قال شيخ الإسلام (١): "في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩] قال ومن طلب من الفقراء الدعاء أو الثناء خرج من هذه الآية، فإن في الحديث الذي في سنن أبي داود: «من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه».
ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول للرسول: "اسمع ما دعوا به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا، ويبقى أجرنا على الله".
وقال بعض السلف: "إذا أعطيت المسكين فقال بارك الله عليك، فقل بارك الله عليك" أراد أنه إذا أثابك بالدعاء فادع له بمثل ذلك حتى لا تكون اعتضت منه شيئاً.
وقال أيضاً (٢): "ومن طلب من العباد العوض ثناء أو دعاء أو غير ذلك لم يكن محسناً إليهم لله".
فبين شيخ الإسلام أن الصدقة من أجل الدعاء لا يدخل صاحبها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]. فالمسلم يتصدق لوجه الله، وما يحصل بها من تفريج الكروب وإزالة الهموم فهي ثمرات من ثمار الصدقة لوجه الله.
стр. 72
كثرة التعبد
ثمرة العلم العمل، واللذة في الحياة بالإكثار من عمل الصالحات، وآية الإخلاص الإكثار من الطاعات، وزيادة المنازل في الجنة على قدر التزود من الفضائل، وكان أفاضل البشر هم القدوة في الإكثار من الطاعات، فإبراهيم ﵇ مدحه الله بكثرة تعبده له فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]. فوصفه بالقنوت وهو دوام الطاعة.
وداود ﵇ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأثنى الله على زكريا وزوجته ويحيى بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وكان سلف الأمة يكثرون من التعبد لله.
يقول ابن القيم (١): "وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغد هذا الغداء لسقطت قوتي".اهـ.
وقال شيخ الإسلام عن نفسه (٢): "إنه ليقف خاطري في المسألة
стр. 73
والشيء أو الحالة التي تشكل علي، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل". قال: "وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي". وقال ابن كثير (١): عن ابن القيم: "ولا أعرف من أهل العلم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك".اهـ.
والطاعة نور يُقذف في الصدور، فأكثر من التعبد لله والخضوع له، فهي نعم العون على تحقيق المبتغى، وعليك الإكثار من ذكر الله وتلاوة كتابه والقيام في ظلم الليل، فالقلب إذا صُفِّى أثَّر، وإذا تكدَّر أضرَّ.
• ما هي العبادات التي أكثر منها ؟
أفضل الأعمال بعد الفرائض هي النوافل، يقول النبي ﷺ : «إن الله تعالى قال: من عادي لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه» (رواه البخاري).
• ومن أفضل النوافل التي يفعلها العبد:
١ - قيام الليل:
نوافل الصلوات من أزكى الأعمال عند الله، والليل ثمين بدجاه، وقيامه من نعوت الصالحين المبشرين بجنة النعيم، وهو دليل على رجحان العقل والإيمان، وقربة إلى رب العالمين.
стр. 74
يقول النبي ﷺ : «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح).
ومن محاسن أهل الإيمان القيام لله في الظُّلَم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] في دجى الأسحار تصفو الأوقات وقد تنافس الصالحون في ظلمائه. يقول أبو سليمان الداراني: "والله لولا قياما لليل ما أحببت الدنيا". ولم يكن النبي ﷺ يدع قيام الليل في سفر أو حضر وكان يصليه قائماً وقاعداً وعلى راحلته في أسفاره ولو إلى غير القبلة. وكان الصالحون يعيبون على من ترك قيام الليل، يقول الحسن البصري: "ما ترك أحد قيام الليل إلا بذنب أذنبه"، وذلك نابع من وصية النبي ﷺ لعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ حيث قال له: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان ابن عمر لا ينام من الليل إلا قليلاً» متفق عليه. وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ «يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (متفق عليه) ومن شرف العبودية التعبد ليلاً، والنفس لا تشرف إلا بعبوديتها لله. ولا يليق بشاب مستقيم أن يدع قيام الليل ولو نصف ساعة قبيل الفجر يناجي فيها ربه زَمَن فتح أبواب السماء، ولم يكن السلف يدعون قيام السحر يقول طاووس: "كنت أظن أن لا يدع أحد قيام السحر".
٢ - الإكثار من الذكر:
ذكر الله ميزان الرفعة والتكريم، وهو خير ما يعطر به اللسان، وهو باب مفتوح بين العبد وبين ربه ما لم يغلقه العبد بغفلته، يقول ابن القيم (١): "إنه ـ أي الذكر ـ يورثه ذكر الله تعالى له، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً" بالإكثار من الذكر يسمو العبد عند ربه، ونبينا محمد ﷺ كان يذكر
стр. 75
الله على كل أحيانه. بالذكر سعادة القلب والأنس بالله، يقول ابن القيم (١): "وقال لي مرة شيخ الإسلام: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر".
٣ - تلاوة القرآن الكريم:
الكتاب العزيز عُمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، بتلاوته والعمل به يعلو الشأن، ويزهو القدر ويزيد الإيمان، والقرآن العظيم أصل العلوم وأسها، ومنه تؤخذ الأخلاق والآداب، وحفظ كتاب الله حفظ بإذن الله للعبد من الشرور والفتن، وحصن من الشبهات والشهوات، فاجعل تلاوة القرآن على لسانك متدبراً لها بقلبك.
٤ - صيام ثلاثة أيام من كل شهر:
ربنا جل وعلا متصف بالشكر، يضاعف بالعمل اليسير الأجر الجزيل، وأمة محمد ﵊ أمة مرحومة تعمل قليلاً في عمر قصير وتُجزى كثيراً، وتسبق الأمم في الآخرة، فصيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام جميع الشهر، كل يوم بعشرة أيام كرماً من الله ومنة. وصيامها هي وصية النبي ﷺ لأبي هريرة، يقول أبو هريرة ﵁: "أوصاني خليلي بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام". (متفق عليه).
стр. 76
سمو الأخلاق
حسن الخلق يستميل القلوب، وبحسن المنطق وعلو الخلق، ينجذب الخلق والنبي ﷺ كان داعية في أخلاقه ومعاملاته. وقد كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فعاده الرسول ﷺ ، فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم فنظر الصبي إلى أبيه وهو عنده فقال له أطع أبا القاسم، فأسلم فخرج النبي ﷺ وقال الحمد لله الذي أنقذه من النار» (رواه البخاري).
حسن الخلق لا يتطلب بذل مال ولا إجهاد نفس، وما حسن الخلق إلا طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى.
والتحلي بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق والهدي الحسن والسمت الصالح سمة ذي الفضل والمروءات، وخير الناس من علا خلقه، قال النبي ﷺ : «إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً». (متفق عليه).
وديننا يأمر بالمكارم وينهى عن المفاسد، وعلو المرء يكون بالدين والأخلاق والآداب، وتهذيب النفوس عون على عمرة القلوب ودليل على محامد الأمور.
• هل حسن الخلق عبادة ؟
حسن الخلق عبادة من أجل العبادات وكثير من الناس يجهل ذلك، قال ابن رجب (١): "كثير من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده".
يقول أبو هريرة ﵁: "سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: «تقوى الله وحسن الخلق»، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: «الفم والفرج» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح).
стр. 77
والمرء لا يكمل إيمانه إلا بحسن الخلق، يقول النبي ﷺ : «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم» رواه الترمذي. وحسن الخلق مع الإيمان صاحبه في أعلى الجنة يقول النبي ﷺ : «أنا زعيم ـ أي ضامن ـ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». (رواه أبو داود).
وجماع الخير كله في حسن الخلق، قال النبي ﷺ : «البر حسن الخلق». (رواه مسلم).
وأنس بن مالك يحكي خلق النبي ﷺ يقول: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً". متفق عليه. يعلو على وجهه ﵊ البشر والسرور والفأل، لم يكن عبوساً ولا مشمئزاً، يقول جرير بن عبد الله ﵁: "ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم". (رواه البخاري).
ووصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وذو الأخلاق مع الإيمان أقرب الناس مجلساً من النبي ﷺ في الآخرة قال ﷺ : «إن من أحبكم إلي وأربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً». (رواه الترمذي).
وبعض الناس يُفرِّط في القيام بحقوق الخلق، ويظن أن كمال التعبد هو إصلاح ما بينه وبين خالقه دون خلقه، قال ابن رجب (١): "وكثيراً ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها، والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جداً لا يقوى عليه إلا الكُمَّل من الأنبياء والصديقين" اهـ.
والجمع بين حق الله وحق عباده لا يوفق إليه كل عبد، قال المحاسبي: "ثلاثة أشياء عزيزة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن الخلق مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة".
стр. 78
قضاء حوائج الناس
ما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمة بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه. والدين الحنيف جاء بالعلم والعمل، أمر بإخلاص العبادة وحسن المعاملة قال شيخ الإسلام (١): "من عبد الله وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله في إخلاص الدين له". وخدمة الناس بركة في الوقت والعمل، وسبب في تيسير ما تعسر، يقول ﵊: «ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة» رواه مسلم والشريعة جاءت بالحث على التعاون بين الناس وقضاء حوائجهم والسعي في تفريج كروبهم، يقول ﵊: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». (رواه مسلم). ببذل المعروف والإحسان إلى الخلق تحسن الخاتمة، وتصرف عنك ميتة السوء، يقول ﵊: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والمهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة». (رواه ابن حبان في صحيحه).
стр. 79
وقضاء الحوائج صدقات مبذولة، يقول ابن عباس ﵁: "من مشى بحق أخيه ليقضيه فله بكل خطوة صدقة".
وخدمة الناس مفتاح للخير، وتعطيلها فتح للشرور، يقول ابن القيم (١): "وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأن أضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر".
والمعروف ذخيرة الأبد، والسعي في شؤون الناس زكاة أهل المروءات، والكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحب الدِّعة والراحة يورث من الندم ما يربو على كل متعة.
ومن المصائب عند ذوي الهمم عدم قصد الناس لهم في حوائجهم، يقول حكيم بن حزام: "ما أصبحت وليس على بابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب".
وبخدمة الناس تُجذب أفئدتهم وتستميل قلوبهم.
قال الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
стр. 80
الرسل وخدمة الناس
نفع الناس والسعي في كشف كروبهم من صفات الأنبياء والرسل وهم السابقون في هذا، فالكريم يوسف ﵇ مع ما فعله إخوته به جهزهم بجهازهم.
وموسى لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين مستضعفتين، رفع الحجر عن البئر وسقى لهما حتى رويت أغنامهما.
وموسى ﵇ شفع عند ربه أن يكون أخوه هارون نبياً فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] قال ابن كثير في تفسيره (١): "قال بعض السلف ليس أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هارون، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبياً ورسولاً معه إلى فرعون وملائه، ولهذا قال تعالى في حق موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ".
وخديجة تقول في وصف نبينا محمد ﷺ "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
стр. 81
وكان نبينا محمد ﷺ إذا سئل حاجة لم يرد السائل عن حاجته، يقول جابر: "ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال لا". (متفق عليه). والدنيا أقل من أن يرد طالبها.
وعلى هذا النهج القويم سار الصحابة والصالحون فقد كان عمر ﵁ يتعاهد الأرامل يسقي لهن الماء، وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن.
وكان شيخ الإسلام يسعى سعياً شديداً لقضاء حوائج المسلمين.
стр. 82
لا تحتقر الآخرين
حقيقة العلو إنما هو القرب من الله، والتمايز إنما يكون بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
والتزخرف في الملبس والصورة لا يغني عن الله شيئاً، قال ﵊: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». (رواه مسلم).
واحتقار الآخرين لقلة ذات أيديهم أو جاههم أو عدم حسن صورتهم ضعف في العقل، ونقص في كمال الإدراك، وقلة في الإيمان، فالحياة وزينتها وغناها وجاهها وزخرفها دول بين الخلق، فكم من فقير اغتنى، وكم من وضيع شرف، والمحتقر على وجل من زوال نعمة غناه أو جاهه أو مكانته أو صورته.
والتواضع للخلق آية على صحة الإيمان، وكمال في العقل، ورأفة في القلب، قال ابن رجب (١): "وقد يكون كثير ممن له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا قلبه خراباً من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوءاً من التقوى، فيكون أكرم عند الله، بل ذلك هو الأكثر
стр. 83
وقوعاً كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مُتضعِّف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جوَّاظ مستكبر». (متفق عليه).
وفي التواضع رفعة الدنيا والآخرة، يقول النبي ﷺ : «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (رواه مسلم). وكان شيخ المحدثين أبو موسى المدني يقرئ الصبيان القرآن في الألواح مع جلالة قدره وعلو منزلته. والمتواضع من إذا رأى أحداً قال: هذا أفضل مني. يقول الشافعي: "أرفع الناس قدراً من لا يرى قدره وأكبر الناس فضلاً من لا يرى فضله".
стр. 84
شكر النعم
ربك أغدق عليك من نعمه العظيمة، وأجزل عليك من عطاياه الجسيمة، لتشكره عليها والشكر هو الغاية من خلقه وأمره: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] وأخبر سبحانه أن من لم يشكره لم يكن من أهل عبادته: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقد أثنى الله على أول رسول بعثه إلى الأرض بالشكر، فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والتكليم بالشكر، فقال: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] وأثنى على خليله إبراهيم بشكر نعمه، فقال عنه: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٣].
وأمر الله به آل داود فقال: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. وأمر الله رسوله محمداً بالشكر فقال له: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]. وأول وصية وصى به الإنسان الشكر له وللوالدين فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. وبالشكر أمر الأنبياء أقوامهم فقال إبراهيم لقومه: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧].
стр. 85
وأفضل الأدعية دعاء الرب العون على مرضاته بشكر نعمه وعبادته، قال شيخ الإسلام (١): "تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين".
ولما عرف عدوا لله قدر مقام الشكر وأنه من أجل العبادات وأعلاها جعل غايته السعي في قطع الناس عنه فقال: ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
والشاكرون هم قلة في الخلق، فكن مع تلك الثُّلَّة القليلة المباركة قال جل وعلا: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وكل نعمة لا تقرب من الله فهي بليَّة، قال الفضيل: "عليكم بملازمة الشكر على النعم فقلَّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم". وإذا رأيت ربك يوالي عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره. فالعبد إذا كانت له عند الله منزلة فحفظها، وبقى عليها، ثم شكر الله على ما أعطاه، آتاه الله أشرف منها. وإذا ضيع الشكر استدرجه الله. والنعمة موصولة بالشكر، والمزيد يتعلق بالشكر. ومن رزق الشكر رزقه الله الزيادة ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
وبشكر الله وطاعته تتفتح للعبد أبواب الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
• كيف أشكر نعم الله ؟
الشكر يكون بقلبك ولسانك وجوارحك.
فشكر النعم بالقلب يكون بنسبتها إلى بارئها قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
стр. 86
وشكرها باللسان يكون بالإكثار من الحمد لمسديها، فالحمد رأس الشكر وأوله، وهو من أفضل ما تحرك به اللسان، قال ﷺ : «والحمد لله تملأ الميزان» (رواه مسلم).
وشكرها بالجوارح يكون بالاستعانة بها على مرضاة الله، ومنع استخدامها في مساخطه وعصيانه، وأسعد الخلق من جعل النعم وسائل إلى الله والدار الآخرة، وأشقاهم من توصل بنعم الله إلى هواه ونيل ملذاته.
وكن قنوعاً بما رزقك الله تكن أشكر الناس، وتذكر أن شكر نعم الله عبادة من أجل العبادات، قال ﷺ : «الطاعم الشاكر مثل الصائم الصابر» (رواه البخاري).
стр. 87
الاستغفار
الاستغفار سبب لغفران الذنوب، ودخول الجنات، ودفع البلاء، وزيادة الأموال والبنين، قال سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وهو سبب للحياة السعيدة ووفور الخيرات، قال جل وعلا: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣]. وبه تزيد القوة قال هود لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾
[هود: ٥٢].
وهو سبب لنزول الرحمة من السماء قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦].
والاستغفار مزيل للخطايا وشؤم العصيان، يقول قتادة: "إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار". وكان النبي ﷺ يكثر من الاستغفار قال ﵊: «إنه ليغان على قلبي لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» (رواه مسلم).
قال أبو المنهال: "ما جاور عبد في قبره من جارٍ أحب من الاستغفار".
فأكثر من التوبة والاستغفار في كل حين يصلح لك أمر دينك ودنياك.
стр. 88
أعاني من قسوة القلب فما هو الحل ؟
القلب يتقلب في هذه الحياة بين القسوة واللين، فإذا توارت عليه القسوة والعصيان قسى، وإذا أكثر العبد من الطاعات رق الفؤاد.
وسبب غلظة القلب هو البعد عن الله جل وعلا. وإذا وقع القلب في وحل الذنوب وجب على العبد أن لا يستسلم لتلك الأدران، بل عليه البدار بغسل تلك الأوساخ التي علقت بالقلب بالرجوع إلى الله والإنابة إليه. وقد أثنى الله على خليله بأنه دائم الرجوع إليه أواه منيب له في كل حال. قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]. ومن أنجع أسباب علاج قسوة القلب:
١ - الإكثار من ذكر الله:
الذكر يجلب الفرح والسرور والرزق والمهابة، ويوجب مراقبة الله وكثرة عبادته والإنابة إليه والقرب منه، وسبب للنجاة من عذابه. يقول مكحول: "ذكر الله دواء، وذكر الناس داء". وجاء رجل إلى الحسن البصري فقال له: أشتكي قسوة قلبي، فقال: "ألنه بذكر الله".
بالذكر ترفع الدرجات، وتغفر السيئات، وتستدفع الآفات، وتستكشف الكربات، وتهون به على المصاب الملمات، به انشراح الصدر وطمأنينة القلب:
стр. 89
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وهو وصية رسول الله ﷺ لمن طلب منه أن يوصيه «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله». (رواه الترمذي).
يذكر الله تحيى القلوب يقول النبي ﷺ : «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت» (رواه البخاري).
ومن عرف عظمة الله أكثر من ذكره، والإكثار علامة الصدق مع الله.
٢ - حفظ الجوارح عن المعاصي:
فتحفظ السمع عن استمع المعازف والغيبة مثلاً، وتحفظ البصر عن مشاهدة مالا يحل، وتحفظ اللسان من الكذب والبهتان.
٣ - الإكثار من قراءة تفسير القرآن الكريم:
في القرآن المواعظ والعبر، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، فقد لا تستوقف قارئ القرآن هذه المعاني إلا بالتأمل في الآيات بقراءة التفسير وبيان معاني تلك الآيات.
٤ - حضور دروس العلماء:
فالاجتماع بالصالحين والاستماع إلى العلماء يحدوان بك إلى طريق الآخرة، ويزهدانك في الدنيا الفانية.
٥ - قراءة كتب العلماء:
في الاطلاع على مسطور كنوز العلماء زيادة الخشية من الله فإذا قرأت لعالم عامل فأنت تقرأ لمن أثنى الله عليه بأنه يخشى الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨] وحقيق بمن يقرأ لمن يخشى الله أن يتصف بصفاتهم.
٦ - زيارة القبور:
زيارة القبور من هدي المصطفى ﷺ ـ وهي خاصة بالرجال دون النساء ـ وهي أوضح بيان لقصر هذه الحياة وعدم الاغترار بالأمل المذموم، وكم من دمعة ذرفها الصالحون عند زيارة القبور خوفاً من الله بتذكر منازلهم بعد الرحيل، وقد قال عنها ﵊: «إنها تذكركم الآخرة» (رواه الترمذي وابن ماجه).
стр. 90
* أنواع من الذكر:
«أحب الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» (رواه مسلم).
«ولا حول ولا قوة إلا بالله. كنز من كنوز الجنة» (متفق عليه).
«ومن قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة» (رواه الترمذي).
«كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (متفق عليه).
«والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض» (رواه مسلم).
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: «أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب ألف حسنة؟ قال يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة» (رواه مسلم).
стр. 91
المجتمع لا يدفعني لفعل الطاعات
المجتمعات تغيرت كثيراً فشى في بعضها الكذب، وإخلاف الوعد، وقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، والكسل عن أداء الطاعات، وعدم التورع عن الشبهات.
وتنافس الناس في دنياهم، وعادى الناس بعضهم بعضاً من أجلها، وتنافسوا في ميادينها مع غفلة جلية عن أحوال الآخرة، والله ساق قصص الأنبياء وأحوالهم وأخلاقهم وعباداتهم، وأمرنا بالإقتداء بهم، والتأسي بأحوالهم فيما لم يخالف شرعنا، فقال ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. فذكر عن أهل البيت الصالح زكريا وابنه وزوجته تَبَتُّلهم إلى الله ومسابقتهم إلى فعل كل عمل صالح، فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وإذا أردت أن تنظر إلى بر الوالدين فتأسى بيحيى ﵇، فقد أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾
[مريم: ١٤].
وإذا رأيت المجتمع يموج في خصلة من خصال النفاق بإخلاف وعودهم، فتذكر أن الله قد أثنى على إسماعيل ابن خليله بالوفاء بالوعد،
стр. 92
فقال عنه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤].
وفي حال شُحِّ الناس بأموالهم وإعراضهم عن خلة الكرم، فأنبياء الله هم المقدمون في تلك الخلة، أخبر سبحانه عن كرم إبراهيم أنه راغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين حنيذ، وقدمه لثلاثة أضياف فقط. ونبينا محمد ﷺ سأله رجل مالاً فأعطاه قطيعاً من الغنم بين جبلين.
وإذا تألمت من وقوع الانحراف في بعض المجتمعات، وقلة حياء بعض الناس، وسعي بعض الشباب إلى علاقات محرمة، فتذكر أن هناك من عباد الله من وهبه الله جمالاً ونسباً، والنساء يدعونه إلى الفاحشة، ومع ذلك يمتنع منها، بل يفضل السجن على الفاحشة، بل قد أدخل السجن لعدم استجابته، قال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] فاجعل رسل الله ﵈ نبراسك في العفة والنزاهة، فسلامة عرض الشاب وانتصاره على الشهوات تاج على هامة رأسه.
وفي حال انفتاح الدنيا على بعض الناس، وجلب الخدم للنفس والدار، قد تأنف النفس بالكبر والخيلاء، فإذا أحسست ذلك من نفسك، فقل لها: يا نفس رويداً، إن أشرف الناس نسباً، وأجلهم قدراً، وأعلاهم عند الله منزلة قد حلب شاته وخدم نفسه، وخصف نعله، ونام على الحصير حتى أثر في جنبه ﵊.
وفي خضم صخب الحياة الشاقة، وكثرة المعاملات مع خلق الله، يصدر خطأ من أقوالهم، وتسجل الهفوة على أفعالهم، حينذاك تنصع سجاياك بالعفو والصفح عمن أساء إليك، وتذكر أن هناك من ألقي في الجب وحيداً، وفي الغربة فريداً، وفي عمره صغيراً، ومع هذه المكايد عفا عمن فعل معه العظائم، وقال لهم: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[يوسف: ٩٢].
стр. 93
ماذا أصنع مع أهل المعاصي ؟
لا تتزعزع عن هداية الخلق ولو كثر الانحراف، ولا تيأس عن السير في دعوتك فهم بحاجتك، وأيقن دوماً بأن أهل المعاصي الذلة محيطة بهم، ولو تظاهروا بالعزة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
وأهل المعاصي دائر عليهم لباس الذلة كل بحسب عصيانه، يقول ﵊: «وجُعل الذل والصغَار على من خالف أمري» (رواه أحمد).
وأهل الطاعة هم أهل العزة، وبقدر طاعتك تعتز، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
فأنت العزيز في مجتمعك، فاخفض جناحك لمن ابتلي بمعصية بدعوته بحكمة ولين وروية، وعدم احتقار له، مع كثرة الدعاء له بالهداية، فبحسن الخلق مع الدعوة تكسب القلوب.
стр. 94
البعد عن الفتن
جاء الإسلام بالأمر بصفاء المعتقد ونقاء القلب وتطهيره من أدران القوادح، ونهى عن تلويث القلب بالشبهات أو تدنيسه بالشهوات، وفي زمن البعد عن مشكاة النبوة تزداد الحاجة إلى التمسك بينابيع الدين، يقول ﵊: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه» (رواه البخاري). ومن نتن الفتن أن من اشرأب بعنقه إليها أصابته من لوثتها، يقول النبي ﷺ عن الفتن «ومن استشرف ـ تطلع ـ إليها أخذته». (رواه البخاري). والإسلام الحنيف جاء بلزوم النورين الكتاب والسنة، ونهى عن ضدهما مما يورث القلب الفساد، والشبهة إذا وردت على القلب ثقل استئصالها.
يقول شيخ الإسلام ﵀ (١): "وإذا تعرض العبد بنفسه إلى البلاء وكله الله إلى نفسه".اهـ
والتقصير في أداء الواجبات، واللهث وراء المنكرات، والاعتماد في السلوك على الفضائيات، يورث المهالك.
والقلب إذا أظلم بكثرة المعاصي ثقل عليه أداء المعروف، وسهل عليه قبول المنكر. وفي زمن تنزل الوحي وملازمة الصحابة للنبي ﷺ ، كان ﷺ يخشى عليهم من الفتن، فلما رأى عمر بن الخطاب قطعة من التوراة
стр. 95
تلون وجهه ﷺ وقال: «أو متهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي» (رواه أحمد).
ومن تعرض للشبهات والشهوات ثم طلب إصلاح القلب رام ممتنعاً. ورب عثرة أهلكت، ورب فارط لا يُستدرك، والنفس طامعة إذا أطمعتها، فالجمها بلجام الأوامر والنواهي، ومن صابر الهوى أينعت له الثمرات، فابتعد عن أسباب الفتن ومواردها، فإن المقاربة منها محنة لا يكاد صاحبها يسلم، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وحصن نفسك بزاد العلم، وانتق صحبة الأخيار، واسلك مسلك الحق، وانهج منهج الرشد، واجتهد في المحافظة على عقيدتك. وقد كان العلماء يوصي بعضهم بعضاً بالبعد عن مواطن الفتن، يقول ابن القيم (١): "جيش شهوات الغي وجيش شبهات الباطل أيما قلب صفا إليها وركن إليها تشربها، وامتلأ بها، فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات".
стр. 96
جليس السوء
لجليس السوء تأثير على الدين والسلوك والآداب والأخلاق والطموحات، يقول ﵊: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل». (رواه أبو داود).
ومضرة قرناء السوء ظاهرة، ولضررها على الإنسان حذَّر الإسلام من مصاحبتهم، وحرم المكث معهم، وأوجب الهجرة إلى مجتمع صالح، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].
وطبيعة البشر سرعة تأثرهم بمن يخالطون فيتأثرون حتى من البهيمة يقول النبي ﷺ : «الفخر والخيلاء في الفدَّادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم». (متفق عليه).
فأخبر النبي ﷺ أن في رعاة الإبل الكبر والفخر والخيلاء، وفي رعاة الغنم السكينة والتواضع، فإذا كان الإنسان يتأثر ببهيمة لا عقل لها، ولا تفقه أنت مراد صوتها مع الاختلاف في المأكل والمشرب، فما ظنك بالإنسان الذي يبادلك الأحاديث، وتفقه قوله، بل قد يؤزُّك إلى هواه، ويزين لك الشهوات، أليس حقيقياً بأن تتأثر به؟!!
стр. 97
جليس السوء يبعدك عن ربك ويتتبع عثراتك، قريب منك في السراء، بعيد عنك في الضراء، يلهث خلف ملذاته فإذا حُلت بينه وبين ما يشتهي نبذك.
جليس السوء يضرك إلى آخر رمق في حياتك، وإذا أردت أن تعرف حقيقة ذلك، فتأمل قصة عم النبي ﷺ أبي طالب وهو يحتضر وبجانبه رفيقا السوء عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فإنه لما حضرت الوفاة أبا طالب جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له النبي ﷺ : «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ـ أي لا تسلم، بل استمر على الكفر ـ فأعاد النبي ﷺ ، فأعادا عليه، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله» (متفق عليه).
فانظر إلى حرص الناصح المشفق على عمه، وهو على فراش الموت، يتمنى نجاته من النار، ورفيقا السوء لم يرحما ضعف المحتضر، بل جلسا عنده يلقنانه الكفر حتى فارق الحياة، وأيقنا أنه دخل النار مع علمهما أنه لو تركاه يموت على الإسلام، لم يضرهما، لأنه سيموت، ولكن هذا شأن رفيق السوء.
جليس السوء ضرره متجدد في صور شتى، لذا شبهه النبي ﷺ بنافخ الكير الذي ينالك أذاه على كل حال، يقول النبي ﷺ : «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك ـ أي يعطيك ـ وإما أن تبتاع منه ـ أي تشتري منه ـ وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة» (متفق عليه).
رفيق السوء ضرره ظاهر للجميع، يدعوك للكسل عن العبادة وفضائل الأعمال، والفتور عن أداء واجبات حياتك، يدني همتك العالية، لا للمعالي يعليك، ولا عن الدنايا يجافيك.
стр. 98
جليس السوء يقف أمام همتك العالية وطموحاتك السعيدة، بل إن له تأثيراً حتى على مظهرك الخارجي فيسيء إلى سمعتك ومكانتك في المجتمع.
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
فاحذر رفيق السوء قبل أن تندم في الآخرة على مصاحبته ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. واعمل بوصية النبي ﷺ في اختيار الصحبة: «لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي». (رواه أبو داود).
стр. 99
الجليس الصالح
المرء يتأثر بجليسه، ويعرف بمجالسه، والمسلم بمفرده يضعف عن عبادة ربه، لذا لابد له من جليس يقوي عضده للسير إلى ربه. والصحبة لها شأن كبير في الإسلام، فالأنبياء بل أولوا العزم من الرسل اتخذوا لهم أصحاباً فعيسى ﵇ يقول: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. أي من يعينني في الدعوة إلى الله، ونبينا محمد ﷺ اتخذ له صاحباً في حياته قال سبحانه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. فأخبر الله بأن لنبينا صاحباً ويقول ﵊: «لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي» متفق عليه. وقد كان النبي ﷺ يزور صاحبه أبا بكر في داره في كل يوم مرتين، تقول عائشة ﵂: " لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اله طرفي النهار بكرة وعشياً". (رواه البخاري).
الجليس الصالح يحفظك في الغيب، ويظهر ودك إذا حضرت، يدنيك من ربك، يهديك للخير، يذكرك إذا نسيت، ويحضك إذا غفلت، لا تسمع منه إلا قولاً طيباً وفعلاً حسناً، فاختر في طريقك ناصحاً مخلصاً في صحبتك، يعينك إذا انثنيت، ويقوي همتك إذا ضعفت، وأكثر من مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب.
стр. 100
اجتناب المعاصي
للخطايا تأثيرات قبيحة إن أسرعت، وإن اجتمعت آذت، فشرارة ربما أحرقت بلداً، والخطايا مطوقة في أعناق الرجال، والهلاك في الإصرار عليها، وبالمعاصي تزول النعم وتحل النقم، وبالمعصية تتعسر الأمور على العاصي، فما يتوجه لأمر إلا ويجده مغلقاً دونه أو متعسراً عليه تحقيقه. والمعصية تمحق بركة العمر، والذي يفوت بارتكاب المعصية من خيري الدنيا والآخرة أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، وعقوبة الذنب تحل ولو بعد حين قال : ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
وقد أهبط إبليس من منزل العز بترك سجدة واحدة أمر بها، وأخرج آدم من الجنة بأكلة تناولها، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها، وبينما رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة.
وهكذا الذنوب تورد المهالك فكن خائفاً من ذنبك، ولا تأمن العقوبة فإن هوان الذنب على العاصي من علامة الهلاك، وكلما صغر الذنب في عين العبد عظم عند الله، فإياك ومحقرات الذنوب، فإنهن إذا اجتمعن على الرجل أهلكنه، يقول النبي ﷺ : «فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم». (رواه أحمد). والذنب يعظم ويحدق خطره إذا جاهر به العبد أو استصغره أو فرح به أو تهاون بستر الله عليه، يقول أنس بن مالك رضي
стр. 101
الله عنه: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر وإن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات" (رواه البخاري).
ولما نزل الموت بمحمد بن المنكدر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال "والله ما أبكي لذنب أعلم أني قد أتيته، ولكني أخاف أن أكون أذنبت ذنباً حسبته هيناً وهو عند الله عظيم".
والذنب لا يقتصر على ارتكاب المناهي فحسب، بل إن التقصير في أداء الواجب من جملة المآثم، قال شيخ الإسلام (١) "التوبة والاستغفار يكون من ترك الواجبات وفعل المحرمات والأول يخفى على كثير من الناس".
стр. 102
لا تضعف
قضت سنة الله أن ذوي العصيان أكثر عدداً ممن يطيع الرحمن، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] ويقول جل وعلا: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
فإذا رأيت أن أهل المعاصي هم الكثرة الغالبة، فلا يكن هذا صادًّا لك عن تمسكك بهذا الدين، وانظر إلى الحق ولا تنظر إلى العدد من الأشخاص، فالله وصف إبراهيم ﵇ بأنه أمة وهو وحده قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠].
وابن مسعود ﵁ يقول: "أنت أمة وإن كنت وحدك".
وكثرة الانحراف تدعوك لتمسك بدينك لا الضعف في التمسك به، لأن ذلك يدعوك إلى شكر نعمة الله عليك، بأن اصطفاك للهداية من بين خلقه وأضل غيرك مما يوحي إليك بتذكر هذه النعمة العظيمة والمنحة الإلهية الجليلة عليك.
وهذا مما يزيدك هداية ودعوة لغيرك، يقول الفضيل بن عياض: "لا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين ولا تستوحش من الحق لقلة السالكين".
فإذا سلكت طريق الحق، فاعلم أن الخلق يودون أنهم على الحق مثلك، ولكن الهداية لا تتحقق بالأماني، فاحمد الله أن من عليك بالاستقامة.
стр. 103
الدنيا مزرعة الآخرة
عمر الإنسان في هذه الحياة محصور، ودرجته في الآخرة مبنية على هذه الأيام التي تعيشها، فإذا قدمت لنفسك صالحاً كنت من السعداء، وإذا أهملت نفسك في هذه الحياة وفرطت في ساعاتك ندمت في الآخرة، والله ذكر أنك مرهون في الآخرة بعملك في الدنيا، قال سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. ولا تعلم متى يزورك ملك الموت، وإذا نزعت روحك، فإن أقاربك وأحبابك ومن حولك بعد دفنك في شغل في هذه الحياة وسعي في الدنيا حثيث مما يجعلهم في غفلة عن الدعاء لك بعد موتك، وهذه سنة الله في الحياة بالنسيان، فأنت مثلاً لا تدعو لوالد جدك وهو ليس بعيداً عنك مع أنه سبب في وجودك في الحياة، وسيأتي الزمان الذي ينسى أحفادك ومن دونهم الدعاء لك. فإذا تقرر ذلك عندك، وأن الناس في غفلة عنك بعد موتك، فأكثر من عمل الصالحات، واطرق كل باب خير في الدنيا لعلها تقربك عند ربك في الآخرة.
стр. 104
لا تحتقر أي عمل
لا تحتقر أي عمل صالح تعمله ولو قل في عينيك، فقد يكون سبب دخولك الجنة.
ولا تستصغر ارتكاب أي معصية تعملها فقد تكون سبباً في دخولك النار، فاطرق جميع أبواب الأعمال الصالحة فلا تدري أيها يفتح لك في الجنان، فقد دخل رجل الجنة بإزالة غصن شجرة في الطريق.
قد تلقي كلمة أو تسدي نصيحة لأحد تسعد غيرك وتسعد بها على مر الدهور، يقول ﵊: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وكل عمل صالح في الإسلام فهو عظيم فأكثر من الأعمال الصالحة المتنوعة وإن قل العمل في نوع منها «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ» (متفق عليه).
واحذر جميع طرق العصيان فلا تدري أيها تهوي بك في النيران، فبهرة دخلت امرأة النار، يقول ﵊: «دخلت امرأة النار في هرة لا هي أطعمتها وسقتها، إذ حسبتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض». (متفق عليه).
فاسلك طريق الكرم والمروءة، وحسن الخلق والبشاشة، وخدمة الآخرين، والصدق في الحديث، والوفاء بالوعد، وحسن المعاملة المالية،
стр. 105
وكل باب من أبواب الخير، يقول ابن القيم (١): "وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله أين كانت، فمدار تعبده عليها فهو لا يزال متنقلاً في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم".
стр. 106
تذكر الموت وزيارة المقابر
على العاقل أن يذكر الموت في كل يوم وليلة مراراً ذكراً يباشر به قلبه، ليقارع أطماعه، فإن في كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر، وأماناً بإذن الله من الهلع، ومصرع غيرك يريك مصرعك.
وكان النبي ﷺ يكثر من زيارة المقابر ليلاً ونهاراً، وكان إذا كان يوم عائشة يزور البقيع، تقول عائشة ﵂: "كلما كان ليلتي من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع" (رواه مسلم).
وزيارتها تشحذ الهمم إلى الآخرة وتغض الطرف عن الدنيا.
يقول ﵊: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». (رواه الترمذي وابن ماجه).
فاجعل الموت بين ناظريك تصلح أحوالك، وزر المقابر يحيى قلبك.
стр. 107
التحلي بالصدق
الصدق من أعظم الفضائل الأخلاقية، وأكرم الصفات الإنسانية، وهو أساس الإيمان، به تظهر الرفعة والهمة والعلو يتحلى به الأماثل من الرجال، ويتصف به الأوفياء من المؤمنين، فأبو بكر الصديق ﵁ لم تُعدّ عليه كذبة في حياته.
يقول مصعب بن الزبير ﵁ في وصف أبي بكر الصديق ﵁: "وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق، لأنه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ، ولازم الصدق، فلم تقع منه هنة ما، ولا وقفة في حال من الأحوال" (١) والله أمر رسوله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠].
وهو علامة على رفعة المتصف به، التحلي به يوصل العبد إلى منازل الأبرار، وإذا رأيت رجلاً صادقاً في حديثه وتعامله، فترقب علوه ورفعته وصحة همته.
يقول الجنيد: "حقيقة الصدق أن تَصدق في موطن لا يُنجيك منه إلا الكذب".
стр. 108
وإذا تحليت بالصدق فاعلم أن ذلك من منن الله العظيمة عليك.
يقول ابن القيم (١): "ما أنعم الله على عبد بعد الإسلام بنعمة أفضل من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده". ويوم القيامة لا ينجي العبد إلا الصدق قال سبحانه: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].
فلازم الصدق في قولك وفعلك لتلحق برتبة الصديقين في الجنة.
стр. 109
قبح الكذب
الكذب مفتاح النفاق وأساسه، وهو من أخص صفات الأراذل من الخلق، قال ﵊: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». (متفق عليه).
وما أخرج آدم وحواء من الجنة إلا بسبب كذب إبليس عليهما، قال عن إبليس: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١].
وقد جعل أهل العلم حاله أسوأ من حال البهائم، قال شيخ الإسلام (١): "الكاذب أسوأ حالاً من البهيمة العجماء".
وهو متضمن لفساد المعاش والمعاد، قال ابن القيم (٢): "كل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب، والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق، ولا مفاسدها ومضارها بمثل الكذب".
ولو لم يأتك من مفاسد الكذب إلا أنه يحرمك من درجة الصديقية في الآخرة لكفى به مفسدة، فإن درجة الصديقية لا ينالها كاذب البتة، فجانب الكذب في حديثك فهو يهوي بك في الرذائل، ويبعد عنك الأصحاب، ويبغض فيك الخلق، ويحذر منك في التعامل.
стр. 110
الحسد
الحسد مرض من أمراض النفس، وهو مرض غالب يقع بين النظراء، لكراهة أحدهما، أو لفضل الآخر عليه، وهو من أعظم مداخل الشيطان، وهو خصلة ذميمة من خصال اليهود، قال جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، وهو نار محرقة من بُلي به فهو في عذاب الله، يقول الشاعر:
لله در الحسد ما أعدله
يبدأ بصاحبه فيقتله
وقد قيل: أول ذنب عصي الله به ثلاثة: الحرص والكبر والحسد، فالحرص من آدم، والكبر من إبليس، والحسد من قابيل حيث قتل هابيل.
والحسد نوع من معاداة الله، فالحاسد يكره نعمة الله على عبده، وقد أحبها الله وأحب زوالها عنه، والله يكره ذلك فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهيته، وهو منافي للأخوة في الدين قال ﵊: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً». (رواه مسلم).
والحاسد كاره فضل الله على عباده، مبغوض في الخلق، محب للذات، كاره لنفع الآخرين.
قال معاوية بن أبي سفيان ﵁: "كل الناس أستطيع أن أرضيه، إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها".
قال ابن القيم (١): "الحاسد عدو نعمه ـ أي نعم الله ـ وعدو عباده،