢): "الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من
стр. 8
الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة".
وقد افتتح بعض العلماء كالإمام البخاري في صحيحه، والمقدسي في "عمدة الأحكام" والبغوي في "شرح السنة" و"مصابيح السنة"، والنووي في "الأربعين النووية"ـ مصنفاتهم بحديث: «إنما الأعمال بالنيات» إشارة منهم إلى أهمية الإخلاص في الأعمال. وسفيان الثوري يقول: "ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، لأنها تتقلب علي" والعمل من غير نية خالصة لوجه الله طاقة مهدرة، وجهد مبعثر، وهو مردود على صاحبه، والله تعالى غني حميد لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً له سبحانه. يقول أبو أمامة الباهلي ﵁: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ لا شيء له. فأعادها عليه ثلاث مرات ورسول الله ﷺ يقول له: لا شيء له، ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغى به وجه الله" (رواه أبو داود والنسائي).
ويقول ﵊ قال الله : «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (رواه مسلم).
• الواجب في الإسلام الإخلاص مع كثرة العمل:
العبرة في الإسلام ليست بكثرة العمل فحسب، إنما الواجب صحة الإخلاص لله وكثرة العمل الموافق لسنة المصطفى ﷺ ، وقد جمع ربنا ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فجمعت هذه الآية الإخلاص وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
والعمل ـ وإن كان كثيراً ـ مع فقد صحة المعتقد يورد صاحبه النار قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
стр. 9
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢] قال: "أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة".
• ما هي الأعمال التي أخلص فيها الله ؟
بعض الناس يظن أن الإخلاص إنما هو فقط في الصلاة وقراءة القرآن وأعمال العبادات الظاهرة كالدعوة إلى الله والإنفاق، وهذا غير صحيح، فالإخلاص واجب في جميع العبادات حتى زيارة الجار وصلة الرحم وبر الوالدين، فهذه مطلوب فيها الإخلاص، وهي من أجل العبادات، وكل فعل يحبه الله ويرضاه واجب فيه إخلاص النية مهما كان العمل، حتى في جانب المعاملات كالصدق في البيع والشراء وحسن معاملة الزوجة والاحتساب في إصلاح الأولاد وغيرها، يقول النبي ﷺ : «ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في في امرأتك» (متفق عليه).
فكل أمر يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فهو عبادة، وواجب فيها الإخلاص وإن دق العمل.
• ما هو الإخلاص ؟
ضابط الإخلاص: أن تكون نيتك في هذا العمل لله لا تريد بها غير الله، لا رياء ولا سمعة ولا رفعة ولا تزلُّفاً عند أحد، ولا تترقب من الناس مدحاً ولا تخشى منهم قدحاً، فإذا كانت نيتك لله وحده ولم تزين عملك من أجل البشر فأنت مخلص، يقول الفضيل بن عياض: "العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما".
стр. 10
فأخلص جميع أعمالك له سبحانه ولا تتطلع لأحد، وأدخل نفسك في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
• أثر الإخلاص:
إذا قوي الإخلاص لله وحده في الأعمال ارتفع صاحبه إلى أعالي الدرجات، يقول أبو بكر بن عياش: "ما سبقنا أبو بكر بكثير صلاة ولا صيام، ولكنه الإيمان وقر في قلبه والنصح لخلقه".
وفي هذا يقول عبد الله بن المبارك: "رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية" وبالعمل القليل مع الإخلاص يتضاعف الثواب، يقول النبي ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه (١) حتى تكون مثل الجبل العظيم» (متفق عليه).
قال ابن كثير (٢): في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] قال أي بحسب إخلاصه في عمله.
وإذا قوي الإخلاص وعظمت النية وأخفي العمل الصالح مما يشرع فيه الإخفاء، قَرُب العبد من ربه، وأظله تحت ظل عرشه، يقول النبي ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله ... وذكر منهم: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». (متفق عليه).
• بركة العمل في الإخلاص وإن قل العمل:
إذا أخلص العبد النية وعمل عملاً صالحاً ولو يسيراً فإن الله يتقبله ويضاعفه.
стр. 11
يقول النبي ﷺ : «لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين» (رواه مسلم).
وفي رواية: «مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة».
فبإخلاصه مع يسر العمل أدخله الله الجنة برحمته.
وتأمل في المرأة البَغيَّ التي عملت أعمالاً قبيحة، ثم عملت عملاً يسيراً في أعين البشر، وهو سقاية كلب، وليس إنساناً، فغفر الله لها بذلك العمل اليسير مع سوء عملها من البغي، يقول النبي ﷺ : «بينما كلب يطيف (١) بركية (٢) قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها (٣) فاستقت له به فسقته، فغفر الله لها به» (متفق عليه).
• بالنية الصادقة تنال ثواب العمل وإن لم تعمل:
الكرم من صفات رب العالمين، والعبد إذا أحسن القصد ولم تتهيأ له أسباب عمل الصالحات، فإنه يؤجر على ذلك الفعل وإن لم يعمله كرماً من الله وفضلاً، يقول جابر بن عبد الله ﵁: كنا مع النبي ﷺ في غزاة فقال: «إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حسبهم المرض» وفي رواية: «إلا شركوكم في الأجر» رواه مسلم. ورواه البخاري عن أنس قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ فقال: «إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا حبسهم العذر».
ويقول النبي ﵊ عن الرجل الذي لا مال عنده وينوي الصدقة ويقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، قال عنه النبي ﷺ : «فهو بنيته فأجرهما سواء». (رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح).
стр. 12
وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة».
فالمسلم يجعل نيته في كل خير قائمة، يقول عمر بن الخطاب ﵁: "أفضل الأعمال صدق النية فيما عند الله". ومن سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة. يقول النبي ﷺ : «ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجر عليها حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك» (متفق عليه).
يقول زبيد اليامي: "انو في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى الكناسة". ويقول داود الطائي: "رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية". وكان السلف الصالح يحثون على حسن النية في كل أمر صالح، يقول يحيى بن كثير: "تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل".
• ثمرات الإخلاص:
العمل الصالح لا يقبل إلا بالإخلاص، وبدون إخلاص يرد العمل ولو كثر، والإخلاص مانع بإذن الله من تسلط الشيطان على العبد قال سبحانه عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
والمخلص محفوظ بحفظ الله من العصيان والمكاره، قال سبحانه عن يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] وبالإخلاص رفعة الدرجات وطرق أبواب الخيرات، يقول النبي ﷺ : «إنك لن تختلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله ازددت به درجة ورفعة» (متفق عليه).
في الإخلاص طمأنينة القلب وشعور بالسعادة وراحة من ذل الخلق. يقول الفضيل بن عياض: "من عرف الناس استراح" إذا عرف أنهم لا ينفعونه ولا يضرونه استراح من الناس.
стр. 13
• كيف أكون مخلصاً لله في جميع أعمالي ؟
الشيطان يتعرض للإنسان ليفسد عليه أعماله الصالحة، ولا يزال المؤمن في جهاد مع عدوه إبليس حتى يلقى ربه على الإيمان بربه وإخلاص جميع أعماله له وحده، ومن أهم عوامل الإخلاص:
١ - الدعاء:
الهداية بيد الله والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فالجأ إلى من بيده الهداية وأظهر إليه حاجتك وفقرك، واسأله دوماً الإخلاص وقد كان أكثر دعاء عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً".
٢ - إخفاء العمل:
كلما استتر العمل مما يشرع فيه الإخفاء كان أرجى للقبول وأعز في الإخلاص، والمخلص الصادق يحب إخفاء حسناته كما يحب أن يخفي سيئاته، لقوله ﵊: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذا منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». (متفق عليه).
يقول بشر بن الحارث: "لا تعمل لتذكر، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة". وقد فضلت نافلة صلاة الليل على نافلة النهار واستغفار السحر على غيره، لأن ذلك أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص.
٣ - النظر إلى أعمال الصالحين ممن هم فوقك:
في أعمالك الصالحة لا تنظر إلى أعمال رجال زمانك ممن هم دونك في المسابقة إلى الخيرات، وتطلع دائماً إلى الاقتداء بالأنبياء والصالحين يقول سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. واقرأ سير الصالحين من العلماء والعباد والنبلاء والزهاد، فهو أرجى لزيادة الإيمان في القلب.
стр. 14
٤ - احتقار العمل:
آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه بعين الرضا فقد أهلكها، ومن نظر إلى عمله بعين العجب قلَّ معه الإخلاص، أو نزع منه أو حبط العمل الصالح بعد العمل، يقول سعيد بن جبير: "دخل رجل الجنة بمعصية، دخل رجل النار بحسنة، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: عمل رجل معصية فما زال خائفاً من عقاب الله من تلك الخطيئة فلقي الله فغفر له من خوفه منه تعالى، وعمل رجل حسنة فما زال معجباً بها ولقي الله بها فأدخله النار".
٥ - الخوف من عدم قبول العمل:
كل عمل صالح تفعله احتقره وإذا عملته كن خائفاً من عدم قبوله. ولقد كان من دعاء السلف: "اللهم إنا نسألك العمل الصالح وحفظه" ومن حفظه عدم العجب والفخر به، بل يبقى الخوف من عدم قبوله معلقاً، يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢].
وروى الإمام أحمد والترمذي أن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "يا رسول الله، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم خائفون ألا يتقبل منهم».
قال ابن كثير في تفسير (١) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا ...﴾ [المؤمنون: ٦٠]: "أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء".
والإخلاص يحتاج إلى مجاهدة قبل العمل وأثناءه وبعده.
стр. 15
٦ - عدم التأثر بكلام الناس:
الرجل الموفق هو الذي لا يتأثر بمدح الناس فإذا أثنوا عليه خيراً إن فعل طاعة لم يزده ذلك إلى تواضعاً وخشية من الله، وأيقن بأن مدح الناس له فتنة، فدعا ربه أن ينجيه من هذه الفتنة، فليس أحد ينفع مدحه ويضر ذمه إلا الله، وأنزل الناس منزلة أصحاب القبور في عدم جلب النفع لك ودفع الضر عنك، يقول ابن الجوزي (١): "ترك النظر إلى الخلق ومحو الجاه من قلوبهم بالعمل وإخلاص القصد وستر الحال هو الذي رفع من رفع".
٧ - استصحاب أن الناس لا يملكون جنة ولا ناراً:
إذا شعر العبد بأن الذين يرائي لهم سوف يقفون معه في المحشر خائفين عارين أدرك أن صرف النية لهم في غير محله حيث لم يخففوا عنه وطأة المحشر، بل هم معه في ذلك الضنك، فإذا عملت ذلك علمت أن إخلاص العمل حقه أن لا يصرف إلا لمن يملك جنة وناراً.
فعلى المؤمن أن يوقن بأن البشر لا يملكون جنة يقدمونك إليها، ولا قدرة لهم على إخراجك من النار لو طلبت منهم إخراجك منها، بل لو اجتمعت البشر كلهم من آدم إلى آخرهم، ووقفوا خلفك، لما استطاعوا أن يقدموك إلى الجنة ولو بخطوة واحدة، إذاً لماذا ترائي البشر وهم لا يملكون لك شيئاً؟ قال ابن رجب (٢): "من صام وصلى وذكر الله، ويقصد بذلك عرض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية، لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه، لما يترتب عليه من الإثم فيه ولا لغيره". أي ولا نفع فيه أيضاً لغيره.
ثم إن الذين تُزين عملك لهم من أجل أن يمدحوك لن تحصل مرادك منهم، بل إنهم سوف يذمونك، وتفضح عندهم، ويلقى في قلوبهم بغضك، يقول ﵊: «من يرائي الله به» رواه مسلم. أما إذا أخلصت لله أحبك الله الخلق، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا
стр. 16
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] أي محبة.
٨ - تذكر أنك في القبر بمفردك:
النفوس تصل بتذكر مصيرها، وإذا أيقن العبد أنه يوسَّد اللحد منفرداً بلا أنيس، وأنه لا ينفعه سوى العمل الصالح، وأن جميع البشر لن يرفعوا عنه شيئاً من عذاب القبر، وأن الأمر كله بيد الله، حين ذاك يوقن العبد أنه لا ينجيه إلا إخلاص العمل لخالقه وحده جل وعلا. يقول ابن القيم (١): "صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته، فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها".
стр. 17
هل الرياء يدخل على الصالحين ؟
مداخل الشيطان على العبد عديدة ويلبس كل صنف لبوسهم فيؤُزُّ التجار إلى أكل الربا، ويزين للنساء أمور الزينة المحرمة، ويدخل على الصالحين من باب الرياء. قال الطيبي عن الرياء: "وهو من أضر غوائل النفس وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة". وهو من أخفى الأبواب وأضرها على العبد. قال في تيسير العزيز الحميد (١): "الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال". اهـ. والنبي ﷺ كان يخافه على أصحابه ويقول لهم: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يرى من نظر الرجل» (رواه أحمد). والصالح إذا كان يرائي بعمله يعذب في الآخرة قبل غيره، يقول ﵊: «أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يُقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمَّه وقرأ القرآن فأتي به فعرَّفه
стр. 18
نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» (رواه مسلم).
فتأمل هذا الحديث فإن أول الناس يقضى فيهم يوم القيامة المجاهد والمتعلم والمتصدق إذا فسدت نياتهم، ويسحبون على وجوههم في النار مع أن العمل الذي عملوه من أجل الأعمال عند الله ولكن جنوح النية عن الإخلاص أرداهم في الهاوية.
• ليس هذا من الرياء:
من عمل عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين وهو لم يترقب ذلك ففرح بفضل الله واستبشر بذلك، فإن هذا لا يضره وليس هذا من الرياء. يقول أبو ذر ﵁ سئل النبي ﷺ عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» رواه مسلم. أما من عمل عملاً صالحاً وزيَّنه من أجل أن يمدحه الناس عليه فهذا هو الرياء.
• عقاب المرائي:
ضاعت آمال المرائي وخاب سعيه وعُومل بنقيض قصده وعوقب بعقوبتين: عقوبة في الدنيا وعقاب في الآخرة.
* عقوبته في الدنيا:
في الدنيا يفضح الله المرائي ويهتك ستره ويظهر خباياه، يقول النبي ﷺ : «من يسمع يسمع الله به ومن يرائي يراء الله به». رواه مسلم. قال
стр. 19
الخطابي: معناه من عمل عملاً على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه. حتى وإن أخفى المرائي كوامن النفس وخفايا الصدور فإن الله يعلنها، يقول ﵊: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور». (رواه البخاري).
* عقابه في الآخرة:
المرائي في الآخرة متوعد بنار جهنم قال جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ و ١٦].
ويقول ﵊ في صحيح مسلم: «أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ... وذكر منهم: الشهيد، وقارئ القرآن، والمتصدق، ـ الذين كانت أعمالهم لغير الله ـ فيقال له كذبت ولكنك فعلت ليقال كذا فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار». فالمرائي في الدنيا مفضوح وفي الآخرة معذب.
стр. 20
طلب الدنيا بالدين
الدين أعز من أن يُدنس بوحل الدنيا، وعمل البر لا يقوم على سوقه إلا بالإخلاص، ومن صرف أعمال الآخرة لمقصد دنيوي عوقب به، يقول النبي ﷺ : «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» يعني ريحها. رواه أحمد وأبو داود. والعمل الصالح وإن كان كثيراً مع فساد النية يورد صاحبه المهالك، فقد أخبر الله عن المنافقين أنهم يصلون وينفقون ويقاتلون، وأخبر النبي ﷺ عنهم أنهم يتلون كتاب الله في قوله ﵊: «ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر». متفق عليه. ولفقد صدقهم في إخلاصهم قال الله عنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] وأول من تسعر بهم النار قارئ القرآن والمجاهد والمتصدق بماله الذين لم تكن أعمالهم خالصة له، وإنما فعلوا ذلك ليقال فلان قارئ، وفلان جريء وفلان متصدق.
فابتغ بقولك وفعلك ما عند الله فإنه يبقى وما سواه يفنى.
وإذا عمل العبد عملاً أظهر منه قصد الخير ونيته في ذلك تحيل مقصد دنيوي فهذا ضرب من النفاق العملي. قال ابن رجب (١): "ومن أعظم خصال
стр. 21
النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملاً ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سيء فيتم له ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه وحمد الناس له على ما أظهر، وتوصل به إلى غرضه السيء الذي أبطنه وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود".
ومن أحب المدح بما لم يفعل فهو متوعد بالنار قال جل وعلا: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨].
стр. 22
منزلة التوكل
التوكل منزلة عالية من منازل الدين قرنه الله بالعبادة في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وجعله سبباً لنيل محبته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. في التوكل رضا الرحمن ومنعة من الشيطان والرسل ﵈ هم أئمة المتوكلين فالخليل قال: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وشعيب ﵇ قال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. ومن حقق التوكل دخل الجنة بغير حساب. وأمور الدنيا وزينتها قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر، ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم، ولا يقدم في ذلك إلا التوكل على الله. ولما سئل الإمام أحمد عن التوكل قال: "هو قطع الاستشراف باليأس من الخلق" والتعلق بالأسباب لا يجدي في تحقيق المطلوب.
• فعل الأسباب لا ينافي التوكل:
الالتفات إلى الأسباب نقص في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب التي أمر بها قدح في الشرع، وعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله لا على الأسباب.
وحقيقة التوكل: القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منع اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها،
стр. 23
وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه. والموحد المتوكل لا يطمئن إلى الأسباب ولا يرجوها كما أنه لا يهملها أو يبطلها بل يكون قائماً بها ناظراً إلى مسببها سبحانه ومجريها. وعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، وتحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله المقدورات بها، فإن الله أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، والناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها، فلذلك يجهدون أنفسهم في الأسباب ومن تعلقت نفس بالله وأنزل به حوائجه، والتجأ إليه وفوض أمره كله إليه، كفاه كل سؤله ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى علمه وعقله وتمائمه، واعتمد على حوله وقوته، وكله الله إلى ذلك وخذله. ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح وهو نوع من الطلب والسعي، ولكنه سعي يسير. قال في تيسير العزيز الحميد (١): "وهذا معروف بالنصوص والتجارب".
• ثمرات التوكل على الله:
في التوكل على راحة البال، واستقرار في الحال، ودفع كيد الأشرار، وهو من أقوى الأسباب التي يدع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم، وبالتوكل تستغني النفس عما في أيدي الناس، يقول شيخ الإسلام (٢): "وما رجا أحد مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه"، ومن فوض أمره إلى مولاه حاز مناه، وزكريا بلغ من الكبر عتياً ثم وُهب سيداً من فضلاء البشر
стр. 24
وأنبيائهم وإبراهيم بشر بولد وامرأته تقول بعد يأس من حالها: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢]. وترك الخليل هاجر وابنه إسماعيل بواد لا زرع فيه ولا ماء فإذا هو نبي يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وما ضاع يونس مجرداً في العراء. يقول الفضيل بن عياض: "لو يئست من الخلق لا تريد منهم شيئاً لأعطاك مولاك كل ما تريد".
فألق كنفك بين يدي الباري، وعلق رجاءك به، وسلم الأمر للرحيم، واقطع العلائق عن الخلائق، ولا ترج إلا الله، وإذا قوي التوكل والرجاء، وجمع القلب في الدعاء لم يرد النداء، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]، والجأ إلى الله بقلب خاشع ذليل يفتح لك الباب.
стр. 25
طلب الرزق
السعي في طلب الرزق هم كثير من الخلق، فالصغير ينشده والكبير يطلبه، وأكثر هموم الحياة وأحاديثها وأحداثها تدور في فلكه، والمؤمن الحاذق من يفوض أمر الرزق إلى الرازق.
فالرزق ما كان لك منه أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بوقتك، فلا تضيع زمانك بهمك بما ضمن لك من الرزق، فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتياً، قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
قال بعض السلف: "توكل تُسق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف". وعلى العبد أن يقنع بما أعطاه الله من الرزق، يقول عمر بن عبد العزيز: "بين العبد وبين رزقه حجاب فإن قنع ورضيت نفسه أتاه رزقه، وإن اقتحم وهتك الحجاب لم يزد فوق رزقه".
ومن نظر إلى من دونه في الدنيا امتلأ قلبه غنى من الحياة يقول النبي ﷺ : «انظروا إلى ن هو دونكم في الدنيا وانظروا إلى من فوقكم في الدين». (رواه البخاري).
فكن متوكلاً على الله في طلب الرزق بقلبك، ساعياً له بجوارحك مع الاعتماد على الخلاق الكريم، وإياك والحرص على تحقيق أملك من
стр. 26
الحياة، فإن ذلك قد يخرجك من طور التوكل، فتحرص على تحقيق المرام، وتعتمد على الأسباب دون التفويض بالقلب، والله إذا أغلق عليك بحكمته طريقاً من طرقه فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده.
стр. 27
حسن الظن بالله
التفاؤل حسن ظن بالله، والنبي ﷺ كان يعجبه ذلك، قال ﵊: «يعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: الكلمة الطيبة». (متفق عليه).
والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله على كل حال، والتشاؤم سوء ظن بالله، وإذا زاد إيمان العبد حسن ظنه بربه، وإذا نقص إيمانه بربه ساءت ظنونه بخالقه، فمن ظن أن الله لا ينصر عباده الموحدين، ولا يُعليهم، أو أن الله لا يظهر دينه، أو ظن أنه ينال ما عند الله بمعصيته ومخالفته كما يناله بطاعته والتقرب إليه، أو ظن أنه إذا ترك شيئاً من أجله لم يعوضه الله خيراً منه، أو ظن أن من فعل شيئاً لأجله لم يعطه أفضل منه، أو ظن أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة، وتضرع إليه، وسأله، واستعان به، وتوكل عليه، أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله، أو ظن أن الكرم طريق إلى الفقر، أو ظن المتصدق أن المال ينقص بالصدقة، أو ظن أن الله لا يخلف عن صدقته مالاً، أو ظن أن التمسك بهذا الدين لا يعلي شأن صاحبه فمن ظن شيئاً من ذلك، فقد ظن بالله ظن السوء، ووقع فيما نهى الله عنه. وإنما كان هذا ظن سوء بالله لأنه ظن بالله غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجماله وكماله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته تأبى ذلك. وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا
стр. 28
يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته. وعرف موجب حكمته وحمده. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١): "لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه". قال ابن القيم (٢):
"فأكثر الخلق، بل وكلهم إلا من شاء الله، يظنون بالله غير الحق، وظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه، ولسان حاله يقول ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامناً كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبك شراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تعتباً على القدر وملامة له، واقتراحاً عليه خلاف ما جرى به، وأنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك؟
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجياً
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله تعالى ويستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء ومنبع كل شر". فيجب على المسلم أن لا يظن بربه ظن السوء، وأن يحسن ظنه بربه في كل شأنه. في الحديث القدسي قال الله : «أنا عند ظن عبدي بي» (متفق عليه).
стр. 29
بر الوالدين
جعل الله الوالدين موئل السعادة، وروضة العطف والحنان، فحقهما عظيم، ومعروفهما لا يجازى، وجميلهما يربو على كل جميل من الخلق، وليس في الناس أعظم إحساناً ولا أكثر فضلاً من الوالدين. بر الوالدين خلق الأنبياء ودأب الصالحين، وسبب تفريج الكربات وتنزل البركات وإجابة الدعوات، به ينشرح الصدر وتطيب الحياة، قال تعالى في وصف نبيه يحيى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤]. ويقول عن عيسى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢]. ومن كان باراً بوالديه كان سعيداً متواضعاً.
بر الوالدين من شيم الكرام ودليل الفضل والكمال، وهو طريق إلى الجنة، يقول النبي ﷺ : «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه». (رواه الترمذي وصححه).
حقهما واجب بعد حق الله تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
برهما عمل محبب إلى الله وأفضل من الجهاد في سبيل الله قول ابن مسعود ﵁: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها، قلت ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (متفق عليه).
стр. 30
برهما سلوك لطريق الجنة يقول النبي ﷺ : «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» (رواه مسلم).
стр. 31
صلة الأرحام
من أجل القربات عند الله وأفضل الطاعات صلة الرحم، ومن فضل الله وكرمه أن جعل صلة الرحم بركة في الوقت وزيادة في رزق العبد، يقول ﵊: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» متفق عليه. وواجب على المسلم أن يكون واصلاً ومواصلاً لرحمه، ومن الأفضل أن يحدد يوماً معلوماً في الأسبوع لزيارة أقاربه ويتبادل معهم أطراف الأحاديث، فإن في ذلك سلامة للقلب، وصلة الرحم لا تشغل عن طلب العلم أو الدعوة أو نفع الناس، فزيارتهم هي بركة العمر ومن أراد زيادة بركة حياته فليكثر من صلة رحمه. قال ابن التين: "صلة الرحم تكون سبباً للتوفيق في الطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى الذكر الجميل فكأنه لم يمت".
والمسلم لا يستكثر ذلك عليهم، فرحم الإنسان هم أولى الناس في الرعاية وأحقهم بالعناية وأجدرهم بالإكرام والحماية، يقول جل وعلا: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥].
«والرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصلته ومن قطعني قطعته» (متفق عليه).
صلة الرحم توفيق في الحياة وإثراء للمال، يكتب الله بها العزة، وصلتهم عبادة جليلة من أفضل العبادات، يقول عمرو بن دينار: "ما من خطوة بعد
стр. 32
الفريضة أعظم أجراً من خطوة إلى ذي الرحم"، وقريبك قطعة منك إن أحسنت إليه فإنما تحسن إلى شخصك، وإن بخلت عليه فإنما تبخل عن نفسك، والله خلق الرحم وشق لها اسماً من اسمه، ووعد ربنا بوصل من وصلها "أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال فذاك لك" (متفق عليه). وصلة الرحم تدفع بإذن الله نوائب الدهر، وترفع بأمر الله عن المرء البلايا، ومن وصله الرحيم وصله كل خير، ولم يقطعه أحد، ومن تره الجبار لم يصله بشر وعاش في كمد.
• كيف أصل رحمي ؟
الرحم توصل بمعاهدتهم بالزيارة، بإكرام كريمهم، وعيادة سقيمهم، والتيسير على معسرهم، وتفقد أحوالهم.
وفي الوسائل الحديثة عون على الطاعة بأداء هذه العبادة، ففي الهاتف امتداد جسر العطف والمحبة، وفي المراسلة بقاء الود، وفي تبليغ السلام تجديد العهد. وكل وسيلة مباحة لتقوية أوَّار ذوي القربى اغتنمها في أداء تلك العبادة. ودعوة أقاربك وتوجيههم وإرشادهم ونصحهم ألزم من غيرهم قال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
• أقاربي يسيئون إلي:
الأقارب ليسوا سواء في الصلة والمودة والرحمة، وصلة الأرحام عبادة عظيمة لا تفعل لفعل الناس لها، ولا تترك لترك الأرحام لها، بل المسلم واصل لرحمه ولو قطعوه أداء للعبادة، يصلهم لا مكافأة وإنما تعبداً لله جل وعلا، يقول ﵊: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها» (رواه البخاري).
وأقارب النبي ﷺ المشركون آذوه أذية شديدة، ومع ذلك كان يصلهم ويقول: «غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها» رواه مسلم، والله يقول له مع محاربتهم له: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].
стр. 33
وإذا أساء إليك القريب فأحسن إليه، وهذا هو الدواء الشرعي فالمسيء تقابل سيئته بالحسنة، وفي هذا الصنيع علو ورفعة عند الله، وعزة عند خلقه بإلجام النفس عن قبائحها، يقول : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
ولا يوفق لهذه الخلة إلا من أرخص نفسه في جنب الله. وثمة خير آخر من الإحسان إليهم مقابل إساءتهم وهو كظم الغيظ، وذلك من صفات أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]. وفي مقابلة إساءتهم بالإساءة هجر لعبادة صلة ذوي القربى، وتأجيج للقطيعة، ووقوع في حبائل الشيطان وشراكه.
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال ﵊: «لأن كان كما تقول فكأنما تسفهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» (رواه مسلم).
стр. 34
المحافظة على الوقت
الأيام أجزاء من العمر ومراحل من الطريق، تفنى يوماً بعد يوم، ومضيها استنفاد للأعمار واستكمال للآثار وقرب من الآجال، وغلق لخزائن الأعمال، والشاب الحاذق يغتنم زهرة شبابه في حفظ القرآن والمتون وحضور دروس العلماء وقراءة الكتب والعبادة عملاً بوصية النبي ﷺ لابن عباس: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (رواه ابن ماجه). وما نبغ من نبغ من العلماء إلا بمحافظتهم على أعمارهم بحفظ زمانهم، وصحبة صالحة أعانتهم على طاعة ربهم.
стр. 35
فضل العلم
العلم أفضل مكتسب، وأشرف منتسب، وأنفس ذخيرة تقتنى، وأطيب ثمرة تجنى، وما اكتسب مكتسب مثل علم يهدي صاحبه إلى هدى أو يرده عن ردى، يقول سفيان بن عيينة: "من طلب العلم فقد بايع الله".
وهو ميراث النبوة كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]. ومن أورثه الله علم الكتاب والسنة فقد اصطفاه، يقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» (رواه البخاري).
طلب العلم والاستزادة منه شرف لا يضاهى، وفضل لا يحد، ثمراته معجلة، وقطوفه دانية، طالبه منظوم في سلك العظماء ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
ولا أنفع بإذن الله للعبد من التحصن بعلم الشريعة.
سلوك طريقه توفيق للخلود في الجنان، الخلق عنه راضون، ولصنيعه مستغفرون، والملائكة لمجالسة أهله راغبون.
العقلاء على تعظيم العلم والحث على تحصيله، وقد رفع الله بالعلم أقواماً فجعلهم في الخير قادة، فكم من وضيع رفعه العلم إلى مصاف الشرفاء، وكم من حقير عند الناس نظمه العلم في سلك العظماء.
стр. 36
تحب الملائكة مجالسة أهله، وبأجنحتها تحفهم، ومن في السموات ومن في الأرض مستغفر لهم، يقول النبي ﷺ : «من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاءً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (رواه أبو داود والترمذي).
• فوائد العلم:
العلوم النافعة تصلح العقائد، وتزكي النفوس، وتهذب الأخلاق، وتكون بها الأعمال الصالحة مثمرة الخيرات، والعلم هو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، ومنار سبيل الجنة، وهو عبادة جليلة من أجل العبادات، يقول بشر الحافي: "لا أعلم على وجه الأرض عملاً أفضل من طلب العلم" من غرس العلم اجتنى النباهة، ومن غرس الوقار اجتنى المهابة.
قال ابن حزم (١): "لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به الوساوس المضنية، ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم، وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس لكان ذلك أعظم داع إليه، فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره".
• آداب طالب العلم:
إذا جلست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وليكن سؤالك تفقهاً لا تعنتاً. قال لقمان: "يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل المطر".
стр. 37
وعليك بتبجيل العلماء وأهل الفضل والإيمان وإذا تعلم الإنسان وحصل قدراً من العلم، فليعلم أنه قليل بجانب ما جهل، فلا يدخله العجب، والعلم لا ينال إلا بالتواضع وإلقاء السمع، فاحترم معلمك وجل قدره بالتأدب معه في الحديث والاستماع والهيئة. وسوء الأدب معه مروق من صفات المروءات والأعراف وزيغ عن سير الأسلاف يقول الربيع: "والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له".
واشكر معلمك على إرشاده وإخلاصه لحالك، فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، ومن مودة المتعلم بمعلمه الاعتذار له ونسب العتب للنفس. وأحسن إليه في الخطاب وتلطف في السؤال والجواب. واحذر المباهاة والمماراة، واصغ إلى حديث معلمك ولا تنثن عن الاستفهام فيما أشكل عليك من علوم الشريعة فالسؤال عن الدين شرف، والإعراض عن السؤال والبقاء على الجهل مهانة. تقول عائشة ﵂: "رحم الله نساء الأنصار لم يكن الحياء يمنعهن أن يتفقهن في الدين".
• الأقران:
الخصال الصالحة من البر لا تحيا إلا بالموافقين في الطباع، ومن أخص الصفات في الصاحب أن يكون ذا فضل في الرأي، وثقة في المودة، وأمانة في السر، ووفاء بالإخاء. ولا تلزم سوى الصالحين فنعم العون هم على أمور الدنيا والدين.
ومن سمات المسلم أن لا يحسد أحداً من أقرانه على ما منحه الله من نعم من حفظ أو فهم أو إدراك أو بدو علامات نفعه للمسلمين، ويحفظه في غيبته فلا يؤذيه، ولا يهتك عرضه بالنميمة والبهتان.
وقد كان السلف يعظم أحدهم قرينه ويبجله مع سلامة قلبه له والثناء عليه في غيبته، ولقد كان ابن كثير وابن القيم كلاهما أقران وهما من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر إلى تعظيم ابن كثير لقرينه ابن القيم
стр. 38
وهو يترجم له، يقول عنه (١): "كان حسن القراءة والخلق وكثير التودد لا يحسد أحدا، وكنت من أصحب الناس له وأحب الناس إليه". اهـ.
فبسلامة الصدر والمحبة في الله نفع أمثال هؤلاء المسلمين. فصاحب المجدين المتيقظين للزمان، وجانب المجالسة الخاوية، واقرأ سير الأفذاذ واستزد من المعرفة بعلوم الشريعة، واغتنم حياتك النفسية واحتفظ بأوقاتك العزيزة، وحث رفقاءك على تحصيل العلم، وانصح لهم في الدين، ولا تحسد ذا نعمة على نعمته بالحفظ والفهم، وسل المنعم التوفيق دوماً، فالعون من الوهاب لا بالركون إلى الأسباب.
• عثرات طلب العلم:
العوائق والآفات عثرات أمام مواصلة سير الطلب، فالحفظ والمدارسة لا تحمدان بحضرة الشواغل والصوارف.
وفي الملهيات الحضارية المحذورة، والمحطات الفضائية، إشغال للأفكار وعيش في الأوهام، وهدر للأوقات، وفي مجانبتها صيانة للدين وصفاء الأذهان وحفظ الأزمان ومسابقة الأقران، فنزه سمعك وبصرك عما يلوث فكرك ويسيء إلى سلوكك، ويفسد أخلاقياتك، وآفة العلم الإعجاب، وحليته الحلم والتواضع، والسعيد من عرف الطريق إلى ربه وسلكه قاصداً الوصول إليه، والمحروم من عرف الطريق ثم أعرض عنه.
• هل في طلب العلم مشقة ؟
طلب العلم شاق، ولكن له لذة ومتعة، والعلم لا ينال إلا على جسر من التعب والمشقة، ومن لم يتحمل ذل العلم ساعة يتجرع كأس الجهل أبدا.
стр. 39
والعلم والعمل لا مناص من الصبر عليهما، والصابر موعود بالجنان: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]، ولا ينال العلم إلا بالصبر على المكاره، وبذل النفوس في طلبه والتفاني فيه، قال ابن الجوزي (١): "ولقد كنت في حلاوة طلب العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبى آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت اللقمة شربت عليها وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم".
وقال ابن كثير عن نفسه وهو يؤلف كتاب جامع المسانيد: "لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص (٢) حتى ذهب بصري معه" (٣).
ويقول أبو حاتم الرازي: "أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ (٤)، ثم تركت العدد بعد ذلك، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً، ثم إلى الرملة ماشياً، ثم إلى دمشق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى طرسوس، ثم رجعت إلى حمص، ثم منها إلى الرقة، ثم ركبت إلى العراق، كل هذا وأنا ابن عشرين سنة" (٥).
وبالنظر إلى عواقب الأمر يهون الصبر عن كل ما تشتهي وتكره.
ومن أنفق عصر الشباب في العلم، فإنه في زمن الشيخوخة يحمد ما جنى من غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئاً بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم. قيل للإمام أحمد: "متى الراحة؟ قال: عند وضع أول قدم في الجنة". والله معك على قدر صدق الطلب وقوة اللجأ وخلع الحول والقوة.
стр. 40
• الغربة في طلب العلم:
البعد عن الأهل والأوطان يظهر مناصع الرجال وكريم الخلال، وفي الغربة دربة على مشقة الحياة وضيق الابتلاء، وهو مدرسة للشموخ في العلم، ودرس في أن الحياة قد لا يدوم فيها الرخاء والترف، وفي الغربة انطلاقة لطالب العلم في عدم الاعتماد على الأهل، وأن الحياة لا تدوم على حال، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي في ديوانه:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
وقال أيضاً:
ما في المقام لذي عقل وذي أدب ... من راحة فدع الأوطان واغترب
سافر تجد عوضاً عمن تفارقه ... وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
إني رأيت وقوف الماء يفسده ... إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الأرض ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة ... لملها الناس من عجم ومن عرب