← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17074

خطوات إلى السعادة

عبد المحسن القاسم

Полный текст (130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تحب الملائكة مجالسة أهله، وبأجنحتها تحفهم، ومن في السموات ومن في الأرض مستغفر لهم، يقول النبي ﷺ : «من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاءً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» (رواه أبو داود والترمذي). • فوائد العلم: العلوم النافعة تصلح العقائد، وتزكي النفوس، وتهذب الأخلاق، وتكون بها الأعمال الصالحة مثمرة الخيرات، والعلم هو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، ومنار سبيل الجنة، وهو عبادة جليلة من أجل العبادات، يقول بشر الحافي: "لا أعلم على وجه الأرض عملاً أفضل من طلب العلم" من غرس العلم اجتنى النباهة، ومن غرس الوقار اجتنى المهابة. قال ابن حزم (١): "لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به الوساوس المضنية، ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم، وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس لكان ذلك أعظم داع إليه، فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره". • آداب طالب العلم: إذا جلست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وليكن سؤالك تفقهاً لا تعنتاً. قال لقمان: "يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل المطر".

стр. 37

وعليك بتبجيل العلماء وأهل الفضل والإيمان وإذا تعلم الإنسان وحصل قدراً من العلم، فليعلم أنه قليل بجانب ما جهل، فلا يدخله العجب، والعلم لا ينال إلا بالتواضع وإلقاء السمع، فاحترم معلمك وجل قدره بالتأدب معه في الحديث والاستماع والهيئة. وسوء الأدب معه مروق من صفات المروءات والأعراف وزيغ عن سير الأسلاف يقول الربيع: "والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له". واشكر معلمك على إرشاده وإخلاصه لحالك، فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، ومن مودة المتعلم بمعلمه الاعتذار له ونسب العتب للنفس. وأحسن إليه في الخطاب وتلطف في السؤال والجواب. واحذر المباهاة والمماراة، واصغ إلى حديث معلمك ولا تنثن عن الاستفهام فيما أشكل عليك من علوم الشريعة فالسؤال عن الدين شرف، والإعراض عن السؤال والبقاء على الجهل مهانة. تقول عائشة ﵂: "رحم الله نساء الأنصار لم يكن الحياء يمنعهن أن يتفقهن في الدين". • الأقران: الخصال الصالحة من البر لا تحيا إلا بالموافقين في الطباع، ومن أخص الصفات في الصاحب أن يكون ذا فضل في الرأي، وثقة في المودة، وأمانة في السر، ووفاء بالإخاء. ولا تلزم سوى الصالحين فنعم العون هم على أمور الدنيا والدين. ومن سمات المسلم أن لا يحسد أحداً من أقرانه على ما منحه الله من نعم من حفظ أو فهم أو إدراك أو بدو علامات نفعه للمسلمين، ويحفظه في غيبته فلا يؤذيه، ولا يهتك عرضه بالنميمة والبهتان. وقد كان السلف يعظم أحدهم قرينه ويبجله مع سلامة قلبه له والثناء عليه في غيبته، ولقد كان ابن كثير وابن القيم كلاهما أقران وهما من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر إلى تعظيم ابن كثير لقرينه ابن القيم

стр. 38

وهو يترجم له، يقول عنه (١): "كان حسن القراءة والخلق وكثير التودد لا يحسد أحدا، وكنت من أصحب الناس له وأحب الناس إليه". اهـ. فبسلامة الصدر والمحبة في الله نفع أمثال هؤلاء المسلمين. فصاحب المجدين المتيقظين للزمان، وجانب المجالسة الخاوية، واقرأ سير الأفذاذ واستزد من المعرفة بعلوم الشريعة، واغتنم حياتك النفسية واحتفظ بأوقاتك العزيزة، وحث رفقاءك على تحصيل العلم، وانصح لهم في الدين، ولا تحسد ذا نعمة على نعمته بالحفظ والفهم، وسل المنعم التوفيق دوماً، فالعون من الوهاب لا بالركون إلى الأسباب. • عثرات طلب العلم: العوائق والآفات عثرات أمام مواصلة سير الطلب، فالحفظ والمدارسة لا تحمدان بحضرة الشواغل والصوارف. وفي الملهيات الحضارية المحذورة، والمحطات الفضائية، إشغال للأفكار وعيش في الأوهام، وهدر للأوقات، وفي مجانبتها صيانة للدين وصفاء الأذهان وحفظ الأزمان ومسابقة الأقران، فنزه سمعك وبصرك عما يلوث فكرك ويسيء إلى سلوكك، ويفسد أخلاقياتك، وآفة العلم الإعجاب، وحليته الحلم والتواضع، والسعيد من عرف الطريق إلى ربه وسلكه قاصداً الوصول إليه، والمحروم من عرف الطريق ثم أعرض عنه. • هل في طلب العلم مشقة ؟ طلب العلم شاق، ولكن له لذة ومتعة، والعلم لا ينال إلا على جسر من التعب والمشقة، ومن لم يتحمل ذل العلم ساعة يتجرع كأس الجهل أبدا.

стр. 39

والعلم والعمل لا مناص من الصبر عليهما، والصابر موعود بالجنان: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]، ولا ينال العلم إلا بالصبر على المكاره، وبذل النفوس في طلبه والتفاني فيه، قال ابن الجوزي (١): "ولقد كنت في حلاوة طلب العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبى آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت اللقمة شربت عليها وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم". وقال ابن كثير عن نفسه وهو يؤلف كتاب جامع المسانيد: "لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص (٢) حتى ذهب بصري معه" (٣). ويقول أبو حاتم الرازي: "أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ (٤)، ثم تركت العدد بعد ذلك، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشياً، ثم إلى الرملة ماشياً، ثم إلى دمشق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى طرسوس، ثم رجعت إلى حمص، ثم منها إلى الرقة، ثم ركبت إلى العراق، كل هذا وأنا ابن عشرين سنة" (٥). وبالنظر إلى عواقب الأمر يهون الصبر عن كل ما تشتهي وتكره. ومن أنفق عصر الشباب في العلم، فإنه في زمن الشيخوخة يحمد ما جنى من غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئاً بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم. قيل للإمام أحمد: "متى الراحة؟ قال: عند وضع أول قدم في الجنة". والله معك على قدر صدق الطلب وقوة اللجأ وخلع الحول والقوة.

стр. 40

• الغربة في طلب العلم: البعد عن الأهل والأوطان يظهر مناصع الرجال وكريم الخلال، وفي الغربة دربة على مشقة الحياة وضيق الابتلاء، وهو مدرسة للشموخ في العلم، ودرس في أن الحياة قد لا يدوم فيها الرخاء والترف، وفي الغربة انطلاقة لطالب العلم في عدم الاعتماد على الأهل، وأن الحياة لا تدوم على حال، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي في ديوانه: تغرب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرج هم واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد وقال أيضاً: ما في المقام لذي عقل وذي أدب ... من راحة فدع الأوطان واغترب سافر تجد عوضاً عمن تفارقه ... وانصب فإن لذيذ العيش في النصب إني رأيت وقوف الماء يفسده ... إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب والأسد لولا فراق الأرض ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب والشمس لو وقفت في الفلك دائمة ... لملها الناس من عجم ومن عرب

стр. 41

والبدر لولا أفول منه ما نظرت ... إليه في كل حين عين مرتقب والتبر كالتبر ملقى في أماكنه ... والعود في أرضه نوع من الحطب فإن تغرب هذا عز مطلبه ... وإن تغرب ذاك عز كالذهب وإذا صدق الغريب مع الله شرح الله صدره في غربته، فالنبي ﷺ كان مدخله إلى المدينة مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله فاتصل به التأييد والظفر، وأدرك خيري الدنيا والآخرة بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب، فإنه لم يكن بالله ولا لله، بل كان محادَّةً لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار، وما خرج أحد من بيته إلى بلد آخر إلا يكون بصدق أو كذب فمخرج كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق أو الكذب. والله إذا أراد رفعة عبد كسره أولاً، فإذا لجأ إلى الله وطلب ما عنده وتقرب إليه بالطاعات، رفعه الله بعد ذلك بقدر انكساره لله تعالى. فلا تحزن في الغربة ولا تضجر من كرباتها، فقد لاقى العلماء منها المشقة الضنك، فلم يزدهم ذلك إلا صموداً في طلب العلم حتى حفظ هذا الدين على أعناق أولئك العظام. فسر على ما سار عليه العلماء فأنت في الغربة تخطو خطواتهم، وكن متعلقاً بالله في غربتك، واحفظه بالطاعة ليحفظك ربك ويحفظ أهلك في ديارهم وتأنس في التغرب. • مشقة الغربة: فراق الوطن عزيز على النفس ثقيل على الطباع، ولما أخرج النبي ﷺ من مكة نظر إليها وقال: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (رواه أحمد).

стр. 42

وقد لاقى فحول العلماء في الغربة ما لاقوا، ولم يثنهم ذلك عن مواصلة طلب العلم، فالإمام أحمد لما خرج إلى عبد الرزاق الصنعاني في اليمن، انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه (أي أجرها) على جلالة قدره وعلمه من بعض الحمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئاً (١). ورهن الإمام أحمد نعله عند خباز على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن (٢). وقال الحافظ ابن كثير (٣) ـ وهو يتحدث عن الشدائد التي لقيها الإمام أحمد خلال رحلته إلى اليمن وإقامته فيه لتحصيل العلم والحديث ـ قال: "وسرقت ثيابه وهو باليمن، فجلس في بيته ورد عليه الباب، وفقده أصحابه، فجاؤوا إليه فسألوه، فأخبرهم فعرضوا عليه ذهباً فلم يقبله، ولم يأخذ منهم إلا ديناراً واحداً ليكتب لهم به، ـ أي أخذ الدينار على أن يكون أجرة لما ينسخه لهم من الكتب ـ، فكتب لهم بالأجر ﵀". والإمام البخاري في الغربة لا يجد ما يستر به عورته، وحكى الخطيب البغدادي (٤) في ترجمة الإمام البخاري قال: "قال عمر بن حفص الأشقر إنهم فقدوا البخاري أياماً من كتابة الحديث بالبصرة، قال: فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، وقد نفد ما عنده ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوباً وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث". اهـ. بل كان يأكل من الأرض، وما عنده ما يشتري به طعاماً. يقول الإمام البخاري عن نفسه: "خرجت إلى آدم ابن أبي إياس في عسقلان، فتخلفت عني نفقتي حتى جعلت أتناول حشيش الأرض ولا أخبر بذلك أحداً، فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير، وقال أنفق على نفسك" (٥).

стр. 43

وأبو حاتم يحكي لنا ما قاساه في طلب العلم من الشدة يقول: "في سنة أربع عشرة ـ أي ومائتين ـ بقيت ثمانية أشهر بالبصرة، وكان في نفسي أقيم سنة، فانقطعت نفقتي فجعلت أبيع ثيابي حتى نفدت وبقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي وإلى المشيخة وأسمع إلى المساء، فانصرف رفيقي ورجعت إلى بيتي لجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت فغدا علي رفيقي فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، وانصرفت جائعاً، فلما كان من الغد غدا علي فقال مر بنا إلى المشائخ، قلت أنا ضعيف لا يمكنني، قال ما ضعفك؟ قلت لا أكتمك أمري قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئاً، فقال قد بقي معي دينار، فنصفه لك ونجعل النصف الآخر في الكراء فخرجنا من البصرة وقبضت منه النصف دينار" (١). • الأخوة في الله: كل رابط في الحياة ينقلب في الآخرة إلى عداوة إلا ما كان في ذات الله قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] قال ابن كثير في تفسيره (٢): "أي كل صداقة وصحابة لغير الله تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله فإنه دائم بدوامه". والله يحب المتآخين في ذاته المتوادين على طاعته. يقول النبي ﷺ : «إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال أين تريد؟ قال أريد أخاً لي في هذه القرية. قال هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه». (رواه مسلم). المحبة في الله محبة مأمونة منزوعة المكر، بعيدة عن الخيانة أو الخذلان، لا تخشى فيها الغوائل، متوارية عن المصالح الدنيوية باقية ببقاء الله وهو سبحانه حي لا يموت.

стр. 44

الأخوة في الله عبادة ميسورة ممزوجة بالمتعة والأنس، تزداد بالإيمان والنصح وحفظ السر وإيصال النفع لأخيك وكف الضر عنه. وتصفو مودتها بصدق الحديث ونبذ الحسد ومجانبة المكر أو النكاية. آية صدقها الوفاء والأمانة والهدية. قال ﵊: «تهادوا تحابوا». (رواه البخاري في الأدب المفرد). كمال الإيمان مقيد بها، قال ﵊: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم». (رواه مسلم). حقيقتها جسد واحد تعدد فيه القلوب قال ﵊: «المؤمنون كرجل واحد» رواه مسلم وقال ﵊: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (متفق عليه). وإذا كان المؤمنون إخوة أمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها، ونهوا عما يوجب تنافر القلوب واختلافها. • حضور دروس العلماء: حضور دروس العلماء عبادة جليلة، ففي دروسهم زيادة إيمان ومجالسة للصالحين، وتعلو وجوههم خشية الله ومراقبته، والنصح للأمة، وتنتفع بمجالسة العالم الشفقة على الضعفاء ومواساة الفقراء، في درسهم سمت العلماء، وفي حديثهم الصدق وعلى جوارحهم أمارة نقاء السريرة وكثرة العبادة، وحفظ دائم لزمان دهرهم، حسن في التعامل في أفعالهم، حلم الشيوخ وحكمة العقلاء، ومع أقرانهم وفاء الصديق وحفظ الود، ومع الغريب إكرام الضيف، مجالسهم تذكير بسير الأفذاذ من الأسلاف، شحذ دائم لأمور الآخرة، في دروسهم يلتقط الناشئ ما في صدورهم من لباب الكتب، حفظوا أحسن ما قرؤوا، وأظهروا زهرة ما حفظوا، في حلقاتهم تصحيح لألفاظ ما في بطون الكتب، وإرشاد لخير ما يقرأ وخلاصة ما يحفظ، في القرب منهم إيضاح لفهوم مسطور فحول العلماء، في دروسهم خيرات متناثرة وثمرات

стр. 45

يانعة، فكن أقرب الناس إليهم وإلى دروسهم ترتشف من معين علومهم وأخلاقهم. • احترام العلماء: العلماء هم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، يقول سلمان الفارسي ﵁: "مثل المعلم كمثل رجل عمل سراجاً في طريق مظلم يستضيء به من مر به". ومن تعظيم الشريعة والدين تعظيم العلماء، فهم خلف أنبياء الله في دعوتهم، قال ﵊: «العلماء ورثة الأنبياء» رواه أحمد. وقد سار الأسلاف على تبجيل العلماء وتوقيرهم. يقول الربيع بن سليمان: "ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له". سؤالهم علم، ومجالستهم سعادة، ومخالطتهم تقويم للسلوك، وملازمتهم حفظ للشباب بإذن الله من الزلل. يقول أبو الدرداء ﵁: "من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم". ثمرة مجالسة العلماء ليست في التزود من العلوم والمعارف فحسب، بل بالإقتداء في الهدي والسمت وعلو الهمة ونفع الآخرين. يقول ميمون بن مهران: "وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء" وبُعد ناشئة المسلمين عن العلماء يفضي إلى تخبط في طلب العلم، وإعجاب بالرأي، وسبب في الفرقة وقلة في التعبد، يقول الشعبي ﵀: "جالسوا العلماء فإنكم إن أحسنتم حمدوكم، وإن أسأتم تأولوا لكم وعذروكم، وإن أخطأتم لم يعنفوكم، وإن جهلتم علموكم، وإن شهدوا لكم نفعوكم" فجالس العلماء بأدب وتواضع في نفسك وتلطف معهم في السؤال وليكن حديثك معهم بأحسن المقال. • عدم استعجال قطف الثمرة: لا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي، وداوِ بدواء الإخلاص عليل العمل القليل.

стр. 46

فإذا شرعت في طلب العلم فلا تقرأ كتب المطولات والخلافيات وأنت في أول الطلب، وإذا بدأت في حفظ المتون فلا تحفظ متناً يحفظه السابقون في أشهر تحفظه أنت في أيام، وكانت طريقة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ مع طلابه: يحفظون ثلاثة أبيات من ألفية ابن مالك كل يوم فقط، وثلاثة أحاديث من بلوغ المرام، وثلاثة أسطر من زاد المستقنع، فينتهون من الزاد كل ثلاث سنوات مرة، وبهذه الطريقة المتأنية المتقنة خرج العلماء الراسخون. والعلماء يمكثون في بعض مصنفاتهم عدد سنين يقول ابن حزم (١): "أنفقت في ذلك أكثر عمري" وهو ثمانون صفحة فقط. وابن حجر مكث في تصنيف "فتح الباري شرح صحيح البخاري" خمسة وعشرين عاماً. والداعية لا يتطلع إلى ثمرة دعوته بكثرة المستجيبين، بل عمله مقصور على البيان والدعوة، وليست له الهداية وتحويل القلوب، يقول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩]. فأنت بلغ وربك المسدد ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] كم سعى النبي ﷺ إلى إسلام عمه أبي طالب فلم يحصل له ما أراد ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. ومن الأنبياء من اجتهد في دعوة قومه سنين عدداً فلم يستجيبوا له، يقول النبي ﷺ : «عرضت علي الأمم فرأيت النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد». (رواه البخاري). فاعمل صالحاً بإخلاص ولا تتطلع إلى ثمرة العمل.

стр. 47

• العمل بالعلم: العلوم ما وضعت إلا لتهدي إلى العلم النافع، وليس العلم أن تعرف المجهول ولكن أن تستفيد من معرفته، والعلم النافع حقاً هو الذي يرى أثره على صاحبه نوراً في الوجه، وخشية في القلب واستقامة في السلوك، وصدقاً مع الله، وصدقاً مع النفس والناس، والله جعل العمل الصالح مع الإيمان قيداً في دخول الجنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] فذكر العمل الصالح مع الإيمان. والله ذم بني إسرائيل على عدم انتفاعهم بالعلم فقال سبحانه عنهم: ﴿وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية: ١٧] وذم النصارى ووصفهم بالضلالة لجهلهم وعبادتهم ربهم بغير علم. والعامل بعلمه يخرج من بين الطائفتين الملومتين اليهود والنصارى، والعمل بالعلم ليس في جانب العبادات المحضة فحسب، بل حتى في المعاملات مع الخلق، فصدق الحديث، والوفاء بالوعد، والإحسان إلى الجار، وصلة الرحم، والعفو عن الآخرين، كل ذلك عمل بالعلم. يقول ابن القيم (١) عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان بعض أصحابه الأكابر يقول وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا الكلام، فسروا به ودعوا له وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه". اهـ هكذا العلم يهذب النفوس ويعلو على الهوى ويغلب الشهوات، وبهذا جاءت الشريعة.

стр. 48

• هل أتزوج وأنا أطلب العلم ؟ الزوجة هي المأوى الذي هيأه الله للرجل يستقر فيه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] فذكر جل وعلا بأن الزوجة سكن ووصفها بأنها لباس قال سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأيهما أفضل للشاب أن يكون له لباس يلتحف به وسكن يأوي إليه أم يبقى عرياناً وحيداً بلا مسكن؟!! والزواج للشاب أجمع للذهن، وأدعى للرجولة، وأمكن في المجتمع، فالزوجة عون على طلب العلم، ورافد في متاعب الحياة فلا تتردد أيها الشاب في العزم على دخول بوابة الزواج متفائلاً بالسعادة. • ما هي مواصفات الزوجة التي أختارها ؟ صفات المرأة الباطنة وحسن معشرها لا تظهر على حقيقتها إلا بعد الزواج، فكم من امرأة أثني عليها في خلالها ثم تبين ضد ذلك، والإسلام وجه طالب النكاح إلى اختيار المرأة ذات الدين التي تحقق له مقاصد الزواج الشرعية، يقول ﵊: «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك». (متفق عليه). وشرط الدين في المرأة اجعله أساساً في الخطبة، وكذا علو خلقها ورقي تعاملها وحسن بشاشتها، فبهاء منظرها مع دينها وخلقها من كمال صفاتها. وإذا اجتمع في المرأة دين ومال وحسب وجمال، فتلك خلال أربع إن اجتمعت في امرأة فاظفر بها، ولا تقدم شرط الجمال على الدين، يقول ﵊: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة». (رواه مسلم). وقبل الخطبة اجعل الأناة مطيتك، والسؤال عن خلق والديها أصل في علو خلق زوجتك فالخلل من أحدهما قد يظهر الصدع عليها.

стр. 49

• أبي يمنعني من الزواج: السمة الغالبة على المجتمعات تقليد بعضها بعضا، وهذا من الخطأ، ودين الإسلام له أصول ثابتة ودعائم قائمة، فلسنا بحاجة إلى تقليد غيرنا، وديننا حثنا على تزويج الشباب وكذا الشابات، لما يترتب على ذلك من مصالح ظاهرة ولما يندرئ بها من محاذير واقعة، والخالق للخلق أعلم بهم، وفي الإسلام قول نبينا ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإن أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». (متفق عليه). ولو كان في زواج الشاب وهو حديث السن مفسدة لما حث الشرع المطهر على زواج الشاب، والقاعدة الشرعية المقررة أن "كل أَمْرٍ أمرَ الله به فهو يحبه ويرضاه"، فإذا كان الله يحب زواج الشاب والشابة فلماذا يتوقف الآباء عن تزوجيهم، وفي المجتمع ويلات يئن منها، سببها تأخير سن الزواج، وفي النكاح يتحقق العفاف والإحصان والصلاح.

стр. 50

الدعوة إلى الله خير الأعمال وأبرها عند الله الدعوة إليه سبحانه، وقول الداعية أحسن الأقوال في ميزان الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] وهي طريقة الأنبياء وأتباعهم قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. وكل عمل يقوم به المهتدي على يديك لك فيه نصيب يقول ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». رواه مسلم. والدعوة إلى الله من الأسس التي قام عليها هذا الدين، وهي سبيل النجاة، وربنا ذكر أن الإنسان خاسر إلا إذا أدى حقوقاً أربعة هي: الإيمان بالله، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والصبر على ذلك. وقد ذكرها الله في سورة كاملة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. فادع إلى الله بحكمة وأناة وموعظة حسنة, ولا تتردد في دعوة الآخرين، فإن رأيت تكاسلاً من أحد إلى الصلاة فإرشاده إلى أدائها دعوة، وتذكير العاق لوالديه بوبال العقوق إرشاد، وموعظة قاطع الرحم نصيحة.

стр. 51

• أحب الدعوة ولكني لست بليغاً فماذا أفعل ؟ البلاغة والفصاحة والبيان ليست شرطاً في الدعوة إلى الله، فكليم الرحمن موسى ثقل لسانه عن البيان وسأل الله سبحانه بقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧] وعدوه فرعون أبين منه في الكلام لذا أخبر الله عن فرعون أنه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أي لا يحسن الكلام والبيان. ومع عدم فصاحة موسى وبيانه إلا أن أمته أصبحت أكثر الأمم أتباعاً بعد أمة محمد ﷺ فبلغ بما أوتيته من علم وفصاحة على قدر الجهد والطاقة ولا يكن حياؤك مانعاً لك عن تبليغ الخير لغيرك. والدعوة إلى الله ليست مقتصرة على موعظة على منبر أو نصيحة في محفل، بل إن الدعوة إليه متنوعة، فالإنكار على الفرد على خلوة به دعوة، ودعم سبل الخير بالمال فضيلة، وتسهيل طرق الدعوة دعوة، وبهذا يصبح المجتمع على اختلاف فئاته دعاة إلى الله بالمال والقلم واللسان.

стр. 52

النصيحة الخلق مجبولون على النقص وظهور المعايب، وأصل الدين مبني على النصح للخلق وإخفاء النقائص، قال ﵊: «الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم. وهي من قواعد إصلاح المجتمع، واتصف بها رسل الله ﵈ في دعوتهم لأقوامهم، قال الله عن نوح: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢] وقال الله عن هود: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨] وقال الله عن صالح ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] وكان الصحابة رضوان الله عليهم يبايعون النبي ﷺ عليها، قال جابر بن عبد الله ﵁: "بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" (متفق عليه). والناصح ناصح القلب سليم الصدر حسن السريرة مشفق القلب، وقد علت مرتبة السابقين بها قال أبو بكر بن عياش: "ما فاق أبو بكر ﵁ أصحاب رسول الله بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في قلبه، قال: الذي كان في قلبه الحب لله والنصيحة في خلقه".

стр. 53

وما منح العبد حب إصلاح المجتمع بالنصح إلا شرف قال الفضيل بن عياض: "ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء النفس وسلامة الصدور والنصح للأمة". وهي من أجل الأعمال، سئل ابن المبارك: "أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله"، وما خفي النصيحة في مجتمع إلا ظهرت الغيبة فيه، ولا ينصح لك إلا من أحبك، ولتكن نصيحة المشفق على خفاء. قال ابن رجب (١): "وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سراً حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه" اهـ. وتتعين النصيحة لمن طلب منك النصيحة قال ﵊: «حق المسلم على المسلم ست ـ ذكر منها ـ: وإذا استنصحك فانصح له» (رواه مسلم). ولتكن نصيحتك لأخيك محفوفة بالشفقة والرأفة والمحبة والمودة وكمال النصح بعيدة عن التشفي أو الحسد أو الفضيحة، وكلما كانت محاطة بضوابط الشريعة كانت أبلغ في النفس وأشد في التأثير، وأسرع في التغيير. ولا تتردد عن نصيحة أي شخص ولا تحقره، فقد يغير الله أحواله بكلمات يسيرة ينساها قائلها بعد لحظات، ولكن لصدق قائلها يصبح لها دوي في فؤاد أخيك.

стр. 54

الصبر على المصائب المرء في حياته معرض للفتن والرزايا، والمحن والبلايا، ولا ينصع نور الإيمان ويرسخ اليقين إلا بالتمحيص والمماحلة. والحياة مبنية على المشاق وركوب الأخطار، ولا يطمع أحد أن يخلص من المحنة والألم، ولكن ما بين مقل ومستكثر، قال ابن الجوزي (١): "من يريد أن تدوم له السلامة، والنصر على من يعاديه، والعافية من غير بلاء، فما عرف التكليف ولا فهم التسليم". ولابد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أم كفرت. والقواطع ممن يتبين بها الصادق من الكاذب قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. وما الابتلاء إلا عكس المقاصد وخلاف الأماني، والدنيا لا تصفو لأحد ولو نال منها ما عساه أن ينال. يقول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيراً يصب منه» (رواه البخاري). والمرء يتقلب في زمانه في تحول من النعم واستقبال للمحن.

стр. 55

قال ابن القيم (١): "من خلقه الله للجنة لم تزل تأته المكاره، والمؤمن الحازم يثبت للعظائم، ولا يتغير فؤاده، ولا ينطق بالشكوى لسانه، وكتمان المصائب والأوجاع من شيم النبلاء، وما هلك الهالكون إلا من نفاد الجلد، فخفف المصاب عن نفسك بوعد الأجر وتسهيل الأمر لتذهب المحن بلا شكوى، وتذكر دوماً أنك ما منعت إلا لتعطى، ولا ابتلاك إلا لتعافى، ولا امتحنك إلا لتصفى". • كيف تهون عليَّ المصيبة ؟ يقول ابن الجوزي (٢): "ليس في التكليف أصعب من الصبر في القضاء، ولا فيه أفضل من الرضا به"، ومن تأمل بحر الدنيا، وعلم كيف تتلقى الأمواج، وكيف يصبر على مدافعة الأيام، لم يتهول نزول بلاء، ولم يفرح بعاجل رخاء، فلا تتألم على فوات حظوظ الحياة، وأنزل ما أصابك من ذلك، ثم انقطع منزلة ما لم يصب، وأنزل ما طلبت من ذلك، ثم لم تدركه منزلة ما لم يطلب. يقول ابن القيم (٣): "قال لي شيخ الإسلام مرة: العوارض والمحن هي كالحر والبرد، فإذا علم العبد أنه لابد منهما لم يغضب لورودها، ولم يغتم لذلك ولم يحزن". فطوارق الحياة هموم، والناس فيها معذبون على قدر هممهم بها، الفرح بها وعين المحزون عليه، آلامها متولدة من لذاتها، وأحزانها من أفراحها، يقول أبو الدرداء: "من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها". فأيقن بقدر الله وخلقه وتدبيره، واصبر على بلائه وحكمه، واستسلم

стр. 56

لأمره فالدنيا طافحة بالأنكاد والأكدار، مطبوعة على المشاق والأهوال. قال ابن مفلح (١): "وكان شيخ الإسلام كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: بينا يرى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذار والأكدار وكن مؤمناً بالأقدار، فالإيمان بها ركن من أركان الدين، وليس كل ما يتمنى يدرك، وبالإلحاح في الدعاء والتوجه إلى الله بالكلية، تفتح الأبواب ويتحقق المرغوب، وأجمع اليأس مما في أيدي الناس تكن أغناهم ولا تقنط فتخذل، وتذكر كثرة نعم الله عليك، وادفع الحزن بالرضا بمحتوم القضاء، فطول الليل وإن تناهى فالصبح له انفلاج، وآخر الهم أول الفرج، واضرع إلى الله يزهو نحوك الفرج، وما تجرع كأس الصبر معتصم بالله إلا أتاه المخرج. • الأنبياء والابتلاء: بالابتلاء يُرفع شأن الأخيار، ويعظم أجر الأبرار، يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة، زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء في المؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة» (رواه البخاري). وطريق الابتلاء مَعْبر شاق، تعب فيه آدم، ورمي فيه في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وأُلقي في بطن الحوت يونس، وقاسى الضر

стр. 57

أيوب، وبيع بثمن بخس يوسف، وألقي في الجب إفكاً وفي السجن ظلماً، وعالج أنواع الأذى نبينا محمد ﷺ . وأنت على سنة الابتلاء سائر، والمؤمن يبتلى ليهذب لا ليعذب، والمصيبة حقاً إنما هي المصيبة في الدين، وما سواها من المصائب فهي عافية، فيها رفع الدرجات وحط السيئات، فلا تأس على ما فاتك من الدنيا، فنوازلها أحداث، وأحاديثها غموم، وطوارقها هموم، فالأنبياء لما ابتلوا صبروا، فاصبر أيها المبتلى كما صبر صفوة البشر عليهم الصلاة والسلام لعل الله أن يحشرك معهم في الآخر.

стр. 58

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الشريعة، ومن أوجب قواعد الدين، وهو حصن الإسلام المنيع، يحجز عن الأمة الفتن وشرور المعاصي، ويحمي المسلمين من نزوات الشيطان ونزغات الهوى، وهو البناء المتين الذي تتماسك به عرى الدين، يحفظ العقائد والسلوك والأخلاق، ويدرأ المحن والرذائل، في القيام به صلاح الأمم، وحفظ النعم وحلول الأمن وإجابة الدعاء وصرف كيد الأعداء مع رفع الدرجات، والإحسان إلى الخلق، به تنمو في المجتمعات الآداب والفضائل، وتختفي المنكرات والرذائل. • مكانة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: أعلى الناس قدراً وأرفعهم شرفاً من أصلح نفسه، ثم امتن بالإصلاح والخير إلى غيره، وهو من أخص صفات نبينا محمد ﷺ ، قال جل وعلا: ﴿يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهذه الخلة جعلت هذه الأمة غرة في جبين الأمم، وتاجاً على علو هامها بينهم، وقد مدح الله المؤمنين القائمين بتلك الشعيرة فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 59

وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] وجعل تركه من أبرز صفات المنافقين، فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] القائم به متصدق بلا مال، قال ﵊: «وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة». (رواه مسلم). وهو عبادة جليلة يقوم بها العبد لتُمحى عنه ذنوبه وتُكفر عنه خطاياه، قال ﷺ : «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره تكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (رواه البخاري). • أضرار ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الشخص: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة المخلوقين نُزع منه الطاعة، وزالت عنه المهابة، فاحذر المداهنة، فهي باب من الذل والهوان عريض، ولا تأسف على من قلاك، ولا من فارقك لأمرك أو نهيك له، واقطع أطماعك من الخلق، وثق بكفاية رب الخلق، والقيام بهذه الشعيرة لا يقطع رزقاً ولا يقرب أجلاً، وترك هذه الشعيرة إيذان بسخط الله على الخلق، قال علي بن أبي طالب ﵁: "من لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر، نُكس، فجعل أعلاه أسفله". ومن ترك هذه العبادة استخف به أهل العصيان. وسلط الله عليه من يأمره وينهاه بما يضاد الشريعة. • هل أنكر المنكر وأنا أفعل المعصية ؟ ترك الذنب ليس شرطاً في الناهي، بل ينهى العصاة بعضهم بعضا، ويلزم المسلم الأمر بالمعروف وإن لم يمتثله، ويلزمه النهي عن المنكر وإن ارتكبه، وتبقى ثلمة مخالفة الفعل القول.

стр. 60

يقول أبو الدرداء: "إني لآمركم بالمعروف وما أفعله، ولكن لعل الله يأجرني فيه" (١). فمن كان يستمع إلى الأغاني إذا رأى رجلاً يستمع إليها، يجب عليه أن ينكر عليه سماعه لذلك المحرم وإن كان هو يستمع إلى الأغاني، فإذا سكت عن المنكر جمع محرمين: الأول: استماعه للأغاني، والثاني: السكوت عن ذلك المنكر وعدم إنكاره. ومن رأى ذا منكر ولم ينهه فقد أعانه عليه بالتخلية بينه وبين معصيته، والسكوت عن الذنب تزيين للمعصية في الصدور، ومجانبة المنكر من مقتضيات إنكار المنكر في القلب. • كيف أنكر المنكر ؟ المنكر ينقسم إنكاره إلى ثلاث درجات: الدرجة الأولى: الإنكار باليد، وذلك حال القدرة على إزالته كالزوج في داره يزيل المنكر. الدرجة الثانية: الإنكار باللسان، وذلك في حال تعذر الإنكار باليد، كمن يرى امرأة متبرجة في الأسواق فهذا ينكر عليها باللسان بالحكمة. الدرجة الثالثة: الإنكار بالقلب، وذلك في حال تعذر الإنكار باليد واللسان، وهذه أضعف درجات الإنكار. وإنكار الخطيئة بالقلب فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في حال من الأحوال. يقول ﵊: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». (رواه مسلم).

стр. 61

قال ابن رجب (١): "إنكاره بالقلب لابد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه". قال شيخ الإسلام: "القلب إذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه الله لم يكن فيه من الإيمان الذي يستحق به الثواب. وقوله من الإيمان أي من هذا الإيمان وهو الإيمان المطلق أي ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان ولا قدر حبة خردل، والمعنى هذا آخر حدود الإيمان ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء" (٢). والمنكر يُزال بالحكمة، والاستطاعة، عدم الوقوع في منكر أو مفسدة أعظم منه. • لا تيأس من نصح صاحب المنكر: أطرق باب قلب العاصي مراراً فلا تعلم متى يفتح الله قلبه على يديك، فنوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعو قومه غير يائس من دعوتهم، فمتى رأيت ذا منكر على معصية فبادره بالنصيحة بحكمة ولين ولا ترجئ النصيحة، فقد يلقى المقصر ربه وهو على معصية وأنت لم تبد له النصح فتتحسر على تقصيرك. • لا تنظر إلى إزالة المنكر: اعلم أنه ليس في كل أمر أو نهي تقوم به يجب معه زوال المحذور أو أداء الواجب، فزمام الاستقامة بيد الهادي جل وعلا، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] فالمنكر قد يزول بالإنكار، وقد لا يزول، ولا تجعل نصب عينيك وأنت تقيم هذه الشعيرة إزالة المنكر فإن لم يزل تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن هذا من الخطأ.

стр. 62

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُقام لثمرات عديدة وإن لم يزل المنكر، فمنها أن المسلم يؤدي بتلك الشعيرة عبادة جليلة هي من أجل العبادات وبأدائها يتقرب العبد إلى ربه ويكون المرء متصفاً بصفة من صفات المؤمنين قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] وبإقامتها سبب تكفير الذنوب والخطايا، وحفظ النعم، ومنع العذاب من السماء، وبها يُدفع عن المجتمع شر أعظم من المنكر الواقع، وهي وسيلة من وسائل إصلاح المجتمع والحفاظ على حصن الإسلام، وبها تُحجز الأمة عن الفتن وتُحمى من الشبهات والشهوات وإحسان عظيم للخلق، كل ذلك وغيره من فوائد إنكار المنكر، فإن زال المنكر بالإنكار فهذه نعمة كبرى، وإن لم يزل المنكر فقد جنى العبد بإقامة تلك الشعيرة مصالح عديدة تعود على الفرد والمجتمع بالخيرات ووفور النعم، وهذا من مقاصد الشريعة. وقد بين ابن رجب (١) مقاصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: "واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يُحمل عليه رجاء ثوابه، وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، وتارة يُحمل عليه إجلال الله وإعظامه ومحبته، وأنه أهل أن يُطاع فلا يُعصى ويُذكر فلا يُنسى ويُشكر فلا يُكفر". • الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يؤذى فماذا يفعل ؟ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر معرض للأذى، فمن أقامه فلا يستوحش من سلوك طريقه فهو عبادة أداؤها ثمرة من ثمار الإيمان، وليجعل له من الصبر حصناً مكيناً واثقاً بالثواب مما يتلقى من المشاق.

стр. 63

قال ابن كثير (١): "الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لابد أن يناله من الناس أذى فأمر بالصبر". ومن وصايا لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٧١] فأمره لابنه بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشارة إلى إيذاء من أدى تلك الشعيرة. وإياك وأهل التخذيل أو الركون إلى الضعف، وقف مع البلاء بالإيمان والتوكل، واصبر واحتسب وواصل الجهد، وخاطب الناس على ضوء قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 64

الصبر على المستهزئين الهداية منحة من الكريم لا تسدى لكل أحد، وسنة الله في هذه الحياة ابتلاء من تمسك بهذا الدين لتمحيص الصادق في الاستقامة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] ورسل الله سَخِر أقوامهم منهم قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]. وأخبر جلَّ وعلا أن كل رسول يُبعث يُبهت بالسحر، ويُرمى بالجنون سخرية منه قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] والصحابة سَخر منهم قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣٠ - ٣١]. فالسخرية سنة جارية، فمن استهزأ باستقامتك أو إرخاء لحيتك أو لُبس السُّنة في ملبسك فلا تحزن، فإن دافعه الهوى أو الجهل، والساخر في عمق نفسه يتمنى الهداية ولكنه لا يملكها، قال سبحانه عن أهل الضلالة: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] بل ويعلم أن الحق هو ما سلكته قال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]. ومن سخر بك فالزم ما لزمه الأنبياء من الصبر والعفو والحلم والأناة والإعراض عمن آذاك، قال سبحانه لنبيه ﷺ :

стр. 65

﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقال جل وعلا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] فأمر الله بالعفو والصفح وقال جلَّ وعلا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وإذا سخر بك فافرح فتلك بشرى صدق استقامتك ورفعة لك، فقد رُميت بأعلى المراتب، فالزم الصبر ولا تحبط العمل بالجزع أو الهلع على تمسكك بهذا الدين.

стр. 66

الدعاء الدعاء سمة العبودية، وروضة القلب، وجنة الدنيا، عبادة ميسورة مطلقة غير مقيدة بمكان ولا زمان ولا حال، هو عدو البلاء يُدافعه ويُعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يُخففه إذا نزل، يقول عمر بن الخطاب ﵁: "أنا لا أحمل همَّ الإجابة فإذا ألهمت الدعاء فإن معه الإجابة"، الدعاء بإذن الله يكشف البلايا والمصائب، ويمنع وقوع العذاب والهلاك، وهو سلاح المؤمن، لا شيء من الأسباب أنفع ولا أبلغ في حصول المطلوب منه، ما استُجلبت النعم ولا استُدفعت النقم بمثله، به تُفرج الهموم وتزول الغموم، كفاه شرفاً قرب الله من عبده حال الدعاء ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وأعجز الناس من عجز عن الدعاء. بالدعاء تسمو النفس، وتعلو الهمم، ويقطع الطمع عما في أيدي الخلق، هو سهام الليل يطلقه القانتون، وهو حبل ممدود بين السماء والأرض، فالجأ إلى الله في الطلب والتحصيل، وافزع إليه وحده في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه، والأرزاق خزائن ومفاتيحها السؤال، وثق بأن خزائن الله ملأى ويديه سحَّاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة، فادع وربك الأكرم، وألق نفسك بين يديه، وسلم الأمر كله إليه، واعزم المسألة، وعظِّم الرغبة، فما رد سائله ولا خاب طالبه، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالخلق لم

стр. 67

تسد فاقته ومن أنزلها بالرب فنعم الرزاق هو، ومن ظن بربه خيراً أفاض عليه جزيل خيراته وأسبل عليه جميل تفضلاته، فلازمْ الطلب فالمعطي كريم، والكاشف قدير، ولا تستعجل الإجابة إذا دعوت، ولا تستبطئها إذا تأخرت، ومن يُكثر قرع الأبواب يُوشك أن يُفتح له. ومن حلت به نوائب الدهر وجأر إلى الله حماه ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]. ألقي يونس في بطن الحوت، وبالدعاء نُبذ بالعراء من غير أذى. وإذا تزخرف الناس بطيب الفراش فارفع أكف الضراعة إلى المولى في دجى الأسحار، فبدعوة تتقلب الأحوال، فالعقيم يولد له، والسقيم يُشفى، والفقير يرزق، والشقي يسعد، بدعوة واحدة أغرق أهل الأرض جميعهم إلا من شاء الله وهلك فرعون بدعوة موسى، قال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. ووُهب ما وهب سليمان بغير حساب بسؤال ربه الوهاب، وشفى الله أيوب من مرضه بتضرعه ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. فأكثر الدعاء لنفسك بالهداية والبعد عن الفتن والثبات على الدين وإصلاح نيتك وإخلاص عملك.

стр. 68

الصدقة قسَّم الله خلقه إلى غني وفقير، ولا تتم مصالحهم إلا بسد خلة الفقير، فأوجب في فضول أموال الأغنياء ما يسد به عوز الفقراء. والسخي المؤمن قريب من الله ومن خلقه ومن أهله، قريب من الجنة بعيد عن النار، والبخيل بعيد من خلقه بعيد من الجنة قريب من النار. فجود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده، وأحب الخلق إلى الله من اتصف بمقتضيات صفاته مما لم يختص به الرب جل وعلا، فهو سبحانه كريم يحب الكريم من عباده، وعالم يحب العلماء، ورحيم يحب الرحماء. قال ابن القيم (١): "الكريم المتصدق يعطيه الكريم مالا يُعطي غيره جزاء له من جنس عمله". ومن خير أعمال المسلم الصدقة على الفقراء وذوي الحاجات والكربات، قال عمر بن الخطاب ﵁: "ذكر لي أن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة أنا أفضلكم". وهدي النبي ﷺ كان يدعو إلى الإحسان والصدقة والسعي في تفريج هموم المسلمين. وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه، وكانت دائمة مستمرة، والصدقة تَفدي العبد من عذاب الله، فإن ذنوبه وخطاياه تقتضي

стр. 69

هلاكه فتجيء الصدقة تفديه من العذاب، ولهذا قال النبي ﷺ لما خطب النساء يوم العيد: «يا معشر النساء تصدقن ولو من حُليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار» (متفق عليه). وفي الصحيحين «فاتقوا النار ولو بشق تمرة». والصدقة تطفئ شؤم المعصية، يقول النبي ﷺ لمعاذ ﵁: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (رواه الترمذي). الصدقة تقي مصارع السوء، وتدفع البلاء، وتحفظ المال، وتجلب الرزق، وتُفرح القلب، وتُوجب الثقة بالله وحسن الظن به، وتُزكي النفس وتنميها، وتحبب العبد إلى ربه وتستر عليه كل عيب، وتزيد في العمر، وتدفع عن صاحبها عذاب القبر، وتكون عليه ظلاًّ يوم القيامة، وتشفع له عند الله، وتُهون عليه شدائد الدنيا والآخرة، وتدعوه إلى سائر أنواع البر فلا تُستعصي عليه. الصدقة وقاية بين العبد وبين النار، والمخلص المسرُّ بها يستظل بها يوم القيامة، ويدعى من باب الصدقة، قال النبي ﷺ : «ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة» (متفق عليه). الصدقة ترفع البلاء وتنفرج بها بإذن الله الكروب، قال ابن القيم (١): "للصدقة والإحسان تأثير عجيب في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديماً وحديثاً لكفى به، فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جنة واقية وحصن حصين". ويقول أيضاً (٢): "فإن للصدقة تأثيراً عجيباً في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو من ظالم، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعاً من

стр. 70

البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مُقرون به، لأنهم جرَّبوه". اهـ. والمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه وانفسح بها صدره، قال ابن القيم (١): "ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقاً بالاستكثار منها والمبادرة إليها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ".اهـ. والبخيل محبوس عن الإحسان، ممنوع عن البر، ممنوع من الانشراح، ضيق الصدر، صغير النفس قليل الفرح، كثير الهم والغم والحزن، لا يكاد تقضى له حاجة، ولا يعان على مطلوب. فتصدق في يومك ولو بشيء يسير، فأفضل الصدقة جهد المقل، وفي صبيحة كل يوم ينزل ملكان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً. والصدقة قرض مسترد مضاعف قال ﵊: «ما نقصت صدقة من مال». رواه مسلم. وقال جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] فابذل للفقير بسخاء نفس، وجود يد، وحسن ظن بالله بمضاعفة الثواب والمال. • لا تتصدق على الفقير ليدعو لك: يرتقي العبد بالصدقة إذا أخلص فيها لله، ولم يرج بها نوال دعوة مكروب أو ثناء أو طلب شهرة أو تحصيل مطمع من زخرف الحياة، فإذا تصدقت على فقير فلا تتصدق عليه لأجل أن يدعو لك، بل أنفق عليه ابتغاء مرضاة الله، لتكن في سلك المنظومين تحت قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]

стр. 71

قال شيخ الإسلام (١): "في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩] قال ومن طلب من الفقراء الدعاء أو الثناء خرج من هذه الآية، فإن في الحديث الذي في سنن أبي داود: «من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه». ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول للرسول: "اسمع ما دعوا به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا، ويبقى أجرنا على الله". وقال بعض السلف: "إذا أعطيت المسكين فقال بارك الله عليك، فقل بارك الله عليك" أراد أنه إذا أثابك بالدعاء فادع له بمثل ذلك حتى لا تكون اعتضت منه شيئاً. وقال أيضاً (٢): "ومن طلب من العباد العوض ثناء أو دعاء أو غير ذلك لم يكن محسناً إليهم لله". فبين شيخ الإسلام أن الصدقة من أجل الدعاء لا يدخل صاحبها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]. فالمسلم يتصدق لوجه الله، وما يحصل بها من تفريج الكروب وإزالة الهموم فهي ثمرات من ثمار الصدقة لوجه الله.

стр. 72

كثرة التعبد ثمرة العلم العمل، واللذة في الحياة بالإكثار من عمل الصالحات، وآية الإخلاص الإكثار من الطاعات، وزيادة المنازل في الجنة على قدر التزود من الفضائل، وكان أفاضل البشر هم القدوة في الإكثار من الطاعات، فإبراهيم ﵇ مدحه الله بكثرة تعبده له فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]. فوصفه بالقنوت وهو دوام الطاعة. وداود ﵇ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأثنى الله على زكريا وزوجته ويحيى بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وكان سلف الأمة يكثرون من التعبد لله. يقول ابن القيم (١): "وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغد هذا الغداء لسقطت قوتي".اهـ. وقال شيخ الإسلام عن نفسه (٢): "إنه ليقف خاطري في المسألة

стр. 73

والشيء أو الحالة التي تشكل علي، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل". قال: "وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي". وقال ابن كثير (١): عن ابن القيم: "ولا أعرف من أهل العلم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك".اهـ. والطاعة نور يُقذف في الصدور، فأكثر من التعبد لله والخضوع له، فهي نعم العون على تحقيق المبتغى، وعليك الإكثار من ذكر الله وتلاوة كتابه والقيام في ظلم الليل، فالقلب إذا صُفِّى أثَّر، وإذا تكدَّر أضرَّ. • ما هي العبادات التي أكثر منها ؟ أفضل الأعمال بعد الفرائض هي النوافل، يقول النبي ﷺ : «إن الله تعالى قال: من عادي لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه» (رواه البخاري). • ومن أفضل النوافل التي يفعلها العبد: ١ - قيام الليل: نوافل الصلوات من أزكى الأعمال عند الله، والليل ثمين بدجاه، وقيامه من نعوت الصالحين المبشرين بجنة النعيم، وهو دليل على رجحان العقل والإيمان، وقربة إلى رب العالمين.

стр. 74

يقول النبي ﷺ : «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). ومن محاسن أهل الإيمان القيام لله في الظُّلَم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] في دجى الأسحار تصفو الأوقات وقد تنافس الصالحون في ظلمائه. يقول أبو سليمان الداراني: "والله لولا قياما لليل ما أحببت الدنيا". ولم يكن النبي ﷺ يدع قيام الليل في سفر أو حضر وكان يصليه قائماً وقاعداً وعلى راحلته في أسفاره ولو إلى غير القبلة. وكان الصالحون يعيبون على من ترك قيام الليل، يقول الحسن البصري: "ما ترك أحد قيام الليل إلا بذنب أذنبه"، وذلك نابع من وصية النبي ﷺ لعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ حيث قال له: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان ابن عمر لا ينام من الليل إلا قليلاً» متفق عليه. وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ «يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (متفق عليه) ومن شرف العبودية التعبد ليلاً، والنفس لا تشرف إلا بعبوديتها لله. ولا يليق بشاب مستقيم أن يدع قيام الليل ولو نصف ساعة قبيل الفجر يناجي فيها ربه زَمَن فتح أبواب السماء، ولم يكن السلف يدعون قيام السحر يقول طاووس: "كنت أظن أن لا يدع أحد قيام السحر". ٢ - الإكثار من الذكر: ذكر الله ميزان الرفعة والتكريم، وهو خير ما يعطر به اللسان، وهو باب مفتوح بين العبد وبين ربه ما لم يغلقه العبد بغفلته، يقول ابن القيم (١): "إنه ـ أي الذكر ـ يورثه ذكر الله تعالى له، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً" بالإكثار من الذكر يسمو العبد عند ربه، ونبينا محمد ﷺ كان يذكر

стр. 75

الله على كل أحيانه. بالذكر سعادة القلب والأنس بالله، يقول ابن القيم (١): "وقال لي مرة شيخ الإسلام: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر". ٣ - تلاوة القرآن الكريم: الكتاب العزيز عُمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، بتلاوته والعمل به يعلو الشأن، ويزهو القدر ويزيد الإيمان، والقرآن العظيم أصل العلوم وأسها، ومنه تؤخذ الأخلاق والآداب، وحفظ كتاب الله حفظ بإذن الله للعبد من الشرور والفتن، وحصن من الشبهات والشهوات، فاجعل تلاوة القرآن على لسانك متدبراً لها بقلبك. ٤ - صيام ثلاثة أيام من كل شهر: ربنا جل وعلا متصف بالشكر، يضاعف بالعمل اليسير الأجر الجزيل، وأمة محمد ﵊ أمة مرحومة تعمل قليلاً في عمر قصير وتُجزى كثيراً، وتسبق الأمم في الآخرة، فصيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام جميع الشهر، كل يوم بعشرة أيام كرماً من الله ومنة. وصيامها هي وصية النبي ﷺ لأبي هريرة، يقول أبو هريرة ﵁: "أوصاني خليلي بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام". (متفق عليه).
следующие страницы →